أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج حداد - حزّورة الوفاق الوطني اللبناني ...















المزيد.....


حزّورة الوفاق الوطني اللبناني ...


جورج حداد

الحوار المتمدن-العدد: 4366 - 2014 / 2 / 15 - 13:33
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ حوالى السنة والرئيس المكلف تمام سلام يحاول عبثا تشكيل وزارة جديدة في لبنان لتحل محل وزارة تصريف الاعمال (المستقيلة) للرئيس نجيب ميقاتي.
ومن الملفت للانتباه انه ليس هناك طرف رئيسي، لا في مؤسسات الدولة اللبنانية، ولا في "المعسكرات" السياسية المختلفة والمتنازعة في لبنان، يعارض تشكيل الحكومة الجديدة، او يعارض تمام سلام شخصيا. بل على العكس، ان الجميع يتسابقون في اظهار تأييدهم لتشكيل الوزارة الجديدة ومن قبل تمام سلام بالتحديد.
كما ان الدوائر السياسية الخارجية، ذات النفوذ والتأثير الخاص في الشأن اللبناني، وعلى رأسها السفارتان الاميركية والسعودية، لا تعارض، في الظاهر على الاقل، تشكيل الوزارة في لبنان.
وليس هناك مشكلة في نوع الوزارة (وزارة تكنوقراط او سياسيين، أقطاب او شخصيات عادية؟)، ولا في توزيع الحصص، ولا في توزيع الوزارات "السيادية" الخ. فإذا كانت كل شروط ما يسمى "الوفاق الوطني" هي متوفرة، فأين هي المشكلة التي تعترض تشكيل الوزارة اللبنانية العتيدة؟
يتبين من ذلك بوضوح ان المشكلة في لبنان لم تعد في السياسة الجارية، اي لم تعد في "الوفاق الوطني" (الطائفي)، او في انتماء او صلاحيات رئيس الجمهورية، او في تشكيلة الحكومة، او في تركيبة مجلس النواب، او في المعارضة والموالاة الخ. بل صارت المشكلة تتعلق بالكيان اللبناني ذاته. اي بوجود لبنان كدولة. وطبيعة هذه الدولة. وامكانية استمرارها. وكيف؟
ولعله من تكرار المكرر القول ان "الكيان اللبناني"، الذي أنشاه الجنرال الفرنسي غورو، على قاعدة تقسيمات اتفاقية "سايكس ـ بيكو"، لم يكن يوما مقنعا تماما لأي من مكوناته الطائفية. حيث ان كل طرف كان يطمح دوما الى "تحميل" هذا "الوعاء السياسي" الهجين، بالمحتوى الذي يعبر عن قناعاته ومصالحه. وقد ارتضى المسلمون والمسيحيون، بمختلف فئاتهم ومذاهبهم، هذا الكيان كأمر واقع مفروض عليهم دوليا واقليميا. وكانت دائما تتنازع هذ الكيان ثلاثة اتجاهات:
الاول ـ اتجاه دولوي، براغماتي ـ سياسي "لاقومي"، يقوم على عنصرين: أ ـ القبول بالكيان اللبناني، استنادا الى مرتكزي "الجغرافيا" و"المواطنية". ب ـ العمل لتطوير الكيان "دمقراطيا"، سياسيا واقتصاديا وثقافيا، من داخله، كصيغة للتعايش والتفاعل الايجابي بين الاديان والمذاهب ومختلف العائلات الروحية والتيارات الفكرية والسياسية. وهذا الاتجاه منتشر في كل الطوائف، وحاز دعم الفاتيكان ذاته، الذي اعتبر لبنان "رسالة الى العالم"، الا انه ظل يمثل قشرة سطحية، لا سيما بين المثقفين والفئات المتنورة، لانه ـ باستثناء الوضعية الدرزية في حالتها "الجنبلاطية" ـ لم يتماه مع المؤسسات الطائفية التي يستند اليها "الوفاق الوطني".
الثاني ـ اتجاه قومي عربي (و"سوري" من ضمنه والى جانبه)، ينظر الى لبنان كجزء من الامة العربية، او "الامة السورية"، ويعمل لربطه بالقضايا القومية، وفي طليعتها قضية فلسطين والصراع مع اسرائيل. والقاعدة الشعبية الاساسية لهذا الاتجاه هي اسلامية.
والثالث ـ اتجاه "قومي لبناني"، يؤمن بلاعروبة لبنان، وبوجود "الامة اللبنانية"، المتميزة عن الامة العربية. والقاعدة الشعبية الاساسية لهذا الاتجاه هي مسيحية وخاصة مارونية.
و"الوفاق الوطني" اللبناني انما قام على التوازن بين هذه الاتجاهات. واي خلل في هذا التوازن كان ولا يزال يهدد كيان الدولة اللبنانية واستقلالها الشكلي ذاته.
وعلى اساس هذا "الوفاق الوطني" قامت "صفقة" المحاصصة الطائفية اللبنانية في 1943، على قاعدة 6/6 مكرر مع ارجحية مسيحية، وتحديدا مارونية، في مقابل القبول بلبنان "ذي وجه عربي" وانتمائه الى اسرة الدول العربية، والتخلي عن طلب الحماية الاجنبية، الاوروبية والغربية. وقد تجسدت هذه الارجحية المسيحية ـ المارونية في ما سمي لاحقا "الامتيازات".
واثناء معركة الاستقلال والتحرر من الانتداب الفرنسي، نجحت معادلة "الوفاق الوطني" في جمع كلمة اللبنانيين، المسيحيين والمسلمين والعلمانيين، لانتزاع الاستقلال في تشرين الثاني 1943، وللإقلاع بالدولة اللبنانية "المستقلة"، بدون "العراب" الفرنسي.
XXX
وفي نظرة سطحية للامور يمكن الاستنتاج ان الاتجاه الثالث، اي "القومي اللبناني"، الذي يرفع دائما شعار "السيادة اللبنانية"، كان هو الاحرص، قولا وعملا، على الكيان التوافقي للبنان واستقلال الدولة اللبنانية.
ولكن الوقائع التاريخية، ماضيا وحاضرا، تقول لنا غير ذلك:
فبعد جلاء الفرنسيين، ولا سيما بعد الحرب العربية ـ الاسرائيلية الاولى في 48 ـ 1949، وتكريس وجود اسرائيل، بدأ "الوفاق الوطني" اللبناني يتعرض لنكسات خطيرة، هددت بشكل دوري الكيان اللبناني ذاته، على ايدي اصحاب الاتجاه الثالث، "القومي اللبناني" تحديدا.
كيف حدث هذا الخلل، الذي جعل الاتجاه "القومي اللبناني" يضطلع بدور المدماك الضعيف، المزعزَع والمزعزِع، الذي يهدد الكيان اللبناني بالانهيار؟
طبعا ان هناك توجهات سياسية ـ طائفية سلبية، معادية للعروبة والاسلام، كانت ولا تزال تحكم التوجهات والممارسات السياسية المنحرفة لهذا او ذاك من اطراف الاتجاه "القومي اللبناني". وقد تعززت هذه التوجهات بشكل خاص، بعد نشوء اسرائيل، التي اقامت اتصالات "سرية" مباشرة مع "الطائفيين المسيحيين = القوميين اللبنانيين". ويقال ان اول نائب كتائبي في البرلمان اللبناني، وهو المرحوم جوزف شادر، قد نجح في الانتخابات النيابية سنة 1953 بالاموال الاسرائيلية والاصوات اليهودية، قبل الهجرة المكثفة لليهود اللبنانيين الى خارج لبنان، وخاصة الى اسرائيل. الا ان هذه السلبيات، "الخارجية" و"الذاتية" اذا صح التعبير، لم يكن بالامكان ان تفعل فعلها، كما فعلت، لو لم يكن هناك خلل موضوعي، تكويني، في "الوفاق الوطني" ذاته. ونشير هنا الى وجهين رئيسيين لهذا الخلل:
"التمييز الكياني"
الخلل الاول، يتمثل في التمييز الكياني بين اللبنانيين، الناشئ عن الالتباس الشكلي بين التسمية "اللبنانية" للدولة، وبين "الخصوصية اللبنانية"، او "القومية اللبنانية" المتخيلة او المفترضة، التي ينادي بها قسم من المسيحيين، عن "حسن نية" بالنسبة للبعض و"سوء نية" وغرض بالنسبة للبعض الاخر. (وعلى قياس هذا الالتباس، هناك الالتباس الاخر بين تسمية الدولة السورية، وتسمية "الامة السورية" و"القومية السورية" التي كان يؤمن بها الزعيم انطون سعادة، وهو الالتباس الذي جعل سعادة يدفع حياته ثمنا له، حينما "احتمى" بـ"سوريا" الدولة، والذي يقع ضحيته اليوم الحزب الذي أنشأه، اي الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي يضحي بكل رصيده في سيره في ذيل نظام الدولة السورية، ايمانا منه بـ"الامة السورية"، التي هي شيء آخر تماما، بل ومناقض تماما للنظام السوري القائم). وهذا الالتباس الكياني ـ "القومي"، المسيحي ـ اللبناني، هو الذي جعل الشيخ بيار الجميل، مؤسس حزب الكتائب اللبنانية، يعتبر نفسه "ام الصبي" ويردد دائما شعاره المحبب "لبنان لنا!". والنتيجة المنطقية لذلك كانت: تحويل التنوع او "التمايز الطائفي" في لبنان، الى "تمييز وطني" بين "فئتين" من اللبنانيين: "لبنانيون ـ لبنانيون"، هم المسيحيون الذين يمثلهم حزب الكتائب وامثاله وتفريخاته، و"لبنانيون ـ طارئون" او "مستوردون" او الخ، هم المسلمون الذين تمثلهم "شر تمثيل!" الاحزاب والتيارات العلمانية واليسارية والقومية العربية والاسلامية الخ. و"أشر" فئة في هذا "التمييز الوطني"، او التقسيم "الكياني" للبنانيين، هم المسيحيون الوطنيون، العلمانيون واليساريون والقوميون العروبيون و"القوميون السوريون"، الذين هم، من جهة، غير "مسلمين"، وبالتالي لا يدخلون، من وجهة النظر "الاسلامية"، في صفقة "المحاصصة الطائفية" التي يقوم عليها "الكيان"، ومن جهة ثانية، يعتبرون "لبنانيين ـ خونة" في نظر حزب الكتائب واضرابه من المسيحيين "القوميين اللبنانيين".
و"الامتيازات المسيحية"
وبناء على هذا الخلل الاول، يقوم الخلل الثاني وهو: ان "الوفاق الوطني" الطائفي، الذي سمي في 1943 "الميثاق الوطني" غير المكتوب، والقائم على العرف، أقر إعطاء "اولوية" للمسيحيين، ولا سيما الموارنة، في الدولة الكيانية اللبنانية المستجدة، من اجل تطمين المسيحيين على المستقبل، وتشجيعهم على القبول بالشراكة الوطنية، وكتعويض تاريخي مرحلي عن الاجحاف والاضطهاد والمذابح والمجاعة، التي تعرض لها المسيحيون في العهود الاستبدادية السابقة، المحسوبة على "الاسلام!"، وبالاخص العهد العثماني الاسود. وقد اثبتت التجربة التاريخية ان الطائفيين "المسيحيين" أساؤوا ايما اساءة استخدام هذه "الاولوية" التي اعطيت لهم، واصبحوا هم، بسبب هذه الاولوية، يشكلون الخطر الاساسي على الكيان اللبناني. فقد تجسدت هذه الاولوية في ما سمي "الامتيازات"، واهمها حصر مركز رئاسة الجمهورية في مسيحي ـ ماروني، تتمحور حوله سياسة الدولة. وانطلاقا من هذا الطابع "الكياني" الاول لمركز رئاسة الجمهورية، فإن اصحاب هذا المركز ـ كقاعدة ـ عملوا على تجاوز قيمته الدستورية، ليتخذ طابعا "كيانيا ـ قوميا" شبه مقدس، اشبه شيء بالمركز الملكي او شبه الملكي. وبالاستناد الى هذا التماهي "الكياني"، لمركز رئاسة الجمهورية، مع الوهم "القومي اللبناني"، فإن حزب الكتائب "اللبناني!" صار يعتبر نفسه دائما "ابا الشرعية" في لبنان، ووصيا على هذه الشرعية، حتى ضد اصحابها احيانا، وبالتأكيد ضد "اللبنانيين الاخرين"، اي بالاخص المسلمين.
ان هذه "الدالة المسيحية" على الكيان اللبناني، وما تجسدت به من "امتيازات"، حوّل الامتيازات، ومنافعها، الى "قاعدة مادية" وسياسية للانحراف الطائفي المسيحي، المتستر بـ"القومية اللبنانية"، التي كانت احيانا كثيرة، ولا سيما خلال الحرب اللبنانية، تختزل الى "المجتمع المسيحي" و"القومية المسيحية"، المعادية في وقت واحد للعروبة، التي اعتبرت عاملا "خارجيا"، ولـ"المسلمين" اللبنانيين، الذين اعتبروا "جالية" "غير لبنانية". وهذا ما دفع الوطنيين اللبنانيين، العروبيين، ومعهم الغالبية الساحقة من المسلمين اللبنانيين، لاطلاق تهمة "الانعزالية" على اصحاب التوجهات الملتبسة "المسيحية = القومية" اللبنانية.
XXX
بعد هذه النظرة السريعة الى بعض وجوه الخلل "الكياني" في آلية "الوفاق الوطني" اللبناني، لننظر كيف انعكس ذلك على ارض الواقع، وكيف اصبح اصحاب "القومية اللبنانية" من الطائفيين المسيحيين، اصحاب "الشرعية" ودعاة "السيادة"، اصحاب "التمييز الوطني" الكياني و"الامتيازات المسيحية" الكيانية، هم انفسهم مصدر الخطر الداخلي الاساسي على الكيان وعلى "الوفاق الوطني" اللبناني:
1 ـ لا بد اولا من النظر الى كيف تعامل اصحاب "الامتيازات" مع مركز رئاسة الجمهورية الذي اعطي لهم طوعا من قبل المسلمين: كان ولا يزال من المفترض ان يستخدم هذا المركز، ولا سيما من قبل المسيحيين، كمركز "لبناني"، لتعزيز "الوطنية اللبنانية"، بصرف النظر عن المدلول القومي الذي يعطيه كل طرف للوطنية. ولكن الذي حدث، للاسف، هو العكس. اي ان "المسيحيين" (بالمفهوم الطائفي السياسي لا الايماني والديني) قد مارسوا ـ بشكل عام ـ هذا المركز بعقلية "اسلامية!" تماما (نسبة الى انظمة الحكم "الاسلامية!" التي كانت سائدة في الماضي، والتي كانت تجعل الحاكم او السلطان، حاكما مطلق الصلاحية، كما كانت تتعامل مع كافة المواطنين كرعايا، ومع غير المسلمين كـ"اهل ذمة" ومواطنين درجة تاسعة وعاشرة). فباستثناء المرحوم الرئيس الياس سركيس، الذي جيء به اصلا كرئيس "تسوية" انتقالي، وباستثناء الرئيس اميل لحود الذي شذ عن القاعدة ودعم المقاومة ضد اسرائيل، فإن غالبية رؤساء الجمهورية اللبنانيين "المسيحيين"، بدءا من "أبي الاستقلال" الرئيس بشارة الخوري، تصرفوا كملوك غير متوجين، وسعوا الى التجديد او التمديد، وتميزت عهودهم باستغلال السلطة والفساد، ومعاملة المواطنين كرعايا، والمسلمين كـ"أهل ذمة" ومواطنين درجة رابعة وخامسة. ويكفي ان نشير بشكل خاص، كمثال نموذجي، الى عهد الشيخ امين الجميل، ابن الشيخ بيار الجميل ومدرسة "الكتائب" التي كانت تكاد تحتكر الكيانية اللبنانية: فبالرغم من ان عهد امين الجميل تزامن مع احدى المراحل الاكثر مأساوية في تاريخ لبنان الحديث، بوجود الاحتلال الاسرائيلي والنظام الدكتاتوري السوري "الشقيق جدا"، فقد تميز هذا العهد، اولا، بمستويات لا سابق لها من الفساد، حيث ـ وحسب جريدة "السفير" وغيرها من الصحف اللبنانية ـ خرج الشيخ امين من مركز رئاسة الجمهورية بحصيلة "اتعاب" تقدر بمليارات الدولارات. وثانيا، فإن فخامته تصرف وكأنه باق في قصر بعبدا الى ما لانهاية. وعمل المستحيل لتعطيل عملية الانتقال الدستوري للعهد. وحينما ادرك استحالة التجديد او التمديد لعهده الميمون عمد، حرفيا في ربع الساعة الاخيرة، لنقل السلطة الى حكومة عسكرية برئاسة الجنرال ميشال عون، وحمل ارصدته وحقائبه وذهب الى اميركا، ينتظر ان يعود، طبعا حاملا "غصن زيتون" كحمامة نوح، ليرث حكم لبنان بعد خرابه التام.
2 ـ ان "الشراكة الوطنية"، المنبثقة عن "الوفاق الوطني"، كانت تفترض بمن يعتبرون انفسهم الاوصياء على "الكيان اللبناني"، ان يراعوا الاتجاهات السياسية والقومية العروبية لـ"شركاء الكيان"، على الاقل كرد تحية للمراعاة التي ابداها أولئك "الشركاء" في منح المسيحيين مركز الصدارة في "الكيان اللبناني". ولكن الذي حدث على ارض الواقع هو العكس، اي ان "الكيانيين اللبنانيين"، في السلطة وخارجها، استغلوا مكانتهم "المميزة" في النظام الطائفي اللبناني:
اولا، لتهميش واضطهاد وملاحقة التيارات السياسية الوطنية والتقدمية واليسارية، العروبية و"القومية السورية". وقد تبدى ذلك بشكل خاص في المعاملة اللاانسانية المزرية للاجئين الفلسطينيين، التي كانت تتناقض ليس فقط مع مبادئ الاخوة العربية، بل ومع ابسط مبادئ حقوق الانسان و"شرعة حقوق الانسان" التي كان لبنان من المشاركين الاساسيين في صياغتها ومن اوائل الموقعين عليها.
ثانيا ـ نظريا، كان من المفروض بأصحاب اتجاه "القومية اللبنانية"، المتاجرين بشعارات "السيادة" و"الاستقلال"، ان يكونوا ابعد الاطراف اللبنانية عن الاستقواء بـ"الخارج"، خاصة ضد "شركاء الكيان" ـ الطرف الاخر في معادلة "الوفاق الوطني"، اي المسلمين خصوصا والوطنيين والعروبيين عموما. ولكن الوقائع تقول العكس تماما. واليكم بعضها:
أ ـ بالرغم من ان الرئيس الاسبق كميل شمعون جاء الى الرئاسة في اعقاب الانتفاضة الشعبية السلمية ضد عهد بشارة الخوري، حاصلا على دعم "اسلامي" وعربي واسع النطاق، فإنه ـ وفور تسلمه السلطة ـ اتجه الى ضرب الاستقلال والحياد الدولي للبنان، والى تحويله الى قاعدة عسكرية اميركية ـ بريطانية، معادية لحركة التحرر الوطني العربية، ولضم لبنان للحلف التركي ـ الباكستاني، الذي تحول فيما بعد الى ما كان يسمى "حلف بغداد". وبهذه السياسة المنحازة والرعناء وجه عهد كميل شمعون طعنة نجلاء الى منطوق "الوفاق الوطني". وقد قرن هذه السياسة اللامتوازنة برغبته الجامحة بالتجديد لولايته، مشعلا بذلك فتيل الثورة الشعبية سنة 1958. وبعد قيام ثورة 14 تموز ضد الملكية والاحتلال البريطاني في العراق، لم يتورع عهد كميل شمعون عن استقدام الاسطول السادس الاميركي الى لبنان.
ب ـ بالرغم من التسوية التي تمت حينذاك، ومجيء عهد اللواء فؤاد شهاب برضى الجميع ظاهريا على الاقل، فإن حزب الكتائب لم يلق السلاح، وتابع تدريباته وتنظيماته العسكرية وشبه العسكرية، وعلاقاته السرية الخارجية. وحين اندلاع حرب الايام الستة، نزل المسلحون الكتائب الى الشوارع في صبيحة 5 حزيران 1967، للوقوف بوجه اي تحرك جماهيري وطني في لبنان، فيما لو صمدت الجبهات العربية. ولتبرير هذا الظهور الكتائبي المسلح المفاجئ، صرح الشيخ بيار الجميل مساء ذلك اليوم بالقول إن هناك الاف الشباب الكتائبيين هم مستعدون لدعم القضية الفلسطينية (!!؟؟). وهذا يعني ان الكتائب كانوا يستعدون للحرب الى جانب اسرائيل منذ احداث 1958، على الاقل. وطبعا ان الكتائب، والاحرار، وحراس الارز، وجيش لبنان الجنوبي وما اشبه، ترجموا لاحقا "دعمهم" للقضية الفلسطينية، بتخريب لبنان وذبح الفلسطينيين والوطنيين والمسلمين، والتعامل واسع النطاق وعلى مختلف المستويات وبمختلف الحقول، مع اسرائيل.
ج ـ ان قوات النظام السوري ذاتها انما دخلت لبنان تحت الشعار الكاذب الا وهو "حماية المسيحيين"، والذي كان يعني حماية الطابور الخامس الاميركي ـ الاسرائيلي الذي كانت ولا تزال تمثله الاطراف "الانعزالية" في لبنان. وما كان يسمى "الجبهة اللبنانية"، بأبرز اعضائها الشيخ بيار الجميل وكميل شمعون، هي التي ـ بنصيحة اميركية او بدونها ـ وافقت على استدعاء النظام السوري الى لبنان. وفي صبيحة مجزرة "السبت الاسود" في كانون الاول 1976، كان الشيخ بيار الجميل في دمشق للقاء الرئيس حافظ الاسد وطلب "المساعدة"، مما يؤكد ان المجزرة كانت مسرحية مؤامرة مدبرة لتبرير التدخل السوري في لبنان. وبعد ان تحقق للانعزاليين ـ بمشاركة او برعاية النظام السوري ـ التصفية الدموية للمخيمات الفلسطينية في تل الزعتر وجسر الباشا والضبية والاحياء اللبنانية ذات الاغلبية الاسلامية في النبعة وبرج حمود والمسلخ والكرنتينا، والتخلص من المعلم كمال جنبلاط و"تغييب" الامام موسى الصدر، اتجهوا الى الاستغناء عن خدمات النظام السوري والاشتباك معه في 1978، عامدين الى استدعاء الاحتلال الاسرائيلي في السنة ذاتها، ثم في سنة 1982.
د ـ جاء "الرئيس المنتخب" بشير الجميل الى مركز رئاسة الجمهورية، على متن دبابات الاحتلال الاسرائيلية.
هـ ـ شارك الانعزاليون (الطائفيون المسيحيون = القوميون اللبنانيون) علنا في مجزرة صبرا وشاتيلا (الحرس الخاص لبشير الجميل برئاسة ايلي حبيقة، جماعة سعد حداد، عصابة اتيان صقر "ابو ارز" المسماة "حراس الارز"). ولا يغير في هذه الحقيقة شيئا، بل يؤكدها، ان ايلي حبيقة (الذي لقب لاحقا "ابو علي") قد نال غطاء سوريا واصبح وزيرا في الدولة الامنية اللبنانية التي كانت تديرها المخابرات السورية.
و ـ حاول عهد امين الجميل فرض اتفاق 17 ايار على لبنان. وفي هذا العهد المشؤوم تم "اصطياد" واختفاء الاف المناضلين والشباب الوطنيين في "الغربية"، بالتنسيق بين الاجهزة الامنية و"الكتائب" و"القوات اللبنانية".
و ـ بعد وفاة العميل سعد حداد، ذهب العميل الاخر، اللواء انطوان لحد ـ الشمعوني سياسيا، لاستلام قيادة "جيش لبنان الجنوبي"، بموافقة القيادات "الانعزالية": شمعون والكتائب وغيرهم.
ز ـ شنت "الكتائب" و"الاحرار" و"القوات اللبنانية"، وبالتنسيق مع الاسرائيلين، حرب الجبل في 1983، بهدف طرد الدروز الوطنيين في الشوف وعاليه والمتن الى منطقة حاصبيا وراشيا. ولكنهم هزموا شر هزيمة، وهو ما تحملت تبعاته الجماهير المسيحية العادية في الجبل.
XXX
لقد انعكست هذه الارتكابات بشكل سلبي جدا على "الوفاق الوطني" اللبناني، واصبح كيان لبنان في مهب الريح. وهذا ما شجع الاحتلال الاسرائيلي على الاستمرار مدة 22 سنة، كما كان يشجع "الوجود" السوري على الاستمرار، وعلى تهديد اللبنانيين بالادعاء: اما نحن، واما الفوضى، بحجة ان اللبنانيين غير قادرين على حكم انفسهم. وحتى حينما انسحبت اسرائيل من جزين، ثم من الشريط الحدودي والبقاع الغربي، بفضل بطولات وتضحيات المقاومة الوطنية والاسلامية، كان الانعزاليون يراهنون على وقوع مجازر ضد المسيحيين، من اجل تبرير اعادة استدعاء الاحتلال الاسرائيلي او طلب تدويل لبنان. ولكن وعي المقاومة الاسلامية خصوصا، والقوى الوطنية والعروبية عموما، فوت على "الكيانيين" اللبنانيين هذه "الفرصة". وهذا ما يشجعهم ـ واللي استحوا ماتوا، كما يقال ـ حتى على المطالبة بالعفو عن العملاء والمجرمين الذين فروا مع الجيش الاسرائيلي، مما يتناقض مع الاعراف والقوانين في جميع بلدان العالم المتحضر.
XXX
ان المحصلة "التاريخية" النهائية التي آلت اليها المسلكية السياسية و"العسكرية" للانعزاليين "القوميين" المسيحيين = اللبنانيين، هي اختزال الدور المسيحي في آلية "الوفاق الوطني" التي يقوم عليها الكيان اللبناني، ومحورته حول معاداة المقاومة الوطنية والاسلامية لاسرائيل.
ومثلما قفز "الكيانيون اللبنانيون" فوق "المنطق الكياني" ذاته سنة 1976، وطلبوا التدخل السوري، ثم الاسرائيلي، ضد القوى الوطنية والاسلامية اللبنانية، بحجة "حماية المسيحيين"، فالان يتحالف هؤلاء "الكيانيين اللبنانيين" انفسهم مع ألد اعداء المسيحيين، عصابات "الامارة الاسلامية!" و"الجيش الاسلامي! العالمي" في سوريا ولبنان لضرب جماهير المقاومة الوطنية والاسلامية، لصالح اسرائيل، ولو كان ثمن ذلك القضاء على "الوفاق الوطني" بأبسط معانيه، وتدمير الكيان اللبناني ذاته، الذي تاجروا به منذ نشوئه، والقضاء على الجماهير المسيحية باستثناء شرذمة من القيادات العميلة والخائنة، على شاكلة جورج صبرا وانطوان لحد وسمير جعجع، التي ليس لها من المسيحية سوى الاسم، والتي باعت دماء المسيحيين في سوريا ولبنان، كما باع يوضاس السيد المسيح.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كاتب لبناني مستقل





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,639,924,611
- التناقضات المستعصية للنظام الامبريالي العالمي
- الحرب السرية -المقدسة- ضد الكاثوليكية
- الجذور السوسيولوجية والاقتصادية لنشوء -شعب الله المختار-
- لانكشارية العالمية المعاصرة
- -الوعد الشيطاني- ليهوه والعداء الاستعماري الغربي للشرق العرب ...
- النظام السوري ومسرحية المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق ال ...
- من هو -العدو غير المرئي- لاميركا؟
- نظرة عربية مسيحية شرقية في موضوعة صدام الحضارات لهنتنغتون
- المأزق التاريخي ل-منطق- الهيمنة الامبريالية الاميركية
- لمحة تاريخية مكثفة عن العلاقات الثقافية البلغارية اللبنانية ...
- الجيش الاميركي حول افغانستان الى -مملكة سعودية- للخشخاش واله ...
- الغطاء الديني للصوصية الاستعمارية
- الحرب السورية: بداية النهاية!
- بعض بنود -لائحة الشرف- للدمقراطية الاميركية المزعومة!
- سقوط أسطورة القطب الاميركي الاوحد
- -الصليبية- الاميركية على قارعة السقوط التاريخي!
- ضجة كيماوية هستيرية مفتعلة لاجل فصل المناطق الكردية عن سوريا
- المهمة الوطنية والدمقراطية الاولى في سوريا: السحق التام للغز ...
- الجيش -الاسلامي!!!- العالمي يجند المضللين البلقانيين للقتال ...
- ما خربته السياسة الغربية تصلحه المسيحية الشرقية


المزيد.....




- أهم أسباب وأعراض نقص الحديد..ماذا تتسبب بأمراض؟
- أطعمة ملونة تساعد جهاز المناعة في محاربة السعال والعطس
- الرئاسة السورية توجه تحذيرا لقناة أوروبية بسبب عدم بث مقابلة ...
- روحاني: ميزانية دون الاعتماد على النفط
- مراسلنا: سمير الخطيب بعد لقاء مفتي لبنان يعتذر عن تشكيل الحك ...
- جونسون يتقدم في استطلاعات الرأي على كوربن قبل استحقاق الخميس ...
- جونسون يتقدم في استطلاعات الرأي على كوربن قبل استحقاق الخميس ...
- أوريان 21: قطر.. مقاومة دول الحصار آتت أكلها
- ما وراء تكرار زيارات نيجرفان البارزاني إلى الإمارات؟
- اختفاء الصحفي بدر محمد بدر بعد إخلاء سبيله.. وأسرته تحمل الس ...


المزيد.....

- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله
- البرنامج السياسي للحزب / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- الشيخ الشعراوي و عدويّة / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- مستقبلك مع الجيناتك - ج 1 / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- صعود الدولة وأفولها التاريخي / عبد السلام أديب
- الثقافة في مواجهة الموت / شاهر أحمد نصر
- عرج الجوى / آرام كرابيت
- تأثير إعلام الفصائل على قيم المواطنة لدى الشباب الفلسطيني (د ... / هشام رمضان عبد الرحمن الجعب
- توقيعات في دفتر الثورة السودانية / د. أحمد عثمان عمر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج حداد - حزّورة الوفاق الوطني اللبناني ...