أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيد بودبوز - بين زمانية النهار ومكانية النهر















المزيد.....

بين زمانية النهار ومكانية النهر


سعيد بودبوز

الحوار المتمدن-العدد: 4304 - 2013 / 12 / 13 - 08:24
المحور: الادب والفن
    


خلف هذه اللافتة النقدية (أعلاه)، سنقوم بتحليل عنوان "الموت الذي مرق بين نحر الفجر وضفة النهر"، وهو عنوان القصة التاسعة من مجموعة "رقصة زوربا"[1] للقاص المغربي عبد الواحد كفيح. كما أن هذه الورقة هي جزء من دراسة سيميولوجية مطولة ومعمقة (لم تنشر بعد) في كتاب بعنوان "تناسخ النص"[2]. باختصار: تدور هذه القصة حول جندي تزوج ورزق بتؤمين؛ الولد اسمه خالد والبنت اسمها خلود. ذات يوم تقرر أن يخرج الزوج من الثكنة، برفقة كتيبة عسكرية، لإخماد ثورة (تحدثنا عن ذلك بتفصيل في الكتاب المذكور) على أن تذهب زوجته لملاقاته (في مكان محدد) أثناء طريقه لإخماد تلك الثورة، وكان كل منهما يموت شوقا لرؤية الآخر. حملت التؤمين، وانطلقت عند بزوغ الفجر. وقبل أن تغرق في النهر، الذي كان عليها أن تعبره، كانت قد عبرت بطفلها خالد إلى الضفة الثانية. وعندما عادت إلى الضفة الأولى كي تحمل الطفلة خلوداً، غرقت. وبهذا تركت النهر فاصلا بين خالد وخلود، كما تركه الموت فاصلا بينها وبين زوجها !.
من خلال تحليلنا لهذا العنوان، نلاحظ أن "الموت" (الوارد فيه) هو الغرق الذي تعرضت له زوجة البطل، ولقد حدث ذلك مباشرة بعد الفجر، لقول السارد: "ما إن بدأت أول خيوط العتمة في الانسحاب متسللة من الكوى والشقوق والمنافذ حتى بدت من الدار شمس سبقت شمس الكون طلوعا"[3]. ويمكننا أن نعرف عن أية ضفة يتحدث السارد؛ أهي الضفة التي تركت عليها خالدا، أم الضفة التي تركت عليها خلودا، إلا أن ذلك يقتضي تحريف الصورة المرجعية بعض الشيء، أي أن الفجر الطبيعي، الذي أشار إليه السارد حرفيا، ليس هو كل شيء في هذا العنوان، وإن كان أداة لتورية الفجر المجازي المتمثل في "اللقيا" الذي كان مرتقبا بين الزوجة وزوجها، والذي لم يحدث طبعا.
إذن، فالضفة التي تمثل "نحر الفجر" هي الضفة التي تركت عليها خالدا، أما "ضفة النهر"، في هذا العنوان، فهي الضفة التي تركت عليها خلودا. ثم إن الغرق لم يحدث لزوجة البطل حين عبرت النهر لأول مرة بابنها خالد، بل حدث بعد أن عادت، مرة أخرى، إلى خلود. نلاحظ أن الشطر الأول من العنوان، والذي يشير إلى "ضفة الفجر"، يناسب كون هذه الضفة تمثل فضاء الزوج الذي سيبزغ الفجر بملاقاته، وأما الشطر الثاني، فهو يتطابق أيضا مع كون ضفة الزوجة (الوحيدة) ما هي إلا ضفة للنهر الذي غرقت فيه أخيراً.
نلاحظ أيضا أنه سيكون من المناسب (لو كان العكس هو الصحيح) أن يقول "الموت الذي مرق بين ضفة النهر ونحر الفجر"، وبهذا سيشير الشطر الأول، من العنوان، إلى ضفة خلود التي تتحرك زوجة البطل منها إلى الضفة الثانية. ولكن، بشكل تلقائي، سيشير الشطر الثاني من العنوان إلى احتمال بزوغ الفجر المجازي بالإضافة إلى الحقيقي، أي يجب أن يحدث هناك لقاء بين البطل وزوجته بعد أن تجتاز محنة النهر. وبما أن هذا لم يحدث، فمن المناسب جدا أن يقول السارد "بين نحر الفجر وضفة النهر". وبهذا يكون الشطر الثاني، من العنوان، لاغيا للشطر الأول، وهذا بالضبط ما حصل على مستوى متن النص.
"الموت الذي". إن هذا المقطع يدل على أن الموت، المتحدث عنه في النص، ليس هو الموت العادي المتعارف عليه، والمتفق على طبيعته بين الأحياء والأموات، وإنما يتعلق الأمر هنا بموت معين، وهو الموت الذي "مرق بين نحر الفجر وضفة النهر"، مما يعني أن هناك أصنافا متعددة من الموت، وأن هذا "الموت" ليس بالضرورة هو نفس الموت التقليدي المعروف بين مختلف الكائنات المائتة. إنه يتميز أولا بقدرته على إحداث علاقة بين الزمان والمكان. فالفجر يدل على بداية النهار، وهذا الأخير وحدة من الوحدات الزمنية قبل كل شيء. أما النهر، فهو وحدة من الوحدات المكانية. إذن، فمن بين الامتيازات التي يمتاز بها هذا الموت "الذي مرق..." عن غيره من الموت التقليدي، هو أنه قادر على إيجاد حيز التجلي بين الفجر (الزمان) والنهر (المكان)، أو، بدقة أكثر، بين جزء من الزمان وجزء من المكان. لنلاحظ بأن تدفق النهار من نقطة الفجر يشبه تدفق مياه النهر من ينبوع معين. فالنهر ليس سوى مياه تتحرك في اتجاه واحد من الينبوع إلى المصب. وكذلك النهار ليس سوى شمس تتحرك من المشرق إلى المغرب. حين نتحدث عن الشمس، بعبارة أدق، فإنما نتحدث عن نورها، أي نور النهار. وهذا النور يبدأ من الفجر، وينتهي بعد الغروب. وكذلك ماء النهر يبدأ جريانه من المنبع إلى المصب. انظر ما يلي:

النهر يتحرك من المنـبع إلى المصب -;- المكان
-;- -;- -;- -;-
النهار يتحرك من المشرق إلى المغرب -;- الزمان

وبما أن للنهر طولا وعرضا، في حين أنه ليس للنهار سوى طول بدون عرض، فلا بد أن يكون جريان النهار بين ضفة الفجر وضفة المغرب. هنا لا بد من تذكر نقطة هامة، وهي أن الزمان يستمد قيمته مما يحدث فيه من الأحداث، أي أننا لا نعطي قيمة للنهار بقدر ما نعطي قيمة لما يرتبط به من الأحداث، بغض النظر عن طبيعة هذه الأحداث. وهذا يعني أننا، في الواقع، لسنا مهتمين بزخارف الزمان بقدر ما نحن متعلقون بزخارف التاريخ. فالزمان لا يهمنا إلا بقدر ما يتحول إلى تاريخ. وبناءً عليه، فإن الأحداث التي تجري أثناء النهار، تجري بين الفجر والمغرب ضرورةً، أما الشيء الذي تحمله مياه النهر، فهو يجري بين ضفتيه، وإن كنا لا ننفي طبعا بأنه يجري بين المنبع والمصب.
إن ضفة النهار إذن هي "الفجر" الذي يقابل ضفة النهر. لنلاحظ بأن النص ينطوي على حذف الضفتين، والإبقاء على ضفتين. فالضفتان المحذوفتان هما ضفة (الزمان) الغروب، وضفة (المكان) النهر الأولى. إذن، لقد اختلط النهر بـ النهار، مما يعني اختلاطا بين الزمان والمكان. وتم إدغام الضفة الثانية للنهار في الضفة الثانية للنهر، وبذلك أصبحت هذه الأحداث جارية بين ضفة الزمكان الأولى (الفجر)، وضفة المكان الثانية (النهر).
إن الاختلاط المذكور يعني أن ما يجري في هذا الحيز يجب ألا يجري في ضوء النهار فحسب، بل في مياه النهر أيضا، وذلك لأننا بين الضفة الثانية (ما بعد المياه) للنهر، والضفة الأولى (ما قبل شروق الشمس) للنهار. فبدل أن ينفتح علينا مزيد من نور النهار، بحكم ارتفاع الشمس نحو الأفق الشرقي من مستوى الفجر، انفتحت علينا مياه النهر. ولهذا بدل أن تتمتع البطلة بالرؤية الواضحة التي يمنحها شروق الشمس للنهار، غرقت في مياه النهر !. من الناحية البنيوية يتكون هذا العنوان من ثلاث متواليات، وهي:

النهار -;- الليل
اليابسة -;- المياه
الحياة -;- الموت

لقد رأينا بأن هناك نوعا من الخلط بين النهر والنهار في هذا العنوان، وهو ما يدل على الطبيعة الزمكانية لـ"الموت الذي مرق بين نحر الفجر وضفة النهر". لنتأمل المقطع التالي: "سأكون أسعد خلق الله وأنت تحملين إلي ذريتي شهادة ميلادي ورمزا امتدادي في التاريخ والجغرافية"[4].
هذا مقطع من الرسالة التي أرسلها الجندي لزوجته، حين طلب منها أن تلقاه أثناء مهمته العسكرية المذكورة. لنقارن بين مفردتي "التاريخ" و"الجغرافية"، في خطابه، ونسقط النتيجة على خلاصة مقارنتنا بين الشطر الزمني والمكاني للعبارة التي يتكون منها العنوان. الجغرافيا تتضمن المكان، والتاريخ يتضمن الزمان. إن خالدا وخلودا يرمزان إلى امتداد مزدوج للبطل؛ يرمزان إلى امتداده عبر التاريخ (الزمان) وامتداده عبر الجغرافيا (المكان). إذن، فإن هذا الرمز الزمكاني يجب أن ينتهي في فضاء زمكاني، أي بين نحر الفجر وضفة النهر !. فلو كان التؤمان رمزين لامتداد تاريخي فقط، لكان من الأنسب أن يأتي ما يعكس ذلك في العنوان كالتالي: "الموت الذي مرق بين نحر الفجر وضفة المغرب". ولو كان التؤمان رمزين لامتداد جغرافي فقط، لكان من المناسب أن يأتي العنوان كالتالي: "الموت الذي مرق بين ضفتي النهر" أو ما شابه. وبهذا سيتمكن العنوان من عكس الصورة الحقيقية التي تشكل رمزية الامتداد الجغرافي للتؤمين !.
ــــــــ
[1] عبد الواحد كفيح: رقصة زوربا، مجموعة قصصية، الطبعة الأولى سنة 2010، منشورات وزارة الثقافة.
[2] سعيد بودبوز: تناسخ النص- مقاربة سيميولوجية (مخطوط جاهز للطبع والنشر).
[3] عبد الواحد كفيح: المرجع السابق، ص33.
[4] عبد الواحد كفيح: المرجع السابق، ص31.

saidboudabbouz@gmail.com





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,396,484,599
- سوءة حظه (ق.ق.ج)
- الإياب السردي في -مرايا- سعيد رضواني
- الضحك عقوبة!
- الصَّمْتُ الذي عَبَرَ اللغةَ
- لا (2)
- لا
- يوسف إدريس: بين انصهار الثقافة وانفجار الغريزة
- حكمة نيتشه بين الجبل والعقل (1)
- حوار مع الشاعرة لطيفة الشابي
- الماء والحكاية في -أحلام تمد أصابعها-
- بين الجنس الأدبي والجنس الآدمي (تحليل عنوان -أحلام تمد أصابع ...


المزيد.....




- 9 جوائز من نصيب وثائقي -سكان الأرض اليباب- للسورية هبة خالد ...
- مطالب بمنح حكم برازيلية جائزة الأوسكار بعد لقطة طريفة
- اعتصام لمنتخبين من كلميم بمقر وزارة الداخلية
- الصويرة المغربية تحيي أيام موسيقى القناوة في دورتها الـ22 وت ...
- الصويرة المغربية تحيي أيام موسيقى القناوة في دورتها الـ22 وت ...
- فضيحة القرن.. 50 مقالا تختزل مسيرة ماركيز الصحفية
- لماذا فنان عربي ضرير لا يمكنه تحديد سعر لوحاته المعجزة (صور) ...
- كتاب -المحاكم الإلكترونية-... دراسة في أنظمتها المستجدة على ...
- رحل بعيدا عن يافا.. سميح شبيب يدفن بمخيم اليرموك
- مشاهير هوليوود يطالبون بتقديم ترامب إلى العدالة بتهمة التواط ...


المزيد.....

- الاعمال الشعرية الكاملة للشاعر السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان / فواد الكنجي
- الملاكم / معتز نادر
- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيد بودبوز - بين زمانية النهار ومكانية النهر