أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طالب الجليلي - الجراد















المزيد.....

الجراد


طالب الجليلي
(Taliban Al Jalely )


الحوار المتمدن-العدد: 4342 - 2014 / 1 / 22 - 02:56
المحور: الادب والفن
    


 الجراد.          قصة قصيرة

 كانت تنط محاولة تسلق السيقان نحو السنابل الممتلئة .. أعدادها لم تكن كثيرة  .. لم يشكل وجودها في الحقول مدعاة للقلق لكنها كانت موجودة.. كانت أجنحتها تبدو قصيرة وأجسامها ممتلئة وتشبه الى حد بعيد صغار ( ابو الجعل!!) .. لكن أمهاتها كانت طويلة وعيونها بارزة وتفتقد لأي معنى وكأنها عيون القرش.. كان منظرفكيها وهي تفظم حبات القمح يثير إحساسا بالخوف والرعب.. !! حين نمسك بها تتشبث بقوة وإصرار بساق السنبلة وفي أحيان كثيرة تظل مخالبها مغروسة بتلك الساق تأبى أن تفارقه بينما ينفصل جسدها ويترك خيطا مخاطيا يتأرجح من ساقها المبتورة.. كانت تقضم السنابل وكأنها ماكنة .. تترك إخدودا فارغا في جسد السنبلة ثم تعود لتأكل ما تبقى منها وتنتقل الى الأخري لتنقض عليها بنهم وشراهة! كان لونها جوزياغامقا وأحيانا يكون رماديا.. لم نكن نحبها كما نحب الجرادة الخضراء التي كنا نطلق عليها ( الكوريان) .. الكوربان كان وديعا وغير شره .. كان يستسلم بوداعة لأصابعنا وهي تمسك به .. بل كنا نقلد صوته الذي يشبه الحفيف فيأت مطيعا ويحط على أكفنا الممدودة اليه، ولذا صار مثلا للإنسان الذي يقاد بسهولة منصاعا لمن يريد إغوائه: نقول : فلان كالكوربان يأتيك بمجرد أن تصفر له بصوت تلك الجرادة!!
أما هذه التي نراها فإنها جرادة كريهة لكنها محدودة التواجد.. تنط صغارها هنا وهناك... 
كانت الأبقار والخيول تجهد بتحريك ذيولها وهي تبعد عن أجسادها الجراد.. 
اكمل فلاحو الشاطي وارض الكطيزة جمع حصادهم وتهيأ النيسانيون ونسائهم لتحصيل ثمن جهدهم بالحصاد والتكديس وهم يحلمون بالعودة لديارهم التي فارقوها طلبا للرزق.. اكتملت البيادر وهي تلوح للناظر من على قفا اليشان شامخة بلونها الأصفر وكأنها هوادج عرس تحمل تحت ملائاتها أحلام عام من التأمل والعذاب..
بعد ظهر ذلك اليوم  وفد على أرض اليشان زائر غريب ليس للشباب عهدا به لكن المسنين أصابهم الذهول والرعب لدى رؤيته.. حطت هنا وهناك جرادات لونها أصفر!! نزلت على سقوف البيوت الطينية وأكواخ القرية وكارات الحطب .. تزايدت أعدادها بسرعة غريبة وغزت ساحات البيوت .. وحين قاربت الشمس الاختفاء وراء الإفق غطت قرصها الأحمر غمامة سوداء أخذت ترتفع في السماء ثم انتشرت لتمطر على المزارع جرادا أصفرا!!انه المكن!!! قال المسنون وهم يصفقون بأيديهم ألما وبعظون أصابعهم حسرة .. 
ساد القرية وجوم ورعب من هذا العدو القادم من جزيرة العرب.. عوت الكلاب عواء متواصلا وكئيبا  وهي تنذر بالخطر القادم .. ركض الفلاحون ونسوتهم نحو البيادر وأخذوا يحومون حولها لا يعلمون ماذا يفعلوا لدرء هذا الخطر.. توافد الجميع الى مضيف الشيخ وهم يجرون خيبتهم .. اقترح السيد أن يصلوا صلاة الخوف عسى الله أن يأت لهم بمعجزة تقضي على هذا البلاء ..  قال كعادته موبخا : كل هذا هو عقاب لكم لأنكم لا تعطون حقوق الله.. !!! تجمعت نساء القرية حول المضيف وأخذ الأطفال ينقلون لهن ما يتداوله الرجال المجتمعون هناك .. اقترح رجل طاعن في السن أن يحفروا خندقا حول البيادر وبعيدا عنها وتقوم النساء بالقاء الحطب فيه ثم يشعلوا نارا لكي تمنع الجراد من الوصول الى تلك البيادر.. كان الجراد يأتي على شكل موجات ..  شق سكون الليل بكاء ام عبد ونواحها .. وغنى عبيد بصوت حزين طوره الذي اعتاد عليه أهل اليشان !!( أبي افركجن لما ادميجن يراحاي عبن كلساع تنلجمن يراحاي .....!! في الصباح التالي كان الكون كله قد تحول الى لون أصفر ..هجرت القطط البيوت وصارت تطارد الجراد وتأكله حتى أتخمت .. حفر أهل القرية خندقا في الشاطي عند السفح الغربي لليشان وآخر  في الكطيزة عند السفح الشرقي.. سارعت النساء بنقل حطب البيوت الى الخنادق وأذكيت فيها النار.. هيأ السكان كل أوانيهم وقدورهم التي ملأوها بالماء تحسبا .. وضعوها قرب البيادر ثم سارعوا بربط الحمير والأبقار لكي يبدأوا ب سحقها وهم يسابقوا الزمن والجراد,,,
مرت أيام وليال عصيبة اضطر فيها اهل القرية أن يسلقوا الجراد ويأكلونه .. ولما وجدوا أن طعمه مستساغا ويشبه طعم مح البيض المسلوق هجموا عليه يصطادونه هم وأطفالهم ونسائهم وقد حذت الكلاب حذوهم وهي فرحة وتحول عوائها الى نباح بهجة!!  .. لم يعلموا هل كان ذلك انتقاما من الجراد أم كان حاجة وجوع أم كان انعكاس للهزيمة واليأس أمام ذلك البلاء .. في أحد الصباحات صحا أهل القرية على صراخ أم اعبيد .. التي كان كوخها يقع على حافة قفا اليشان الشرقية مقابل البيادر.. هب الجميع باتجاه الكوخ وهم يشتمونها وإبنها الذي بكر بالنواح والشؤم كما رددوا!!  راعهم مارأوا ... كانت النار قد شبت في البيدر!! سارع الجميع بقدورهم وأوانيهم وهم يركضون باتجاه البيدر ولكن هيهات.. من يستطيع أن يقتحم اللهب المتصاعد والحرارة التي  كانت تحيط بالبيدر.. عاد الجميع فرادى وجماعات محملين بالخيبة واليأس ويلتفتون بين الحين والآخر نحو البيدر الذي تحول الى شعلة كبيرة يرافقها طقطقة شواء بذور القمح التي باتت تسمع عن بعد وهي تنعى بيدر اعبيد... لم يكن احتراق البيدر وحده مصدر الحزن والألم بل كان الأكثر منه هو الخوف من انتقال شرارة الى بيادر القرية الأخر.. تجمع الفلاحون في باحة كوخ اعبيد الذي كان قد أصيب بحالة من الهياج فأخذ يروح ويجئ .. يدخل كوخه تارة ثم يخرج مسرعا ليقف بعيدا يراقب البيدر وهو يحترق .. كانت أمه تركض وراءه كشاة تتبع وليدها وهو محتضن من قبل شخص آخر.. كانت بشرته السمراء قد أحرقتها حرارة البيدر وأصبحت منتفخة هنا وهناك .. كانت عيناه جاحظتان وبياضهما المصفر قد احتقن فأصبح سوادهما يطوف في ما يشبه الكبدة المطعونة..  دخل كوخه مسرعا ثم خرج  وهو يحتضن بندقيته وأخذ يسحب أقسامها ملقما إياها بالرصاص.. ركض الرجال ورائه لكنه سبقهم وامتطى فرسه بلا سرج ولا لجام .. لكز جنبيها بقدميه وأسرع باتجاه البيدر..!! انطلقت الفرس جامحة.. كان يرفع بندقيته الى أعلى وأخذ يدور حول البيدر وعيناه لا تفارقانه وكأنه يبحث عن عدو يختبئ بين أكداسه ..أخذ يدور ويدور .. يأس الجميع من الإمساك به .. ظل يدور ويحاول الولوج داخل البيدر لكن الفرس كانت تمتنع وهي تتلقى ركلات قدميه على جنبيها بصبر وكأنها فهمت مراده .. أخيرا وتحت الحاحه وعزمه على اقتحام النار جفلت الفرس ووقفت على قائمتيها الخلفيتين فانزلق اعبيد وهوى  جالسا  ثم ولت هاربة في عمق الكطيزة نحو المجهول ..ركض الجميع نحوه .. انطلقت اطلاقة وشقت عنان السماء .. تسمر الجميع مصعوقين في أماكنهم وقد خذلتهم أرجلهم.. توقفوا لبرهة .. كان اعبيد قد رمى بندقيته جانبا وقد شبك ساعديه فوق ركبتيه اللتان دفن وجهه بينهما .. حين رفعوا رأسه وجدوه يبك بصمت وقد غسلت دموعه وجهه المتورم..

د طالب الجليلي 2013





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,518,808,853
- يوم القيامة
- بين سبيلك و ميركه سور 10
- مات اليسار
- بين سبيلك و ميركه سور 8 (اوراق على رصيف الذاكرة)
- بين سبيلك و ميركه سور 9 ( اوراق على رصيف الذاكره)
- اوراق على رصيف الذاكرة. بين سبيلك و ميركه سور 6
- بين سبيلك و ميركه سور 7
- بين سبيلك.. وميركه سور 4
- بين سبيلك .. و ميركه سور 5 ( اوراق على رصيف الذاكرة)
- بين سبيلك وميركه سور..3
- اوراق على رصيف الذاكرة .. بين سبيلك وميركه سور 2
- اوراق على رصيف الذاكرة ..بين سبيلك و ميركه سور 1
- الرفيق ابو عبد الله
- وطني
- قضية الرفيق ( اوريور )
- اوراق على رصيف الذاكرة ،،3
- اوراق على رصيف الذاكرة...3
- اوراق على رصيف الذاكرة....4
- اوراق على رصيف الذاكرة ...2
- اوراق على رصيف الذاكرة 1


المزيد.....




- أزمة سببها اللغة.. رئيس المفوضية الأوروبية تكلم بالفرنسية فر ...
- افتتاح الموسم المسرحي 244 في -البولشوي- مع دومينغو ونيتريبكو ...
- أعلان عن توقيع رواية / نبيل تومي ‎
- بعد أغانيها السياسية... فنانة جزائرية تهاجم منتقديها برسالة ...
- فنان عربي يثير ضجة: من لا يضرب زوجته ليس رجلا
- شعبولا وآخرون.. السيسي يستنجد بالفنانين خوفا من حملة محمد عل ...
- المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يدخل على خط مراجعة مدونة ...
- -شعر في الشارع-.. حين يلقي شعراء المغرب قصائدهم في الساحات و ...
- الشرعي يكتب: تونس...زلزال الانتخابات
- فنانون يواجهون المقاول والفنان المصري محمد علي


المزيد.....

- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام
- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طالب الجليلي - الجراد