أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد هشام فؤاد - عن حرية الاعتقاد















المزيد.....

عن حرية الاعتقاد


محمد هشام فؤاد

الحوار المتمدن-العدد: 4311 - 2013 / 12 / 20 - 00:48
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تزامنت الدعوة الالكترونية للعالم العربي للتدوين عن حرية الاعتقاد والفكر في 22 ديسمبر القادم مع تصريح د. محمد سلماوي –المتحدث الرسمي باسم لجنة الخمسين- عن حرية الاعتقاد -وذلك في جريدة المصري اليوم عدد الأربعاء 11 ديسمبر 2013- حيث يقول: ليس صحيحاً أن الدستور الجديد يقصر حرية الاعتقاد على الأديان السماوية وحدها، فالمادة (64) تقول إن «حرية الاعتقاد مطلقة» وهذا يعنى أن الإنسان من حقه أن يعتنق ما يشاء من عقائد، وذلك اعتماداً على ما نص عليه الإسلام من أن «لكم دينكم ولى دين»، بل إن ديننا الحنيف يعطى الإنسان الحق فى ألا يؤمن بأى عقيدة، حيث يقول كتاب الله العزيز «فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر».



ولكننا نري أن الأستاذ سلماوي قد غفل كما غفلت المادة عن إدماج "حرية الدين بـ "حرية العبادة"؛ فتتشدق دساتير دول العالم الثالث بإعطاء الأفراد حق الاعتقاد وحرية تغيير الدين دون النص علي حرية العبادة التي تنص علي حق ممارسة شعائر الدين أو المعتقد، أما أن يقصر الدستور بناء المساجد والكتائس فقط، والإشارة إلي ضرورة احتكام أصحاب "الديانات السماوية" إلي شرائعهم فيما يخص قوانين الاحوال الشخصية دون الإشارة إلي أحقية أتباع الديانات الوضعية في ممارسة شعائرهم وبناء دور عبادتهم، بالإضافة إلي التناقض الواضح الصريح في الإصرار علي أن تُقِر المادة الثانية من الدستور مبادئ الشريعة الإسلامية كدين رسمي للدولة؛ فبهذا الشكل فقدت هذه الدولة مدنيتها وقدرتها علي الوقوف علي الحياد وعلي مسافة واحدة من كافة الأديان والمعتقدات، وهذه العملية ببساطة تشبه عرض أزياء (شانيل) وسط قبائل الأمازون إن جاز التعبير!





فما أن يتخطي الفرد المُعْضِلات والإشكاليات في الدستور الذي يقره مجتمعه حتي يصطدم بالسلطة القمعية للرأي العام أو سلطة الأغلبية أو سلطة الجماعة، وقد أثبت التاريخ قسوة هذه السلطة –سلطة الجماعة والغلبية- عن قسوة القوانين التي تضعها المجتمعات لتُكَبِل حريات الفكر والاعتقاد؛ فتتناسي هذه المجتمعات أن الفرد الذي وُلِد مُسْلِماً في الجزيرة العربية كان من المُمْكِن أن يكون مواطناً بوذياً في اليابان أو مُلْحِداً في إحدي جزر الصين الكونفوشيوسية!





ويصطدم ناشدو حرية العقيدة في كل مجتمع بفئتين وكلٌ حسب موقعه: فإذا كان هذا المُتَبِع لدينٍ أو معتقدٍ –وقد يكون ملحداً- من النخبة، ويسعي إلي الخروج عن المألوف؛ مُعَبِراً عما يعتقده ويؤمن به، فإنه يفكر كثيراً قبل الإقدام علي هذه الخطوة؛ خوفاً من بطش وتنكيل الحُكام، فيتحدث ويلوك لسانه ما تستلذه أُذُن هؤلاء الرؤساء والملوك والحُكام حتي ولو كان خلاف ما يضمره ويعتقده في قرارة نفسه، أما إذا كان هذا الذي يسعي إلي التحرر من ربقة أديان ومعتقدات ومذاهب هذا المجتمع مواطناً عادياً فلابُد وأن يصطدم بالآراء اللاذعة من جانب الدُهماء والعامة الذين يقذفونه باتهاماتٍ عدة كالزندقة والكفر والخروج عن أعراف المجتمع وقواعد السلف: فالنموذجان مُكَبلان في مجتمعهما، فالأول يُرْمَي خارج القصر، والآخر تجلده العامة في الشارع؛ فيحمل كلاهما فوق ظهره عقيدته وما يؤمن به، فيظلا دوماً مُطأطِئِي الرأس كالحمار الذي يحمل أسفاراً!





ولذلك نجد أن المجتمع الذي يدخُل فيه الدين أو المعتقد في دائرة الصراع مع غيره من المعتقدات يتحول إلي مجموعة من العادات المألوفة التي جُبِل عليها الفرد؛ فنري العامة والدُهَماء يقومون بتأييد مناصري كل مُعْتَقَد ودين تلك المعركة؛ إذ أنهم –دون فهمٍ ووعي لآليات هذا الصراع- تراهم يتشدقون بأقوال أعلام كل فريق فقط لأنهم يرون أنه من دورهم الدخول في طاحونة هذا الصراع فيقومون بترديد عباراتٍ وأقوالٍ جوفاء تختزنها عقولهم الباطنة وتقوم بإخراجها وإفرازها في الوقت المناسب؛ فمن هنا تكمن قسوة سلطة الرأي العام التي تعلو فوق سلطة القوانين المُكَبِلة للحريات.





فهؤلاء العامة -الذين يقومون بجلد المُلحدين والربوبيين وأتباع الديانات والمذاهب المخالفة للمذهب والدين السائد- لا يعرفون الأسس والمبادئ التي يقومع ليها معتقدهم، فأذهانم مجبولة علي سمع وطاعة القديسين والآئمة والمتشدقين بمحاسن القول والكلام وقواعد السلف؛ فبالطبع عقولهم لن تستوعب أهمية مقارنة الدين السائد بكافة المذاهب والمعتقدات؛ إذ أن اليقين التي يأتي عن طريق المناقشة والنقد والشك والإدراك لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن يقارن باليقين الذي وقر في القلب دون نقاشٍ أو تمحيص؛ فالناس تبتعتد عن المناقشة السقراطية الحرة التي تثير دوماً الشك في الآراء الجامدة المألوفة التي تغبرت علي مر الدهور نتيجة ابتعادها دوماً عن التحليل والخضوع لتجارب الكشف عن الحقائق ومدي ملائمتها لهذا العصر.





ونري حل هذه الإشكالية التي تعانيها معظم المجتمعات الإنسانية في الالتزام بشئ اسمه الضمير المُقَدَس الذي يتربع علي عرش المعتقدات والأديان، فنري أن الأديان والمعتقدات مهما اختلفت وتابينت مبادئها فما هي إلا مجرد خطوات ومحاولات لتذكير الإنسان بهذا الحق المقدس، وهناك كثيرون يرون أن هذا الحق المُقَدَس قد يمكن الحفاظ عليه دون الإيمان بأديانٍ أو معتقدات؛ فالفرد الذي يستحوذ عليه ضميره تراه صالحاً ونافعاً لمجتمعه عن الفرد الذي يتشدق بمبادئ أي دينٍ أو معتقد بغض النظر عن ملائمة هذه المبادئ للتعايش مع غيره من الأفراد والأخلاقيات العامة، فتري هذا المُتَعَصِب الضاحد لأديان وأفكار ومعتقدات غيره يقتل ويسرق ويؤذي ويعتدي علي حريات الآخرين باسم المبادئ الجامدة الجةفاء التييقرها دينه.





فبالطبع أتباع الأديان السماوية يعتقدون بوجود الله ويرون أن خالق هذا الكون والخليقة هو بالطبع حقٌ مُخَوَلٌ لهم لما تمليه عليه أديانهم التي يؤمنون بها، ولكن هذا الحق المَكْفول لهم لا يعني أن يتخذوا مما جاء في هذه الديانات ذريعة للرد علي أتباع الملل والعقائد الأخري، أو أن تكون هذه المبادئ هي الدُعامة التي يتخذها مناصرو هذه الأديان في الدخول في صراع مع أتباع المعتقدات والديانات الوضعية. فنري أن الحق مكفول لأتباع كل دين أو مُعْتَقَد لأن يعبر كل منهم عن عما جاء بمعتقده، وبالطبع سنجد أن مبادئ وأسس كل دين ومعتقد تتنافر مع مبادئ الديانات الاخري ومن هنا تأتي أهمية الحوار المجتمعي –وليس الصراع- والنقاش والمناظرات وهي بالطبع ظاهرة صحية تنأي بالفرد من الغرق في نهر العادات الدينية المألوفة والبعد عن مَغَبة اليقينيات.





وقديماً قد ساد العُرف علي اضطهاد وقتل وتعذيب أتباع الديانة أو المعتقد المخالف لما هو سائد بالمجتمع، فيؤمن كثيرون بهذه الديانة طواعيةً لا اقتناعاً بمبادئه؛ فيتحول المعتقد وقتها من روحانيات تقرها القلب ودستوراً للمعاملات اليومية إلي وسيلة وحيلة ماكرة يتخذها الفرد لينجو من عذاب الحكام ونخبته التي تجلده، والآن وقد استبدل هذا الاضطهاد والتعذيب بنبذ العامة والدُهماء لأتباع المعتقدات الاخري، بل والأكثر نري أن التنويريين والمثقفين والمُفَكرين وقد جعلهم الحُكام والدُهماء -في نفس الوقت- الأداة التي يبطش بها المجتمع بمخالفي العقيدة المُتَفَق عليها –ولا نقول التي يؤمن بها- عليها مُجتَمَعِياً، ولذلك نري أن تطور المجتمعات فكرياً من أطوار البدائية إلي أطوار المدنية ليس إلا تطورٌ في أسلوب التعامل مع المُختَلِفين والأقليات الدينية؛ فالمجتمعات البدائية كانت تطلق لأيدي الحكام العنان في استخدام أسلحة الحديد والكي بالنار والحرق في التعامل مع مناصري معتقدات وأديان الأقليات كاليهود والرومان مع أتباع المسيح، واضطهاد الكنيسة لأتباع المنهج العقلي النقدي،,وضحايا الحضارة الإسلامية الذين اتهموا بالكفر والضلال كابن رشد وابن سينا والفارابي والكندي والرازي والجاحظ، وهذا بالطبع مبررٍ منطقي لهذه العصور التي كانت تري أن المرض ابتلاء من الله يجب علاجه، وأن المسيح قد تألم وفارق أتباعه فلماذا لا نتألم مثله ونعالج المرض؟! ولماذا لا نقتل الوزغ "البُرص" لندخل الجنة؟! أما الآن وقد تطورت وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات فتطور أسلوب التعامل مع الأقليات الدينية والملحدين والربوبيين .. إلخ دون الحاجة للحرق والتعذيب والتنكيل والبطش فجُملة في برنامج إذاعي أو تليفزيوني، أو فيديو في مواقع الانتشار الالكترونية كفيلة بأن تصل إلي نفس النتائج التي وصل إليها البدائيون مع من يخالفونهم في المُعتقد وذلك في وقتٍ أسرع.





ونري أهم أسباب فرار المجتمع دوماً والانزواء عن الملحدين والدينيين والربوبيين هو اطلاع العامة فقط علي الآراء السائدة الضاحدة لهؤلاء القلة، ولكن علي هؤلاء العامة والدُهماء -الذين ينكلون بالمختلفين عنهم- أن يتجهوا لدراسة المعتقدات الأخري مباشرةً، لابد وأن يقوموا بدراسة نظرية التطور، وأدلة ديفيد هيوم وريتشارد دوكنز، لابد وأن يقوموا بدراسة مبادئ بوذا وكونفوشيوس والقديس ناناك وروزنكريوس، لابد وأن يطلعوا علي تعاليم الزرادشت وديانة الزازن، حتي يكون حكمهم صائباً موضوعياً علي هذه المعتقدات ولكن دون التعرض لأتباع هذه المذاهب والمعتقدات وإلحاق الأذيبهم أو السخرية من أفكارهم، فالفكر لا يواجه إلا بفكرٍ .. والنقاش والحوار والنقد وتوسيع دائرة البحث هي السبيل لإقامة مجتمعٍ مدني يتعايش فيه أفراده رغم تعدد مذاهبهم ومعتقداتهم، فعلي الفرد أن يؤمن بما شاء، وله الحق في تغيير ما يؤمن به ويعتقده، وله ألا يؤمن بمعتقدٍ أو مذهبٍ أو أية ديانة حتي وإن آمن بسلطة الحجر الذي يسقط علي رؤوس البشر من أعلي ودوره في تصريف شؤون الكون!





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,164,025,918
- الله والملائكة والمصريون
- حوار بين ليبرالي (ل) واشتراكي (ش)


المزيد.....




- الإمارات تستعد للزيارة التاريخية المشتركة لبابا الفاتيكان وش ...
- نشطاء: وفاة رجل دين سعودي بعد 5 أشهر من احتجازه
- الإمارات تستقبل شيخ الأزهر والبابا فرانسيس يوم 3 فبراير المق ...
- من هو -الأب الروحي للجماعة الإسلامية المتهمة بتدبير هجمات با ...
- عراق بايكرز .. -لا للسياسة- لمداواة جراح الطائفية
- خبير ليبي: الإسلام السياسي هو من يحاول إعاقة العملية السياسي ...
- مصر.. المتهم بقتل -عصافير الجنة- العام الماضي ينكر اعترافاته ...
- صنداي تايمز: الانسحاب الأمريكي من سوريا «أنعش تنظيم الدولة ا ...
- -اضغط لتصلي- مع بابا الفاتيكان
- أمين المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة يؤكد عدم وجود تناقض بي ...


المزيد.....

- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (4) / ناصر بن رجب
- طواحِينُ الأوهام: حين تَضْرِبُ رأسَك بجدار العالم / سامي عبد العال
- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي
- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد هشام فؤاد - عن حرية الاعتقاد