أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سلمان رشيد محمد الهلالي - المجتمع العراقي بين الشروكيه والانكشاريه (القسم الاول)















المزيد.....



المجتمع العراقي بين الشروكيه والانكشاريه (القسم الاول)


سلمان رشيد محمد الهلالي

الحوار المتمدن-العدد: 4357 - 2014 / 2 / 6 - 12:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المجتمع العراقي بين الشروكيه والانكشاريه (القسم الاول)
سلمان رشيد محمد الهلالي (النص لا يقول حقيقة ... بقدر ما يفرض حقيقة)
علي حرب
تكمن المفارقه في تاريخ االعراق المعاصر , ان اول من تطرق الى ظاهرة الانقسام السياسي و الاجتماعي ـــــ وان كان بصوره مختصره ــــ هو ملك العراق نفسه فيصل بن الحسين عام 1932م الذي سبق الدكتور علي الوردي في التطرق الى هذه الظاهره الخطيره رغم ان الشهره في ذلك قد تلازمت مع الاخير الذي نظر لها سيوسولوجيا و فكريا في مؤلفاته التي صدرت في عقدي الخمسينيات و الستينيات من القرن الماضي 00
كتب الملك فيصل الاول رسالته الشهيره في 15 اذار 1932 واعطى نسخا منها الى اغلب السياسيين البارزين في العهد الملكي من اجل تبيان رايهم في المحتوى الذي تطرقت اليه و الحلول الناجعه حول الاشكالات التي وردت فيها0 و ذكرت المصادر ان من اهم هؤلاء(نوري السعيد و جميل المدفعي وياسين الهاشمي وناجي شوكت وناجي السويدي وجعفر العسكري ورستم حيدر وغيرهم) وقد نشر هذه الرساله او المذكره المؤرخ عبد الرزاق الحسني الذي حصل على نسخة خاصه من السياسي (ناجي السويدي( فجعلها في مقدمة كتابه ( تاريخ العراق السياسي الحديث) و اعاد نشرها ايضا في الجزء الثالث من كتابه القيم ( تاريخ الوزارات العراقيه) .
ورسالة الملك فيصل هي جرس انذار مبكر للنخب السياسيه حول خطورة الظاهره الطائفيه في العراق و تهميش الاغلبيه العربيه الشيعيه عن الاداره و الحكم 0وطالب بتبني بعض المقترحات التي وضعها وعددها (12) مقترحا من اجل انهاء او اضعاف تلك الظاهره في البلاد .
وهي عباره عن انطباعات شخصيه وهواجس سياسيه دونها الملك بمناسبة قرب حصول العراق على الاستقلال و دخوله عصبة الامم في تشرين الاول 1932 , و الخشيه من ان يؤدي الانسحاب و عدم التدخل البريطاني بالشان العسكري العراقي الى اختلال الميزان الامني والسياسي في البلاد واندلاع ثورات شعبيه و انتفاضات مسلحه في الشمال الكردي و الجنوب الشيعي00و اهم ما ذكره الملك فيصل في رسالته تأكيده (ان البلاد العراقيه هي من جملة البلدان التي ينقصها اهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعيه، ذلك هو الوحده الفكريه و المليه و الدينيه00 فهي و الحاله هذه مبعثرة القوى مقسمة على بعضها000 العراق مملكة تحكمها حكومه عربية مؤسسه على انقاض الحكم العثماني 000 و انه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بل توجد تكتلات بشريه خياليه , خاليه من اي فكره وطنيه00 و متشعبة بتقاليد و اباطيل دينيه 00 لا تجمع بينهم جامعه 00سماعون للسوء ميالون للفوضى0000) واضاف رحمه الله ( العراق مملكة تحكمها حكومة عربيه سنيه مؤسسه على انقاض الحكم العثماني , وهذه الحكومه تحكم اجزاء كرديه من البلاد واكثريه شيعيه جاهله منتسبه عنصريا الى نفس الحكومه , كان الحكم التركي السني المباد يضطهدها ....)
وبالطبع لم تتعاطى النخب السياسيه الحاكمه ذات الميول العثمانيه و الجذور الانكشاريه مع هذه الرساله بحكمه و مسؤليه , فيما تجاهل البعض الرد او التعليق عليها كليا , وقد اعلن بعضهم صراحة رفضها, و نفي الموارد التي ذكرتها 0 كما ان ذهاب الملك فيصل للعلاج في سويسرا و وفاته المفاجئة هناك عمل على وآد هذا المشروع الاصلاحي في المهد (بل ان بعض الباحثين ربط وفاة الملك فيصل بهذه الرساله على اعتبار ان اللوبي الطائفي الحاكم قد احس بخطر هذا التوجه على سلطته و نفوذه التي اكتسبها بالتعاون مع الانكليز ) 0 و اسدل الستار نهائيا على قضية الاختلال في ميزان التمثيل النسبي للمكونات الاجتماعيه للاداره و الحكم ولاسيما مع تصاعد الخطاب القومي و الطائفي في العراق بعد تولي الملك غازي (المراهق سياسيا) العرش على العراق , اذ نشر احد بقايا احفاد المماليك في بغداد و يدعى( عبد الرزاق الحصان ) كتاب (العروبه في الميزان ) هاجم فيه الاغلبيه االعربيه الشيعيه في العراق صراحة و طالب بتهميشها و اقصائها عن الواجهات السياسيه و الاجتماعيه في البلاد , و تصاعد الامر باضطراد بعد تولي ياسين الهاشمي الوزارة عام 1935 و الذي اطاح به انقلاب بكر صدقي عام 1936 الذي عمل على القيام بممارسات طائفيه صريحه وعلنيه اعتبرت كاول حالة استفزازيه واقصائية وعلنيه في تاريخ العراق الحديث .
بعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945) لم يتم التطرق الى اشكالية الانقسام السياسي و الاجتماعي في البلاد لان اغلب النخب المثقفة و المتعلمة قد وقعت تحت تاثير و هيمنة الايديولوجيات الانفعالية والنضالية –حسب تعبير اركون -الوافدة الى العراق (الشيوعية و القومية) التي هيمنت على مفاهيم الخطاب الثقافي والسياسي في البلاد حتى قال هيثم الجنابي )ان جميع حثالات الريف في العراق تحولوا الى طليعة وثوريين وبما ان النظام المعرفية لهذه الايديولوجيات النضالية يعتمد القفز على جميع الاشكالات المحلية والتسامي الى فضاء المنظورات الكونية, فقد اسدل الستار مرة اخرى عن هذه الاشكالية المعقدة و الخطيره حتى ظهور كتابات واراء الدكتور علي الوردي في نهاية الخمسينيات و بداية الستينيات الذي نظر لا اشكالية الانقسام العمودي و الافقي في المجتمع العراقي سيوسولوجيا و فكريا و لا سيما في كتابه (طبيعة المجتمع العراقي) او غيرها من المؤلفات حتى اعلن صراحة (ان الشعب العراقي منقسم على نفسه و فيه من الصراع القبلي و القومي و االطائفي اكثر من اي بلد اخر و ليس هناك من طريقا لعلاج هذا الانقسام سوى تطبيق النظام الديموقراطي الذي يتيح لكل فئه ان تشارك في الحكم بحسب نسبتها العددية)0
واقتراح الدكتور الوردي في ان الحل الاوحد لاشكالية الانقسام الاجتماعي في العراق في تطبيق النظام الديموقراطي- البرلماني هو افتراضه ان جميع المكونات والفئات ترغب في هذا النظام لانه يمثل احد تجليات القيم الكونيه المتعارف عليهاحضاريا ومدنيا التي لا يعتقد ان احدا في يوم من الايام سيعلن رفضها او التخلي عنها 0 فيما ان الثابت تاريخيا ان الاقليات الحاكمه المستاثره بالسلطه في الدول الناميه و لا سيما الاقليه السنيه في العراق و التي تراكمت لديها عبر التاريخ مفاهيم الاستبداد و الاستعلاء و الاستثئار , ترفض حتما التنازل عن المكتسبات التاريخيه التي ورثتها عن السلطه العثمانيه , اوحتى تبني قيم الحداثه و العصرنه و المجتمع المدني القائم على المساواة و العداله و المشاركه السياسيه و الاداره و الحكم .
و لم يتم التطرق او التنظير لقضية الانقسام الاجتماعي في العراق بعد كتابات الدكتور الوردي ـــــ حسب علمي ــــ حتى صدور كتاب (العراق) باللغه الانكليزيه للباحث الامريكي (حنا بطاطو) بثلاث مجلدات في عام 1978 الذي اختار الفصل الثاني من الكتاب الاول عنوانا يحمل هذا المعنى و هو (حول تباين العراقيين و تخلخل مجتمعهم) و هو اشاره صريحه للتباين الخطير الذي يتسم به المجتمع العراقي و اعطى تفصيلا لقوى ما قبل الدوله (الطائفه و القبيله والعائله) التي اعادة انتاج و ترميم نفسها بعد تاسيس الدوله العراقيه عام 1921 و استطاعت الهيمنه على مقدرات الدوله و الاستئثار بمقاليد السلطه حتى عام 2003 و ان كان قد تمظهرت بانساق متباينه و انماط متعدده طيلة العهدين الملكي و الجمهوري .
و بهذا المدخل التاريخي-السيوسولوجي الصريح يجب الاتفاق على حقيقه محدده و هي : ان المجتمع العراقي يتعرض الى انقسام او صدع طائفي و قومي و ديني و عشائري و حضري و مهني و سياسي و ايديولوجي و طبقي لا مثيل له في العالم ,بل قد يكون لا مثيل له في التاريخ . و لا حاجة لاستعراض التطور التاريخي و السياسي و الاجتماعي لهذه الانقسامات لان هذا يخرجنا عن اصل الموضوع الذي نحن بصدده 0 لكن المتوقع ان هذا الانقسام قد يتلاشى هذا او يخف تدريجيا بعد تأسيس الدوله العراقيه والسعي لبلورة الهويه الوطنيه وبروز قوي ما بعد الدوله و المجتمع المدني كالاحزاب والحركات والجمعيات والنقابات و نشوء الطبقه الوسطى ,الا ان هيمنة ورسوخ الانساق العثمانيه السالفه في الادارة والحكم وتماهيها مع النخب السياسيه الحاكمه في العهد الملكي وصعود القوى الراديكاليه والثورية ذات الاصول الريفيه وهيمنتها على مقاليد السلطه في العهد الجمهوري ادى الى فشل مشروع الدوله الحديثه او بلورة الهويه الوطنيه و من ثم ترسيخ و بروز هذا الانقسام الى السطح بقوه بعد اي عملية تغيير جذري و سياسي كبير مثلما حصل بعد ثورة 1958 و سقوط النظام البعثي عام 2003 0
ولا نريد الاطناب في استعراض منظورات الانقسام الاجتماعي المتعدد في العراق وتاريخه وتاثيره على الحياة السياسيه , وانما سيقتصر بحثنا عن الانقسام الطائفي في المجتمع و دور السلطه في تفاقم هذا النزاع والاحتراب من خلال تهميش واقصاء الاغلبيه الشيعيه عن الادارة والحكم و بلورة المفاهيم السلبيه والاوصاف الانتقاصيه عليها او من خلال اضفاء معاني بدائيه او متخلفه على بعض المفردات او الدلالات الاجتماعيه و التاريخيه و الجغرافيه المتلازمه معها او استحضار بعضها من التاريخ الاسلامي والحديث . ولا نستطيع في الواقع حصر تلك المفاهيم والاسماء والدلالات السلبيه التي رجوت لها السلطات الحاكمه بالتعاون مع الكتاب والادباء الموالين لها لتعددها ضمن الحقل الثقافي المحدد اولا و تحولها على مدى التاريخ الى انماط مختلفه وانساق متعدده ثانيا , ان كان يتم بين الحين و الاخر استعارات تاريخيه و دلالات جغرافيه متعدده او منقرضه في سبيل ترسيخ او تكرار هذه المفاهيم و عدها من المسلمات الثابته التي لا يجوز نقدها او التجاوز عليها (و التكرار سلطه ) كما يقول(رولان بارت ) حتى وصل الحال ان تبنى بعض هذه المفاهيم الكثير من المثقفين (المخصيين) من الشيعه بسبب احساسهم بالدونيه و الضعه امام الاخر (الحاكم المهيمن المختلف في الهويه و الثقافه)0
ومن اهم هذه الدلالات الجغرافيه التي حملت معنى سلبي و انتقاصي وعممت نحو الاغلبيه الشيعيه العربيه في العراق هو اصطلاح (الشروكيه)0
فما هو التطور التاريخي والاجتماعي والسياسي لهذا الاصطلاح؟
الرأي الاول : والذي اعتمد منهجية عالم النفس المعروف (يونغ)حول اللاشعور الجمعي واستعادة الانماط العليا الاصليه او الفطريه عبر التآويل (الهيرومونطيقا )والانسياب الى الوقت الحاضر . فقد تصاعدت بعد عام 2003 دراسات وابحاث عديدة تؤكد ان كثير من الطقوس الدينيه ولاسيما الشيعيه منها والعادات الاجتماعيه والمفردات الشعبيه الجنوبيه المتداوله في المجتمع العراقي الحديث ,انما هى ترجع الى حضارة بلاد وادي الرافدين القديمة (وبخاصة السومرية منها ) انتقلت الى الاجيال الحديثه والمعاصره عبر الانسياب .بمعنى ان اللاوعي الاسطوري العراقي القديم انتقل الى الوعي التاريخي الاسلامي , فخرج بتوليفه هى خليط من كلا الجانبين (السومري الاسطوري / الاسلامي التاريخي ) وانتج بالتالي الشخصيه العراقيه الحاليه (الجنوبيه ـــــ الوسطى ـــــ الشيعيه ) اي ان الوعي التاريخي هو الوعاء او الحاضن الى اللاوعي الاسطوري السومري وغيره ,ولايجوز استحضار اي من حالات اللاوعي الاسطوري دون الوعاء التاريخي المحدد لها ,كما يحاول البعض القيام بذلك , اذ لابد ان تجمع المسارين كلاهما حتى تكون المنهجيه صحيحه والمقارنه اكثر موضوعيه , واقوى الامثله على ذلك هو ظاهرة البكاء على الامام الحسين في محرم ,فهى وان كانت نوعا من الوعي التاريخي لحادثه محدده حصلت في التاريخ الاسلامي ,الا ان المظاهر اللاشعوريه لها في المجتمع العراقي هى عباره عن استعادة لاواعيه لمظاهر البكاء على الاله تموز (دموزي ) في العهد السومري والبكاء واللطم في مواكب منظمه بالسلاسل على السيد المسيح في العهد الارامي الذهبي الذي استمر مايقارب الالف عام الذي انتهى بالاحتلال والاجتياح الاسلامي الذي قام به الاعراب في عهد الخليفه عمر بن الخطاب الذي انهى الحضاره العراقيه القديمه التي كان عمرها اكثر من (3) الاف عام , ومن ثم التمظهر الاخير لها وهو تراجيديا البكاء والتطهير على الامام الحسين في شهر محرم . فالبطل التاريخي هو الامام الحسين والرمز المقدس هو البكاء عليه في شهرم محرم من كل عام , ومن خلال آلية (التأويل) اسقط العراقيون الاسطورة او النمط الاسطوري على التاريخ فتحول البطل التاريخي الى رمز يعيش في تاريخ مقدس .وهذا يعني البنيه اللاشعوريه للعراقيين قديما وحديثا والقائمه على البكاء والحزن واللطم قد انتجت هذه المظاهر الطقوسيه المتطرفه , وليس لانها كذلك كما يتصور البعض , واقوى الامثله على ذلك عندنا هو واقعه( فخ ) بالقرب من مكة في الحجاز ضد الخليفه الهادي العباسي سنة ( 169ه) التي قام بها ال الحسن , فرغم انها تضاهي واقعة كربلاء بالحزن والمأساة والبطوله , الا ان عدم اسقاط وانسياب الانماط الاسطورية عليها مثلما حصل مع واقعة (الطف) في كربلاء ، ابقاها ذلك ضمن الحيز التاريخي المحدد لها ، ولم يحفل بها العراقيون رغم التشابه مع واقعة (الطف) حتى ان البطل الشهيد فيها اسمه ( ابو عبد الله الحسين بن علي بن الحسن المثلث) وعنده اخت اسمها ( زينب ) (وفي رواية انها امه) حتى قال الامام الجواد (لم يكن لنا بعد الطف مصرع اعظم من فخ ), فلو حدثت واقعة كربلاء في اليمن او بلاد الشام او مصر مثلا لما اخذت هذا الحيز من التراجيديا والنمطية الماساويه المتكرره كل عام عند العراقيين ( فاللاوعي الاسطوري يرافق العقول دائما ) ـــــ كما يقول يونغ ــــ ( علما ان من اعتمد هذه المنهجيه لم يذكر هذا التنظير لها وانما رؤيه خلصنا اليها من خلال قراءات متعدده حول هذا الموضوع ) للمزيد ينظر (شاكر شاهين / العقل في المجتمع العراقي ) و(ناجي عباس مطر الركابي /الاساطير المؤسسة للعقل الثقافي العراقي ).
ومن هذه المفردات والمفاهيم القديمة التي انتقلت عبر الانسياب الى الاجيال المعاصره او الحاليه هى مفردة او اصطلاح (الشروكيه) . وقد اكد الباحث العراقي (مؤيد عبد الستار )(ان تحقير اهل الجنوب والوسط بهذا اللقب انما هو امر غريب .اذ في الوقت الذي سبق ان شهد لهم الجميع بالفضل والرياده في مجالات الثقافه والادب والعلم والكرم والمشاعر الصادقه ,نجد البعض ممن لايمت بصلة الى هذا البلد من ذوي الاصول التركيه والمغوليه يصر على استخدام هذا اللقب ضد الاغلبيه العربيه الشيعيه في البلاد ....) واضاف معقبا ( ان تسمية الشروكي تحمل الفخر والتبجيل بدل الاهانه والتحقير ,اذ ان الشروك هم احفاد وبقايا الشعب السومري في العراق القديم . وهو تحريف ل(الشروباك ) وتعني (الانسان الاصلي) وعندما انتقل المصطلح الى الاكدية تحول الى (شروكين) وهو اسم الملك الاكدي (سرجون), الذي وصل الينا بهذه الصيغه من الباحثين الغرب . وهذا يعني ان (الشروكي ) هى من المفردات القديمه جدا في حضارة العراق القديم , انتقلت عبر الانسياب من خلال آلية التآويل الى العصر الحديث واتخذت لها معنى او دلالة جديده بعد فقدان المعنى الاصلي لها عبر القرون والمسافات الزمنية الطويله والتحولات السياسيه والدينيه والاجتماعيه المتعدده التي مرت بها الحضاره العراقيه .
الراي الثاني : الذي يرجح اصل مفردة الشروكيه الى جذر لا يتجاوز المائتين من الاعوام الاخيرة , ويعدها دلاله جغرافيه محدده لاتحمل اي معنى او انطباع سلبي قط وتطلق على الانسان المهاجر او القادم من شرق العراق او تحديدا من الجنوب الشرقي . وقد استقصيت هذا الراي من خلال رؤية تاريخيه ـــــ اجتماعيه محدده وهى : ان بريطانيا قد اسست العراق الحديث عام 1921 من خلال دمج الولايات الثلاث التابعه الى السلطه العثمانيه السابقه وهي (البصره و بغداد و الموصل)0 و كانت الروح العشائريه والامارات القبليه هي المهيمنه على هذه الولايات كالمنتفك و ربيعه و بني لام والخزاعل وطي وزبيد وغيرها0 و لم تتشكل المدن بصوره واضحه او تزداد الا بعد عام افتتاح قناة السويس عام 1869 وارتباط العراق بحركة التجاره العالميه و الانتقال من اقتصاد الكفاف الى اقتصاد الربح و التصدير0 وبالتالي فان الانقسامات (الفطريه ) الاجتماعيه كانت تضرب باطنابها في الارجاء (الحضريه و الريفيه و القبليه و الطائفيه و الدينيه و القوميه )0 فكانت الدلالات الجغرافية المناطقية والعشائرية هي المهيمنة على اسماء الافراد و العائلات في هذه الولايات الثلاث 0 فكان اهالي بغداد والجنوب يصفون من ياتي اليهم من المناطق الشماليه الغربيه (من العراق الحالي) بانه من اهل (الغربيه) فيما كان اهالي بغداد ايضا و مناطق الفرات الاوسط تطلق على من ياتي اليهم من الجنوب و لاسيما اهوار العماره و الناصريه بانه من(الشروكيه) اي (قادما من الشرق) واكد ذلك احد الباحثين المعاصرين بقوله :ان هذه المفرده تطلق على جميع سكان بطائح المنتفك و العماره التي تقع في شرق النجف , فكان المهاجر او القادم من تلك الانحاء الى النجف يسمى (الشروقي) . و يذكر البعض ان الدلاله او الصفه اطلقت على اهالي العماره فقط و لم تشمل اهالي الناصريه والمناطق التابعه لها (عدا منطقة الاهوار) وهم بالتالي القادمين من الشرق .
على اية الحال , ان الدلاله تطلق على الافراد النازحين حصرا او القادمين من اسفل نهر دجله في ولاية البصرة و لم تكن تحمل في طياتها او مضمونها اي دلاله ازدرائيه او استخفافيه،و انما كانت تطلق كدلاله جغرافيه فحسب , ودليلنا على ذلك اختيارها لقبا احدى اهم العوائل العلميه والادبية والاجتماعية في النجف وهم (ال الشرقي) الذين سكنوا فيها منذ منتصف القرن الثاني عشر الهجري (القرن السابع عشر ميلادي) عندما نزح مؤسسها الشيخ حسن الفرغني الخاقاني من ديار المنتفك الى مدينة النجف لطلب العلم و الادب 0 و حين بدا نجم ذريته و احفاده بالتصاعد و البروز بين عوائل النجف العلمية اطلق عليهم بيت(الشروكي) ثم عدل بعد ذلك الى (الشروقي). وقد اتسعت شهرة بيت (الشروقي ) بين الناس في النجف عندما تول عمادته الاديب والفقيه (محمد حسن الشروقي) الذي اصبح اشهر واهم تلامذة الشيخ محمد حسن الشيخ باقر صاحب كتاب (جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام للشيخ الحلي) الذي اصبح عنوانا ودلاله للاسره العلميه والادبيه المعروفه بال (الجواهري) وقد تزوج الشيخ محمد حسن الشروقي باحدى بنات استاذه الشيخ باقر , فانجبت الشيخ الاديب جعفر الشروقي والد الشيخ علي الشرقي الشاعر المعروف و عضو مجلس الاعيان في العهد الملكي و(الوزير الدائم بلا وزاره) الذي حول اللقب من الشروقي الى الشرقي0
باعادة قراءة ماسبق نجد ان مفردة الشروقي لم تحمل في البدء عند النجفيين او غيرهم اي معنى او دلاله سلبيه قط , و انما كانت تطلق كدلاله جغرافيه فحسب والدليل على ذلك اختيارها كلقب ودلالة اجتماعيه احدى اهم العوائل العلميه في القرن الثالث عشر الهجري . بل ان العوائل العلميه النجفيه لم تكن تتحرج من المصاهرة مع العوائل النازحه من اهوار المنتفك و العماره0 و الامثله على ذلك عديده يصعب حصرها ,اهمها المصاهره بين زعيم الحوزه العلميه انذاك الشيخ محمد حسن الشيخ باقر و عميد اسرة الجواهري الذي اعطى ابنته الى الشيخ محمد حسن الشروقي (الذي يعد اول من اختار الشروقي لقبا له)0
فضلا عن ذلك فان اغلب الاسر العلميه والادبيه في النجف او البارزه منها هم من الشروكيين , اي من النازحين او المهاجرين من اهوار المنتفك و العماره و اشهرهم في ذلك ال الجزائري (من بني اسد)(نسبة الى جزر الاهوار اي الجبايش) واسرة الوائلي ومنهم الشيخ الخطيب المعروف احمد الوائلي وال حرج ومنهم الشيخ محمد حرج والشيخ جاسم حرج والشاعر ابراهيم الوائلي والدكتور فيصل الوائلي وغيرهم وال الخاقاني ومنهم الباحث المعروف علي الخاقاني وال احمد هلاله (عميد اسرة السادة البوهلاله) والشيخ حسن السنجري مؤسس الشطره القديمه وال الشبيبي(من بني اسد) (ومنهم الشيخين محمد رضا واخية محمد باقر) وال السهلاني وال الصغير وال الشيمساوي وال كاشف الغطاء ومنهم علماء وادباء عديدون اشهرهم العلامه المصلح محمد حسين كاشف الغطاء (بني مالك) والساده الصافي والساده الفياض ومنهم السيد باقر الفياض والباحث عبد الله الفياض (الرفاعي) واسرة ال المظفر(اهوار البصرة) واسرة ال فرج الله(من الاحلاف) واسرة ال عيسى واسرة ال شبر والساده الفواضل وال الجصان (ربيعه)وال الفرطوسي(العماره)واسرة ال شربة (منطقة الكار) واسرة ال الحداد (من العبودة وهم زعماء النجف الشمرت انذالك) وال الشماع (من بني اسد) واسرة ال حيدر ومنهم الاديب والسياسي محمد حسن حيدر(سوق الشيوخ) وال جمال الدين ومنهم الشاعر مصطفى جمال الدين (سوق الشيوخ) وال البرقعاوي(الاجود) وال البغدادي(من بني اسد) وال البهادلي وال الحجامي (ربيعه من سوق الشيوخ) وال شرع الاسلام الحلفي وال الخفاف (بني اسد) وال دكسن (بني اسد) وال عجينه(بني اسد) وال الغنام(ال احميده في البطائح في الغراف) وال القرملي(بني اسد) وال الكرباسي(بني مالك) وال مال الله(بني اسد) وال مبارك (الجبايش ) والمرزه(بني اسد) وال المرجاني(العماره) وال المنصوري و ال زاهر (الغراف)0 بل ويقال ان احد الاحياء الرئيسيه الاربعه في النجف وهو( العماره) سمي بهذا الاسم لان اغلب سكانه هم من اهالي العماره المهاجرين ( وان كان رايا ضعيفا ) .
الا ان هناك من يخلط بين رؤيه مدينة النجف وغيرها للوافدين من اهوار المنتفك والعماره وبين رؤية عشائر الفرات الاوسط .فالشائع اجتماعيا ان جميع عشائر العراق تتفاخر بعضها على البعض في جميع المطارحات الاجتماعية والتاريخية وتنسب لنفسها اصولا اسطوريه و اعمالا تمجيديه من اجل خلق راسمال رمزي للتفاضل مع الاخرين و التمايز عنهم . و هذا لا يكون بين العشائر العلويه وغير العلويه فقط , بل حتى بين العشائر العلويه نفسها0 حيث يوجدهناك تفاضل و تمايز بالتاريخ والافعال الاسطوريه والحقيقيه 0 وقد ذكر الدكتور الوردي نقلا عن الباحث رفيق المزهر الفرعون قوله : ان عشائر الفرات الاوسط تنظر الى قبائل دجلة القاطنه الى الشرق نظره لا تخلو من احتقار . وهي تطلق عليهم اسم الشروكيين نسبة الى الشروق اي الشرق0والسبب ـــــــ بحسب رأي فريق مزهر الفرعون ــــــ (ان قبائل دجله قد فقدت عاداتها و مزاياها الكريمه القديمه من جراء اتصالها بالحكومه و ترددها على المدن) 0وبالطبع فان هذا الكلام هو نموذج للكبرياء العشائريه الفارغه التي تتميز بها العشائر العراقيه ذات الاصول البدويه , او تلك القريبه العهد بالبداوه , فالاتصال مع الحكومه كان بين عشائر الفرات الاوسط اكبر مما هو موجود بين الحكومه و عشائر الاهوار كما ان التردد و الاختلاط بالمدن ايضا كان اكبر بين عشائر الفرات الاوسط بالقياس الى عشائر الاهوار0 فاين التمايز في ذلك؟
ان السبب الحقيقي في ذلك هو صراع القيم الذي ذكره الدكتور علي الوردي حول صراع البداوه والحضاره في المجتمع العراقي , وكيف ان القبائل البدويه او التي استوطنت حديثا بالسهل الرسوبي في الجنوب تنظر باستعلاء للقبائل التي استوطنت قديما ومارست الاعمال الزراعيه وبعض المهن الحرفيه والفرديه . ان هذا الانقسام بين عشائر الفرات الاوسط وعشائر نهر دجله هو نموذج للانقسام الافقي بين الفئات الاجتماعيه الذي ذكرناه سابقا , وليس بالحاله المتفرده او الشاذه حتى يتم البناء او الاستناد عليها كدليل احادي في هذه النظره0 اذ ان عشائر دجله ايضا تنظر الى بعضها البعض بتعال و تميز 0 بل وجدنا ان البصره و مدن حوض الغراف و المنتفك تنظر بتعال الى عشائر و مدن الاهوار ولا سيما في العماره, الا ان ذلك كله يبقى ضمن نطاق الانقسام الاجتماعي (الفطري ) ولم يدخل في دائرة التشويه و التشهير و الازدراء والتهميش، ولم يصل الى درجة الاستهداف السياسي والاجتماعي المنظم000
والسؤال هو : كيف تحولت مفردة(الشروكيه) ذات الدلاله الجغرافيه المحدده ضمن اهوار المنتفك والعماره الى دلالاله تحمل في طياتها نغمة الاستخفاف و الازدراء ؟ والسؤال الاخر ايضا :كيف عممت دلالة الشروكي على جميع ابناء المحافظات الشيعيه التسعه بعد ان كانت تشمل النازحين فقط من اهوار العماره والمنتفك ؟ ومن الذي ادخل اهالي النجف انفسهم وعشائر الفرات الاوسط بهذه التسميه رغم انها لاتقع في شرق العراق اصلا ؟ وكيف ان هذا التحول من نمط الدلاله الجغرافيه الى نمط الاستخفاف قد شمل مفردة (الشروكي ) و لم تشمل مفردة (الغربيه) رغم انها قد عرفت بالتخلف والجهل و البداوه ــــــ بل و حتى قطع الطريق ـــــ اكثر من عشائر الجنوب و الفرات الاوسط؟
والجواب هو ببساطه : السلطه الطائفيه التي برزت بوضوح و علانيه بعد انقلاب 8 شباط 1963.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,284,547,080
- ( سنة العراق ) من فقه الطاعه الى فقه العصيان (القسم الرابع )
- ( سنة العراق ) من فقه الطاعه الى فقه العصيان (القسم الثالث )
- ( سنة العراق ) من فقه الطاعه الى فقه العصيان ( القسم الثاني ...
- (سنة العراق ) من فقه الطاعه الى فقه العصيان ( القسم الاول )
- المثقفون العراقيون ....... والطائفيه (التابو الاخير)(القسم ا ...
- المثقفون العراقيون ....... والطائفيه (التابو الاخير)
- حفريات في الاستبداد (قراءة في كتاب سبق الربيع العربي)
- هل كان علي الوردي برغماتيا ؟


المزيد.....




- الجيش الإسرائيلي يشن غارات على أهداف تابعة لحماس في قطاع غزة ...
- ترامب يوقع إعلانا يعترف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان
- إسرائيل تشن غارات على مواقع حماس.. والحركة تتوعد بالرد
- سوريا تصف قرار ترامب حول الجولان بـ-الصفعة المهينة- للمجتمع ...
- ترامب يوقع مرسوم اعتراف الولايات المتحدة بسيادة إسرائيل على ...
- ماي تبحث عن نصرٍ مرصّع بالهزيمة ومراقبون يرون أن حكومتها بدأ ...
- اعتراضات تونسية على لافتات ترحب بزيارة الملك سلمان
- بالفيديو: لحظة توقيع ترامب إعلان الاعتراف بسيادة إسرائيل على ...
- برلين-تسعى للحد من النفوذ التركي على مسلمي ألمانيا-
- ترامب يوقع مرسوم اعتراف الولايات المتحدة بسيادة إسرائيل على ...


المزيد.....

- الحق في الاختلاف و ثقافة الاختلاف : مدخل إلى العدالة الثقافي ... / رشيد اوبجا
- قوانين الجنسية في العراق وهواجس التعديل المقترح / رياض السندي
- الأسباب الحقيقية وراء التدخل الأمريكي في فنزويلا! / توما حميد
- 2019: عام جديد، أزمة جديدة / آلان وودز
- كرونولوجيا الثورة السورية ,من آذار 2011 حتى حزيران 2012 : وث ... / محمود الصباغ
- الاقتصاد السياسي لثورة يناير في مصر / مجدى عبد الهادى
- قبسات ثقافية وسياسية فيسبوكية 2018 - الجزء السابع / غازي الصوراني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ثورة 11 فبراير اليمنية.. مقاربة سوسيولوجية / عيبان محمد السامعي
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكرة والسياسة والاقتصاد والمجتم ... / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سلمان رشيد محمد الهلالي - المجتمع العراقي بين الشروكيه والانكشاريه (القسم الاول)