أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سلمان رشيد محمد الهلالي - المثقفون العراقيون ....... والطائفيه (التابو الاخير)















المزيد.....

المثقفون العراقيون ....... والطائفيه (التابو الاخير)


سلمان رشيد محمد الهلالي

الحوار المتمدن-العدد: 4309 - 2013 / 12 / 18 - 14:27
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


(اشق الامور ليس دائما ان نحل المعضلات ...
بل هو ــــ احيانا ــــ ان نطرحها) غارودي
تميز المشهد الثقافي والمعرفي في العراق بعدم الدقة والتداخل في تحديد المفاهيم الفكرية والسياسية والاجتماعية . فالارتكان الى تبني المفاهيم التقليدية التي يحددها الاعلام والتسليم بالفهم الخاص الذي تفرضه السلطات السياسية الحاكمة او الانساق الثقافية الفاعلة ، هو السمة السائدة في هذا المشهد . وابرز الامثلة على ذلك مفهوم (الوطنية) فحتى الان مازال هنالك التباس في الاوساط الثقافية والسياسية والحزبية في العراق حول هذا الاصطلاح . بل ان المفهوم التقليدي للوطنية الذي روجت له السلطات القومية الحاكمة والاحزاب اليسارية المعارضة ، مازال هو المهيمن والسائد عند هذه الاوساط ، رغم انه مفهوم اقصائي وخطابي واعلامي ولا يمت للوطنية باية صلة .
يقول (ت . س . اليوت) : (ان حاجة الكلمة للتعريف تزداد بعد استعمالها السيء) وهذا الراي ينطبق بصورة واضحة على اصطلاح او مفهوم (الطائفية) الذي راج استعماله في العراق والشرق الاوسط بعد عام 2003 فهو الاخر يفتقر الى التحديد والفهم الموضوعي او المعنى الحقيقي المقصود به . واصبح يطلق في الاعلام والدراسات التقليدية وفق مقتضيات شخصية وسياسية دون دلالته العلمية . بل ان الاغلبية الساحقة من الكتاب والمثقفين العراقيين ـــــ ان لم نقل الجميع ـــــــ لم يحدد اطارا عاما للطائفية او تعريفا موضوعيا لها . وما هو المقصود بها ؟ ومن هو الانسان الطائفي ؟ وكيف يمكن ان نحكم على هذا الفعل او تلك الممارسة على انها طائفية ؟ .
ومن خلال اطلاعات مستديمة وقراءات متعددة خرجنا بالتعريف الاتي لمفهوم الطائفية ، وهو ـــــ ببساطة ـــــ كل دعوة صريحة او ضمنية الى ارهاب وتهميش وتشويه او قتل وتهجير احدى المكونات الاجتماعية واقصاءها عن الادارة والحكم والممارسة السياسية في البلاد . واما الفعل الطائفي : فهو العمل على تهميش وتشويه وارهاب وتصفية وتهجير احدى الطوائف الاجتماعية والعمل على اقصاءها عن الادارة والحكم والممارسة السياسية في البلاد . ولا يندرج ضمن هذا التعريف المفاهيم الاخرى التي اعتاد المثقفون العراقيون ادخالها في نسيج الطائفية ، كالنقد الموضوعي او فضح الممارسات الطائفية او امتداح الانسان لطائفته . وكان حسن العلوي قد ذكر في كتابه (الشيعة والدولة القومية في العراق) ان التمييز الطائفي وليس الانتماء للطائفة هو من يجعل الانسان طائفيا . الا انه قد اخطأ عندما ربط بين الطائفية وبين من يملك السلطة او القدرة على الفعل الطائفي (في اشارة الى طائفية السلطات العثمانية ـــــ القومية المتعاقبة على العراق) لان الممارسات الطائفية التي قام بها اتباع وايتام وبقايا تلك السلطات في العراق بعد سقوطها عام 2003 من خلال التشويه والتخوين والارهاب والقتل والتهجير ، يدحض فرضية الربط بين الطائفية السلطة . فقد تكون احدى الاقليات او احدى المكونات الاجتماعية خارجة عن السلطة المطلقة في البلاد ، لكنها تقوم بممارسات طائفية على النمط الذي ذكرناه سابقا ، فيما ان العكس صحيح ، اذ تكون احدى الطوائف متمسكة باغلب مقاليد السلطة ، لكنها لا تقوم بممارسات طائفية فحسب ، بل تتعرض الى ممارسات صريحة من ذلك النوع ومن تلك الاقلية .
واذا اردنا ان نكون اكثر دقة واحاطة بهذا الموضوع المتداخل ، يمكن تقسيم الاخطاء الشائعة حول مفهوم (الطائفية) عند الانتلجنسيا العراقية الى ثلاث اقسام :
1. مدح الانسان الموضوعي لطائفته .
وجدنا من خلال القراءة والاطلاع على شبكات التواصل الاجتماعي ، ان المثقفين العراقيين يدرجون هذا المبدأ ضمن سياق الطائفية . وهو خطأ شائع وجسيم ، فالانسان على مدار التاريخ والحضارة يمتدح بلده وقوميته ودينه ومذهبه وفكره واصوله الاجتماعية ، لاسباب عديدة ، لا تتعلق بالانتماء والرغبة بالتفوق والهيمنة وتكريس الهوية فحسب ، بل تتعلق بصناعة الذاكرة التاريخية الموحدة لمجتمع معين ، والتماهي مع الاخرين في سبيل خلق مشتركات ثقافية بين افراد المجتمع . فليس من الخطأ او المعيب مدح الانسان لطائفته ، وابراز الجوانب الاجابية والحضارية فيها دون تهويل او اقصاء للفئات الاجتماعية الاخرى.
2. النقد العلمي والموضوعي لاحدى الطوائف الاجتماعية .
وهو من المبادئ التي عدها المثقفون العراقيون نوعا من الطائفية المقيتة ، رغم ادراكهم بخطورة طرح هذا المبدأ او الترويج لهذا الخطأ الشائع ، الذي سوف يجعل الطوائف فوق النقد والتقويم ، ومن ثم الارتقاء بها الى دائرة التقديس والتبجيل ، وبالتالي سيؤدي لا محالة الى تراكم الاخطاء وتلاشي مفهوم التصحيح والتعديل ، وخلق المزيد من التابوات الاجتماعية المنغلقة . ويبدو لي ان اول من تمرد على هذا المبدأ عراقيا هو الدكتور علي الوردي في كتابه (وعاظ السلاطين) . اذ دون فيه اراءا علمية ونقدية حول احدى ابرز المظاهر السلبية في التاريخ الاسلامي ، وهي ظاهرة (وعاظ السلاطين) رغم علمه ان اكثر من 90% من مادة الكتاب قد اختصت بالطائفة السنية في العراق ، على اعتبار ان هذه الفئة اكثر التصاقا وتلاحما بهم ، بحكم ارتباطهم الوجودي والعقائدي مع السلطات الحاكمة على مدى التاريخ الاسلامي . ورغم العلم بالاصول العلوية والجعفرية للدكتور الوردي ، الا ان الاوساط الثقافية لم توجه تهمة الطائفية له ، لان سؤال الطائفية ــــــــ في الاساس ــــــــ لم يكن مطروحا في العراق انذاك ، فالنخب المتعلمة والمثقفة كانت متماهية مع الصراعات الايديولوجية (اليسارية والقومية) ، وخطابات والستينيات الثورية ، وتعد التطرق الى هذه الموضوعات هو نوعا من الرجعية والمفاهيم البالية .
3. فضح الطائفية هو نوعا من الطائفية .
وهذا المبدأ الخطير انفرد به المثقفون العراقيون من خلال التماهي مع السلطات الطائفية السابقة في العراق ، او بسبب الاستبداد والخوف من المصير المجهول في حالة التطرق الى الممارسات الطائفية لتلك السلطات . وتكمن خطورة الترويج او ترسيخ هذا المبدأ في انه سيؤدي الى كبت الفئة المظلومة لمعاناتها ، واستسلام كامل لمصيرها ، وعدم الانتفاض على واقعها وكرامتها ووجودها ، ومن ثم تمادي الطائفيون في اعمالهم البربرية والاقصائية ، لانهم سيكونون في مأمن من النقد والمسؤولية والافتضاح ، على اعتبار ان فضح هذه الممارسات والتشهير بها سيعده المثقفون العراقيون نوعا من الطائفية ، والافضل عندهم السكوت على هذه الاعمال والتسامي عنها ، من خلال الهروب الى الامام والدعوة الى حرق المراحل واختصار عجلة التاريخ الى مديات اخرى لا تحوي مثل هذه الممارسات .
ان الاقسام الثلاث التي ذكرناها اعلاه ، لا تندرج ضمن التصنيفات الطائفية قط ، وان الذي يندرج ضمن هذا التصنيف هو التعريف الذي ذكرناه والفعل المصاحب له . واما محاولة بعض المتعلمين والمثقفين ادخال الاقسام الثلاثة ضمن سياق الظاهرة الطائفية ، فهو من الاخطاء الشائعة التي وقعت بها الانتلجينسيا العراقية بسبب القصور في الفهم والضبابية في الطرح الحقيقي لهذا المفهوم ، وحداثة استعماله في الحقل الثقافي والاعلامي في العراق بعد عام 2003 .
ولم يكن بواعث الخلل في تعاطي المثقفون العراقيون حول ماهية الظاهرة الطائفية وتعريفها والمبادئ المتلازمة معها فحسب ، وانما يتجاوز ذلك الى كيفية التعامل الواقعي والعلمي والموضوعي . فالهروب الى الامام والتعالي على الجراح احدى اهم السمات التي يشترك بها معظم اولئك المثقفون ، رغم ان المتتبع البسيط للتاريخ العراقي الحديث والمعاصر وقبلها الاسلامي يجد ان الظاهرة الطائفية هي الثابت الوحيد في السياسة والصراع في تاريخ العراق . فاذا كان ماركس يقول (ان التاريخ هو تاريخ الصراع بين الطبقات) فانه في العراق حتما هو الصراع بين الطوائف . بل ان العراق مؤسس الطائفية في التاريخ ، ومركزها الاول ، وبؤرة هذه الصناعة في العهود الاسلامية الاولى ، ومنه خرجت جميع الفرق والمذاهب والنحل وان تمظهرت بصور وانماط متعددة في باقي المجتمعات . يقول الجواهري :
لا تنس انك من اشلاء مجتمع يدين بالحقد والثارات والخطل
يستنفر اليوم من امس على غده على المذاهب والاديان والنحل
ورغم تلك الصورة القاتمة والحقيقة المؤلمة نجد في المقابل ان الانتلجنسيا العراقية لم تتعاطى مع هذه الاشكالية بجدية ومسؤولية ومكاشفة ، او بتحليل علمي وموضوعي صريح ، بل حصلت عملية تباري في التسامي عن هذه الموضوعات الخطيرة والمصيرية التي تهدد وحدة ومستقبل البلاد والقت به في مهاوي التقاتل والاحتراب الى مجالات اخرى لا تشكل هاجسا معرفيا في العراق الجديد كالخطابة والشعر والنقد الادبي والقصة وغيرها . وتحققت النبوءة التي اطلقها الدكتور الوردي في الخمسينيات حول خطورة العقدة الطائفية في العراق وتضخمها التدريجي ، في زمن كانت فيه الاوساط الثقافية والمتعلمة مثل زهرة (اللوتس) متعالية عن المستنقع الذي تخرج منه ، محلقة في اجواء الوعي الزائف او المغترب ، تبحث عن اليوتوبيا في الايديولوجيا ، هاربة الى تلك المدن القصية التي قد تحقق فيها ذاتها المغتربة وهويتها المأزومة ، شبيه بهروب (مظفر النواب) من الكاظمية واهوار العراق للقتال في ارتيريا مع الشيوعية واليسار !! تاركا اشكاليات العراق المعقدة وراء ظهره ، ومن لم يستطع انقاذ نفسه فانه يحاول انقاذ الاخرين ــــــ كما يقول علماء النفس ـــــــ وبالتالي فان البكاء على فلسطين خمسين عاما والتضامن مع (امنا) (جميلة بوحيرد) في الجزائر والتظاهر لدعم المصريين في السويس ، واستعارة بدلة العم (ماو) وشوارب الرفيق (استالين) واغتراب (بابا سارتر) انما هو هروب من استلاب الواقع الطائفي والاقليمي الى فضاء المشاريع الكونية (فالشعوب لا تطرح على نفسها الا المشاكل التي تقدر على حلها) كما يقول ماركس .
بعد حصول عملية التغيير المفصلية عام 2003 وسقوط اخر الانظمة الطائفية في العراق ، وقيام اول نظام ديمقراطي تعددي حقيقي يقوم على المشاركة السياسية في ادارة الدولة بحسب التمثيل النسبي للمكونات الاجتماعية التي يعكسها النظام البرلماني ، حصلت عملية استهداف منظمة وطائفية من خلال وسائل العنف الجسدي (ارهاب ، قتل ، تهجير ، اختطاف) والعنف الرمزي (تخوين ، تشويه ، تحريض ، استفزاز) ضد الاغلبية الشيعية في العراق ، في سبيل اعادة المعادلة السابقة في الادارة والحكم ، والقائمة على حكم الاقلية السنية العربية ذات الجذور العثمانية . وبدل ان يتبارى المثقفون العراقيون بتفسير النظام المعرفي لهذه الاقلية وتحليل ثقافة الاستعلاء والاقصاء والكراهية التي يستندون اليها وتفكيك المنظومات الفكرية والسياسية والدينية التي يرتكزون عليها ، نجد اعادة انتاج منظمة للهروب من المسؤولية والمواجهة والتحليل والنقد . فاذا كان الاستبداد والخوف من الملاحقة هو السبب في عدم طرح مثل هذه الاشكاليات ايام الحكم الديكتاتوري السابق ، فما هو المبرر من عدم طرح هذه المقولات والافعال في زمن الحرية والتعددية ؟ وهل ان الظاهرة الطائفية في العراق قد وصلت الى مرحلة (التابو) التي يحرم التطرق اليها ونقدها ؟ .





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,330,150,270
- حفريات في الاستبداد (قراءة في كتاب سبق الربيع العربي)
- هل كان علي الوردي برغماتيا ؟


المزيد.....




- مسؤول أممي يلتقي مفاوضين من طالبان في قطر
- النظام السوري يسدد فاتورة حمايته.. ميناء طرطوس بيد موسكو لمد ...
- عبد المهدي: العراق ينظر بتقدير لدور روسيا في تعزيز الأمن وال ...
- -الكلاب الفاسدة- تثير سخرية الكويتيين
- حريق نوتردام.. الشرطة أمام فرضيتين
- زعيم كوريا الشمالية: السلام في شبه الجزيرة الكورية يعتمد على ...
- قوات الوفاق الليبية تعلن تقدمها وسيطرتها على عدة مناطق جنوب ...
- لوس أنجليس.. احتجاز طلاب في الحجر الصحي
- البازارات الشعبية بتركيا.. فرصة التسوّق بأقل الأسعار
- تحقيق: وفاة الرضع بتونس سببه تعفن في المستحضرات الغذائية


المزيد.....

- عمليات الانفال ،،، كما عرفتها / سربست مصطفى رشيد اميدي
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء السادس / ماهر جايان
- المنظور الماركسى الطبقى للقانون - جانيجر كريموف / سعيد العليمى
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الخامس / ماهر جايان
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الرابع / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الثاني / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الأول / ماهر جايان
- الحق في الاختلاف و ثقافة الاختلاف : مدخل إلى العدالة الثقافي ... / رشيد اوبجا
- قوانين الجنسية في العراق وهواجس التعديل المقترح / رياض السندي
- الأسباب الحقيقية وراء التدخل الأمريكي في فنزويلا! / توما حميد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سلمان رشيد محمد الهلالي - المثقفون العراقيون ....... والطائفيه (التابو الاخير)