أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صلاح نيازي - كلمات ثلجية















المزيد.....

كلمات ثلجية


صلاح نيازي

الحوار المتمدن-العدد: 4344 - 2014 / 1 / 24 - 23:15
المحور: الادب والفن
    


صلاح نيازي
كلمات ثلجية*

"بحصانٍ مملكتي"

(أصبحت الكلمة الطيبة الآن تبكيني)
الفنان المبدع نوري الراوي في مقابلة تلفزيونية.

"لا ريب، ثمّة كلمات تحرق القلوب،
لا ريب، ثمة كلمات تحرّك الآمال،
أو، لا ريب، تجعل مستقبلنا مضيئاً"
لكنْ مع ذلك، ثمة كلمات باردة، كلمات ثلجية، لها مفعول الكلمات النارية، في تغيير مصير البشرية. الشعراء، إنْ هم تكلّموا ثلجاً أمْ ناراً، ما هم إلاّ شعراء مجرّدون من أيّ آنتماء. ليس في صناعتهم إدارة الدفّة، أو الوعظ. طبيعة الشعر بالذات، تتناقض بالكامل مع فكرة اليقينيات، ولا سيّما اليقينيات التي تشغل السياسيين والكهنة. العالم الذي يصوره الشعراء، مملكة خاصة جدّاً لا يمكن العثور عليها في أية خريطة. بالإضافة فإن الشعر لا يتمرحل وهذا سرّ خلوده.
قصيدة الخريف لجون كيتس John Keats مَثَلٌ معتبر. لا وجود لهذا الخريف في أية روزنامة. مع ذلك حينما نقرأ هذه القصيدة نشعر بخريفيتها في كل حجيرة. تمكّن الشاعر من رسم صورة ناشطة للخريف، وألوانه الذابلة بحيوية، حين وظّف عنصريْن باتقان: "الضباب" و"النضج اليانع للثمر"
الضباب جعله الشاعر وسيلة لتكثيف المشهد وصعوبة التمييز أوّلاً وفي الوقت نفسه إخفاء الواقع.
الضباب بمثابة ستارة يهيّئ لخلق الوهم الذي هو جوهر هذه القصيدة.
"النضج اليانع للثمر" وقد يكون حقيقياً، وهْم بالغ الخطورة. وظّفه الشاعر في هذه القصيدة كشرك Lure. الفواكه الممتلئة بالصفرة اللينة الناضجة والدبق المتقطّر أوهمت النحل بأن الصيف ما يزال منتشراً وأن الخريف لم يحِنْ بعدُ. انشغل النحل برشف الرحيق ببراءة ولم يفطن إلى انّ الصيف لم يكنْ إلاّ خريفاً، وأن الشتاء سينزل بكل قُشَعْريراته.
هكذا أثار كيتس فضول القارئ، بالتحام البراءة والوهم. كيف ستكون العاقبة؟
في اللحظات الحرجة بين الوهم والتحرر من الوهم تُنطَق عادة الكلمات الثلجية. قصيرة. لاهثة. يائسة بائسة، وقاطعة كالبديهيات. إنها تؤذن بنهايات الأمور ولا تسمح لبدايات جديدة.
كذلك كانت الصرخة الثلجية الهلعة التي نفثها ريتشارد الثالث"حصان، حصان، بحصانٍ مملكتي".
مرة أخرى زينت الساحرات الثلاث لمكبث أنه سيكون ملكا. ً صببن في أذنه كلمات ثلجية سرعان ما آشتعلت في رأسه جحيماً ذا جمروطيش وقتل.
هل شيكسبير شاعر النفحات الثلجية طرّاً؟
بعد ذلك هذا كلكامش، الكتلة العضلية الخارقة، ثلثاة مادّة إلهية وثلث مادة بشرية. لم يشعر بضعفه الهائل إلاّ بعد أن مات صديقة المفتول أنكيدو. تصوّر كلكامش أن الموت عائث به هو لا محالة. خرج من جلده. هام. هام على وجهه. في جهات الأرض. أين الخلود؟
قام بأشقّ رحلة. وحيداً. لبس جلود الوحوش. أهمل شعره. لا بدّ من أتونفشتم (نوح). في الطريق إلى نوح عثر كلكامش على حانة على حافة البحر في الجهة الثانية من الجبل، تديرها سيدوري. خافت منه أوّلاً وأنكرت عليه بشريته، ،فأغلقت بوجهه باب الحانة. لا بدّ أنّ روادها البحارة كانوا من شتى أنحاء العالم. لا بدّ أنها استمعت إلى أغرب الحكايات وبلغات مختلفة. لا بدّ أنها أصبحت حكيمة. حاولت أن تثني كلكامش عن رحلته، وكلكامش لا يصغي لأنه ممتلئ بالموت. قالت له كلماتها الثلجية التي لا تمتلكها إلاّ الآلهة التي بلغت درجة الحكمة:
يا كلكامش، إن الحياة التي تنشدها لن تعثر عليها أبداً
حينما خلقت الآلهة الإنسان، جعلت الموت من نصيبه
وأبقت لنفسها الخلود
يا كلكامش أشبع بطنك
كنْ سعيداً ليلاً ونهارا
أرقصْ وامرحْ ليلاً ونهاراً
تحمّمْ وادهنْ نفسك
أحب الطفل الذي يُمسك بيدك
وأفرح الزوجة
هذا هو نصيب الإنسان".
(عن ترجمة الكساندر هايدل)
لم ينتصحْ كلكامش.
عبر "نهر الموت" إلى نوح. رآه حطاماً حيّاً مستلقياً على ظهره. سيعطيه سرّ الخلود إنْ هو اجتاز امتحاناً يسيراً: ألاّ ينام لسبع ليال. نام كلكامش من أوّل لحظة، ولم يستيقظ إلا بعد سبع ليال.
قال له أتونفشتم (نوح):
"من قديم الزمان ما من ديمومة لشئ
كم يتشابه النائم والميت
ألا يرسمان كلاهما صورة الموت
ومَنْ يدري أيَّهما كان الخادم أوالسيد
حين يقع أجلهما"
(عن ترجمة ألكساندر هايدل)
قال له ذلك وهو حطام حي مستلقٍ على ظهره. استغرب كلكامش من صورة الخلود هذه. خلود ميت - حي كالمومياء. ربما نفر من حياة بلا حراك . لا تنمو ولا تتجدد ولا تقلق.
طلب اتونفشتم من ملاّحه ألاّ يعود بعد الآن وهكذا قطع الصلة بالبشرية نهائياً، كما طلب منه أن يغسل شعر كلكامش. ينزع عنه جلود الحيوانات ويحمّمه إلى أن يصبح نظيفاً كالثلج، ويستر عريه بملابس جديدة.
الثلج = الموت.
البياض = الكفن.
هل كان أتونفشتم يتنبأ بموت كلكامش؟
كانت أوفيليا تغني في الفصل الرابع من مسرحية هاملت:
"لقد مات وذهب يا سيدتي،
لقد مات وذهب،
عند رأسه حشيش أخضر
وعند قدميه شاهدة قبر
آه يا ويلي".

فتقول لها الملكة :"لا يا أوفيليا"، فتتوسل إليها أوفيليا أن تسمع:
(تغنّي): "كفنه أبيض مثل الثلج الجبلي".
ما من باحث يعرف على وجه الدقة هل كانت أوفيليا ترثي أباها أم هاملت، ولكنْ ما يهمنا هنا
هو صلة الثلج واللون الأبيض بالموت.
وقع مكبث عدة مرات فريسةً للون الأبيض. كان يمزّقه اللون الأبيض حتى قبل أن يقابل أعداءه.
اللون الأبيض بالنسبة له لون ثلجي يلتهم كلّ الألوان الأخرى ويجمّد الروح. تحت وطأته يجرّد مكبث نفسه من كل ألقابه الملكية، إلى درجة يخاطب معها خادمه كندّ فيقول "أنا" بدلاً من "نحن"..
كان الخادم مبيضّ الوجه من الخوف حينما دخل على مكبث بأنباء مفزعة. قال له مكبث:
"مسخك الشيطان لعيناً أسود
أيها المبيضّ الوجه من الخوف
من أين جئتَ
بتلك السيماء المقشعرة كجلد الأوزّة؟
...إذهبْ وخزْ وجهك واجعل بياضه أحمر كالدم
أيها الصبي المخلوع الفؤاد
أيّ جنود يا مجنون؟
أخذك الموت! خدّاك الأبيضان كالكتان،
يشجعان الآخرين على الخوف
أيّ جنود يا وجهاً بلون مصل الحليب"؟

على هذه المثابة، ثمة كلمات ثلجية أرجفت إمبراطورية بكاملها.
في قصيدة تي. أسْ. إليوت الفريدة :"رحلة المجوس"، كلمات ثلجبة أدارت رأس إمبراطورية بكاملها.
القصة ان نبوءة أقضّتْ مضجع الامبراطور. سيولد طفلٌ يحتلّ مكانه. لا بدّ من قتل الطفل. هكذا تنبأ العرّافون. لم يعثر الملك على الطفل، فنطق بكلمات ثلجية لم ينطقْ بمثلها طاغية من قبل:
"...ثمّة مولد، بالتأكيد
لدينا دليل لا ريب. لقد رأيتُ مولداً وموتاً
وكنتُ تصوّرتُ أنهما مختلفان، لكنّ هذا المولد
عذابٌ شديد ومرير لنا، مثل (الموت) موتنا"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ترجمة للمداخلة التي أُلقيت في البينالي الشعري العالمي بمدينة لييج – بلجيكا.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,329,910,121
- المنظورية في تفسير النص
- النحو الواضح غير واضح
- الليل والخيل والبيداء... معالجة انجليزية للأدب العربي
- ولتر دي لا مير De La Mare - (1873 – 1956).. قصيدة -السامعون-
- ثلاث كتابات سريعة


المزيد.....




- رامي مالك يواجه -جيمس بوند- في أحدث أفلامه
- بالصور.. تشييع جثمان الشاعر الشعبي خضير هادي إلى مثواه الأخي ...
- تأكيد انضمام رامي مالك إلى سلسلة -جيمس بوند-!
- أمزازي: رقمنة التعليم والتكوين «أولوية» يرعاها الملك محمد ال ...
- بيت نيمه.. ملتقى قطري للثقافة والفنون
- -ليست البوكر-.. تسريبات وانتقادات على خلفية نتائج جائزة الرو ...
- البرلمان الأوكراني يقر قانون اللغة الأوكرانية
- ترقب تغيير الموقف الروسي من مسودة قرار حول الصحراء المغربية ...
- افتتاح المهرجان الدولي الـ 15 للسينما الإسلامية في قازان الر ...
- رفاق الهايج يحصلون على ترخيص تنظيم المؤتمر الثاني عشر بعد مع ...


المزيد.....

- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صلاح نيازي - كلمات ثلجية