أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منصور عمايرة - كينونة المقاومة لدى عبد الرحمن الشرقاوي وكاتب ياسين















المزيد.....


كينونة المقاومة لدى عبد الرحمن الشرقاوي وكاتب ياسين


منصور عمايرة

الحوار المتمدن-العدد: 4293 - 2013 / 12 / 2 - 19:59
المحور: الادب والفن
    


كينونة المقاومة لدى عبد الرحمن الشرقاوي وكاتب ياسين* منصور عمايرة
تتمثل كينونة المقاومة في مسرحية الشرقاوي مأساة جميلة ، ومسرحية كاتب ياسين الجثة المطوقة والأجداد يزدادون ضراوة، على مستوى المكان والمدى الزمني والشخصيات والحدث.
إن المقاومة الجزائرية للاستعمار الفرنسي، بدت بصور متعددة في المسرحيات الثلاث، وقد تمثلت بصورة مكانية متعددة بـ:
1- المكان الشامل، ويقصد به " الجزائر " كوطن مقاوم على امتداد رقعته الجغرافية في الشمال والجنوب والشرق والغرب.
2- المكان العام، ويقصد به القصبة، والجبل والصحراء... إلخ.
3- المكان العام/ الخاص، وتمثل بقهوة أحمد المصري، كمكان عام للجميع، ومكان خاص بالاجتماعات المخصصة للثوار والمقاومة. ومثله مرقص سيمون، فهو عام يدخله الجميع، ويكون خاصا عندما تقرر المقاومة أن تجعله مكانا مقاوما بتفجيره.
4- المكان الخاص، ويقصد به بيت مصطفى بوحريد، بيت الضابط عزام، بيت شيخ المسجد، وبيوت الفلاحين...إلخ.
5- المكان المفتوح والمغلق، تمثل بـ:
أ- المكان العام المفتوح الخارجي مثل: الجبل، الصحراء.
ب- المكان العام المغلق / المفتوح الداخلي: حي القصبة، فهو عام للجميع، ومفتوح للجميع أيضا، ولكنه مغلق بسبب جنود الاستعمار، كنطقة تواجد ومراقبة ومطاردة الثوار والمقاومة.
ج- المكان العام الإيجابي / السلبي الداخلي: حي القصبة، فهو سلبي بفعل الاقتحام والمراقبة المستمرة والدائمة. وإيجابي، لأن الثورة والمقاومة والتخطيط للثورة والمقاومة تبدو من هناك، فهو يمثل المكان الحميمي للجزائريين، لأنه ينتج فعل المقاومة، ويبحث من خلاله عن الحرية والأمل وعن المكان المفتوح.
د- المكان العام المغلق السلبي الداخلي: السجن، لأنه يمثل حالة القهر والذل والحبس والتعذيب والظلم والظلام والتحقيق.
***
في مسرحية عبد الرحمن الشرقاوي مأساة جميلة، يبدو المكان مكانا مقاوما بشكل عام، وهذا يعني أنه يمثل البعد التصاعدي للمقاومة، وتمثل بشكل رئيس على التفجيرات والاستيلاء على الأسلحة، وقتل العملاء وتهريب الأسلحة إلى الجبل، وتوزيع المنشورات.
فهذه المقاومة ذات بعد تصاعدي، تتعامل مع الاحتلال بطريقة مماثلة ضدية كرد فعل لفعل، وأحيانا تتمثل برد فعل أقوى من الفعل، لأن صاحب رد الفعل هو من يملك الأرض ويعيش في وطنه، ويريد تخليصه من عدوه مهما كلف الأمر.
وقد تمثلت المقاومة التصاعدية في مسرحية مأساة جميلة، بالمكان المقاوم، والمرأة المقاومة، والطفل المقاوم، والرجل المقاوم، والزمن المقاوم، والفضاء الخارجي مثل الجبل والصحراء كبعد مقاوم.
***
إن المدى الزمني في مسرحية الشرقاوي يتحدث عن عام 1956، حيث تمثل المقاومة أوجها، ولهذا ستبدو صورة المقاومة تصاعدية.
كتبت مسرحية الشرقاوي باللغة العربية، ونشرت في بلد عربي، فيبدو الشرقاوي من خلال المسرحية أكثر مقاومة وبشكل تصاعدي، لأن المسرحية وطنية موجهة للجزائريين، والمسرحية عربية قومية، وموجهة في هذا الإطار إلى المحيط العربي، فهي ليست بحاجة للإدانة، وإنما للمقاومة لاتخاذ قرار صارم، يتمثل بالمقاومة حسب.
بدت المقاومة لدى كاتب ياسين أفقية تتدرج تصاعدية: المكان يرواوح مكانه، السجن، الهروب إلى الجبل، استحضار الأجداد، الدعوة للتظاهر دون المقاومة المسلحة، المقاومة السلمية، وأخيرا بدء المقاومة في مسرحية الأجداد يزدادون ضراوة.
فالمدى الزمني لدى كاتب ياسين يبدو طويلا في مسرحية الجثة المطوقة، وهو يتحدث عن عام 1945، ولهذا سيرجع إلى الأجداد في مسرحيته الثانية، ليستلهم منهم روح المقاومة، فالمقاومة مازالت أفقية تسير باتجاه التصاعد.
أما من حيث اللغة، فإن كاتب ياسين كتب مسرحيته باللغة الفرنسية، لتكون مسرحية إدانة لما تقوم به فرنسا، وهذه المسرحية ستنشر في الخارج، ولهذا فإن ياسين يحتاج إلى مقاومة من نوع آخر، إنها الإدانة من الآخر وغير الجزائري.
***

والمقاومة في مسرحية الشرقاوي من حيث الشخصيات، وبالنظر إلى الرجل والمرأة وبخاصة في حي القصبة، نستطيع القول بأنها متساوية بين الرجل والمرأة، فهي تمثل مقاومة متكافئة.
والطفل عند الشرقاوي بدا أكثر نموا ومفهومية للعمل المقاوم، وقد تمثل بالطفلين اللذين يمران بالشارع في حي القصبة، وهما يتحدثان عن بطولة جاسر، وقد بدت الصورة مرة أخرى بالطفل سرحان شقيق جميلة بوحريد، وهو يدافع عن عمه ويقتل، ورأينا الطفل يتمثل بالفتاة التي تجند لصالح المقاومة وخاصة من الطالبات، الطفل عند الشرقاوي مقاوم يسير على خطى المقاومين الكبار الذين يعيش بينهم ومعهم.
والطفل لدى كاتب ياسين يبدو كذكريات، وهو يتعلم المقلاع، وقد استخدم ضد المحتل الفرنسي، ثم يولد ويربى، ليشكل فعل مقاومة بالعودة إلى فعل الأجداد.
والمرأة عنصر أساسي في المسرحيتين، المرأة لدى ياسين تدعو للمقاومة وخاصة أنها تربي وتعد " الطفل " الجيل المقاوم، كما في مسرحية الأجداد يزدادون ضراوة، والمرأة لدى الشرقاوي هي مقاومة بصورة متكافئة مع الرجل، وأكثر فاعلية على مستوى فعل المقاومة.
البطل عند كاتب ياسين يبدو مترددا، وكأنه مازال يمحص أمره لاتخاذ قرار، والبطل عنده أفراد يقودون الشعب، لهذا ستبدو المقاومة ذات بعد أطول عند كاتب ياسين حتى تأخذ مجراها الصحيح.
لكن البطل عند الشرقاوي مندفع باتجاه واحد، والبطل هنا الشعب، فالفارق كبير بين أفراد يقودون الشعب، وشعب منسجم، يعمل كتشكيل متجانس تماما للمقاومة، وإنتاج فعل المقاومة دينامية وديمومة، ومجراها الصحيح بدأ كفعل بطولي جماعي.
فعل المقاومة عند الشرقاوي تصاعدي منذ البداية، كيف؟ لأنه تمثل بالتحدي، وهو هنا يندرج في إطار الفعل، فعل يقابل فعل، يساويه، أو يتغلب عليه.
فعل المقاومة عند ياسين أفقي، لماذا ؟ لأن المقاومة كانت تندرج في فعل إدانة مثل المظاهرات، الرفض، السجن، والعودة إلى الأجداد؛ لتشكيل فعل مقاومة. فالمقاومة عنده بدأت متدرجة إلى أن تصل إلى بدء المقاومة في مسرحية الأجداد يزدادون ضراوة، وقد ابتدأت بالدعوة إلى المقاومة في مسرحية الجثة المطوقة، وتمثلت المقاومة هنا بالمظاهرات، والإضراب، والمنشورات، الدعوة للمقاومة، بدء المقاومة.
المقاومة عند عبد الرحمن الشرقاوي مقاومة مسلحة منذ البداية، وبوجود كل أنواع المقاومة الأخرى، الإضراب، المنشورات، الدعوة للمقاومة، والمقاومة.
إن هناك فارقا يميّز مسرحية الشرقاوي عن مسرحيتي كاتب ياسين، وهذا الفارق هو المقاومة المسلحة، وقد تمثلت بجميع أنواع المقاومة، مثل التفجيرات، الاستيلاء على الأسلحة، توريد الأسلحة إلى الجبل والمناطق البرية البعيدة عن المدينة، وتشكيل قوى حزبية تتابع المقاومة على مستوى المقاومة المسلحة والمقاومة السياسية.
وأنواع المقاومة التي تمثلت لدى كاتب ياسين والشرقاوي، وهي بدت متنوعة بدءا من المقاومة السلبية وقد تمثلت في الإضراب والمقاطعة، المنشورات، اللاعنف بالمظاهرات وخاصة عند كاتب ياسين، ثم المقاومة بشكلها المسلح وقد برزت كبنية رئيسة في مسرحية الشرقاوي.
إن المقاومة السلبية لا تعني الدونية، بل تعني الرافد الرئيس، لإنتاج المقاومة المسلحة المستقبلية، والتي تقرر طرد العدو المحتل وتحرير الوطن.
هناك نقاط التقاء عند كل من كاتب ياسين وعبد الرحمن الشرقاوي، وقد برزت كمفردات أساسية في فعل المقاومة، سواء أكانت بالدعوة إليها أو بالقيام بها، وهذه المفردات نجدها تتمثل بالمكان العام والخاص، مثل حي القصبة كمكان عام، وبوجود المكان الخاص كالبيت، وبدا المكان عند الشرقاوي أكثر نموا كفعل مقاومة من خلال تشكلاته المختلفة، كمكان مغلق ومفتوح، وعام وخاص، وإيجابي وسلبي، وإن بدت هذه عند كاتب ياسين أحيانا، إلا أنها لم تصل إلى ذاك النمو كما وصلت عند الشرقاوي.
***
والزمن، بدا في مسرحية الشرقاوي كزمن مقاوم، لا يقل أهمية عن المكان والشخص المقاوم، جاسر ينتظر الليل، ليقوم بعمليات المقاومة المتنوعة.
إن ذكر الزمن سيقودنا حتما إلى التاريخية في المسرحيات المدروسة، حيث نجد أن التاريخية عند كاتب ياسين تمثلت بمرحليتن:
المرحلة الأولى: تمثلت في مسرحية الجثة المطوقة، فيرجع الكاتب إلى المرحلة الزمنية، والتي تمثل ثورة حديثة ما زالت تنبض في عقل وقلب الجزائري، ولها صدى عربي وعالمي، تلك التاريخية بدت في الإبادة للجزائريين في عام 1945، والتي ارتكبتها فرنسا، ويشار إليها بالآلام الجسدية، والصورة الحية، والصورة الذهنية، ثلاث صور تقض مضجع الكاتب، تقض مضجع الإنسان، وتقض مضجع الإنسان الجزائري، وهذه المرحلة لا يلوح انفراجها الآن، إنها حالة مخاض عسير، ولا أمل بالولادة في ظل همجية تضع حدا للإنسان على أرضه وفي وطنه بطريقة فجائعية، هذه التاريخية صورت من خلال الشخصيات المسرحية التي تتصارع الآن في المسرحية، وبدت الشخصيات المتصارعة متفاوتة إلى حد الاختلاف في الرؤية على ما يجري في الجزائر، فطاهر يبدو ليس طاهرا، فهو يختار أن يستف من بهرجية الدنيا كما يحب في ظل الاستعمار، وهذه إشارة إلى دوره السيئ، وهو يتمثل في تهجمه على الآخرين، ويكيل لهم التهم بأنهم شربوا وطعموا ولبسوا من فرنسا، هذا الصوت صوت المتخاذل الخائن، إنه صوت العدو الذي سيجهز على البطل " الأخضر " في نهاية الأمر.
إن هذه التاريخية التي يصورها كاتب ياسين، وكأنه يبحث عن مبرر لطرد فرنسا من الجزائر، وهل الاستعمار يحتاج إلى مبررات ليطرد من الوطن؟ قد تبدو هذه الصورة واضحة في المسرحية، وهي تنشر باللغة الفرنسية بعيدا عن اللغة العربية كبعد قومي، وبعيدا عن الجزائر كبعد وطني، ولكن تاريخية المسرحية تصور الوضع الاستعماري الرهيب، والذي كانت تعاني منه جلّ البلاد العربية، ولكن الجزائر عانت منه بكثير من الدموية، ولذا سيكون رد الفعل على هذه المسرحية ليس كبيرا، لأن أوروبا غارقة في أوحال الاستعمار في البلاد العربية وفي آسيا وافريقيا، ولكن كاتب ياسين مثل بهذه المسرحية الصرخة التي تشير إلى المجرم علنا، ومن دون مواربه، إنها فرنسا بشكل خاص التي تفتك بالجزائريين الوطن والإنسان، وأوروبا بشكل عام التي تهين الشعوب التي تستعمرها بأقل ما يقال بالاستعمار، وهي تضع الشعوب المستعمَرة في سجن وطني كبير، يملك مفتاحه سجان يمثل أبجديات أخرى مثل القومية الغريبة، اللغة الغريبة، المعتقد والثقافة الغريبة، الرؤية الغريبة، وفي المقابل، وداخل السجن، أبجديات تتناقض تماما مع الصورة الغريبة على كل المستويات.
المرحلة الثانية: تمثلت في مسرحية الأجداد يزدادون ضراوة، فهي تلك المرحلة البعيدة والتي يشار إليها ذهنيا، وهي على عكس المرحلة الأولى، والتي يشار إليها بالآلام الجسدية والصورة الحية، والصورة الذهنية ، أما المرحلة الثانية والتي تمثلت ذهنيا عند الكاتب والشخصيات في المسرحية، فهي تلك المرحلة التي ترسم صورة زاهية كوجود متأصل في الأرض والوطن، وهي مرحلة تراكمية ملأى بالصراع، وملأى بالبناء وتمثيل الوجود على كل المستويات، إنها تلك الأبجديات التي يصيغها الإنسان على أرضه، هناك القومية، اللغة، المعتقد والثقافة، الأمل والألم، الشعور الجمعي، الوجود الفردي من خلال الوجود الجمعي، إذن هي مجموعة من الأساسيات التي تمثل الوجود والحرية، إن تلك المرحلة التاريخية والتي يرجع إليها كاتب ياسين تتثمل في البعد التاريخي العميق، وتمثل بتاريخ سحيق للنوميديين، فالفارق الزمني هنا نستولوجي، الحنين إلى الماضي من خلال غياب أمور كثيرة، وهي بالتالي غياب الأبجديات وربما كل الأبجديات، لأنه في حالة الاستعمار تنكمش الأبجديات التي يعرفها الإنسان على أرضه وفي وطنه، لتحل مكانها أبجديات غريبة كما أسلفت، الآن وفي هذه المرحلة الزمنية البعيدة، سينطلق منها كاتب ياسين، لتشكيل المرحلة الزمنية الحاضرة، ولم تتشكل على مستوى المرحلة الأولى، والتي تمثلت بالصرخة والإدانة، الآن لا بد أن نرجع إلى الوراء نستلهم أبجدياتنا التاريخية الكثيرة، وهي حقيقة، إنها أبجديات صاغت البعد الوطني والوجود والحرية، وهذه الأساسيات باتت أمرا ملحا، لتشكل أبجدية جزائرية ذات عمق تاريخي، وهذه المرحلة الآن في مسرحية الأجداد يزدادوزن ضراوة، تقوم بتشكيل الزمنية الحاضرة باستدعاء الأبجدية القديمة، فكانت المسرحية رؤية مستقبلية تنطلق من خلال التشكل الماضوي للتشكل المعاصر، إنها مرحلة لترهين الحاضر، والراهن ينبلج من خلال زمنية متجذرة تتثمل بصورة ذهنية تتوهج الآن، لتشكيل صياغة جديدة، وتقعيد أبجدية تتواءم مع الإنسان الذي يعيش على أرضه وفي وطنه، إنها الأبجدية الجزائرية.
***
إن درامة الشرقاوي تستند إلى التاريخ، وهو تاريخ معاصر حديث، ومازال يحدث، أو له تأثير الفعل الحديث، فالشرقاوي وهو يسم مسرحيته بمأساة جميلة اقتصرها على شخصية واحدة، ولكن المسرحية تعالج المأساة الجزائرية كوحدة غير قابلة للانفصام في ظل الاستعمار، فمأساة جميلة محاكاة فعل يتصف بالجدية في شكل درامي وبأحداث تثير الشفقة والخوف، ومهما يكن الحال عند أرسطو من خلال حديثه عن انقلاب الحال من السعادة إلى الشقاوة، وهو يتحدث عن حال البطل، نجد جميلة بوحيرد بقيت تدور في الشقاوة من البداية حتى النهاية، ولكننا قد نطبق هذه المقولة لأرسطو على سعادة الجزائر ككل قبل الاستعمار، وشقاوة الجزائر ككل بعد الاستعمار.
ومسرحيتا كاتب ياسين، تتحدثان عن مأساة جماعية تتمثل بالجزائر ككل، ويمكننا الإشارة إلى أن الكاتب يستخدم الكورس في مسرحيته، والكورس وهو يعبر عن البعد التثويري، ويعطي وصفا لما يحدث، يعبر عن الفعل المسرحي، وهذا الفعل من خلال الكورس، والذي يعطي دلالة الجماعة، يتحدث بصفة عامة عن الجزائريين.
وبما أن مسرحية كاتب ياسين " الأجداد يزدادون ضراوة " هي امتداد كنص مسرحي لمسرحية " الجثة المطوقة " فهي مسرحية من جزءين مهما كان الفاصل الزمني بينهما، ولكن الفترة الزمنية ما بين الإدانة في مسرحية الجثة المطوقة، وبدء المقاومة في مسرحية الأجداد يزدادون ضراوة، قد استطالت، وهذا ما جعل مسرحية كاتب ياسين تتأخر عن مسرحية الشرقاوي " مأساة جميلة " على مستوى المقاومة.
إن مدار التاريخية في مسريحة الأجداد يزدادون ضراوة، يدور حول المقاومة الجزائرية إبان الاستعمار الفرنسي، وبالاقتداء بالأجداد الذين صنعوا الجزائر على مدى التاريخ، فكاتب ياسين وهو يستنطق الماضي، وكأنه يريد الارتكاز على شيء قد انقضى، وهنا تبدو المسرحية حالة استنهاضية، تيقنت أخيرا أنه لا مجال للمهادنة ولا بد من بدء المقاومة، لكنه ارتكز على تاريخ الجزائر العتيق، وهذا التاريخ يجمع الكل في أتون وحدة واحدة، لتقرر مصيرها المتمثل بطرد العدو، وقد بدا كاتب ياسين يرتكز على الاستمزاج، وكأنه غير متيقن تماما من قيام الثورة والمقاومة التي ستحرر الجزائر كله، ولهذا لا بد من استجلاب عظمة القدماء، ليكون الجزائري عظيما الآن وهو يقاوم.
إن الشرقاوي في مأساة جميلة يبتعد عن الاستمزاج ، لا وقت للاستمزاج، فقد طفح الكيل، والأمر يتطلب فعلا نديا، إنها المقاومة ولا بديل عنها.
لكن الشرقاوي أعلن منذ البداية، بأن الجزائر عظيم قادر على حمل شعلة المقاومة من دون ارتهانات للماضي العتيق، لأن الجزائري الآن في نظر الشرقاوي يتكون من كل ارتهانات الزمن الماضي، فتلك الحالة الماضوية هضمها ويعيها وينطلق، ليقرر ما سيكون عليه الجزائر من دون الارتداد إلى الماضي، وإنما الارتكاز على الحاضر وحده الكفيل بصنع معجزة ما تتوق إليه نفس الجزائري.
وبالرجوع إلى التاريخية مرة أخرى، نجد أن التاريخية عند الشرقاوي في مسرحية مأساة جميلة، تشكلت من خلال حضورية كل الأبجديات التي تشكل الوطن، إنها القومية، واللغة، والمعتقد والثقافة، والرؤى، ينبذ الجزائري الآن في المسرحية من خلال الشخصيات مشروع الإدانة، ومشروع الإدانة الذي يبدو واضحا جليا كشقين، شق متعاطف، وشق آخر لا يدير بالا كبيرا لما يقوله الآخر، ولهذا فقد بدأت المرحلة التصارعية عند الشرقاوي حالة تشكيل، بعيدة عن الإرجاف، وبعيدة عن النستولوجيا، إنها زمنية تاريخية تشكل فعلا، ومهما يكن هذا الفعل يبدو اندماجيا من خلال الأبجديات، ولكن الأبجديات في هذه المرحلة ستبدو قومية كبرى، هي لم تبق قومية في حدود الجزائر، بل أضحت قومية في حدود الوطن العربي كله، وتعدت إلى أكثر من ذلك إلى البعد الإنساني، وخاصة أن الكثير من الدول الاستعمارية انهزمت، وانهزمت ثقافتها الكولونيالية، وتمثل هذا الانهزام بالطرد من الأوطان المحتلة والمستعمرة، إذن لا يوجد أي مبرر للنستولوجيا، لماذا؟ لأن التاريخ القديم كله بدا حاضرا كحفريات تاريخية تنبش الآن بفعل المقاومة الندية، والتي ستشكل الوطن بكل أبجدياته، متمثلة بالوجود والحرية، وقد شكلت الوطن الجزائري.
***
تناول هذا البحث ثلاثة نصوص مسرحية تمثل كل منها مأساة، والشرقاوي وسم مسرحيته بمأساة جميلة، وكاتب ياسين أعطى عنوانين لمسرحيتيه الجثة المطوقة، والأجداد يزدادون ضراوة، وهما عنوان يشيان بالمأساة تماما، وهذا ما دارت حوله المسرحيتان من خلال المضمون المسرحي الذي صور مأساة الجزائر.
والشرقاوي أعطى توضيحا أكثر لمسرحيته مأساة جميلة حيث وسمها بالشعر الحر، وهنا نجد أنفسنا أمام دراما شعرية.
ومسرحيتا كاتب ياسين تنضحان بالشعرية أيضا في كثير من الصور، ويغلب على كاتب ياسين الشعر، وهو شاعر.
وبما أننا نتحدث عن مأساة، نجد أن مسرحية الشرقاوي مأساة تاريخية، علما أننا قد لا نأتي بالشيء الجديد عندما نقول مأساة تاريخية، لأن الأحداث قد وقعت في الماضي حقيقة، وهي أحداث مآس، ومسرحية مأساة جميلة تتحدث عن وقائع تاريخية جزائرية مأساوية، ولم تكن المأساة مقتصرة على الأفراد " شخصيات المسرحية"، بل إن المأساة عمّت حتى المكان الجزائري، فهذه المسرحية تعالج فكرة الاستعمار والاحتلال، وما يعانيه الإنسان الجزائري على أرضه، والمعالجة المسرحية كانت بأبعاد ورؤى فكرية متنوعة، أولها بالمقاومة وبكل أنواعها، وثانيها تبين عن نوع من المحاججة لرفض فكرة الاستعمار أصلا؛ لأنها ضد المدنية " الحضارة " وضد الإنسانية قبل ذلك.
إن المأساة في مسرحية الأجداد يزدادون ضراوة، تتثمل بتخليص شعب محتل، يعاني قسوة الاستعمار الخاوي على كل مقدرات الجزائر، وهذه المأساة تمثلت أخيرا ببدء المقاومة، فأخذت تتشكل على هيكلية الجزائر كوحدة واحدة تتمثل بإرادة شعب ومقوماته الموجوده على أرضه. فالمقاومة عند كاتب ياسين يفترض أنها كانت متسارعة، لتشكل حالة وجود من دون مهادنة، وخاصة أن المهادنة أمست طويلة، فالشرقاوي لا يهادن في مسرحية مأساة جميلة، وهو يسم الآخر بما لديه، ويسم نفسه بما لديه بحالة من الندية بعيدا عن الماضي.
إن النصوص المسرحية الثلاثة نصوص درامية وطنية، وهذا ليس شرطا أن يكون الكاتب ابن البلد أو الوطن حتى يكتب مسرحية وطنية، فمسرحية الشرقاوي هي وطنية من عدة جوانب الكاتب عربي، والكاتب تهمه القضية الجزائرية، والجزائر امتداد للبلاد العربية كما هو حال كل البلاد العربية، لتكون امتدادا لبعضها البعض، ولهذا تعتبر هذه المسرحية وطنية، وهي تتحدث عن قضية الجزائر الوطنية.
***

المصدر:
1- عبد الرحمن الشرقاوي، مسرحية مأساة جميلة، دار المعارف، مصر، 1962م.
2- كاتب ياسين، مسرحية الجثة المطوقة، والأجداد يزدادون ضراوة، ترجمة ملك أبيض العيسى، وزارة الثقافة والارشاد القومي، دار دمشق، دمشق، 1962م.

منصور عمايرة كاتب وناقد مسرحي أردني





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,326,622,272
- القسوة والقسوة مسرحية هاملت3D
- بترا وجود وهوية، مسرحية صدى الصحراء
- مئة عام من المسرح في الأردن
- ترى ما رأيت تشكيل مسرحي تعبيري
- التوثيق المسرحي
- كتاب المسرحية الشعرية في الأدب المغاربي المعاصر للباحث الجزا ...
- تأريخ المسرح الأردني الحديث
- جهود وتجارب مسرحية عربية
- المونودراما/ مسرح الموندراما
- الممثل المسرحي الذات والأداء والمعرفة
- المسرح الأردني ، إثنوسينولوجيا الفرجة الأردنية - التعليلية -
- المسرح والوسائط


المزيد.....




- من هو  فارس الترجمة والشعر بشير السباعي الذي رحل ؟
- العدوى تصل للبيجيدي.. قيادي بالمصباح -ينطح- كاتبا محليا لحزب ...
- سور قصيدة للشاعر ابراهيم منصور بدر
- فيلم? ?اللعنة? ?يتصدّر? ?الأفلام? ?الرائجة? ?في? ?أمريكا
- أشهر الأدوار السينمائية والتلفزيونية للرئيس الأوكراني الجديد ...
- من التمثيل إلى الواقع.. زيلينسكي يتربع على سدة الحكم بأوكران ...
- أحمد يوسف الجمل ينتهي من -التوأم-
- شنآن في البرلمان بسبب -هداك-!
- كوميدي ومهرج ولاعب كريكت ولاعب كرة قدم بين من يحكمون العالم ...
- بشير السباعي.. الترجمة فوق الأرصفة المنسية


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منصور عمايرة - كينونة المقاومة لدى عبد الرحمن الشرقاوي وكاتب ياسين