أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعدي عباس العبد - ..... يحدث في زمن البكاء والنسيان ..















المزيد.....

..... يحدث في زمن البكاء والنسيان ..


سعدي عباس العبد

الحوار المتمدن-العدد: 4371 - 2014 / 2 / 20 - 07:09
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة __ ..... يحدث في زمن البكاء والنسيان ___

** قبل انّ اطرق الباب المغلق , سمعت صوتا مشروخا . صوت يتدفق فاترا ممدوّدا عبر النافذة الموصدة , كان السكون مخيّما , شاملا في الخارج , لا يعكّر جريانه سوى ذلك الصوت , فجعلت انصت متوجسا لتلك النبرة المحشرجة وهي تتصاعد كما لو تتدفق من داخل برميل مغلق بسدود من الغبار !! .. لم يمرّ وقت طويل لما تناهى لسمعي , صوت الباب وهو يصر صريرا واهنا اقرب ما يكون إلى أنين خافت مشوب بسعال , السعال الذي جعل يتصاعد هو الآخر واهنا مع اطلالة المرأة . وحالما لاح ليّ وجهها المجعّد , المكسو بتلك التغضّنات الرقيقة الطريّة .. تملكني الخوف والذهول , فهجست بما يشبه العواء الرفيع يتدفق من بدني ! . مرّ وقت مهوّل قبل انّ تفرج المرأة او أمّي المزعومة شفتيّها ليخرج من فمّها الملّموم كشق متيبّس في جدار مخدّد , زفير حار محشو بجهشات لاذعة تعزّز من قوّة البكاء .. ابان نور النهار المندلق عبر الباب الذي بقي مشرعا , عن موجودات الحجرة الغامضة , كما ابان عن ملامح امّي المزعومة على نحو اشد سطوعا ووضوحا .. فهالني مارأيت , رأيت انفا ضخما مدبّبا معقوفا مغروزا وسط مساحة هشّة من الرقائق او التجاعيد , لم اتبيّنه قبل الآن .. متى نما هذا الانف المهول ! ؟ .. ومتى غزت الشيخوخة بدن المرأة او امّي وكيف .. ؟ ذلك البدن الذي كان موّارا معافى . فما زال الوقت مبكّرا لحلول طلائع الشيخوخة . فساورني الشك , فجعلت ابحث في ذاكرتي عبر سنين من الظلام ! عن وجه امّي , فلم ارَ عبر كل تلك السنين التي مرّت تحفر في ذاكرتي , سوى ملامح غامضة تلوح عبر مديّات مشوّشة من السنوات . سنوات تشق لها مسارا وعرا في ذاكرتي , مسار نحو المرأة التي لما تزل تبحلق ذاهلة . كما لو انها ترى الى مخلوق مشوّه غريب , فبانت على وجهها امارات الدهشة , كان فمّها مفتوحا كاشفا عن اسنان تالفة , فخيّل ليّ انها تفرش ابتسامة فاترة على شفتيها الرخوتين الطاعنتين بالضمور ! .. حين اومأت ليّ بيدهاالرخوة ان استريح , بدت ليّ وهي تفعل ذلك كأنها امّي تماما ! فايقنت في تلك اللحظة العصيبة , المشحونة , المفعمة بالتوجسات , انّ ثمة اخطاء عويصة حدثت لم املك سبر اغوارها او تفكيّهها , اخطاء كأنها جزء حميم من قدرّنا .. كنت ما ازال ابحث عن سيمائي او علامتي , لعلها مطبوعة او متوارية في زحام الغضون , غضون المرأة الكثيفة ! ,عندما وثّب طيف امّي القديم إلى ذهني . ذلك الطيف البعيد الذي لم اره منذ ثلاثين عاما ! .. فوجدتني ابحث عن امّي المتخفّية في شيخوخة إمرأة تدبّ على حافّة من الرقائق الجلّدية والنسيان .. افقّت من شرودي حالما تدفق صوتها المبّحوح مبدّدا الصمت والذكرى , ولما رفت عينيّ , لاحت ليّ غشاوة من الذعر مسدولة على وجهها , فشعرت اني اتخبّط في غابة كثيفة من القلق والنسيان ! , فلم اعدّ اتذكّر اين ومتى رأيت هذهِ المرأة ! ؟ او متى سمعت هذا الصوت المشروخ يهتف بي ؟ لم تعدّ تسعفني الذاكرة الغارقة في مجرى عكّر من النسيان ! . مكّثت المرأة تتدفق بالكلام , الكلام الذي كأنه ينبجس من غور خفّي ! , ويأتي من الخارج عبر الباب الذي لما يزل مشرعا . جعلت امرّر عينيّ على يدّها اليمين الرخوة الممدودة الى انفها تتحسسه برفق وهي تطلق سعالا وانا كنت ارى اليها مسمّرا لا ابدي حراكا كما لو اني تمثال منحوت بازميل من الدهشة , احدّق دهشا إلى سعة انفّها والى شفّتيها الملّمومتين والى رأسها الملفوف بوشاح اسود رث , باطّراف متهدّلة نال منها البلى والى كتّفيها المقوّسين . في تلك اللحظة المشحونة بالسعال والحياد والذهول , هبّت عاصفة مشوّشة من اصوات متداخلة اقرب ما تكون إلى عواء جراء ! وعلى غير توقع اقتحمت الغرفة جوقة من اولاد عبر منفذ معتم اقرب ما يكون الى كوة تشطر اقصى الغرفة , كوّة تبرز من جدار .. جعلوا يتواثبون في فضاء الغرفة وهم يحومون على مقربة من المرأة , متحلّقين في دائرة مغلقة . فيما شرعت المرأة تستدير كسلحفات بكلّ ما اوتيت من خمول وبكاء وخواء كجندي حفرت الشظايا عميقا في قدّميه حوّل نفسها .. ذهلت لكثافة الاوساخ العالقة في وجوه الاولاد والتي بدت كأنها جزء حميم من ملامحهم ! , كان سعال المرأة قد امسك عن التدفق تماما .. ولا ادري لماذا شعرت برغبة للبكاء عندما لمحت الاولاد يفرّون على اثر صرخة ساخطة اطلقتها العجوز في وجوههم.. جروا ناحية الكوّة وهم يجهشون في بكاء موحّد متناغم في تصاعده كما لو يتدفق من ولد واحد , فيما بقيت المرأة مداومة على إطلاق المزيد من الشتائم والصراخ الناقم وهي تمسح على عينيّها الغاطستين وسط مساحة ليّنة من التجاعيد , كما لو انها تمسح غبار احزانها وشيخوختها ونسيانها . كانت وهي تفعل ذلك تمد ّ يديّها لأعلى في اوقات متقاربة , كما لو انها تطلب المعونة من السماء , السماء المحايدة الصماء , فيما كان الاولاد يراقبون من اقصى الغرفة الواسعة , عبر الكوة , مايحدث او ماكانت تفعله المرأة , يراقبون وهم ما زالوا متوحدين في بكاؤهم , الذي صار كأنه يأتي من بعيد , من عزلة شاحبة ,.. كانت اصوات القذائف قد شرعت تتصاعد في فضاء الخارج , فطغت على البكاء والصراخ ..فعادت المرأة تحملق في وجهي بمزيد من الدهشة وبمزيد من الرعب الذي كسا ملامحها , فايقظ الرعب في نظراتها , ذكرياتي من سباتها او سهوها ! او غفلتها ..فهبّت رياح ذكرى عبر فضاء تلك الايام الموغلة في الجفاء , فاطاحت بتيّجان من النسيان كانت متربّعة على عرش ذاكرتي ! التي امسكت على الفور بآثار تلك الايام الغاربة التي لما تزل عالقة في لمعان نظراتها .. نظراتها التي احالتني على نحو غامض الى تلك الايام الغافية على وسادة من الطفولة والماضي الصعب , الماضي المتلامع في نظراتها .. لا ادري كم من الوقت __ الوقت الذي افرج عن تلك الطفولة من الاحتجاب __ مرّ على آخر ومضة شعّت من عينيّها .. ولكني ما زلت اتذكّر قبل انّ اغادر صوب المرافىء البعيدة , اتذكّر ايام المرأة او امّي .. بيد انها لم تكن في تلك الايام على هذا القدر من الرعب واليأس والتشّويه الذي نال من هيئتها وامحى علامتها الفارقة . كما مازلت اتذكّر اختي التؤم . ولكن ما كان يدهشني هو وجود الاولاد من اي امرأة انحدورا وكيف نموا على مستوى واحد من الجنون والتشّويه __ اغلب الظن انهم يعودوا لأختي التؤم في ملامحهم وجنونهم ! __ التشيّويه الذي يشابه علامات المدينة الممعنة في الخراب .. المدينة المتأرجحة على على حافة من الاحتضار... لمست ذلك الاحتضار وانا في طريقي للبحث عن بيتنا , ابان مسيرتي الحافلة بالمكابدات والخوف , المسيرة التي كانت تطالعني عبرها الشوارع , الشوارع التي باتت بلا علامات فارقة والموغلة بعيدا في التشّويه . الشوارع التي راح يحفر فيها الامحاء عميقا . الشوارع التي يسودها الصمت والخوف وهي ساهية تغط في مجرى من الخراب . خراب مهوّل يتفشى في الجدران والابواب الموصد والنوافذ المغلقة بحواجز من اكياس معبأة بالتراب ومغلقة بمعادن تالفة .. لم ارَ احدا طوال مسيرتي العسيرة المحفوفة بالصمت والرعب , كنت اطوي المسافات ذاهلا , مرتعدا , تقودني جادّات مقفرة , معبّدة بآثار قصف وحطام .. لم اسمع غير دوي قذائف يأتي عبر مديّات يلفّها البعد والخوف , دوي يتصاعد في اوقات تكاد تكون متقاربة ... فايقنت بما لايقبل اي التباس انّ هناك حربا قائمة ..___ لا ادري لعلها حربنا الاوّلى لم تزل قائمة او نهضت من خرابها لتستأنف خرابها !! ___ , طاحنة تدور رحاها في اقصى المدينة , .. مازالت المرأة تتطلع ليّ , كأنه تبحث في ملامحي عن طفل اضاعته في وقت ما , وقت عاصف بفيضان من الدم والرصاص .. فتحقّقت على نحو غامض , انّ تلك المرأة الواقفة على مقربة خطوة مني والفاصل بيني وبينها حاجز طويل من السنين والغربة , كانت امّي , اميّ في وقت ما , شديد الود والألفة , في تلك اللحظة احسست بالدموع تنهمر من عينيّ . فيتراءى ليّ في عتمة الذاكرة طيفها القديم وصدى صوتها فشعرت برغبة موّارة لركوع عند قدميّها __ هل كان لديّها قدمان !! __ .. كانت رغبة جامحة تكاد تقذفني خارج مدار اللحظة , خارج فضاء الماضي , خارج الذكريات , خارج فضاء الغرفة !! , فوجدتني استغرق في بكاء محموم , فيما راحت المرأة او امّي تربت على كتفي برفق كما لو تخوض معي في مجرى عكر من الذكرى , فشعرت بنبرة صوتها تغالب نشيجا فاترا مشوبا بسعال رفيع واه ... لا اتذكّر متى قالت ليّ وهي تطبق كفها على يدي __ : كانك ولدي .. الذي افتقده على الدوام ..كم تشّبهه او كم يشبهك .. لم اتذكّر بماذا اجبتها . كان القصف يشتد في تلك اللحظة .. حتى بات على مرمى خطوات من باب الغرفة المفتوح , فتلاشى الكلام في هبوب الريح والقصف ورفيف الشظايا التي راحت تحفر في الجدران والنوافذ , فوجدتني ابحث خلال ذاكرتي , ابحث بكامل خوفي وحنيني ولهفتي وباعلى صمتي , عن خيط رفيع , محض خيط يصلني بامومة افتقدتها قبل سنين عديدة خلت , امومة لم تزل تشع من بعيد , عبر مسافات نائية , تومض كإشارات مضيئة في مرافىء ذاكرتي , فرأيتني اخرج من مدار سكوتي الذي كان مخيّما تحت حمى القصف . اخرج بكامل ذلك الطفل الذي كنته وهو يرفل باسمال الحرمان , فاطلق هتافا متخما بأنين الغربة ورائحة الماضي .. فيما كانت المرأة ترى أليّ دهشة . ترمقني ذاهلة وفمّها مفتوح على آخره , كاشفا عن تلك الاسنان التالفة .. ثم رأيت يدها تمتد عبر حاجز من فراغ احدثه القصف إلى رأسي تتحسس ذلك الطفل القديم الذي كنته .. في تلك اللحظة المحمولة على زمن ما . زمن من البكاء والقصف , لمحت بريقا حادا يتموج في عينيها . بريق جدّ شديد اللمعان . فبرقت في ذاكرتي على الفور تلك النظرات اللامعة القديمة التي غمرت طفولتي بتلك الإضاءات الشديدة التوهج والتي شعتّ في عتمة الذاكرة .. وقبل انّ تنوش يدي يدها , ارتجّت جدران الغرفة رجّات متصلة كما لو انها كانت ترتجّ منذ ثلاثين عاما / انتهت /





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,636,659,216
- عزف على وتر الخراب
- نوافذ الأباء والنساء
- دهشة
- منزل عند الضاحية البعيدة من الوجود */ قصة قصيرة
- نهارات سود
- شرخ في جدار الذاكرة
- تحت سماء محايدة
- الطفولة ليست بريئة دائما
- كلهم سيهربون
- نزوح صوب مرافىء الجوع والتيه


المزيد.....




- المراكشي.. رحلة 60 عاما في خدمة الكتاب تنتهي بدار المسنين
- فنانة مغربية: الجوائز ليست التقييم الوحيد… وتفاعل الجمهور جا ...
- الحموشي يجري مباحثات مع وزير الخارجية الأمريكي بومبيو
- الأحرار ينتقد رفض مستشاري البيجيدي التصويت على بعض بنود قانو ...
- حقيقة مشاركة كاظم الساهر في تظاهرات العراق
- الفنانة ناهد السباعي: أصدقاء الراحل هيثم أحمد زكي يفتتحون مس ...
- منتجان مغربيان: نسعى لتقديم تجارب سينمائية بتقنيات عالمية… و ...
- المغرب والولايات المتحدة يعطيان زخما جديدا لعلاقات الصداقة و ...
- وفاة مدير الديوان الملكي الأسبق بدر الدين السنوسي
- بنشعبون للمستشارين: سنتخذ كافة الإجراءات التي تضمن التنفيذ ا ...


المزيد.....

- الفصول الأربعة / صلاح الدين محسن
- عرائش الياسمين / ليندا احمد سليمان
- ديوان الشيطان الصوفي / السعيد عبدالغني
- ديوان الذى حوى / السعيد عبدالغني
- مناجاة الاقلام / نجوة علي حسيني
- المراسيم الملكية إعلان الاستقلال البيان الملكي / أفنان القاسم
- في الأرض المسرة / آرام كربيت
- الخطاب الأيديولوجي في رواية سيرة بني بلوط / رياض كامل
- كيفما كنا فنحن ألوف المشاكل... / محمد الحنفي
- ديوان وجدانيات الكفر / السعيد عبدالغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعدي عباس العبد - ..... يحدث في زمن البكاء والنسيان ..