أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد ضحية - قراءات في بنية القصة السودانية















المزيد.....



قراءات في بنية القصة السودانية


احمد ضحية

الحوار المتمدن-العدد: 1213 - 2005 / 5 / 30 - 04:42
المحور: الادب والفن
    


نماذج : القصة عند :
(1) أحمد ابو حازم .
(2) صديق الحلو .
(3) محمد خير عبد الله .
(4) ارثر غابريال .
(5) اغنيس لوكودو.
(6) استيلا قاتيانو .
(7) منال حمد النيل .
(1) احمد الجعلي " ابو حازم "
" بنية المشهد" : عند القاص أحمد أبو حازم :" يناير بيت الشتاء _ نموذجا " ...

القاص أحمد الجعلي " أبو حازم ". من كتاب القصة القصيرة المميزين جدا . ويعتبر نسيج وحده . بتجربته الجمالية المتفردة , التي تحاول الافصاح بما هو عصي على البوح . وقبل ان نقدم قراءتنا لقصته يناير بيت الشتاء , نرغب في قراءة عامة, وعابرة لنصين من نصوصه , تساعداننا في تفهم المناخ النفسي العام, لعالم ابو حازم القصصي , هما نص " المسارات السرية للظلال " و النص : " غربة " ..

(1) المسارات السرية للظلال :

في قصته " المسارات السرية للظلال " , والتي يوطيء لها ابو حازم, ببيت شعري لابو الطيب المتنبيء ( تتخلف الاثار عن اصحابها حينا + ويدركها الفناء فتتبع ) , بما يحمله هذا البيت من معان لفناء الاحياء , واثارهم في خاتمة المطاف _ مهما تركوا من اثار بقيت على مر الدهور_ , ففي نهاية الامر ستفنى هي الاخرى .!!..
هذه الرؤية الكافكاوية التي تتصدر قصة: " المسارات السرية للظلال ", بمثابة المفتاح لعالمها السري, الموغل في الرمادية .. فالراوي المتواري منذ مطلع القصة , يبدا يحدثنا: عن مدينة غبراء ازمعت, الا تعرف الاشجار " تذهب الظلال كلها متوشحة حدادها , واحتجابها وتختفي .. عند مغيب الشمس تختلس الظلال اشكالها ويتلبسها سمت شبحي , وهي تسلك مسارها السري الغامض(1)" .. ليتوقف الراوي بعد ذلك عند شجرة وحيدة, تحتضن الجميع وتدثرهم بظلالها , ثم يسترجع_ الراوي_ ما فعله كلاب السلطات بالاشجار " مساحو الارض , كلاب السلطات , دفعوا الظلال نحو مدار مجهول , عجنوا لهذا الغياب بفؤوسهم الحادة , وقدموه لها على طبق من شفرة ماضية . نزعوا الاشجار من جذورها , فذهبت اخشابها, اما محترقة كوقود , او كمصنوعات كسولة, وبليدة تقبع طيلة الوقت. في ردهات لا يشغلها احد. الا لماما (2) " .. لينتقل بعد ذلك ليحكي - الراوي - عن احد سكان هذه المدينة الغبراء - شاب . وراق . يتاجر بالكتب القديمة تحت هذه الشجرة - تربطه بها علاقة حميمة " اول القادمين الى المدينة هو . واول نشاطه ان يسقي الشجرة قبل الماء بشوقه (3) " .. ويبدا الراوي في الكشف عن المناخ السيء, الذي يعمل فيه هذا الوراق , الذي كثيرا ما يداهمه كلاب السلطات . يطأون كتبه , و يمارسون عليه هوايتهم في القمع. دون ان يجرؤ على الاحتجاج .. مسلطا الضؤ على المسئولين, وعمالهم , ثم ينتقل بنا الى لحظة حاسمة في مسيرة وقائع واحداث " المسارات السرية للظلال ": حينما قرر المسئولون اقامة كشك, شرطة تحت الشجرة " عند الغسق وقبل شروق الشمس . كان هناك وكانت الشجرة واقفة مكانها . وتحتها يتربع الكشك الحديدي, بالقرب من جذعها. كالبصاق البذيء . وبعد ان حفروا له عميقا , ولا شك انهم اصابوا عروقها بسؤ (4)" ..ويمضي الراوي واصفا فظائع ما يجري: " انين الارصفة الدائري وبكائها المتحشرج, وهي ترزح تحت ثقل الاقدام المنتظرة في هجير الشمس ..(5) " وفي هذه اللحظات العظيمة من التمزق, ينهض تواصله بالشجرة في محنتهما المشتركة , لينتهي النص باختفاءه في قلب الظلال " دفعه الفزع للقفز عاليا , حينما تدفقت نظرته العجولة للاسفل , ولم يجد ظله . تراكض هنا وهناك والصراخ الداوي يسبقه ويشق المدى شقا , والاسئلة المضطردة تلاحق خطاه التي ضلت نواحي بوصلتها انها الظلال وقد اخذته معها في مسيرها السري الغامض (6) " ...

(2) غربة :

وفي قصته " غربة " .. قصة: العصفور الطليق داخل الانسان المحاصر . يستعير الراوي صوت طائر , يحكي عذاباته مع فصائل طيور اخرى - بشر اخرون - " كانوا خمسة ملونين وكنت سادسهم . وجدتني بينهم لست من الفصائل النادرة . لكنني كنت لتكملة العدد. ولاشياء تبدو غامضة بالنسبة لي ! .. اما الخمسة الملونين فانه من الواضح, جيء بهم الى هنا. في دفعات, اظنها ثلاث .. ذلك لان كل اثنين منهم, تتشابه الوانهما ..(7) .. يتملك هذا الطائر الاحساس بالغربة, والضيق. ازاء هذا الاعتقال , ويفشل في التواصل, مع الخمسة الملونين, المعتقلين معه - الالوان رمزية للالوان السياسية - فينحسر نحو ذاته , و لا يصبح معتقلا داخل القفص فحسب. بل داخل ذاته ايضا!!.. بسبب الحصار الذي يفرضه حوله, الخمسة الملونين: زملاء المعتقل .. وهكذا تمضي هذه القصة جائسة في اغوار النفس وعذاباتها المضنية .. محاولا - هذا الطائر - تفكيك الحصار المضروب حوله " على ما اظن يقولون اني غريب الاطوار , فضولي متطفل , بل ويذهبون ابعد من ذلك (8) " .. ويستعيد الطائر ذكريات حياته السابقة , عندما كان طليقا " كنت وسرب فصيلتي نقوم بطلعات مرحة تحت الغيمات النائمة, بتراخ واستسلام فوق رؤوسنا , ولا نبالي بها ان اصابها الصحو وانهمرت علينا (9) " ..ويمضي في تداعياته وصولا الى اللحظة التي تم اسره فيها, من قبل طفل شقي , ليجد نفسه بين الخمسة الملونين , الذين اطلق سراحهم دونه , فتتناهبه الافكار بالانتحار او الاستمرار, في البقاء على قيد الحياة , ثم يبدا في النضال للخروج من اسره " هذا هو اليوم التاسع وانا ما زلت امارس تنفيذها بمنقاري , وساواصل النقر على مكان واحد من السلك النملي , حتى لو اقتضاني الامر العمر كله , حتما سيلين , وتتقطع اسلاكه الشائكة اخر الامر , اني على يقين (10) "..

(3) يناير بيت الشتاء :

و القصة موضوع قراءتنا التطبيقية : " يناير بيت الشتاء .." , كنا قد تداولنا , في نادي القصة السوداني , مسودتها الاولى - قبل ان تنشر بعد ذلك في الرافد الاماراتية وكتابات سودانية بوقت طويل - . واذكر أنها أثارت ابتداء من عنوانها , موجة من التساؤلات : بكآبتها الملتاعة, وجرأتها على التحرر مما هو سائد في القص في السودان . , والعالم فوق الطبيعي الذي تحيل اليه , مستكنهة أكبر اسئلة الوجود " الموت / الحياة " , بكل ما تمتلك اللغة الشاعرية عند أبو حازم, من قدرة على التعبير في - وحول - هذا السؤال الوجودي الكبير , ليشكل _ سؤال المصير هذا _ مفصلا أساسيا في " بنية الحدث " .. وقتها تباينت انطباعاتنا حولها , وما كان ذلك سوى دليل آخر على أن " يناير بيت الشتاء .." استطاعت ان تلقي حجرا في بحيرة ساكنة , وقالت دوامة هذا الحجر , في التموجات على سطح هذه البحيرة , شيء ما , خلف ما خلف من أصداء !!..
حاول بعضنا في ذلك الوقت ان ينظر الى هذه القصة القصيرة من وجهة نظر فنية محضة , ليرى فيها نزوعا ادبيا لاقتفاء أثر الكافكاوية , وآثر البعض الاخر رؤيتها من منظور نفسي , في محاولة للتفتيش في التجربة الذاتية لابوحازم - تجربة الاعتقال السياسي والسجن - .. ولكن كل هذه الملاحقات للنص " يناير بيت الشتاء" , ظلت قاصرة, عن الاحاطة بشيء مما انطوى عليه: من ابعاد فكرية وجمالية " ولكن كيف يكون الاقتراب النقدي, من كاتب تجاوز مستويات الانتماء الى بيئة أو طبقة أو وطن , طموحا الى تقص روح الانسان, في مواجهة العالم ؟ وبأى معيار يتم تقييمه , وهو الرافض لرؤى تجاوزها العصر . والواعي بقصور تلك الرؤي - " البعثية " التي عرفها - عن احتواء العالم, وعجزها عن اعادة السلام الى روحه . ان الهدف من الكتابة هنا عن يناير بيت الشتاء, ليس الدعوة لما تم اكتشافه , ولكن الاعلان بكل درجات الصوت والصمت. عن عذاب البحث عن يقين (11).. في هذا الواقع الملتبس , الذي يشككنا في موت الاحياء وحياة الاموات , وفقا لتشكيل لا يخلو من السريالية والعبث !!. خلاصة القول السردي في يناير بيت الشتاء , بكل مدلولات الشتاء الكئيبة !!..

الحكاية في يناير بيت الشتاء :

تتكون القصة يناير بيت الشتاء من حكايتين , تشكلا معا حكاية واحدة .. ولنتمكن من قراءة"بنية المشهد " في هذه القصة, لابد لنا من محاولة شرحها اولا, لاستكناه معناها العام , مع ادراك أن .. النص الذي كان يدين فيه المعنى للمبدع أصبح لا يحمل دلالة جاهزة أو معنى نهائيا , وانما امكانا من امكانات معان النص , ويظل المعنى مجرد احتمال, الى ان يكونه القارىء بالفعل , عوض أن نفترض تحققه بالقوة , لتكون كل قراءة - طبقا لعلي حرب - في نص ما , هي حرف لألفاظه , وازاحة لمعانيه . فليست القراءة مجرد صدى للنص . انها احتمال من بين أحتمالاته الكثيرة والمختلفة (12)

الحكاية الاولى :

وبطلها كاتب قصة " الذاكرة المعطوبة "( مأمون ابراهيم علي) .. فهذا الكاتب بعد نشره لقصته " الذاكرة المعطوبة " في احدى الصحف , يفاجأ بدعوى مرفوعة ضده . اذ يتضح, أن اسماء شخصيات قصته, مطابقة لاسماء حقيقية في الواقع. والوقائع كذلك .. " يسألك المحقق : - الاسم : مأمون ابراهيم علي . السن : اثنان وثلاثون عاما .. وتنهمر الاسئلة , فتجيب باقتضاب . ثم يشير ناحية الرجلين . والفتاة دافعا اليك بالسؤال المباغت : - هل تعرف هؤلاء الناس ؟ . تلتفت بذهول , وتجيب بصوت كأنه ليس لك : - كلا , لم التقيهم في حياتي من قبل, يسحب صحيفة قديمة ويقرأبصوت مكتبي آمر لا يخلو من تهكم , عبارة محددة يضغط على كلماتها ببطء ويردد بلا مبالاة : الذاكرة المعطوبة .. الذاكرة المعطوبة .. الذا .. هل تتذكر هذه العبارة ؟..- نعم , فهي عنوان لآخر قصة قصيرة كتبتها . - هل تعترف بأنك كاتب هذا الكلام ؟ . - نعم . . (13)" .. وفي التحقيق معه اثر تقديم الشخصيات الحقيقية لشكوى ضده يصاب بالذهول لهذه المصادفة الغريبة , ويصر على انه لا يعرف هؤلاء الناس , وأن ما كتبه محض خيال , فيتم حبسه على زمة التحقيق "فيسيطر عليك الذهول والحيرة , وتحاول أن تجد تفسيرا ملائما لوجودك هنا , وما علاقة كل الذي يجري - بهذا النص القصصي !!.. يعاجلك بسؤال يعيد اليك صوابك : - كيف انك لا تعرف هؤلاء الناس ؟!. - ما زلت اؤكد انني لم التقيهم قط في حياتي !. - مهمتي كمحقق, تقتضي ان اعرفك بهم , فهذا الرجل الاشيب ذو الوسامة الهاربة , هو عبد المجيد خضر . اما هذا الرجل فهو السيد على زيدان سائق التاكسي رقم خ أ 6485 تاكسي الخرطوم وهذه هي رخصة القيادة , وبطاقته الشخصية , والذي أطلق ساقيه للريح كما تزعم في قصتك .!!...
أما هذه الفتأة , فهي الاستاذة نادية عبد المجيد خضر , المحامي وموثق العقود أمام المحاكم الجنائية والمدنية . ماذا تقول في هذه البراهين والحيثيات ؟ . عند ذلك كان المحقق مبتسما , وهو يفرك يديه, والغبطة مرتسمة على سيمائه, اعلانا بانتصاره عليك (..) ومن بين ركام التلعثمات, تستنكر الورطة وتجيب بجدية غريبة : - ان هذا الا محض خيال صادف الحقيقة . - اذن ماذا تقول في الوصف التفصيلي. والعنوان الكامل, لمنزل السيد عبد المجيد خضر ؟ . - ثم ماذا تقول عن الرقم الحقيقي , لسيارة السيد علي زيدان؟ (14)..

الحكاية الثانية :

وتتمثل في قصة الذاكرة المعطوبة نفسها, بشخصياتها الرئيسية: " نادية " ووالدها عبد المجيد خضر, وسائق التاكسي علي زيدان , الذي يصطحب الفتاة نادية , في وقت متأخر من الليل, ليقلها الى منزلها ".. الناس تهاب أجرتها الباهظة, في مثل هذا الوقت من الليل . أ شارت له بالتوقف , وبمحازاتها تماما اوقف السيارة , ودون أن تسأل فتحت الباب الامامي , ورمت بجسدها الجميل, الموغل قليلا في السمنة على المقعد (..) - الحي الرابع لو سمحت شارع 13.. ولأنها كانت ترتعش من البرد , يرمي اليها بمعطفه ليدفئها قليلا " .. بنخوته أحس أنه يجب ان يفعل ما يفعله أى رجل شهم مثله , خلع معطفه وألقاه ناحيتها ..- يمكن ان ترتديه , فالبرد لا يحتمل . هكذا قال وتابع النظر باهتمام, في جسد الشارع(15)" .. ويصل بها الى العنوان, الذي أعطته اياه " باب أسود ضخم, ذو مقبض نحاسي , علقت فوقه لافتة صغيرة, بيضاء. مكتوب عليها 64 شارع 13 الحي الرابع منزل عبد المجيد خضر .(16) " .. وتفاجئه بأنها لا تملك الأجرة الآن , وتطلب منه أن يحضر في صباح اليوم التالي, لأخذ أجرته " - يؤسفني ان لا احمل نقودا الآن , ويخجلني أن أرهقك بالقدوم الى هنا صباح الغد, ولا مناص من ذلك . فأنا اسمي نادية عبد المجيد خضر , وهذا هو منزلنا (17) .. وعندما يحضر في الصباح التالي , يفتح له الباب رجل عجوز , وتبلغ هنا الحكاية ذروة تعقيداتها فالرجل العجوز يصر عليه انه اخطأ في العنوان " - لا لم أخطيء العنوان, فقد انسربت بهدوء وثقة داخل هذا البيت . وقرأت انا اللافتة, المعلقة فوق الباب , لا شك أنك السيد عبد المجيد خضر . - نعم انا هو . ولكن لي بنت وحيدة , ومقعدة منذ يناير الماضي . - ولكني متأكد من دخول تلك الفتأة هنا , فقد انتظرت حتى اغلقت الباب خلفها (18) " .. وهكذا يمضي الحوار بينهما.. ينفي العجوز, بينما يصر سائق التاكسي على التأكيد " أقول لك ان لي بنت واحدة ومقعدة , وتقول لي أن احداهن قد دخلت هنا , ماهذا الهزيان الصباحي الذي اسمعه ؟ .. - حسنا , لفك هذا الطلسم هل يمكنني رؤية ابنتك هذه . كان العجوز حريصا على انهاء هذه التقطيبة الصباحية . - لا مانع من ذلك , ولكن ان لم تجد ضالتك, ارجو ان تذهب على الفور. دون ان تقلق صباحنا أكثر من ذلك (19)" .. وعندما يرى السائق الابنة المقعدة " فادية " يتضح له انها ليست التى اقلها, في ذلك الوقت المتاخر, من ليلة البارحة .. لكن يسقط في يده وهو يهم بالخروج, ونسيان هذا الامر , اذ يرى في هذه اللحظة صورة فتأة البارحة, معلقة على الجدران " شد انتباهه اطار ضخم, لصورة كانت معلقة على الجدار. خلف المقعد, الذي كان يجلس عليه. تسمر السائق محدقا في الصورة ثم هتف : - أنها هي التي اوصلتها بالامس!! , وقد تذكرت اسمها , انها نادية عبد المجيد خضر!!..
لكنه سمع شهقة, كانها خروج الروح من مكمنها , فالتفت ليرى العجوز, وقد هبط جسده المهدود, كالخرقة البالية, على احد المقاعد ., اما الفتاة فقد ادارت عجلتها, واختفت في دهاليز المنزل . ثقل اللسان , فخرجت الكلمات واهنة. وبطيئة من فم الرجل العجوز : - تقول أن اسمها نادية عبد المجيد خضر ؟!.. - نعم . - أأنت متأكد من ذلك ؟ . - نعم . - لابد انك قد اصبت بمس من الجنون . - لا ياحاج , انا في كامل رجاحتي العقلية . - انا مضطر لاخطار الشرطة لهذا الاقتحام الغريب . - لماذا يا حاج ؟ - لأن تلك التي تحدثت عنها, قد ماتت منذ الشتاء الماضي, في منتصف يناير (20)" .. ولا يصدق انه كان يقل فتاة في واقع الامر ماتت منذ عام!!! , فيصر على رؤية قبرها , فياخذه والدها الى قبرها " هنا تحت اشجار السدر, ترقد فلذة كبدي نادية .
كانت احدى أشجار السدر , قد غطت القبر تماما, ومالت فروعها المخضرة, على جانبي القبر , أزاح العجوز الفروع النائمة على الشاهد . فقرأه السائق برهبة أقرب الى الخشوع . أما الرجل العجوز, فقد بدأ يزيح الاغصان , لتجلية القبر قليلا , وهنا بان المعطف بوضوح, راقدا على ظهر القبر قليلا (21)" ..ولدى اكتشافه أنه كان يقل فتاة ميتة منذ يناير الماضي يطلق ساقيه للريح ..

بنية المشهد :

تتكون يناير بيت الشتاء من 12 مشهدا . 5 مشاهد بطيئة, ابتداء من المشهد الاول وحتى الخامس . وسبعة مشاهد درامية سريعة, ابتداء من المشهد السابع وحتى نهاية القصة في المشهد 12 .
اذ أعتمد " احمد ابو حازم " في هذه القصة تقنيتين في بناء السرد , من حيث الايقاع الزمني .. تقنية التتالي السريع للاحداث, مجسما في التلخيص . ابتداء من المشهد السابع : والذي يبدا من لحظة وقوف سائق التاكسي, صباح اليوم التالي, امام منزل عبد المجيد خضر , ليأخذ اجرته من ابنته نادية , فيدخل مع عبد المجيد خضر, في حوار مطول, ينفي فيه عبد المجيد ان لديه بنت تكون قد اقلها سائق التاكسي, ليلة الامس الى هذا المنزل . حيث تتلاحق الاحداث في المشهد الثامن. في محاولة اخيرة للوصول الى تسوية للوضع. اذ يدخل سائق التاكسي مع عبد المجيد, لرؤية ابنته الوحيدة المقعدة. فيستوثق سائق التاكسي عند رؤيتها, انها ليست فتاته المقصودة _ وقبل ان يراها يجول ببصره في الصالون, فيرى صورة عبد المجيد وزوجتة " جلس السائق على احد المقاعد. وكان ثمة اطار مذهب عليه صورة لعروسين, في غاية البهاء ,. والرونق .هي نفس ملامح الرجل العجوز, لكنها هنا منحازة لشاب ذي نضارة لا تضاهى . ايقن السائق انها صورة زفاف ذلك العجوز , في زمان سحيق, مضت ايامه في متاهة الذاكرة , لم يأبه السائق لما تبقى من صور (22) - ويتداخل هذا المشهد مع المشهد التاسع.. في حوار آخر بين عبد المجيد والسائق, الذي يفكر في الاعتذار عن الوضع. وقبل ان يفصح عن ذلك. يقع بصره على صورة لفتاته المقصودة , فيترتب على ذلك حوارا, يمضى بالاحداث في منعرج آخر. ليبدأ المشهد العاشر - الذي هو امتداد للمشهد الذي سبقه - يتشكك السائق.. وتهتز مسلمات الاب عبد المجيد , فيحاولان معا, الوصول الى يقين. بالذهاب الى مقبرة ابنته .. وهكذا يبدا المشهد قبل الاخير بوصف للمقابر " قطعت السيارة عدة تقاطعات , ثم انسابت عبر طرق ملتوية , وغير معبدة حتى وصلت ذلك المكان الموحش , الغارق في لجة صمت الابدية .. ترجلا من السيارة . عبرا دروبا صغيرة متعرجة , تجاوزا عدة قبور (23) " ثم يبدأ المشهد الاخير, استرجاعا للمشهد الاول الذي تم استهلال القصة به . لحظة وقوف الكاتب امام المحقق...
يلاحظ على المشاهد السابقة, انها تقع في فترة زمنية متعاقبة, ومحددة تحديدا مكثفا , ومشحونة بالانفعالات .. يقول برسي لوبوك: يعطي المشهد للقاريء احساسا بالمشاركة الحادة في الفعل . اذ انه يسمع عنه معاصرا وقوعه , كما يقع بالضبط وفي نفس لحظة وقوعه , لا يفصل بين الفعل وسماعه, سوى البرهة التي يستغرقها صوت الراوي, في قوله. لذلك يستخدم المشهد للحظات المشحونة . ويقدم الراوي دائما ذروة سياق من الافعال وتأزمها في مشهد (24).. ويلاحظ ايضا ان المشاهد السابقة, مثلت وعاء للاستطرادات والتشعبات والاستباق, والوصف والملاحظات المباشرة, من الراوي التي تحمل ما تحمل من تحليل نفسي واجتماعي .. ما جعل هذه المشاهد غنية بزخم التقنية .. خاصة انها تحاول توصيل فكرة محددة, تتعلق بماهية ما رآه سائق التاكسي: هل هي المرحومة نادية عبد المجيد - التي أصيبت أختها فاديةبالشلل, في ذات فترة موتها في يناير الماضي , وعلاقة الحركة للتمتع بمباهج الحياة " في السهرات - مثلا " بفقدان القدرة على الحركة بسبب الشلل بالنسبة لفادية - .. ام هي روحها الهائمة, تحاول ايصال رسالة ما لاسرتها .., ام انها شيء آخر .. ولعل السبب في التفكير في مثل هذا الموضوع. كموضوع لقصة قصيرة. تلك الرغبة المتزايدة لدى احمد الجعلي في مسرحة الاحداث , وعرضها دراميا, لتمويه الممارسة الفانطاستيكية , وحجب نواقصها . وايضا لمحاولة التخلص من سلطة الراوي ذو الصوت المنفرد وغير المقنع دراميا, وفسح المجال لتعدد الاصوات في النص السردي الواحد . فالمشاهد السبعة, التى اشرنا اليها, اثبتت قدرتها على كسر رتابة الحكي, بضمير الغائب, الذي ظل يهيمن على اساليب الكتابة السردية (25) ...
وفي اعتماد احمد ابوحازم على تقنية التتالي البطيء . ابتداء من المشهد الاول , الذي يصور كاتب القصة في الزنزانة , والمناخ النفسي الذي يحيط به " العرق ينزف باصرار الجرح الجديد, والدهشة والارتباك يصكان اوصالك , ينفتح لك الباب, ذي الصرير العالي . والمرهق كالانين. تأخذ طريقك بصعوبة, عابرا الاجساد المكدسة , كاكياس.. تتلقاك رائحة البول . تصاب بانقباض طفيف . وشعور بالتقزز حاد, وعلقمي. كالصدأ يغزو دواخلك (..) تخرج لتدخل عدة ابواب, بعدها تعبر دهليز خافت الضؤ , لتجد نفسك في نهاية المطاف, وجها لوجه امام المحقق. وثمة رجلين وفتاة يجلسون بهدؤ , ولكنهم يتفحصونك بنظرات غريبة , وتكاد عيونهم تشربك (26).. ويستمر هذا المشهد النفسي, الى ان يبدا التحقيق في المشهد الثاني , ليقفز بنا المشهد الثالث الى اللحظة السابقة لركوب نادية التاكسي . ليبدأ المشهد الرابع بركوبها التاكسي, واستهلال الحوار بينها وبين السائق " فتحت صدفة الصمت , فخرج صوتها ذو التكسرات الخشبية الغريبة لتقول : - انه يناير بيت الشتاء وصوت الريح .. التفت ناحيتها (..) - انه قلب الشتاء ونبضه ..قالت :- انه وحشي كنثار الزجاج تحت الاجساد المتعبة . - قال : اننا نحس فيه بمعنى الدفء , ونستدرك ان اجسادنا مكتملة . قالت : بالعكس فانه يشعرنا بالكابة والحزن . انه قاس وقاتل .- قال انه يشعرني بالاستقرار والانتماء . - قالت : انه يشعرني بالتيه والموت . انه يناير الوحشي عليه اللعنة والطعنات المرة (..) - وواصلت هي حديثها, بنفس الصوت الخافت والنبرة الغريبة : - ما اقسى ان تموت في الشتاء!!!.. (27)وهكذا تختم الفتاة بهذه الجملة المشهد الخامس, ليبدأ المشهد السادس في وقوف سائق التاكسي, يلاحقها ببصره حتى تدخل الى منزلها ...
فضلا عن الوظيفة الاساسية للمشهد السردي , فهو يقوم بدور حاسم في تطور الاحداث, وفي الكشف عن الطبائع النفسية والاجتماعية للشخصيات . وهو ما نلاحظه في الحوار بين السائق والفتاة الذي عبر - الحوار - عن شخصيتين متناقضتين في مفهوميهما للحياة والموت ..
والوظائف التي لعبتها هذه المشاهد يمكننا اجمالها في : محاولة الراوي ايهامنا بالواقع - ثمرة قول الراوي - التحام المشهد بفعل القص من خلال الصراعات والحوارات والوصف _ هذه العملية المعقدة في الانتقال من تقنية الى تقنية اخرى - حيث تضمن هذه الافعال الانتقال من السرد الى الحوار والعكس .. فالمشهد والحوار متماهيان .. ففي المشهد او الحوار يكتب الاديب ما لا ينطق به (28).. وهو ما يوحي باننا نكاد نشعر باننا ازاء حركة كاميرا , تضعنا في الحدث , بحيث نصبح جزء منه . فقد استخدم ابوحازم هنا , تقنية المونتاج السينمائي , ما اعطى القصة يناير بيت الشتاء حيوية, وجعلها مفتوحة على تاويلات مختلفة ...

" بنية الزمن " عند صديق الحلو ":

الاستاذ صديق الحلو , من كتاب القصة النشطين في اتصال انتاجهم . ويتميز بقدرته على التواصل مع مختلف أجيال المبدعين . وأهتمامه بتلك الافكار حول بناء مؤسسات للادب . حتى يتم تداوله وتقييمه على نحو واسع . وقد اسهم عمليا في تأسيس الرابطة الادبية بكوستي في ثمانينيات القرن الماضي . كما اسهم في تاسيس نادي القصة السوداني بالخرطوم في خواتيم القرن الماضي ..
وتتميز قصة صديق الحلو بلغتها الشاعرية , وأستلهام الحكاية الشعبية , والقص الديني , في كثير من نصوصه .. وربما لذلك تقلب في توظيفه للزمن بين مختلف التقنيات سواء كان تعاقبيا أو استرجاعا او استشرافا .. وفي هذه القراءة سنتناول الزمن كموضوع لقراءتنا في محموعته " غصة في الحلق " ..
ونجد ان أحد ابرز تقنيات الزمن عند صديق الحلو هي تقنية الاسترجاع , وهي تكنيك خاص بترتيب الاحداث وتسلسلها داخل القصة , حيث يترك الراوي الشخصية الاولى ويعود الى الماضي ليصحب الشخصية الثانية , ثم يلتحم مستوى القص الاول مع الاسترجاع , ويستمر سيره بعد ذلك . وهذا النوع من الاسترجاع يقل استخدامه في النص التقليدي , لانه يحافظ على التسلسل الزمني داخل زمن القص . وفيه يترك القاص مستوى القص الاول , ليعود الى بعض الاحداث الماضية , ويرويها في لحظة لاحقة لحدوثها (29)..

قراءة عامة في الاسترجاع عند الحلو
غصة في الحلق : نموذجا

ولابد لنا هنا من الاشارة لبعض التقنيات, في بناء الزمن عند صديق الحلو, في مجموعته" غصة في الحلق" , كما تتمثل هذه التقنيات ابتداء, في القصة التي استهل بها مجموعته " أحلام المواطن جار النبي قسم السيد " . ففي هذه القصة يعالج الراوي , التحولات التي تطرأ على السلوك الانساني , عندما يرتبط بالسلطة وتحولاتها , فجار النبي قسم السيد ( رجل في الخمسين بادي الوسامة.. في الايام الخوالي اتى مديرا للادارة من العاصمة, منقولا . انفه المستقيم , شعره المسبسب . عيناه غزيرة السواد (..) دهاء يقاوم الخروج وحيل كثيرة تود الظهور (..) الموظفات بهر عقولهن (..) راح يحدثهن في اول لقاء له, عن حقوقهن المهدرة ..(30) " ..
الزمن في هذه القصة تعاقبي , بطيء , اذ نمضي في تتبع حياة جار النبي قسم السيد , من خلال راوي مهيمن , يعالج سلوك جار النبي تجاه رؤساءه وموظفيه " تقلبت الايام خريف فشتاء (..) صار يمارس هوايته في القسوة عليهم بجبن , اصبحوا يحتقرونه. لقد سلبهم كل شيء حتى امل النصر (31)
ويظل جار النبي غارقا في الصراعات والاوهام الى ان يتم اعتقاله " انتهى جار النبي قسم السيد وقوة مدججة بالسلاح جاءت لاعتقاله بتهمة اختلاس المال العام (32)..
كذلك في قصته " الهرة المتوحشة " وهي من القصص التي تسفر عن تعاقبية في الزمن منذ لحظة صحو الراوي " نهض ذات صباح مثقل . ارتشف كوب الشاي الدافيء ..(33) لتستمر في ايقاعها التعاقبي البطيء حتى الخاتمة .. وفي قصته " الخل الوفي " , و " زهور لا تعرف الزبول " و " مهر الاميرة " و " غابت الزهرة " و " النور والنهر " و " ايام للتضحية .. ايام للوطن " واللعبة " و " القافلة " في كل هذه القصص وغيرها, نجد ان الزمن تم بناءه على اساس تعاقبي . وربما يعود ذلك لمحاولة القاص توظيف الحكاية الشعبية, في القصة القصيرة , مثلما تحيل قصة " الخل الوفي " و " غابت الزهرة " و " "مهر الاميرة " و" القافلة " , الى مرجعياتها في الذاكرة الشعبية , او نتيجة لهيمنة الراوي مثلما في قصة " زهور لا تعرف الزبول " كذلك نجد تعاقبية الزمن في " النور والنهر " التى نشرت بمجلة حروف العام 1993.
وفي قصة " سارة تموت مرتين " , نجد ان الزمن يتماهى في تقنية انعكاس المرايا " وانت يغزوك الحرمان والصد وهجر الحبيب .. في الوطن غربة صهدتك التباريح ابداعا (34)" .. حيث يتبدد الزمن في صوت الراوي المخاطب , وهو يتنقل بين محطات حاسمة, في حياة سارة التي يحب حينا " كانت سارة حلوة الاماني . متزوجة من فتاها العاشق (35)" وحياته حينا آخر " تظل تبحث عن الدروب الموصلة عن غيمة تطرز منها ياقات تلاميذ المدارس (36)"..
وفي قصة عيون لا تعرف الغفو, يتحرك الزمن في مسارين . مسار اساسي هو انعكاس المرايا من خلا ل المخاطب " التقيتها.. صار للعشق لون قوس قزح وللحياة دوران اخر وانداح المدى الاخضر في ذاتك التي تعج بالبوار (37) يتخلل هذا المسار الزمني الاسترجاع من خلال نفس الضمير " ما بنيته البارحة, جرفه الموج في تعريشة منزلها, الجهنمية الحمراء تزداد احمرارا في الاصيل , تاتي نحوها.. تقترب وفي ذاكرتك ليلة مضت (38)"..
وفي قصته " عبر الصحراء الى ليبيا " , على الرغم من ان البنية الاساسية تعاقبية , الا انه يتخللها استرجاع بضمير المتكلم , و باستخدام العبارات المباشرة " قبل حضوري الى هنا, قالت لي والدتي الحاجة . لقد اخبروني بانك ذاهب الى ليبيا . اذهب على بركة الله (..) وفي الطريق وانا على الجسر الضيق المليء بالعابرين, وجدت صديقي التوم (39) "
وتهيمن تقنية الاسترجاع على قصة " وتبعد المسافات " التي يستهلها الراوي المهيمن, ببث تجاربه الذاتية " فشل يحوطك .. اجمل سنوات عمرك مرت كهباء منثور . صديقك الحميم افتقدته كثيرا . وشرخ اصاب حياتك والدنيا كربات لاتنتهي .. ملل احتواك (40) مستعيدا - الراوي - بعض التجارب " قالت عفاف انك لا تصلح لشيء . صمتك الزائد . بلاهتك البائنة . اسئلتك الكثيرة . الوقت يمر بطيئا( 41) " وهكذا تتحرك بنية الزمن على هذين المستويين ( التداعي - الاسترجاع ) ..الى ان تنتهي القصة ..
وفي قصته " حكاية بنت اسمها خدوج " . نجدها ايضا كسابقتها , يتحرك الزمن فيها على مستويين : زمن تعاقبي تقليدي , يحكم بنية الحكاية التي يرويها راو مهيمن .. وزمن استرجاعي تكشف عنه الحاشية التي تضع النص ازاء هذا السؤال : ما اذا كان الراوي يحكي عن خدوج بطلة القصة . ام ان خدوج وزميلاتها يناقشن قصة في هذا المعنى مع زميلهن القاص ؟!..
ونجد ان من قصص الاستاذ صديق الحلو التي اعتمدت تقنية الاسترجاع في هذه المجموعة: " وردة بيضاء لعيني ومضة " و " ايام للحزن ايام للشجن " و " الحلقات " و البدايات والنهايات " و " رياح الجنوب النديانة " و " متاهات لا تنتهي " و " امونة بت حمودة الراجل " و" الخروج من القوقعة " و " الجذور " التي تعود الى سعينيات القرن الماضي . وكذلك قصة " جنوح نهى " و قد نشرت هذه القصة بصحيفة " صباح الخير التونسية 1992...
وفي قصة " الذئاب " نجد ان بنية الاسترجاع تتشكل منذ استهلال الراوي, في كشفه عن خلاصة ما يريد ان يرويه " لعلك عرفت ان المرأة الاضافة لم تخلق بعد .. ام حسبت ان الحب يضمد الجراح (42)" ليعود الراوي بعد ذلك الى الماضي الذي جعله يتوصل الى هذا الحكم " قلبن له ظهر المجن وتحولت سهير من بلسم شافي, الى جرح نازف , صار الحنان صحراء بقيع (43)" " جاءت ايام الجذر .. تراجعت ام سهير بعد ان راته يرفل في سندس اخضر نامي (44)"..
ان استخدام تقنية الاسترجاع في القصة القصيرة, يحقق عددا من المقاصد الحكائية, مثل ملء الفجوات التي يخلفهاالقاص وراءه , سواء باعطائنا معلومات حول سوابق شخصية جديدة دخلت عالم القص , او باطلاعنا على حاضر شخصية, اختفت من مسرح الاحداث ثم عادت للظهور من جديد . وهاتان الوظيفتان تعتبران من اهم الوظائف التقليدية لهذه التقنية الزمنية . وهناك وظائف اخرى للاسترجاع اقل انتشارا ولكنها ايضا ذات اهمية كبيرة , مثل الاشارة الى احداث سبق للسرد ان تركها جانبا , واتخاذ الاسترجاع كوسيلة لتدارك الموقف, وسد الفراغ الذي حدث في القصة , او العودة الى احداث سبقت. بغرض اثارتها او التذكير بها , او حتى لتغيير دلالة بعض الاحداث الماضية . سواء باعطائنا دلالة لما لم تكن له دلالة اصلا . او لسحب تأويل واستبداله بتفسير جديد . وكل ذلك يجعل الاسترجاع, من اهم وسائل انتقال المعنى داخل العمل السردي . ويمكننا بالتالي التحقق مما يرويه السرد, عن طريق الاسترجاعات, التي تثبت صحته او خطأه (45)..

بنية الاسترجاع عند الحلو : في (دروب جديدة ) ..

سنحاول ان نتناول هنا بتفصيل اكثر _ تطبيقيا _ بنية الاسترجاع في قصص الحلو الثلاث التي نشرت في مجموعة دروب جديدة : افق اول ( منشورات نادي القصة السوداني ) وهي قصة :
(1) عشوشة تفتقد الصواب (2) الخالة سكينة (3) البرينسيسة ..
ابتداء يمكن التمييز بين نوعين اساسيين من الانظمة , او كما يقول توما تشفسكي في كتابه عن نظرية الادب " يتم وضع العناصر الموضوعية طبقا لاحد مبدأين : فاما ان تخضع لمبدا السببية , وتنتظم داخل نوع من الاطار الزمني , واما ان تعرض بشكل لا يخضع لمنطق الزمن , ولكنه يتتابع دون مراعاة السببية الداخلية " ويطلق على النوع الاول اسم " النظام الزمني " . كما يسمى الثاني " النظام المكاني " ..
وعلى خلفية ذلك يمكننا قراءة الاسترجاع في القصص الثلاثة موضوع تطبيقاتنا العملية (46)"..

(1) الحكاية في عشوشة تفتقد الصواب :

انها حكاية شيخ- سليمان - عاشق لزوجته " كانت تحبه وكان يضللها, والحياة بينهما شد وجذب (47).. يعالج الراوي في هذه القصة, احدى مظاهر السلوك الانثوي السلطوي " فقدت عشوشة صوابها, وهي تأمره ان يبني لها قصرا, من الريش يفوق ما اتى به الاولين طرا (48)".. والحكاية في تأويلها , اسقاط لقصة( سليمان الحكيم مع بلقيس ملكة سبأ) .. فعندما جاء الهدهد بعد تأخر طال , كانت اجابته " - ذهبت احصي عدد النساء اكثر ام الرجال .. قال سليمان : - وماذا توصلت ؟ قال الهدهد : - وجدت ان النساء مع الرجال الذين يسمعون رايهن اكثر , عندها فهم سليمان ! .. وامر جموع الطير بالعودة الى وكناتها . طارت الطيور وفي زحمة طيرانها تساقط الاف الريش, الذي يشيد قصرا فاكثر (49) وتنتهي القصة بامتلاك سليمان معرفة جديدة فيما يخص النساء , تكون دليله للتعامل مع زوجته عشوشة . ولكن ايضا تحصل عشوشة على مرادها- بالمصادفة - " كانت عشوشة المشتهاة تسند رأسها على راحتها وفي عينيها دفء دلال , مليء بالرضا . ما احلى الولوج ببطء, في متاهات الاحلام. في شتاء ليل طويل . لقد ارخت لحلمها وما تشتهي. وبذرت بحماسها والغنج نبتة مورقة, واستراحت .. وتابع سليمان سرب الطيور المغادرة, حين راى الهدهد في زيل السرب يطير دون ان تسقط منه ريشة واحدة (50)"..
تعتمد هذه القصة في دلالاتها, لا على الذاكرة المشتركة على مستوى المجال الثقافي العام ( قصة سليمان الحكيم ), بل وعلى مستوى احد مستويات هذا المجال ( السودان : اذ تسمى فيه احدى العصافير النزقة بعشوشة ) ..

(2) الحكاية في الخالة سكينة :

وهي حكاية عائلةيكيد افرادها بقيادة امهم المستبدة لزوج اختهم " الخالة سكينة وجهها الشبيه بوجه جرز هرم , تدير المكائد : قالت لحسن زوج ابنتها سميرة , انك تثير المشاكل وسوف تقابلك نتائجها .. من يومها وهي تنفخ في المزمار , بناتها يصفقن لها ويرقص الجميع على انغام ديسكو خفي بلا حياء . انه شخص لايرجى منه , قالت الخالة سكينة . بخيل وقذر. ارسلت الخالة سكينة لحسن اهوالا باظافر وانياب (51) ويشارك الام " الخالة سكينة " زوجها ضعيف الشخصية " قال زوج الخالة سكينة الذي دائما ما يتظاهر بانه يفهم كل شيء(..) سميرة الضعيفة تحضر نقودها من المدرسة لتنفقها في منصرفات المنزل المتعددة (52)"يحاول الراوي في هذه الحكاية, معالجة ازمة عائلية , بالكشف عن اسبابها المتمثلة في خيبة امل هذه الاسرة, ذات الاحلام المحلقة , في واقع حال هذا الزوج الذي لا يلبي هذه الاحلام العريضة . فيتضارب واقع حاله مع احلامهم , ويبداون في تسريب كل ما يسيء اليه ومن هنا ينشب الصراع بينه وبين هذه العائلة التى تفسد حياته الزوجية , الى ان تصل الامور بينه وزوجته الى حد الانفصال . فيشعر بانه خسر الرهان " غام العالم في عيني حسن . لقد خسر الرهان . ضيق الم به وعرف ان المكائد وصلت ذروتها (53)" ..
ونجد قصة البرينسيسة هي بمثابة اعادة انتاج لهذه القصة ..

(3) الحكاية في البرنسيسة :

لكن تختلف قصة البرنسيسة عن الخالة سكينة في انها تسلط الضوء اكثر على زوايا اخرى من ازمة يعيشها زوج وزوجته الى حد الانفصال عن بعضهما بسبب تسلط الام " الام البرنسيسةتتحدث كالعواء . ازماتها النفسية والاخفاقات قالت لنا ان ننسى كل تلك المرارات ورددن خلفها بناتها الثلاث في غضب وتحدي (..) ريم اختهن التي بالعاصمة سكبت كثير من الماء المراق على امل ضائع (..) والدهن المترهل رغم امراضه العديدة الا انه مكابر (..) اماني كالبغلة تهدده بالطلاق (..) قال لاخته العجوز ليأتي احمد وياخذ ابناؤه (54)" وهكذا تحاول هذه القصة تسليط الضؤ على النفسية المعقدة لافراد هذه الاسرة , التي جعلت زوج ابنتهم " احمد " يبتعد ليحلق في سماوات لا تطالها اجنحة احلامهم ..

الزمن والاسترجاع :

في التصور الفلسفي الزمن هو: كل مرحلة تمضي لحدث سابق الى حدث لاحق.. على حين ان غيوم ينظر الى الزمن على انه " لا يتشكل الا حين تكون الاشياء مهيأة على خط بحيث لا يكون الا بعدا واحدا هو( القول) " وقد يكون الزمن من المفاهيم الكبرى, التى حار الفلاسفة والعلماء والرياضيون, في الاجماع على تعريفها , مما يدع الباب مفتوحا لكل مجتهد وما يفترضه من تعريف . ولكل مفكر وما يتمثل له من تحديد . ويبدو ان اللغة البشرية لا تزال عاجزة عن عكس مفهوم الزمن حين يراد الدلالة عليه بشيء من الدقة والصرامة . فاللغة يرضيها ان تتحدث عن هذا الزمن في المستوى التقريبي , تاركا المبادرة لالات القياس الزمنية الجديدة التي تحاول الدلالة عليه . والزمن مظهر وهمي يستغرق الاحياء والاشياء , فتتاثر بمضيه الوهمي غير المرئي .
فالزمن مظهر نفسي لا مادي , ومجرد لا محسوس , ويتجسد الوعي به من خلال تاثيره لا من خلال مظهره في حد ذاته . لكنه ياخذ مظهره في الاشياء المجسدة (55) ومما يساعد العلماء على تصور النظام الزمني ربط الزمن بالحيز , حيث لا يرون اى وضع حيزي الا مصبوبا في وضع زمني , كدوران الة من الالات او محرك من المحركات , فان الحركة تدل على الزمن و( تظرف) فيه . اذ يستحيل حدوث اى حركة خارج نطاق النظام الزمني المتسلط (56)..
ونجد ان الزمن السردي - خاصة - هو الزمن الانساني الواقعي . انه الزمن الباطني المتدفق بحيث يشكل ذلك الجانب الغامض في التجربة الشعورية , وهكذا يرادف معنى الزمن في السرد معنى الحياة الداخلية , معنى الخبرة الذاتية للفرد . ورغم تغلغلها في اغوار النفس البشرية فهي خبرة جماعية , والزمن السردي هو الصورة الحقيقية لهذه الخبرة . ومن ثم فالزمن السردي زمن نفسي , بمعنى انه لا يعني الزمن الموضوعي الذي يتم الاهتداء اليه بمعالمه الفلكية (..) لم يعد الزمن مجرد خيط وهمي يربط الاحداث بعضها ببعض ..
اصبح السرديون يرهقون انفسهم في اللعب بالحيز واللغة والشخصية , فاصبحت الاعمال السردية فنا للزمن (57) ومن هنا نجد ان الحلو في قصته" عشوشة تفتقد الصواب " التي يستهلها بزمن المضارع المستمر " الطرق العاشقة والعشب ذو النكهة المارقة على مد البصر وعشوش تحمل قلبا يضحك مع الضحى , تكفكف اساورها , وتتمنى لسدرة روحها ان تثمر , والشيخ صلى ركعتين , وشرب مزيج القرنفل والنعناع , ومسبحته تتساقط قناديلا من الاحلام لمساء رائع (58) ليتداخل زمن المضارع المستمر مع مستوى زمني اخر , هو مستوى الزمن " الاستباقي " " اخبرته زوجته عشوش ان يبني لها قصرا من الريش يفوق ما اتى به الاولين (59) ثم تمضي القصة بصوت الراوي , لتلج مستوى زمنيا اخر هو مستوى الزمن الحاضر " حل الاصيل جاء الهدهد منتفش الريش , يبدو الاجهاد على محياه (60): الى ان تنتهي القصة في المضارع المؤكد بالافعال ( تابع - يطير - يسقط - تزيح - تجعل - تفيض - يشعلن - تسبح ..) في خاتمتها " وتابع سليمان بنظره سرب الطيور المغادرة حين راى الهدهد في زيل السرب يطير دون ان تسقط منه ريشة واحدة (..) انها الجذوة والنساء يشعلن بالتهجي حكايات الشجن القديم . عشوش تسبح في موج لهوها في قصر من ريش (61) "..
كذلك في قصته " الخالة سكينة " , التي يستهلها بالاسترجاع " الخالة سكينة وجهها الشبيه بوجه جرز هرم , تدير المكائد : قالت لحسن ... (62) " وينتقل السرد من هذا المستوى الزمني الى مستوى اخر هو مستوى " الاستشراف " " كن يحلمن به يمتلك السيارات المحملة والبوتيكات الممتلئة ذات الاضاءة المتلالئة ليلا (63)"ليعود مرة اخرى لمستوى الاسترجاع " مرت بخاطر حسن سكينة عند حضورها لابنتها في وضعها الاول (64)" لينتقل من هذا المستوى الى مستوى الاستباق " ضيق الم به . عرف ان المكائد وصلت ذروتها (65)"..
لنجد من خلال ما تقدم ان الحلو يوظف تقنية الاستباق او الاستشراف , في اطار سياق زمن الاسترجاع .
ونلاحظ على قصته " البرنسيسة "أنه قد وظف الاستشراف في سياق الاسترجاع " ناسيات ان الدنيا تعقبها اخرة وان الايام مصيرها الى زوال (66)" وما نلاحظه على التقنيات الزمنية المذكورة طبقا لما تقدم , ان الزمن بصورة عامة يتجلى عند الحلو في اللغة , لغة الوعي واللاوعي والاحساس الذي يذكي الخيال فينقلنا من لحظة الى اخرى ومن لذة الى لذة , حينما نسترجع حدثا جميلا مر بنا كالبرق الخاطف , فعبر سماء حياتنا الموحشة في لحظة هي اقصر من اللحظة وقد ينقلنا الخيال من الم الى الم عندما نشعر بفقدان عزيز او ضياع ثمين .
وهكذا تحاول الذات المبدعة باسترجاع الماضي الجميل وصنع المستقبل البديل , ايقاف الزمن واللحظة الهاربة , عن طريق الكتابة للتمتع بها او للتحسر عليها . وبهذه الطريقة يتم تمديد لحظة الاحساس قصيرة العمر , حتى تصبح اطول عمرا بزمن القراءة , الذي قد يشغل حيز صفحات كاملة .
ان اللغة هي التي تعبر عن كون الزمن يشكل بحضوره المستمر خلفية التجربة , لذا فالزمن داخلي وكامن في طبيعة اللغة المعبر بها في الخطاب , فبنية الكلمات هي البنية العامة الوحيدة لفكرة الزمن الداخلي (67)...

المكان والفضاء المكاني عند :
(1) محمد خير عبد الله .
(2) ارثر غابريال .
(3) اغنيس بوني لاكو .

(1) محمد خير عبد الله :

محمد خير عبد الله قاص ذو رنين خاص . استطاعت قصصه ان " تثير " كثير من الاسئلة حول القصة القصيرة , والقصيرة جدا , او تلك القصة التي يطلق عليها بعض النقاد هنا _ في مصر _ قصة " الومضة " .. استطاعت قصص محمد خير, استكناه التفاصيل القصوى للوعي واللا وعي. في تكثيف يؤكد على براعته في امتلاك ادوات القصة القصيرة .. ونتناول هنا في هذه المساحة " المكان " في ثلاث نماذج قصصية له . وهي تلك التي نشرها في كتاب " دروب جديدة " :
(1) دم ومسبحة وعشق - (2) سيجارة - (3) حذاء .

اذا كان الفن السردي في المقام الاول فن زماني. فانه من الجانب الاخر فن مكاني . فالمساحة التي تقع فيها الاحداث, والتي تفصل الشخصيات بعضها عن بعض , بالاضافة للمساحة التي تفصل بين القاريء, وعالم الاعمال السردية , لها دور اساسي في تشكيل النص السردي . فالقاريء عندما يمسك بالعمل السردي , ينتقل من موضعه الى عوالم شتى . الى عالم خيالي من صنع الكلمات . فالعمل السردي رحلة في الزمان والمكان على حد سواء .. السرد لا تتحقق له صفة الادب دون مكان وفضاء مكاني . فالادب يتناول المكان والفضاء , فيصف الامكنة والدور والمناظر الطبيعية, وهو بذلك ينقلنا في خيال كما يقول بروست - حول قراءته في مرحلة الصبا - الى مناكب مجهولة , توهمنا في لحظة القراءة, باننا نرقد عبرها ونقطنها , فالباقي من اثار قراءتنا لاى عمل ادبي - خاصة السردي - يمثل غالبا في امرين مركزيين :
(1) المكان .(2) الشخصية التي تتحرك في هذا المكان . بكل ما يتولد عن ذلك من اللغة التي تنسج الحدث(68)"...
ما يلفت الانتباه في قصص محمد خير عبد الله . قدرته الفائقة على السخرية واللامبالاة والاستخفاف بكل شيء حوله . الى جانب قدرته على التكثيف , عبر استخدام تقنيات حداثوية عديدة ببراعة فائقة . ففي قصته دم ومسبحة وعشق , التي يحاول فيها معالجة حالة انسانية, لكاتب يعيش حبيس غرفته ( المكان) التي هي ملاذه الامن . الذي يلجا اليه, كلما شعر بحصارات الاخرين . يحاول هذا الكاتب وهو في غرفته كتابة قصة قصيرة عن علاقة تربط بين شاب وفتاة . يرى الاخرون انها لا تناسبه ويحاصرونه بارائهم السالبة فيها .. ما يؤثر على قدرته في اتخاذ قرار حاسم لصالح هذه العلاقة او ضدها .. وتتماهي في هذه القصة شخصية الراوي المتواري, في شخصية الكاتب المتوحد في (غرفته ) بما يوحي سلوكه في هذا المكان, عن حالته النفسية المحبطة"جال ببصره ومسح بلا مبالاة , بين الستائر المتسخة واطراف المقاعد التي علاها الغبار , وبعض الاوراق على المنضدة . جلس على اقرب كرسي ومسح الغرفة للمرة الثانية . مد يده وتناول القلم وبدا يعالج قصة قصيرة (69)" .. ونلاحظ ان المكان هنا ليس محايدا او عاريا من الدلالة . فالتلاعب بصورة المكان من خلال وصف الستائر واطراف المقاعد , الخ .. تم استغلاله لاسقاط الحالة الفكرية, والنفسية لشخصية الكاتب , على المحيط الذي يوجد فيه (الغرفة ) . ما يجعل للمكان دلالة تفوق دوره المالوف, كديكور او كوسيط دلالة يؤطر الحدث .. ويلاحظ ذلك من علاقته المعقدة بغرفته التي اصبحت تحاصره مثلما يفعل الاخرون, لبطل قصته التي يزمع على كتابتها .. فكل شيء حوله اصبح باهتا " التوق الى الاشياء وهن . القراءة . وهي الركن الذي يهرع اليه , عندما تتصارعه الاحباطات (70)".. فيستعيد في احباطاته هذه, وجه والده وحواراته معه حول الفتاة التي يحبها , وفي سياق ذلك يستعيد اراء الاخرين " تذكر والده وضحكته الخبيثة, وهو يقذف بوصيته في وجهه : - لا تتزوجها !.. سأل الامام فانتهره .. سال استاذ التاريخ الذي يوده (71) "ونلاحظ ان صورة المكان هنا, بما يبعثه من احباط , تكتسب دلالة نفسية من خلال عكسها بمفاهيم معينة , هي مفاهيم هذا القاص الذي يدور حول نفسه مستاء, من الستائر والمقاعد والتلفيزيون.. متنازعا بين اراء الاخرين, ممن يحبهم كوالده واستاذه.. وممن تجمعهم به علاقات المجتمع السلطوية, كامام الجامع.. وممن هم بمثابة الاصدقاء , الخ ..فالفضاء المكاني هنا, من خلال الاسترجاع لوقائع ما هو خارج الغرفة. يحمل معه جميع الدلالات الملازمة له, والتي ترتبط بالثقافة العامة, لاسرة ومجتمع هذا الكاتب. التي تنطلق من مفاهيم قيمية, في تقييم علاقته بهذه الفتاة. بالتالي تنطلق من رؤيا خاصة, ومحدودة للعالم يرغب القاص محمد خير, في الكشف عنها. بحركة الكاتب بطل قصته في المكان ( الغرفة ), وفضاء هذا المكان من خلال الاسترجاع .. اذ نجده على الرغم من حبه لهذه الفتاة, لا يصل الى يقين يدفعه لاتخاذ قرار حاسم, بعد ان بلبل الاخرون افكاره , فما ان يخرج من غرفته, ليلتقيها حتى يفر هاربا منها , لائذا بغرفته " ورجع لغرفته الرحيبة كمحيط, وتعرى وجهها يتماوج (72)" ليبدا في كتابة قصته معها " وقال لنفسه هل اسميها ايمان بوصلة الحب (73)" من خلال هذا المكان " الغرفة " يستعيد الكاتب افكار قصته متماهيا في الراوي ..
وفي قصة محمد خير ( سيجارة ) .. نلاحظ للحظة الاولى غلبة الحوار على السرد" - اعطني سيجارة . وقف البائع وناوله واحدة . - هل يمكنني ان اشعلها . - انت حر .- انا حر ؟!..(74) " هكذا يداهمنا منذ اللحظة الاولى بالحوار . حيث تنطلق احداث القصة من مكان ما . عام . يمكن ان يكون اى مكان . سوق . دكان في الحي . كشك على ناصية الطريق .
اذ تعتمد هذه القصة على فضاء المكان بشكل اساسي, من خلال المكان الذي انطلق فيه الحوار, بين بطل القصة والبائع . حيث ينطلق من هنا - بطل القصة - بحثا عن مكان آمن, يدخن فيه سيجارته. دون ان يصطدم بالسلطات , التي تمنع التدخين في شهر رمضان .. فيما يتصل بالاعمال السردية الواقعية فان المكان يقوم بدور مهم, في تجسيد المشاهد. مما يكسب هذه الاعمال, جزء كبيرا من واقعيتها (75) " .. ولذلك هذه الاهمية تقل, كلما انتقلنا الى اشكال سردية اخرى, تدور فيها الحركة في الذهن, بدلا من المكان . حيث يقل فيها تصوير الاحداث والحركة , اذ تتحول هذه الحركة الى اذهان الابطال.. فهذه القصة تحدد زمنها الداخلي بشهر مقدس " رمضان " ليعالج الراوي خلاله سلوك اجهزة السلطة الدينية تجاه " غير الصائمين " . هذا السلوك الذي يدفعهم للهروب من الاماكن العامة, الى ملاذات آمنة , يتضح لهم بعد ذلك انها هي الاخرى غير آمنة . وتكمن مفارقة القصة هنا, ان مسئولي وعمال اجهزة السلطة الدينية نفسها " غير صائمين" . وعلى مستوى قول هذا النص : فهى قصة البحث عن مكان . . فالمكان هوالبطل وهو الحدث الاساسي ...
وفي قصته" حذاء" يستهل الراوي بصوت الانا المتكلم, قصته مستعيدا وقائع مأزقه, كما يتمثل هذا المأزق في حذاءه - وفقا لتصوره - ومظهره . اذ تسبب كل ذلك, في ان يتم رفضه من قبل حبيبته الجديدة , مثلما تركته حبيباته السابقات . فيقرر بيع كتبه, وترك الثقافة والمثقفين , وتغيير مظهره حتى يصبح مقبولا لدى النساء .. اهمية هذه القصة تنطلق., من كونها تناقش العلاقة الاشكالية/ الجدلية بين الجوهر والمظهر , واسقاطاتها القيمية, بما يحدد السلوك او الذوق العام. ممثلا كل ذلك بصورة مفتاحية في دلالات " الحذاء " !! .. فبعد ان رفضته حبيبته, يدخل في مغالطات مع كل شيء حوله , حتى التاريخ "بنت الكلب كيف ترفض حبي ؟ .. اف على التاريخ هذا الكاذب الاكبر.. كل الكتب كاذبة .. بل ميتة وجدتي حية .. وهي لم تسمع بدفترداركم هذا .. (76) " وهكذا يستمر في الهذيان " انتم احرار .. لكن بنت الكلب, لن ادعها تحادث ذلك الشاب (77)" .. ومن خلال تقنية الاستباق, يبدا في تخطيط مكائد ضد اصديقه " اما صديقي عبد العليم الذي يجيد الشماتة .. سارشوه (78) " ويستمر في هذيانه محاولا التوصل, عن طريق تحليله الذاتي , معرفة سبب رفضها له " بنت الكلب سابيع كتبي ما نفعها .. حاورت عنها وبها واقنعت واقتنعت , الا بنت الكلب لم تقتنع . لا بأس من لم يقنعه الكتاب يقنعه الحذاء غدا سابيعها واشتري حذاء اه لو كان معه بنطال جديد وقميص (79) " ...

(2) ارثر غابريال ياك :(حكاية مشنقو - نموذجا )..

اذا كانت سيزا قاسم تقرر: عدم وضوح الرؤية في النقد العربي, بين مصطلحي المكان والفضاء , فان حميد لحمداني في دراسته " بنية النص السردي .. من منظور النقد الادبي " يعلن : " لم نصادف ضمن الابحاث التي اطلعنا عليها , دراسة تميز بشكل دقيق, بين الفضاء والمكان " (80) ويبدو ان التمييز بين كل من المكان والفضاء ضروري. حيث ان تحديد ووصف الامكنة, في الاعمال السردية. عادة ما ياتي متقطعا, لاتصالها بلحظات الوصف , وهي لحظات متقطعة ايضا تتناوب في الظهور, مع السرد ومقاطع الحوار , ثم ان تغيير الاحداث, وتطورها يفترض تعددية الامكنة . بل يتعداه الى تعدد صورة المكان الواحد , بحسب زاوية النظر التي يرى منها هذا المكان . وحتى في الاعمال السردية التي تحصر احداثها في مكان واحد , نراها تخلق ابعادا مكانية في اذهان الابطال . انفسهم . ومجموع هذه الامكنة, هو ما نطلق عليه الفضاء السردي . وهو العالم الواسع الذي يشمل مجموع الاحداث السردية(81)..
والفضاء السردي بهذا المعنى شمولي. يشير الى المسرح السردي بكامله . والمكان يمكن ان يكون - فقط - متعلقا بمجال جزئي, من مجالات الفضاء السردي . ومن هنا فان الفضاء السردي هو: المكان او الاماكن المضمنة. التي تظهر فيها كل من المواقف, والاحداث والسياق الزمني المكاني, للحكي . انه الاطار المكاني المحيط بحركة السرد, كله بما يتجاوز حدود الامكنة المحددة ...
ومن هنا فان المكان عند ارثر غابريال ياك , من خلال قصته ( حكاية مشنقو ) , نجده فضاء فسيحا وعاما , ربما يكون قرية او مكانا طرفيا , او على الشارع العام او المدينة او عنبر الباطنية في المستشفى , الخ .." قطيع من الاغنام مر امامه ... جمع من سكان الحي والمارة, التفوا حولهم وخرج الاطفال, من الاكواخ بثياب ممزقة ... هرعنا الى المستشفى و وجدنا عنبر الباطنية ذا الرائحة الكريهة ... , الخ (82 )".. وحكاية مشنقو حكاية فانتازية , اذ يدخل فيها الايهام : هل مشنقو في تلك اللحظة التي مات فيها , تبدى عن وجه ميري؟!.. ام ان الراوي وحده الذي انتج وجه ميرى عبد الرحمن الفكي , ورآه كأنه وجه مشنقو في ختام حياته؟!..
يستهل الراوي هذه القصة بنداء مدام خميسة لمشنقو , طلبا لدينها منه " مشنقو مشنقو .. انا دايره دين بتاى (83) " . وكان مشنقو واقفا بمظهره الرث, لا يأبه لشيء " لم يأبه لمدام خميسة التي كانت تناديه , ولم يلق بالا, الى الاطفال الذين كانوا يعيرونه (84)" ويمضي السرد في تحليل شخصية مشنقو , كشخصية قريبة الشبه من ابطال الاساطير, والحكايات الشعبية " يا مشنقو هل انت مسئول عن اصلاح هذا الكون ؟ .. وطن واهل ودين وهوية .. ماذا يعني كل ذلك في غياب الحرية .. احترنا جميعا في امر مشنقو هذا , لا صديق له ولا تذوره زائرة .. كان يعرف معظم لغات قبائل الجنوب , احيانا يحدث نفسه بلغات غريبة .. ويقرأ كتبا حروفها متعددة الاشكال " ولد دي اجيب خلاص!" قالها جدي وهو يغرغر فمه بالماء, ثم واصل اندهاشه (85) " ..هكذا تمضي حياة مشنقو الى ان يتنابه النزع الاخير في مستشفى واو " ابونا . ابونا . برئني من الخطيئة الاصلية .. سأل القس انريكو فاجاب الصوت " ما.. ما .. رسم القس اشارة الصليب وهو يتمتم بايات من انجيل لوقا .. امر الطبيب التمرجية ان ياخذوا الجثة الى المشرحة (86)" ...

(3) أغنيس بوني لاكو :( زواج نابورو - نموذجا ) :

والمكان والفضاء المكاني عند اغنيس بوني لاكو, من خلال نموذج " زواج نابورو" لايختلف كثيرا عن طريقة توظيفه عند ارثر غابريال . فمنه يتشكل الفضاء المكاني الذي تدور فيه وقائع واحداث هذه القصة " صحبه عدد من اولاد القرية, لكنهم جميعهم تركوا المدرسة, وعادوا الى القرية (87) فهذه القصة( زواج نابورو) تحكي عن الزعيم " مودي " الذي اشتهر بتعدد زوجاته, الى درجة انه كان " لا يستطيع التمييز, بين زوجاته الاصغر سنا وبناته , ومع ذلك لم ينجب الا من زوجته التاسعة , حيث رزق بطفلين ولسؤ حظه ان الطفل الاول, توفى في الرابعة من عمره وبقى " لادو" الطفل الثاني (88)" وعندما وصل لادو السابعة من عمره يقرر الزعيم مودي, ارساله الى المدرسة رغم اعتراض مستشاريه " كانوا يريدون ان يقوم بتعليمه هو نفسه حتى يكون صورة من والده (89) " ويستمر لادو في المدرسة رغم الصعوبات ", ولم يفكر قط في الهروب (90)" وعندما نجح لادو في دراسته وعاد الى اهله تجدد فيه شجن الطفولة تجاه " نابورو " التي تركها صغيرة, ولابد انها اصبحت صبية ناهدة, بعد كل هذه السنوات . فيسال عنها اقرانه الذين يؤكدون له: انها هربت قبل شهر " مع شاب من احدى القرى المجاورة لعزبة مانولا (91) ".. والمكان هنا كما نلاحظ يتشكل كفضاء واسع, يشمل القرى المجاورة لعزبة( مانولا) كما يشمل حلبة الرقص, والمدرسة الاولية, والوسطى وتوريت الصناعية.. واذ يتشكل هذا الفضاء من خلال العالم القصصي يحمل معه جميع الدلالات, الملازمة له. من دلالات ثقافية وحضارية .. ونجد سواء ارثر او اغنيس , قدما حدا ادنى من الاشارات الجغرافية , التى شكلت نقطة انطلاق لقراءتنا: في المكان والفضاء المكاني ...

الزمكان / المكان .. السرد, في العالم القصصي ل :

(1) استيلا قاتيانو .
(2) منال حمد النيل .

المكان والزمان , يشكلان كلا واحد .. هو الاطار للحدث . وبينما يبدو المكان, بكل ما يرتبط به, وكأنه يمثل فلسفة البناء القصصي , نجده لا يكتسب اهميته, الا بوصفه وعاء للزمن , وفي اطار بعدي المكان والزمان, تسعى الشخصية القصصية, وتدب فيها الحياة, واحساس الانسانية بالمكان والزمان, هما اساس الشعور بالتواجد. والكيان الفردي والاجتماعي. وقد يستخدم المكان, للدلالة على الواقع النفسي, للشخصية القصصية , بحيث يتآزر الزمان والمكان, في تفسير حاضر الشخصية, من خلال ماضيها , او باسقاط الماضي. على الحاضر. لبيان وتصوير فعل المكان, في الشخصية (92)... والمكان عند استيلا قاتيانو, من خلال هذه النماذج, التي نقرأها لها : دائما مكان عام : بلدة .. شارع .. سوق ..الخ .. ما يجعل مشاركة الاخرين, في احداث هذا المكان امرا ممكنا . وهي تلتقي هنا مع قصص( الجيتو الاقريقي الاسود) التي تعني بحياة المعزولين في المجتمع , ونعني بالتحديد, هنا قصتها " خرائط لعوالم مجهولة" .. من خلال تصويرها لحياة المشردين , هذه الفئة المعزولة في المجتمع .. حيث يشير النوع العام للمكان هنا , للخلفية التي تقصد استيلا اجراء الاحداث, وصراعات الشخوص عليها , كما يشير البعد المكاني وزمانه, الى عالم الراوي او المحاور, وهو بالضرورة جزء من عالم النص كله ...
استيلا قاصة سودانية متميزة . تمتاز بقدرة فائقة على السرد والحكي , وانتقاء الكلمات العذبة, الاكثر قدرة في التعبير, عن مدي جرح عالمها القصصي . والنماذج التي سنتناولها لها هنا هي :
(1) خرائط لعوالم مجهولة .(2) بحيرة بحجم ثمرة الباباي .(3) وليمة ما قبل المطر .(4) في ليلة قمرية .(5) كل شيء ها هنا يغلي ...
وهي قصص قد نشرت سابقا في كل من ( نماذج من القصة القصيرة النسائية في السودان - الانثى كذات كاتبة والانثى كموضوع للكتابة ) و ( مجموعة دروب جديدة _ نادي القصة السوداني ) و: ( كتابات سودانية ) ..

(1) خرائط لعوالم مجهولة :

وهي قصة صبيى مشرد في الثامنة من عمره, .بينما هو غارق في نوم عميق, توقظه شقيقته, التي تكبره بعامين. بلكمة قوية. فيسترجع الراوي , من خلال الفعل المضارع المستمر, كل وقائع واحداث الليلة التي مضت . عندما قرر الافتراق عن شقيقته , بسبب شجارهما المستمر وحياتهما المعذبة , ولكن لا يستطيع الاستمرار في الافتراق عنها , فيعود ليبحث عنها, بحثا مضنيا حتى يجدها.. وهي نائمة فيستلقى قربها, بعد ان يغطيها بارتاق من القماش , ويصحو في الصباح, اثر لكمتها القاسيةعقابا له على تبوله على سرواله , ويبدا في استعادة حياتهما معا واحداث الليلة الماضية : الاسباب التي جعلته يتخذ قرار الافتراق عنها " قام وهو يعاني من نعاس يأبى اطلاق سراح جفنيه (..) عند استيقاظه رأى الخريطة التي رسمها تبوله الليلي .لابد انها بلاد يحلم بزيارتها يوما (93) " ويمضي الراوي كاشفا عن الحياة المأساوية, لهذا الصبي المتشرد " يمشي على امشاط قدمه اليمنى , مقاوما الالم الناتج عن تشقق باطن قدميه , يتجه الى المسجد قاصدا الحنفيات , التى اصطف امامها الناس مثل جنود يتلقون تعليمات من قائدهم . يصب الماء على سرواله لازالة اثر البول (..) يعود ادراجه (..) حيث اصطفاف المتسولين بصورة مقززة , يفكر : كل شيء بقايا واوساخ يجب ان تلقى , فنحن قاذورات البشر يجب ان تلقى على الرصيف (94)".. وهكذا يستمر الراوي, في القاء الضؤ على عالم التشرد والمشردين . هذا" الجيتو الاسود" المعزول على هامش المجتمع . من خلال الحياة البائسة لهذا الفتى وشقيقته" اطفال يفتك الرمد بعيونهم (..) كبار السن يتآكلون تحت وطأة الجذام, وسائر الامراض (..) ثياب تجيد فضح العورات اكثر من سترها , واواني سوداء هضمها الزمن (..) ذانك الطفلان (..) لا يدري احد ما اصلهما او فصلهما , دائما يتشاجران على بقايا طعام بائت (..) فضحه ذلك الشق الهائل, في خلفية سرواله , يظهر غباش ردفيه (95)" ..
وتستعيد الصبي من هذه المشاهد نظرات شقيقته , التي تسترده من رصده للوقائع والاحداث حوله, في عالمه البائس , ثم يمضي الراوي, في تشريح علاقة هذا الصبي بشقيقته " كان يحملها على ظهره , خلال جولاتهما حول المدينة , بحثا عما يسد الرمق (..) وكانت مهمتها النشل (..) كثيرا ما كانا يتشاجران لعدم عدل شقيقته , في تقسيم النقود بينهما (..) ويستمر كل منهما في امتنانه على الاخر , وينتهي الشجار بان تضربه بقسوة وغلظة (..) كان يبكي ويعلو صوته (96) " .. هذه العلاقة المعقدة بينه وبين شقيقته , تدفعه للتوحد مع ذاته , حيث يستعيد في حواره مع هذه الذات المعذبة , تاريخه وحياته " اختي قاسية مثل ابي , الصلة التي كانت تربطني به يده الثقيلة , التي كان يقبض بها على كتفي (..) كنت انطلق به بين السيارات الفارهة , واخرى تقل ركابا , فينطلق لسانه, بسيل من الدعوات لمن يعطيه ومن لم يعطيه . وكثيرا ما لا يعطيه احد. ولا يثير ما يقوله من دعوات شفقة, او يحرك ساكنا (..) كنت اغتاظ منه . لو دعا لنا كل هذه الدعوات لتغير حالنا (..) كنت ادعو في سري, دعوات مضادة لما يقوله ابي (97)" ويمضي الصبي المعذب في احلامه البريئة, عندما يرى السيارات .. يحلم باقتناء سيارة .. ويتساءل : لكن من حينها سيقود والده ؟!.. فتتبخر احلامه ..
ولكن سرعان ما تعاوده هذه الاحلام " تصبح لي سيارة كبيرة حمراء . اقودها . اتوقف عندما تضيء الاشارة حمراء . لن ارفع زجاج سيارتي في وجه ابي (98)" .. وينتزعه من هذا الحلم سيارة عابرة , تكاد تحطم سيارته اللعبة التي يسحبها . فيفلت اصابع والده ويهرب , فيلقى والده حتفه " حتى الان اذكر تطاير دمه على الاسفلت (..) هل كنت احب ابي ام لا ؟!(99) " ويحطم الصبي سيارته اللعبة . بسبب هذه التجربة القاسية , التي تشكل وجدانه لسنوات قادمة .. كان خائفا في طريق عودته الى المسجد " هاجمتني اختي : اين ابوك ؟! (..) بكت . تجمع حولها المتسولون (100)" ... ويدفعه التفاف الناس حول اخته للعدو والهرب , اذ يرى في هذا المشهد, ذات مشهد التفافهم حول جثة والده .. ففي لحظة هروبه وقع مكروه لوالده!! والان ايضا يهرب , فقد يقع مكروه !!.. وعندما يتعمق الشجار بينه وبين شقيقته, يقررالافتراق عنها " ذهب والتقى ببعض المشردين . قضى معهم بقية اليوم. وعندما تاخر الوقت تذكر شقيقته, فتناهبه القلق , فمضى للبحث عنها في كل مكان , فهو لا يريد ان يحدث لها مكروه, بسببه كما حدث لوالده " كان خائفا اذا سأله احد : اين اختك ؟!.. وجدها مستلقية وتتنفس بانتظام (101) " فيشعر بالاطمئنان عليها, ويغطيها برتق من القماش. ويستلقى قربها الى ان توقظه صباحا, بتلك اللكمة المميزة. بعد ان وجدته قد تبول, على سرواله اثناء النوم ..
الزمان هنا في هذه القصة, لحظات قصيرة. تمتد من اللحظة التي تم ايقاظ الصبي فيها, من النوم حتى خروجه الى المسجد. مباشرة للاغتسال , واستعادته لوقائع علاقته بشقيقته ووالده, والعالم الذي ظلوا يعيشون فيه, منذ حياة والده , بتحديداته لهذه العلاقة البائسة ..
والمكان هنا كما اشرنا اليه - في استهلال هذه القراءة - يشكل مع الزمان , نموذجا للزمكانية . حيث يندمجان معا, ليشكلان كلا واحدا. يصعب فصله .. رغم وسع المكان . باعتباره مكانا عاما. لكن الاحداث تدور في ذهن الصبي. من خلال تقنية الاسترجاع, اكثر مما هي تدور, في الواقع المكاني الواسع, الذي يشكل فضاء المكان. في القصة بما هو يتكون من: الطرقات , المسجد , السوق , الخ ..
ومع ذلك ليس ثمة مكان محدد, يخصهما.. وياويان اليه . وذلك لطبيعة حياتهما., كمتسولين , بحيث يتماهى مضمون القصة, مع شكلها.. وتوظيف المكان , الذي رغم شسوعه, لا يملكان فيه حيزا يخصهما , ليكون فعلا اطارا محددا لخصوصية اللحظة الدرامية, المعالجة لاحداث ووقائع حياتهما , فالحدث لا يكون في لا مكان , وهنا يكشف المكان عن وظيفته الاساسية " الخلفية الدرامية للنص " (102)"...

(2) بحيرة بحجم ثمرة الباباي :

تتضح العلاقة بين الزمان والمكان " الزمكانية " في الوصف او الصورة السردية , حيث ان الوقفة الوصفية, في النص السردي تمثل وقفة زمنية , ولذلك يلاحظ بهذا النص, نوع من التوتر بين دفع مستوى القص الاول للاحداث, الى الامام على خط الزمن , وبين جذب المقطع الوصفي, الذي يشد النص نحو الاستقصاء والسكون. حيث يستطيع الوصف, جذب النص وتجميده الى ما لا نهاية. ومن هنا نستطيع في( بحيرة بحجم ثمرة الباباي) تبين اتجاهين :
(1) اتجاه يخضع لدفع الزمن فيزمن المقاطع الوصفية , اى يحول المكان الى زمان .(2) واتجاه يستسلم للاستقصاء, فيمكن الزمن او يحول الزمن الى مكان (103)" ..
ولتوضيح ذلك نلاحظ ان زمن هذه القصة قصير . اللحظة التى تكفي - فقط - لاستعادة بطلة القصة ذكرياتها مع جدتها التى توفيت " كل شيء فيها يذكرني بشجرة الباباي المنتصبة في فناء بيتنا الواسع (104)" .. فمن خلال المكان الذي يحدث فيه استرجاع هذه البطلة لذكرياتها .. الذي هو مكان ما في الجنوب , اذ تم التعبير عنه من خلال رموز وعلامات , تكفي للافصاح عن هويته الجغرافية " شجرة الباباي , الخبرة والسلوك الاجتماعي اليوميين في التعامل مع وقائع الحياة اليومية , الخ .." " ذات يوم ذهبت لتقضي حاجتها في العراء (..) يبدو ان افعى لدغتني , فاخذت مشرطا وفصدت موضع اللدغة (..) صنعت خطين على ظهر يدي وكذا على قدمي (..) هذا حتى لا تجرؤ تلك الحبال المتحركة على لدغك (105)" ,, كذلك من خلال الاسماء المميزة, لا للفواكه فحسب. بل للناس ايضا, يتم تحديد المكان " انت يا ربيكا ابنتي (.) وانت يا ماريو فقد قتلك التحدي (106)" .. وهكذا ياخذ المكان ملامحه, لا من خلال تحديده جغرافيا , بل من خلال الرموز والعلامات, التي تشير الى هذا الحيز الجغرافي, الذي تدور فيه احداث القصة, وفضلا عن ذلك يتم تحديده بدقة اكبر " في كل مكان . حتى في فناء بيتنا الواسع, المليء بالاشجار والخضروات, وشجرة الباباي (107)" ..
وهكذا تعمل مع هذا التحديد الادق , البنية الزمنية لتحدد مستويات الزمن مع العلامات والرموز التى تعمل داخل هذا المكان . لتشكل بنية " زمكانية " تجري خلالها الوقائع والاحداث .. فبعد ان تستعيد هذه الفتاة تفاصيل علاقتها بجدتها , تحاول تسليط الضؤ, على بعض الاحداث المؤثرة, التي وقعت لها مع جدتها , للكشف عن ابعاد شخصية هذه الجدة " لا المس في جدتي اى جماليات . كنت اراها قبيحة كالغوريلا (..) كنت ارى الافق عبر ثقب اذنها الهائل (..) في انفها الافطس .. ثم مساحة كبيرة من لثتها (..) عيناها كانتا حمراوتين , الشيء الذي عرفته عن جدتي , ان لها مقدرة فائقة على تحمل الالم (108) " ..
هذه القصة تنهض في العلاقة الحميمة والمعقدة, بين الجدة وحفيدتها , والذكريات المشتركة بينهما, لليتم والترمل وفقد الاحباب . وتنهض في هذا العالم الما ورائي, الذي تنهض فيه العقائد الافريقية الاحيائية القديمة, متحكمة في حياة الناس , والذي يتصل بالجدة. ويصعب على حفيدتها تصديقه " قالت هذه الافعى نزير شؤم (..) رأيت جدك قبل ايام .. - في الحلم .. - لا في الواقع .. - ولكن يا جدتي جدي قد مات!! .. (..) رايته في صورة تمساح (..) لا ادري الى ماذا ساتحول , لكن اتمنى ان اتحول الى نسر . ومنذ ان ماتت جدتي, وعلاقتي بالنسور قوية . كلما المح واحدا اتامله في تحليقه . عسى ان اجد بعض صفات جدتي : ثدي بحجم ثمرة الباباى , عيون حمراء وجفون منتفخة , ولبن بطعم الملح ...
(3) وليمة ما قبل المطر :
وفي هذه القصة يحدد الراوي منذ اللحظة الاولى المكان في زمن سابق " " اولير " .. اسمه يعني العراء . ذلك لان امه انجبته هناك , عندما داهمها المخاض وهي تحتطب . بلدته محاطة بالغابة والسماء (109)" ف " أولير " الان قد بلغ سن الشباب وهو فتى قوى وذكي , لكن كل وقائع حياته تم تحديدها منذ بلغ سن السادسة , فمنذها تشكلت مسيرته . ففي تلك السن التي يستعيدها الان. حيث يتوقف عند ذلك اليوم المشؤوم و تلك اللحظة التي كان يغط فيها في نوم عميق . " ركض صديقا اولير , طفلين في السادسة من العمر (..) اتجها نحو خالتهما لتوقظه لهما حتى لا تفوته وليمة ما قبل المطر (110)" .. وترفض الجدة ايقاظ اولير , فيمضي صديقيه وحدهما ليلهوان بجمع الثمار قبل هطول المطر " انهمك الصديقان في التقاط الثمار. عازمين على التقاط نصيب صديقهما النائم (111)" لكن الصاعقة تقتلهما, وهما في لهوهما البريء " تفلت جدة اولير لعابا داكنا, بفعل التمباك على رأس حفيدها المحبوب قائلة : اشكر من جعلك تنام في هذا الوقت بالذات , فقد انقذك النوم من موت محقق (112) " . وتقوم الجدة بطقس ترصد فيه اولير , لتحميه مدى حياته من الصواعق . بان يجعله هذا الرصد ينام, كلما اوشكت الامطار على الهطول ".. ماتت الجدة بسرها . كبر اولير . كان يغرق في لعنة جدته كلما هطلت الامطار . وفي نومه كانت الاحداث تتواتر على ذهنه (113)" واصبحت المشكلة التي تزعج حياته, هي عدم قدرته على غلبة النوم عندما تهطل الامطار , فتاخذه امه الى العرافة, لتعالج له هذا الامر. الذي ينقص عليه حياته . وفي اليوم الذي تنجح فيه العرافة, في فك رصد جدته تهطل الامطار بغزارة, ويموت اولير غرقا ومصعوقا.. " ابتلعته الامواج والنهر, مثل حيوان ضخم يتقلب في مرقده, مبتلعا كل شيء حتى جذوع الاشجار. , واولير في احضان الطبيعة يتحول الى طفل في السادسة , يتنهد في حجر جدته, ذات الرائحة النفاذة, وهو يراقب قملة تزحف متكاسلة , ثم تندس بين طيات تنورتها , وذلك اللعاب الداكن يثقل فروة رأسه . فأس بهوي من السماء. شاطرا شجرة الى نصفين. ثم نزيف دخاني وسائل اخضر , جثث تتدحرج وقبر متشقق.. تركوه هناك نائما نومته الابدية , غارقا في لعنة جدته, والنهر ياخذه بعيدا, بعيدا.. عن انشودة المطر , بعيدا عن القرية, المحاطة بالغابة والسماء . بعيدا عن البافرا وورق الموز (114)" ويلاحظ على القصة عند استيلا, بصورة عامة أنها تتميز بالحرص على روح المشاركة الجماعية, مثلما فعل الطفلين صديقي اولير. بتفكيرهما فيه. عند جنيهما للثمار. اذ حرصا على نصيبه . وكذلك مثلما فعل اولير بمساعدة زملاءه الشبان, على عبور النهر. حتى لم يتبق سواه فغرق .. كذلك روح التكافل, كما في قصة( خرائط لعوالم مجهولة) , فالعلاقة التي تربط بين الشقيقين, المشردين فضلا عن كون الفتاة اخت بطل القصة, الا ان العلاقة التي تربطه بها, تكافلية ايضا .. وتلك هي سمة المجتمعات الافريقية , فبالرغم من الانقسامات, وتعدد الطوائف. وصراع الطبقات, الذي يفرز التشرد كناتج ثانوي, لعمل راس المال . بالرغم من كل ذلك - او بسبب ذلك - تتعمق روح المشاركة الجماعية والتكافل ..
(4) في ليلة قمرية :
الحدث الاساس في هذه القصة, هو حريق شجرة في احدى القرى الجنوبية .. شجرة تعني لسكان هذه القرية, رمز يشكل معنى وجودهم " كانت تلك الشجرة, مقر لمهمات وهزليات البلدة , كانت مجلس للسلاطين, وكبار رجال البلدة (115)" .. يتم حرق هذه البلدة, في ظروف غامضة. اثر زيارة ثلاثة شبان من القرية المجاورة, وتعاركهم مع ثلاثة شبان من هذه القرية . ومع ذلك تعود هذه الشجرة المحروقة, للحياة مرة اخرى. كطائر الفينيق. كأن هذه الشجرة ترمز للشعب الجنوبي,_ الضارب بجذوره في ارض السودان _ , والى انبعاث امجاده " وفي يوم كنا نجلس تحتها, ونتذكر الايام الحلوة التي قضيناها قربها ونلعن الشبان الثلاثة , لابد ان لهم يد في الحريق . ورفعت رأسي انظر اليها , كأني اريد اعادة الحياة لها , فتخيلت , بل لمحت هناك فرعا صغيرا اخضرا , بين الفروع المتفحمة, لا يكاد يرى , نهضت من مكاني, كانني اريد الطيران , كأن شيئا لسعني , وتسلقتها دون ان ارد على اسئلة اصدقائي المقلقة , حتى وصلته . نعم انها مخضرة . انها حية . الشجرة لم تمت . صرخت بهذه الكلمات دون وعي . والدموع تسيل على خدي . احتضنت الفرع كأنني احتضن جزء مني , واحتضن اصدقائي الجذع, كانهم يحتضنون اما عادت بعد غياب (116)" وهذه القصة مثل قصص استيلا السابقة, التي اشرنا اليها, من حيث علاقة الزمان بالمكان .. المكان الذي ينطوي على نفسية الاشخاص, وفقا لمسيرة الوقلئع والاحداث, في اللحظة الزمنية , نفسياتهم باشكالاتها المعقدة .. ونستطيع ان نستقرأ هنا انه من العسير على القاص الجنوبي, كتابة قصته دون ان يستشعر التفوق الشمالي , بل لا يستطيع انتاج هذه القصة بمعزل عن تشجيع ذلك .. ففي القصة الاولى " خرائط لعوالم مجهولة " نرى التشرد وما يستتبعه كناتج من نواتج السلوك السياسي الشمالي, ازاء الجنوب لوقت طويل . والطفل وشقيقته بعلاقتهما المعقدة رمزالبراءة وكون المستقبل ضحية وضياع, كما ان الاب رمز لضياع الحاضر وكونه ضحية ايضا للماضي في آن !! ..
(5) كل شيء ها هنا يغلي :
وفي قصتها كل شيء ها هنا يغلي , تحدد استيلا ابتداء " زمكانية " احداث ووقائع قصتها " المكان : حي شعبي (..) الزمان : زمن النزوح .. زمن الحرب (117) " فالزمن لا يأخذ تحديده هنا الا مما وقع فيه " الحرب" , فيتم تزمينه في الحدث " الحرب " باعتبارها حدث اساس , وما يحدث لبطل القصة واسرته الصغيرة, نواتج ثانوية لهذا الحدث الاساس .. فهي قصة عن الاثار الصحية والاجتماعية والاقتصادية والانسانية , التي تترتب على ( الحرب) . ومن هنا - في القصة - ترتبط الحرب بنتائجها .. ما افرزته من معسكرات واحياء طرفية للنازحين " الشعار مرفوع هنا :" بيتك للكل , لان الكل في بيتك , بيتك في الشارع والشارع من تراب (118) "حيث تنعدم هنا الخصوصية , وحيث ينهض سؤال الملكية , والمآلات النهائية للانسان والاشياء ( الى تراب ) .. _ لكأنه سؤال كوني صوفي عن : لماذا يتحارب الناس لطالما ان مآلهم الى تراب ؟!_ فمن خلال اسرة صغيرة (اب وزوجته وطفليه التؤام ) , نزحوا بسبب الحرب , وسكنو ا في معسكر, او حي شعبي خارج التخطيط , باطراف العاصمة .. من خلال تشريح علاقات هذه الاسرة باعضائها , وعلاقاتها في مجتمع النازحين , وعلاقة كل ذلك بالمكان, والسلطة الرسمية , تبرز استيلاء القوانين الدقيقة, التي تعمل في هذا الفضاء الزمكاني , بالوقائع والاحداث الفادحة, التي تجري فيه , وبالصور والمشاهد المعذبة: في تداع بطل القصة , واسترجاعاته لحياته البائسة .. تحكي استيلا عذابات هذه الاسرة , لتكشف عن مدى البؤس والجرح , في مجتمع النازحين من مناطق الحرب . " انت تعيش هنا بعد ان فقدت كل شيء هناك . وتحلم بالعودة قريبا , لذا تفعل كل اشياؤك بصورة مؤقتة (119) فتيار الحياة بكامله في مجتمعات النازحين متوقف , فهو رهين العارض - غير الجوهري - المؤقت , السطحي الذي لا يضرب بجذوره في اعماق الارض , بعد ان افقدتهم الحرب الديار التي يملكون فيها كل شيء : ذكرياتهم , واحلامهم الانسانية .. ومن هنا يتم حصر الصراع في اليومي في سبيل العيش .. ما يؤدي الى اصابة رب الاسرة بمرض السل " الدرن " , ليعاني من غرفته الوحيدة بؤس الحياة في هذا الجيتو الاسود " المعسكر المعزول باطراف العاصمة " " ترى الاطفال عراة وحفاة وهم يتمرغون في القذارة (..) فوضى الامهات والاباء , يتجهون حثيثا نحو الجنون والسجون والموت . ترصد هذه الحلقات كل يوم . حلقات شجار بالالات الحادة , وحلقات الرقص التي تتكون في العادة اكثر من بقية الحلقات (120)".. فالرقص هنا يتجاوز لحظات الفرح , ليشمل كل الاحداث , حتى الموت . " يصلك كل ما في الشارع من احداث , لانك تقريبا تسكن في الشارع (..) يصلك صوت تبول احد السكارى, على جدار غرفتك . وتقيؤ ذاك امام بابك , وتدحرج اخر, مقاوما الدوار . ترى النسوة في نشاطهن اليومي ينقلن الخمور (121) " ..
وهكذا يمضي الراوي في تشريح الحياة اليومية للنازحين ,. حاكيا سيرة عذاباتهم التي لا تنتهي , مركزا عدسته على هذه الاسرة الصغيرة , كمرآة تنعكس عليها كل الجراحات عميقة الغور في مجتمع النازحين من مناطق الحرب , الى المعسكرات العشوائية في اطراف مدن الشمال ... فزوجة بطل القصة ( مع ملاحظة ان البطولة في هذه القصة للاسرة ) بعد مرض زوجها, تبيع الخمر البلدي, لتلعب دور الزوج المريض, ودورها في آن لاعالة الاسرة .. يترتب على احساسه بالمرض - الزوج - , واشفاقه من تحميل زوجته فوق طاقتها , شعور معذب بالالم , يصيب روحه بالوهن " لم تستطع ان تقي جسدك وعقلك ومعنوياتك من هذا الدمار , الذي حل بك . انت صورة لكثيرين . لكنهم فقط يندسون خلف زجاجات الخمر , حتى لا يطحنهم هذا الحاضر المرير (..) كل الاسئلة لها اجابة واحدة : لا خيار (122)" .. فالنازحون لا يشعرون بالامان لحياتهم البائسة . ليس لضيق سبل العيش فحسب , بل ايضا لحصار السلطة الرسمية وتهديدها الدائم لهم - دون ان تطرح هذه السلطة بدائل لمهنهم , او تحاول معالجة اوضاع سكنهم _ " تدك الارض لاخفاء الاثار حذرا من " الكشة " غدا . وفي النهار تنساب بين الزبائن ملبية طلباتهم( 123). ويمضي الراوي ليكشف لنا عن مزيد من دقائق الشعور النفسي - بالتحليل - لبطل القصة رب هذه الاسرة المريض, وتاثيرات هذا المجتمع الذي يعيش فيه على نفسيته " كل هذا يتم حول رأسك . انت مغتاظ لدرجة الموت من السكارى الذين يحيطون بك , من حين لاخر . واصفين لك وصفات مذهلة للعلاج (..) كل هذا وانت عبارة عن عين ترصد فقط (..) ها هي قادمة نحوك , نحيفة تتلاعب داخل ثوبها كالملعقة في كوب شاي (..) ترفع الوسادة التي تحت رأسك , واضعة النقود (..) تضعها دون اعتبار لأى راس ملقى هناك , كأنك والوسادة شيء واحد (..) يتبعها سعالك, فتنتبه لوجودك وتسندك بيد (..) خلال مخاطبتها مع احدهم (..) وتلقمك بعض الطعام (..) ليس بينكما لغة فهي تتحاشى النظر الى عينيك (124)"..
وينتقل الراوي الى حياة الطفلين داخل هذا المناخ الخانق والمعقد . فهما لا يدخلان بيتهما, الا ليلا. فالنهار ملك للزبائن " يذكران ذلك اليوم الذي ضربتهما فيه الام ضربا مبرحا , عندما دلفا وتلقفهما السكارى (125) " فالام تعمل بصناعة وبيع الخمر البلدي, حتى تجنب هذه الاسرة عذابات وذل السؤال , كما تخشى عليهما من الصدقات - فالسكارى يشعرون انهم مسئولون عن الطفلين ويحاولون مساعدتهما - " انتم افضل من هؤلاء الاطفال الذين يلعبون في الشارع .. منذ ذلك اليوم , اذا ارادا شيئا وقفا هناك حتى تبصرهما . فتاتي . وفي احايين اخرى لا تبصرهما (126) " .. هذا المناخ الفاجع لهذه الاسرة , يدفع بطل القصة للانحسار داخل ذاته , فها هو _ الى جانب كل ذلك _ يسمع زوجته تقول لجارتها " انها ادخرت النقود الكافية لتأخذه غدا الى المستشفى , لانك اذا مت فانها لن تغفر لنفسها ابدا . فتتكور انت الما (127) " ..
استيلا تسلط في هذه القصة الضؤء على " الانساني" في اجزاء مهمة من حياة يومية لفئة( مهمشة) . اذ تتسامى بهذا الانساني وتصعده الى اقصى مدياته , ليصبح هو الحدث المركزي, الذي تدور احداث ووقائع هذه القصة حوله ...
حدثان اساسيان في حياة معسكر النازحين يثيران الضجيج والهرج والمرج , احدهما يدفع بالسكان الى الفرار منه ( الكشة ) والاخر يدفع بهم الى الركض تجاهه ( الاغاثة ) فوصول الكشة يعني: الانتهاكات و الخراب واعتقال المواطنين, الذين يعملون في صناعة الخمر وبيعه , كذلك اعتقال متعاطي هذه الخمور . ووصول الاغاثة يعني : مد عمر الطمأنينة الغذائية للنازحين , بما يوزعه عليهم عمال الاغاثة الامريكية من مواد غذائية . والمفارقة هنا ان السودان سلة غذاء العالم - نظريا - واحد الد اعداء اميركا- فقرى الجزيرة التي لم يرد ذكرها في خرائط الجغرافيا لطالما رفعت شعارات التحذير لاميركا _ , ومع ذلك تضع اميركا على عاتقها اغاثة النازحين من مناطق الحرب ؟!!.. وبين هذين الحدثين الاساسيين اللذان, تتحرك في في اطارهما الحياة الانسانية للنازحين نجد الكتائب المسلحة لحفظ النظام العام ومحاربة الرزيلة والحرام وللترويض ايضا(128)" كما نجد التباس الوعي " كانوا لا يفرقون بين المصيبة والمصيبة _ مصيبة الكشة ومصيبة الاغاثة _ (..) " العين تنظر الى تلك الجوالات وعلب الزيت وقد
(129) " " انها لفضيحة ان يموت الانسان جوعا في بلد هو سلة غذاء العالم (130)" ..
يعالج الراوي هذه الافكار التي تتداعى في خاطر رب الاسرة المسلول, وهو يشهد البوليس يعتقل زوجته, ونساء المعسكر اللائي يعملن مثلها في بيع الخمور , وكذلك اعتقال المتعاطين . " كان طفلاك معهم. لأن زوجتك لم تنج هذه المرة , كنت تراقبها. عندما نبش ذاك الارض ووجد مكان مخبئها , واخرج الخمور وسكبها على ارضية الغرفة . كانت تتمتم وعيناها زاهلتان : فقط لو اتوا الاسبوع القادم (..) عاد طفلاك الى البيت. ووجدا فوضى الاواني المبعثرة , والاسرة المقلوبة والخمور المهدرة (..) ترى طفلتك التي تحس في هذه الاثناء , انها يجب ان تحل محل الام .. فصارت حازمة .. وزامة شفتيها , حتى لتبدو اكبر من سنينها (131)" في مثل هذا المناخ الموجع, الذي يحيا فيه النازحين , وعندما يغيب العائل الوحيد لاسرة ربها مريض وما تبقي من اعضائها اطفال , عندما يغيب عائل الاسرة , بسبب الكشة او يغيبه المرض . يصبح ليس ثمة بديل للاستمرار, في الحياة سوى الاغاثة - خاصة بعد ان لا تتخلى السلطات الرسمية عن هؤلاء النازحين فحسب , بل وتحيل حياتهم الى شقاء وضجر _ لكن المعسكر باكمله يصبح تحت تهديد اليات الحكومة " بعد عدة ايام ظهرت جرارات من على البعد (..) تم هدم كل البيوت التي كانت قائمة (..) حتى غرفتك الوحيدة ذابت تحت وطأة الجرارات (132) " وهكذا يفقد بطل القصة كل شيء : بيته واسرته في مواجهة جرارات الحكومة وثورة الطبيعة : بعواصفها وامطارها .. ويفقد كل هؤلاء النازحين المأوى ...

(2) منال حمد النيل :

منال حمد النيل , قاصة ذات ايقاع خاص . تفيض قصصها بعذوبة الانثى . ولاتزيد بعض قصصها, عن اسطر قليلة , نلحظ فيها قدرة عالية على التكثيف , حتى لا نعد نميز, سوى اصداء لصوت بعيد , هو صوت الشخصية, التي تتحرك خلف هذه الاسطر ..فكتابات منال تقع في المنطقة الوسط, بين الشعر والنثر والقص . , حيث تضج في هذه المنطقة بالغربة واللوعة , الناهضتين في عالم اشد التياعا وعذاب . . حيث لا راوي سوى الايحاء الدال عليه .. هكذا , دون تحديد اجتماعي او نفسي - اقصد هنا قصصها القصيرة جدا - مجهول تماما , الا من فيض المشاعر والاحاسيس , المحملة بالاسى والضعف والتحدي كذلك ...
نعتمد في هذه القراءة - الى جانب قصصها المنشورة في كتابات سودانية , ومجلة الثقافة الجديدة"المصرية" - على قصص اخرى , قمنا باستخراجها من الشبكة الدولية للمعلومات * (133) .. حيث نلاحظ على قصصها القصيرة بصورة عامة التحرر من الشكل الصارم للقصة القصيرة الذي تقابله في قصصها المطولة مثل" غربة " و" حبيبات مطر " بشكل الحكاية المفتوح, المتحرر من الحيل الفنية المألوفة , ومزج الشعر بالنثر , ونجدها بذلك قد مالت في كل من القصة القصيرة والقصيرة جدا الى الغنائية, لتخلق اسلوبها الذي يميزها. اذا اتفقنا ان شكل التعبير هو ما يحدد نوع النص , لان العرف الجمالي الذي يشاركه فيه , هو الذي يصوغ شخصيته , الى الشكل الخارجي والشكل الداخلي - وهذا النوع هو ما وضعه( جان كوهين) بين طرفي الخط الواصل بين الشعر والنثر , بمعنى التفاوت في درجة شعريته كما ونوعا _ تحديدا هنا , اعني قصصها القصيرة جدا - والذي هو موضوع الشعرية اليوم في السرد , اذ لم يعد موضوعها الشعر بحده المعروف تقليديا , بل الادب كله (134) ومن هنا يمكننا استهلال هذه القراءة بقصصها القصيرة جدا , المنشورة ب ( كتابات سودانية - سبتمبر 2004 )..

(1) قصص قصيرة جدا :

في قصتها ( مدينة بوح ) نلمح اثرا لاثنين : فتى وفتاة . رجل وامراة , ربما .. انسان وانسانة .. في مكان ما .. زمان ما . يبوحان لبعضهما " اتفقا على تكوين مدينة للبوح خاصة بهما , لا يعبآا فيها لقوادم الايام , يلحقا بها هناءتهما , متكررة الهروب (..) وليصبح الخليط المتكون في الكأس عصارة قلب وقلب(135)" .. وهكذا يحاولان ان ينسجا من بوحهما معنى لوجودهما : فقط هذا كل شيء .. لكنه كل شيء , حقا !..
وفي قصتها ( تفاؤل ) نجدها تحكي عن امرأة لكل العصور . ذات حضور طاغ في المواسم . ورجل متأفف متذمر . بسبب حياته التي وسمها الشقاء . يلتقيان وعندما يعرفها عميقا , يكتشف انها اكثر الناس الما , على الرغم من تفاؤلها " تمتد منها شعاعات التفاؤل , دوافق لتشمل مجالسيها (136)" فيتغلب على احاسيسه الرمادية .. لقد علمته معنى ان يبتسم ...
وفي قصتها (هزيمة ) التي تنطلق من الحاضر, للتعبير عن فكرة ما فيه . تشمل المستقبل " (كنت) اعلم انك ( ستكون ) هازمي امام نفسي, وامام كل شيء (137)" تتبدى الاستمرارية بفعل الهزيمة , ورغم هذه الاستمرارية, تقرر بطلة القصة عدم التراجع . فهزيمتها تتمثل في انقيادها لقلبها. وعواطفها. وبانحيازها لعقلها, تقرر خطا آخر في حياتها " لانني اصر دائما ان اكون (انا) قررت ان اطرح القلب شلوا . ان ادفنه لادفن هزيمتي " ونلمح هنا التحدي الانساني , في محاولة قهر ثرثرات القلب ..
وفي قصتها (حب) نجد انثى تتحدث عن اول شخص احبته , واجمل الايام التي صنعها هذا الحب , بعد جدب طويل . لكنه لم يدرك مدى صدق هذا الحب الذي ربطهما , فتخلى عنها يخامره, ما يخامر الرجل الشرقي, من احاسيس واوهام " ظن ان رجلا غيره حرث هذه الارض , وهيأها للعطاء .. تخلى عنها (138) " .. تنهض هذه القصة, في العلاقة المعقدة بين الرجل والمرأة, في المجتمع الشرقي ..
وفي قصتها ( انحناءة ) نجد امرأة اخرى, تحني رأسها للعاصفة ذات مرة . لكنها منذ تلك المرة, لم تحنه ابدا فقد. اتخذت قامتها شكل الانحناء . وهي قصة في السياق العام للقصص السابقة . اذ تمكنت فيها منال من تكثيف المعنى, باختصار الالفاظ والدلالات الفائضة, الى اقصى حد ممكن . لتعبر عن معنى التحدي " أحنت رأسها يوما تتقي شر عاصفة (..) كانت قامتها, قد اتخذت شكل الانحناء, منذ تلك المرة (139)" ..
وفي قصتها ( امرأة لفكرة أخرى ) . نجد امرأة . محض امرأة مقهورة , حد الوجع . حتى ان قهرها نفسه يلوذ .. فحاولت ان تحيا كامرأة - رغم كونها امرأة - بألا تحب . فالآخرين يرونها امرأة , لكنها كالنعامة . لا ترى ذلك " قررت أن تخرج عنقها من الرمل (140) لكن ما ان احبت , حتى " اصبح ضؤه نشازا في داخلها .. انها قصة حرمان المرأة من الحب .. فهو ليس من( حقها) . فقد تم تقييده بترسانة الفكر الجبري, وسلطة العادات والتقاليد والعرف !.. وعندما تنتزع هذا الحق. ربما يحدث لها مثل هذه المرأة. التي يضج في حقيبتها: الف عام من الوجع " كانت قد ادركت, انها اخطات رجلها الهلام (141)" ..
وفي قصتها ( وحين أحبت ) نجد تلك العلاقة المعقدة, بين المرأة وذكور عائلتها الكبيرة .. المتسلطين على نساء العائلة . ما يجعل الشعور بالحاجة للقهر متاصلا فيها " وحين احبت, تمنته قويا يخضعها لارادته (142)" ..
وفي قصتها ( كان هنالك في وجوه المارة ) . نجد أنثى تكره المجتمع والناس , ولا تؤمن بالحب . لكن عندما أحبت. تغيرت مشاعرها تجاه كل ذلك " لم تعد ترى في المارة بشاعتهم , ليس لانهم صححوا فكرتها القديمة , بل لانها باتت تراه في وجوه المارة (143)" فالحب لخص لها كل الحياة في حالتها الشعورية - بحيث صارت ترى كل شيء, خلال هذه الحالة .. هذا الحب - وغير نظرتها للعالم والناس والاشياء ...
وفي قصتها (رحيل ) نجد اثنين , رجل وامرأة ربما .. " لم يكن يعني لها - منذ الوهلة الاولى - اكثر من كونه رجلا يضاف, الي بقية معارفها من الرجال (144) .. وفي اللقاء الثاني تدرك انه ليس رجلها المنشود " انه رجل لا تكفيه امرأة واحدة , من اولئك الرجال, الذين يردمون هوة فراغهم بكثير من النساء . بدأت تلملم اشياءها استعدادا للرحيل (145)" فمن خلال لقائين فقط . ادركت( بغريزة الانثى) , انه ليس رجلها . فهي قصة الغريزة الانثوية, كأداة تحليل لجوهر فكرة الرجل عن المرأة ..
ونلاحظ على القصص السابقة , التي وسمتها منال ب " قصص قصيرة جدا " .. اكبر قدر ممكن من الكثافة - كما اشرنا من قبل - التي تنطوي - فقط تنطوي - على صوت مقابل صوت - غالبا صوت ذكوري مقابل صوت انثوي - او هو صوت انثى تتداعى فيه خيباتها او انتصاراتها , في وحدتها القاتلة - تسفر هذه الاصوات عن هاجس محدد ( هو هاجس الحب / الحياة ) .. ولا نلمح سوى هذه الاصوات, التي كأصداء متلاشية ..
الازمة العاطفية في الواقع الفعلي , لا تنفصل عن الازمات الاجتماعية, بل هي تستمد تأزمها من: الاجتماعي الثقافي والنفسي والاقتصادي , الخ .. كل ذلك عبر أصداء بعيدة, حتى لتبدو متلاشية لمصدر الصوت الاصلي , لدرجة اننا لا نميز ملامح محددة ( في بناء الشخصية ) .. فشخصيات منال في هذه القصص , هم مجردون من كل شيء _ الا من دفقات مشاعرهم الدافئة او الاسيانة - حتى الاسماء ... فالقصة عند منال حالة تعبير عن انسان , كل ما يملكه ويميزه هو كونه انسان . هكذا دون حاجة لاسم او لقب ...
(2) قبلك .. كان :
وفي قصتها ( قبلك .. كان ) تعبر منال عن لحظة انسانية مكثفة الحزن واللوعة , بمثابة القانون الذي يحكم حياة فتاة / أنثى لوقت طويل . قبل ان تلتقي بمن تحب , فتتغير حياتها " تسكن العتمة أرجاء روحي , كما الليلة . تحاصرني الوحشة من كل حدب وصوب . لم استطع فكاكا من سجن شعوري الحلزوني , رغم محاولاتي الجادة " وتجاهد هذه الانثى المحزونة في التحرر من العوامل , التي ادت بها الى هذا الاحساس الفاجع بحياتها . فلا تجد ملاذا يحررها سوى البكاء .. سوى الضعف الانساني , الذي يعبر - ايضا عن منتهى قوة الانسان - منتهى قوتنا " أبكي .. أبكي , ايتها المرأة الاكذوبة . ابكي ايتها المرأة اللاموجودة (..) هيا مارسي انهيارك . احترمي ضعفك (..) وفي الصباح لا أرى في الضؤ غير كائن متطفل . يدخل عيني . دون استئذان . ارى بقاياي مكومة على السرير , فأجرجر جسدي لأبدأ يومي . قبلك هكذا كانت أيامي (*)" ...
لدى قراءتنا( غربة) و(حبيبات مطر) , تخطر على ذهننا بعض المفاهيم المنهجية, التي تتعلق بالسرد , الذي يمكن تمييزه - السرد - بين نمطين : سرد موضوعي وسرد ذاتي . ففي نظام السرد الموضوعي, يكون الكاتب مطلعا على كل شيء . حتى الافكار السرية للابطال . اما في نظام السرد الذاتي, فاننا نتتبع الحكي من خلال عيني الراوي او ( طرف مستمع ) متوفرين على تفسير كل خبر : متى وكيف عرفه الراوي او المستمع نفسه ؟ ..
ففي الحالة الاولى (السرد الموضوعي ) يكون الكاتب مقابلا للراوي المحايد الذي لا يتدخل ليفسر الاحداث, وانما ليصفها وصفا محايدا كما يراها او كما يستنبطها في أذهان الابطال . ولذلك يسمى هذا السرد موضوعيا . لانه يترك الحرية للقاريء ليفسر ما يحكى له ويؤوله (146)..
وفي الحالة الثانية لا تقدم الاحداث الا من زاوية نظر الراوي , فهو يخبر بها ويعطيها تأويلا معينا , يفرضه على القاريء , ويدعوه الى الاعتقاد به .. والحالة الثانية هى التى نحن معنيون بها في( غربة) و(حبيبات مطر) لان منال في قصصها المطولة تلجا للسرد الذاتي ...
غربة :
وفي قصتها القصيرة غربة يحدد الراوي بصوت- ضمير الغائب- ابتداء: الزمان والمكان ( غرفتها في تلك البلاد التي اغتربت اليها ) " تشير الساعة الى الواحدة بعد منتصف النهار من ظهيرة الثلاثاء (..) منذ قدمت الى هذه البلاد , التي تشبه الحياة فيها الوقوف على قنبلة مضغوطة (..) كثيرا ما تصبح أكثر غربة من الطير في بلادك , حين توصد فيها الابواب ".. وهكذا يأخذ المكان بعدا جغرافيا نفسيا معقدا - غربة - فالاحساس به ليس مجرد اسقاط للغربة فحسب , بل هو علاقة بطلة القصة بذاتها المشروخة ايضا - ابناء وطنها في المهجر - ذاتها التي تتمثل في ابناء وطنها والذين وجدتهم ليسوا ( ذاتا ) بل (آخرا) .. وهي محض (موضوع ) للمساءلات الاخلاقية لهذا ( الآخر ) اللذي لا يريد ان ينظر اليها ك(ذات) مثله . . من جهة أخرى هي (ذات ) بالنسبة ل(الاخر ) الغريب عنها , في هذه البلاد - الاخر بمعنى الساكن الاصلي لهذه البلاد - وبين هذا الاخر وذاك , ( في منطقة اخرى ليست وطنها ) ينفجر الصراع وتجري احداث القصة (غربة ) فهي قصة عن الذات او الاخر بما هو نقيضي , وشرط وجودي او العكس . فقد يكون الاخر شريكا او غريبا . وقد يكون صديقا او عدوا . وهذه الثنائية قد تخفت حدتها أو تزداد , وقد تبدو ظاهرة للعيان, أو قد تكمن فتبدو خافية, غير مرئية أو محسوسة . تبعا لعوامل كثيرة: داخلية وخارجية.. وتبعا لشروط اجتماعية وتاريخية متعددة (147)" ..
والقصة غربة , تهيمن عليها في هذا السياق ,اجواء ومناخات الغربة. منذ الاستهلال وحتى الخاتمة . فبطلة القصة تصحو من نومها, على سريرها في غرفتها ذات يوم , وتبدأ في استرجاع تجربتها المريرة, بهذه البلاد الغريبة عنها .. حيث تشاركها هذه الغرفة, استشعار الغربة بصورة اكثر حدة . بل تعمق فيها هذا الاحساس بالغربة.. بفوضى اشياءها الانثوية المبعثرة في كل مكان , وبالفوضى التي عبر عنها شعرها الغاضب, والاغنية المنبعثة من الريكوردر .. كل شيء رمادي وكئيب, وينطوي على غضب مكبوت !!.. تركت بطلة القصة بلادها, بعد ان اوصدت في وجهها كل ابواب العمل , وجاءت (مغتربة) لتعمل (جليسة أطفال) , حتى تستطيع سداد فواتير ايجار منزل اسرتها, حتى لا يتعرضوا للضرب مثل مرات راسخة في الذاكرة , وحتى تستطيع سداد فواتير الحياة الكريمة .. ولكن بني جلدتها (الاخر ) العاملين في هذه الغربة , يستنكرون عليها الخروج للعمل خارج بلادها ( وطنهم ) ويشككون في أخلاقها , بل وينفون انتمائها لبلادهم التي يكونون عنها - بلادهم - صورة مثالية , لا توجد سوى في اذهانهم كنوع من التعويض النفسي المرضي , لمجابهة قصورهم الاخلاقي - كما حددته الثقافةالتي ينتمون اليها بمعناها الشمولي - " يغلظون الايمان ويحلفون الطلاق , ويراهنون على جنسيتها في تبرؤ واضح , وينسبونها الى اقطار اخرى , فتزداد غربتها .. وتبدا في الكشف عن عوامل اغترابها " أما غربة طفولتها فهي وعيها المبكر , بمعنى الحرمان . وأما غربة مراهقتها , فهي الاحساس بمدى الفجوة, والتفريق في المعاملة بينها وبين نديدها الذكر , وأما غربة شبابها فهي الاصطدام بارض مليئة بالوعورة والاشواك (..) فتقرر السفر " لمواجهة احتياجات الحياة المعيشية لاسرتها, ولمواجهة احتياجاتها كذلك . بعد ان فشلت في ايجاد عمل ببلادها على الرغم من انها خريجة, احدى الكليات الحديثة في تخصص عملي مرغوب . " تذكرت معاينات العمل التعجيزية التي دخلتها , يوم طلب منها تلاوة (سورة النور ) للحصول على وظيفة مدنية (..) صورة صديقتها ورفيقة طفولتها دامعة . تحكي لها كيف ان مسئول عرض عليها الحصول على وظيفة لقاء تغوله على جسدها (..) كانت قد حادثتها منذ يومين فقط, تطمئن على حالها .. علمت انها لم تتوظف بعد . رغم انه مر على تخرجها ستة سنوات(*) ."..
وتستمر بطلة القصة بتعابير ملؤها الاسى واللوعة, في استرجاع محطات فارقة في حياتها , وهي تحادث نفسها , او تحادث صورة والدها المتوفي, منذ أكثر من عشرين عاما . وكيف انها تلجا الى الصمت في الواقع , كسلاح تتحدى به بؤس حياتها . تعوضه في أحاديثها مع نفسها , ومع صورة والدها .. انها قصة الغربة والوحدة - كذلك - مثلما هي قصة الذات / الاخر -.. الغربة والوحدة, اللتين تعيشهما هذه الفتاة, بمواجهة الاخر الغريب, في البلاد الغريبة والاخر الرجل . والاخر ( ذاتها المتشظية ) وهي قصة تسعى بحق, لفتح الحوار واسعا بين ( الذات) و( الاخر ) بغرض الكشف عمن يكون هو الاخر وعمن تكون هي الذات؟!! , وكيفية تشكلهما واسباب ذلك .. مع ملاحظة ان الاطار الموحد, من الفكر والسلوك والثقافة الموروثة , كل ذلك بمثابة الشرط لانتاج المفاهيم المتعلقة بالذات والاخر . وهو الشرط الذي انطلق منه بني جلدتها في الحكم عليها, والتبرؤ منها ونسبتها الى اقطار اخرى !! .. كيف كانوا يرون انفسهم؟! .
ذاك هو السؤال .. فعلى اساس الاجابة, نظروا اليها. وهم يرونها بطريقة معينة , تحدد هويتها في نظرهم. وتميز هويتهم - ثقافتهم المتعالية - عنها !! .. فمن خلال الانعكاس المفترض, لهذين الهويتين , يتفجر الصراع داخل هذا النص - النص يطرح ايضا السؤال حول: العوامل التي ادت في الاصل الى اغتراب الناس عن بلدانهم, للحصول على فرصة للحياة, يفتقرون اليها في بلدانهم ! ففي هذا السياق تجري الاحداث " ان الخبرات المشتركة , التي يحصلها الانسان , ومن ثم الجماعة. تكون في النهاية بنية تصوغ رؤية الانسان لنفسه, والجماعة لذاتها , وللكون والحاجات والعلاقات الانسانية من ناحية . كما تشكل ايضا - في الوقت ذاته - مرجعا للتفسير ودليلا للسلوك , واطارا للانتماء . بمعنى انها هي التي تكون وعيا اجتماعيا ثقافيا ديناميا , ويمكن تسميته مجازا بعقل الجماعة (148)"..

حبيبات مطر :

القص كظاهرة ادبية يتميز بنوع من التعقيد , يأتي من تعدد مستويات التوصيل . التي احدها تفويض القاص لراوي تخييلي, يأخذ على عاتقه عملية القص ويتوجه الى مستمع تخييلي ايضا, يقابله في هذا العالم . فالقاص يتقمص شخصية تخييلية . تتولى عملية القص . وسميت هذه الشخصية " الانا الثانية للكاتب " . وقد يكون هذا الراوي غير ظاهر في النص القصصي, وقد يكون شخصية من شخصيات القصة . ودراسة مظاهر حضور الراوي, تعني اقتفاء اثر صوت الراوي داخل الحكي(149)"وللتطبيق العملي لهذه المفاهيم على القصة( حبيبات مطر) . نجد انها تبدا بضمير المتكلم , الذي يتخذ منه الراوي وسيلة لتعبيره في المضارع المستمر " ( اراقب) حبيبات المطر المتكوره علي زجاج نافذه السياره وهي تنزلق بسرعه ... في طريقها الي اسفل النافذه...ثم تقف فجأه بطريقه لا تتناسب وايا سرعتها الاولي...وكأنها تتردد في الانزلاق منتحره ...لتمتصها الحافه السوداء(*)".. فنلمح نوعا من الضجر يدفع راوية القصة لفعل المراقبة .. و مسترجعة لافعال اخرى قامت بها هذا الصباح , بالغوص عميقا في ذاكرتها تحلم بحبيب غائب
.. "حين وقفت امام المرآة عارية الا من امتلائي بك...اتفقد نعومتي والتفافاتي - كما لم افعل قط - وكأني اخشي ان تكون البلاده والتجمد اللتان تحيطان بي ههنا قد التهمتا منهما شيئا...وهرعت اتغطي - قبل ان اتأكد - حين التقت عيناي بعينيك... فقد كانت صورتك قبالتي بالتسريحه...فأدرتها علي ظهرها>هل تغار؟؟؟؟ (*) و هكذا يمضى الراوي - الانثى - مستعيدا التياعاته في هذا البعد المضن عن الحبيب البعيد .. ليس لها سوى الوحدة وصورته التي تمثل عالمها . كل عالمها فتحادث هذه الصورة , ويمضي الحوار بينهما ( الراوي - الصورة )......
ليكشف عن عالم هذه الانثى الحلمي اللذيذ , بجرأة وترقب"انت الرجل الذى يترك فى فمى طعمين : هزيمة ونصر ..ويحى فى كل ضعفى .. يوقظ فى امرأة غجرية.. تقدم من ادغال ذات طقوس استوائية ..امرأة لم اعهدها فى قبلا .. او بالاحرى ما افرجت عنها قط كما تحرضها انت الان فتية ويانعه ..تملى على نضج حاجاتها .. امرأة تترنح زهوا .. يعج فى اعطافها , جنون قبيلة من النساء (*)" ثم لا تلبث ان تخرج من عالمها الحلمي اللذيذ الى عالم اللحظة الحاضرة التي انطلق منها السرد في استهلال القصة " ..
اراقب حبيبات المطر المتكورة على زجاج نافذة السيارة , المتردد فى الانتحار عند الحافة السوداء ..واخرج من تأملاتى على صوت مكتوم جراء كبح الاطارات ..وكأنه يذكرنى بضرورة ممارستي لهواية كبح مشاعرى (*)" لتتبدى لنا شيئا فشيئا خلفية هذه الانثى التي تعوض في استدعائها لطيف الحبيب الغائب ومناجاتها لصورته وحدتها وحرمانها في الواقع .. الى ان تنتزع بصوت "ايقظنى للمرة الثانية صوت زميلتى تؤكد لى انا قد وصلنا ..القيت نظرة اخيرة على حبيبات المطر المتكورة على زجاج نافذة السيارة والمترددة فى الانتحار على الحافة السوداء ..وكأننى ارتبطت بها لامتزاجها بافكارى (*) " وارتباط تداع هذه الانثى بتداع حبيبات المطر على نافذة السيارة التي تقلها هي وزميلتها يشكلان هنا _ حبيبات المطر وحالتها الشعورية _ رمزية الخصب بدلالة المطر والشوق بدلالة استدعاء هذا الحبيب الغائب , ومناجاة الذات في حوار مشحون الظمأ والاشتياق . ومحاولة التحرر من كبح . الذات " ترجلت ..ورغم انى ارتدى فستانا انثويا بسيطا , معرى الصدر , والجو بارد نسبيا , الا اننى , تمنيت ان تلامس زخات المطر , جسدى .. عله يخفف من زخم مشاعرى ويغسل غربتى ووحشتى(*)" وهكذا تعود مرة أخرى للغوص في داخلها ومناجاة حبيبها وذاتها "
وانت ؟..
انت .. طفلى الاروع ..
طفلى الرجل ...
الذى يعيد الى الدماء ويشعل ساحاتى املا ووعدا , غنى الاخضرار(..) ..

..واشعر بشوق دافق لان الامس تلك الحبيبات كطفلة .. تنتابنى احاسيس شتى , اوضحها حلمى بك , وافتقادي لك ..
علمت دوما انى امتلك ينابيع مشاعر .. عاطفة دافقة .. اختزنتها لرجل احتل روحى منذ ملايين السنين .. يفترسنى بحب التهامى الطبع ..نازى النزعه , جعل رضاى وانسجامى مستحيلا .. كلما اطل فى الافق طارح غرام ..
فرغم عدم وضوح معالمه وملامحه داخلى , الا اننى شعرت به دوما , كلما اقتربت من شفافيتى ورهافتى ..واتوغل انا بعدا , كلما ولجت عتمة حزنى ومادية تفاصيلى ..الا انه كان دوما هناك ..يرقبنى , ويسكننى ..رجل لم التقه قط ..ولم انتظر هبوطه هكذا على حين غرة , ودون سابق انذار(*)" وهكذا تستمر هذه القصة التي هي مزيج من لغة الشعر والقص , مستخدمة تقنية انعكاس المرايا لبث تجربتها الذاتية في انتظار هذا الرجل الذي يملأ كيانها ويشعل فيها الحرائق والجنون .. ..
خاتمة :
كيف نرى البنية الخفية " بنية المتعة ", التى رسمتها في تلقينا هذه المشاهد , التى كونت بنية السرد في راءعة احمد ابو حازم ( يناير بيت الشتاء). لا شك أن الادب هو تجسيد للصراعات الدائرة, باستمرار بين ايديولوجيات متشكلة ضمن البنية الثقافية والاجتماعية , وهو في ذلك تجسيد للصراعات على مستويات أخرى ضمن البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية واللغوية , ومن هنا يكتسب اهميته, لا من كونه بنية ذهنية, أو مكونا في البنية العليا , بل من كونه أحد المكونات الرئيسية, للبنية الكلية للحياة الاجتماعية . يتشابك ويتفاعل مع المكونات الاخرى لهذه البنية: الاقتصادية والسياسية والدينية والاجتماعية واللغوية , وهو بهذا التحديد أقرب الى أن يكون ممارسة بالمعنى الذي يتحدث عنه ألتوسير (150) ..
وعلى خلفية ذلك يمكننا في( يناير بيت الشتاء) رؤية الحكايتين اللتين تتكون منهما , كقصة للاعتقال لمجرد التعبير عن الواقع .. فهي قصة الذهول أمام مدى تطابق تصوراتنا الخاصة , لهذا الواقع , مع حقيقته الفادحة . حتى ليبدو الواقع الحقيقي فانتازيا أكثر مما قالته تصوراتنا , التي كنا نتصور أنها خيال محض !.. فيلتبس علينا كل شيء , فلا ندري أهي " ذاكراتنا معطوبة " أم ان الواقع الذي نعيش هو المعطوب !!.. وهل الواقع هو نتاج تصوراتنا بكل ما تشتمل عليه من قصورات , ام تصوراتنا هي نتاج هذا الواقع المعطوب !.. هكذا خواطر تتداعى الى ذاكرتنا , ونحن نرى الفتاة " نادية " بملابس السهرة تنتظر تاكسيا يقلها , بكل ما تحمله عبارة " ملابس السهرة " من دلالات ترتبط بالحياة / العيش .. تفريغا للاحباط الانساني . او محاولة الابتهاج والمرح = التمسك بالحياة ومقاومة هذه الوحشة القاتلة , والبرد الذي داخلنا بالاستمرارية الانسانية - التي تتناقض في ذات هذه الشخصية " نادية " طبقا لما كشف عنه حوارها مع سائق التاكسي - .. هذه الشخصية الكئيبة التي تبحث عن المرح .. هذه الشخصية المزدوجة وما تنطوي عليه من رغبة في الاستمرار ضد" بيت الشتاء" , ضد صوت الريح.. ضد هذا الاحساس القاتل بالفناء , الذي تحمله موجات البرد في( يناير) .. وبانحسار موجة البرد وسطوع الشمس تتجدد الحياة . من وقائع الامس الموحش , لتأخذ الوقائع, منحنى جديدا في سير الزمن , لا يخلو من ارتباكات الوعي, واسقاطات اللاوعي . حيث تصبح الحقيقة خيالا والخيال حقيقة , ليتمدد الخيط الرفيع الفاصل بينهما, كانشوطة تتدلى لتحيط بعنق هذا الراوي, قبل ان يقترب من تخوم اليقين بصدق ما يروي. او تحيط بعنق الكاتب في نفيه لمصداقية ما يرويه الراوي . والراوي يرحل بذاكرته, حتى يتماهى في شخصية الاب العجوز, الذي يروي عنه . فيتضخم الشك في هذه النفسية المزدوجة : السائق / المسن ..الامس / اليوم .. الشتاء ببرودته الموحشة وما ينطوي عليه من شمس ودفء , تنقشع عنه شيئا فشيئا .. انها حكمة الوجود الانساني / الكوني .. الذي تنهض في نهاياته وفي مكان ما فيه " سدرة المنتهى " .. فاتحة الوجود .. حيث تولد البدايات الجديدة من النهايات في لجة الصمت والابدية ...
و مثلما يسير الزمن الى الخلف مستجلبا تجارب الماضي, بواسطة الذاكرة , فانه يركب اللغة. ويتجاوز لحظته الانية. ليستجلى الممكن التخييلي, تنبؤا واستباقا , وهو ما يفسره( جيرار جينيت) ان الاداة اللغوية طيعة, وقادرة على ان تعلن عن مخبؤ المستقبل ومكتومه - بغض النظر عن درجة الصواب والخطأ , او الصدق والكذب - فالاساس هو: كفاءة اللغة لاستقدار زمن ما زال بعد في حكم المجهول . ونحن هنا امام مقارنة حرجة مع الاسترجاع حيث يتدبر القاريء زمنا قد اكتمل , اى موضوعا ثابتا قابلا للفحص الموضوعي تماما كالظاهرة المادية .
اما في الاستباق فاننا ندرس زمنا زئبقيا , اى موضوعا متغيرا , مغالطا غير مضمون النتائج ويعرف( بول ريكور) الاستباق بقوله " السبق فوق انه سرد حدث قبل اوان وقوعه, هو الخبر المعطى قبل وقت حدوثه " فالمستقبل اذا هو تقدم قص حدث سابق عليه, في الترتيب الزمني , يكون استباقا . اى عندما لا تترجم الاسبقية الزمنية ... ولعل ابرز خصائص السرد الاستشرافي هي كون المعلومات التي يقدمها لا تتصف باليقينية , فما لم يتم قيام الحدث فعلا , فليس هناك ما يؤكد حدوثه .
وهذا ما يجعل من الاستشراف شكلا من اشكال الانتظار .. والاستشراف يقترن بخطاب الشخصية المباشر, فالقص بضمير المتكلم, ينسجم مع الاستشراف اكثر من اى نوع, كما لاحظنا على القصص التي تم توظيف الاستشراف فيها. فيما تقدم.. والاستشراف ياتي ملتحما بالقص , مشحونا باحلام الشخصية وعواطفها ونواياها, المتعلقة بالزمن القادم , لذلك لا يحتاج الاستشراف الى عبارات غالقة او فاتحة , بل يندس في طيات السرد , وكانه قطعة من الحاضر ولعل ذلك يعود الى ضمور مساحة الجملة الاستشرافية عند صديق الحلو على سبيل المثال ..
وبينما نجد القصة عند صديق الحلو لا تخلو من فائض في الدلالات والالفاظ فاننا نجدها عن ابو حازم - كل قصصه التي تناولناها هنا - تقتصر على فائض الالفاظ .. ومن الملاحظات التي في اطار حوار النصوص مع بعضها البعض . نجد تقنية - في يناير بيت الشتاء , على مستوى الفكرة - سبق ان استخدمه(ا ماركيز في: خريف البطريرك) , و(وليم فوكنر في: الصخب والعنف) , تتعلق بهذه الفتأة الميتة منذ عام / لكنها حية .. فعندما يبدأ( كونتن) يستعرض ذكرياته يكون قد مات بالفعل ويفسر( جان بول سارتر) ذلك بقوله :" وحينئذ يتفسر كل شيء , وفي المقام الاول لا عقلانية الزمن : فما دام الحاضر هو اللامنتظر , فان العديم الشكل لا يمكن ان يتحدد شكله, الا عن طريق حمل ثقيل من الذكريات . كذلك فاننا نفهم لم يشكل الزمن " تعاسة الانسان الخاصة " : اذا كان المستقبل واقع ما . فان الزمن يبعدنا عن الماضي ويقربنا من المستقبل . فان الزمن لا يعود الا ما يفصل , وما يقطع الحاضر عن نفسه (151)..
فنادية التي تعود الى الحياة لهي مستوى من مستويات تعبير اسرتها عن الخوف من المستقبل , الخوف من الموت فالموت حادثة تقع داخل الحياة نفسها . هو حد للحياة . بيد ان الموت هو النتيجة النهائية للاحالة المادية, وهو يحدث في الزمان داخل العالم الموضوعي (152) وهو لا يقف بالنسبة لنادية عند هذا الحد فهو تعبير عن خوفها هى قبل كل شيء - فهي تحب الحياة والسهر - وعندما تعبر عن خوفها هذا, تكون قد ماتت فعلا واصيبت اختها بموت جزئي _ الشلل _ ..
واعطاء ابو حازم لشخصية نادية هذا البعد الاسطوري , الذي يجعلها كطائر الفينيق, هو حيلة قصصية ذكية للتلاعب بفكرة الموت " لكن الاسطورة لا نصيب لها من النجاح في اعطاء الانسان قوة مادية للسيطرة على البيئة , مع ذلك تعطي الانسان وهم القدرة على فهم الكون , وانه فعلا يفهم الكون , وهذا بالغ الاهمية , لكنه مجرد وهم بالطبع (153)..
ان( يناير بيت الشتاء) واحدة من مميزاتها التقنية اعتمادها على القطع المشهدي , وهي تقنية سينمائية ارتبطت بالمونتاج , بالمعنى السينمائي الذي يشير الى مجموع الوسائل, التي تستخدم لتوضيح تداخل الافكار او تداعيها . اما المونتاج الزماني: هو ان يظل الشخص ثابتا في المكان على حين يتحرك وعيه في الزمان والمونتاج المكاني هو العكس - كما اشرنا الى ذلك سابقا - . فالمكان الاساسي الذي تجري فيه احداث القصة, هو غرفة التحقيق التي يتحرك خلالها كاتب القصة : " ذاكرة معطوبة " عبر الزمان حيث تجري كل احداث قصته ..
ان ابو حازم يمنحنا نوع من الميثولوجيا, في عالم الارواح, يعاود الظهور في الواقع الفعلي, مهما اختفى بفعل تطورات الاحداث ووقائع المغامرة العقلية للانسان , ما يذكرني هنا ب (الدونا فلورا وزوجاها الاثنان : لجورج امادو) ." النقطة الهامة حقا هي اننا في كامل ميتولوجيا العالم باسره نصادف الوهيات وقوى خارقة للطبيعة تلعب دور الوسيط بين القوى العليا والقوى الانسانية الادنى منها (154)..
ومن الملامح الاخرى التي تحملها قصص ابو حازم هو ذلك الامتياز بالروح الديموقراطية - في قصته غربة مثلا - حيث تتحسس مركزية القمع المعمم الذي يطال الكينونة الانسانية ذاتها , وهي لا تملك سوى انكسارها الروحي اجتماعيا وتدمير هويتها الانسانية سواء كان في المسارات السرية للظلال او غربة .._ وفي غربة بالذات _ يحاول ابو حازم التعبير عن الواقع المتشظي هذا الواقع النثري , نثيرات العالم السفلي للبشر العاديين الذين يتحركون في قاع المجتمع , ويمضون يصنعون الحياة من تحت افراحهم واحزانهم واعيادهم وزيجاتهم وانجابهم واهوائهم وكدرهم وسخريتهم وتهجمهم . لابد من ان يجدوا انفسهم , فهذا هو تاريخهم الشخصي, الذي ينبثقون منه كعصافير حالمة بالحرية, او كجماهير شغيلة ووراقين , في مجتمع ريعي ينبعثون من بين شقوقه كتيم ليحتلو مكانتهم الملائمة (155)..
وتمهد مشاهد ابوحازم في يناير بيت الشتاء, لكل حدث بمناخاته الشعورية , ويختتمه - ابو حازم - بتلفيعه ببطانته الوجدانية , فيتظلل الحدث بظلال الاحاسيس, فيكسبه شفافية وحنانا داخليا. في نسيج الفضاء القصصي. ليصبح عالمه الجدب المتجهم القاسي والفظ, نوعا من النداوة والدفق الداخلي, الذي يجعل الحياة اكثر احتمالا, والشخوص اكثر قدرة على مواجهة مصائرهم الماساوية (156)..
و تلتقي قصص استيلا واغنيس وارثر مع القص الافريقي في تصوير اسلوب الجيتو الاسود في الحياة اليومية سواء كان بانتخاب شخصية( كمشنقو) او الطفلين في( خرائط لعوالم مجهولة) او ابن الزعيم مودي في( زواج نابورو)..
والطابع الغالب على قصة الجنوب خلال اغنيس وارثر واستيلا هو بطولة القرية او البلدة , هذا الجيتو المعزول , ازاء ما يعكسه الشمال من سيطرة المدينة , التي تزداد فيها تشعبا مساحات التعقيد النفسي والفوضى والازمات والجريمة , وتقوم بالدور الاساسي في المجتمع ..
والتجريب في توظيف الزمن والمكان عند هؤلاء , وانعكاسات ذلك على شكل ومضمون القصة ( استيلا - ارثر ) ليس معزولا عن الظروف السياسية المضطربة, وازمة الحرية والبؤس في الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية .. فهي ما صرفتهما عن الاشكال التقليدية للقص , التي لا تستطيع التعامل مع الظروف المحيطة بحرية . ولكن ثمة اشكال تقليدية تستطيع ان تواجه الموقف بمرونة, مثل توظيف الحكاية الشعبية كما عند اغنيس واستيلا . او العقائد الاحيائية القديمة كما عند ارثر واستيلا او الحكاية الشعبية كما عند استيلا واغنيس ..
بينما تهتم منال في قصصها القصيرة جدا بتصعيد الازمة - في علاقة الرجل بالمرأة - الى المستوى الاجتماعي . كذا جعل المشكلة العاطفية مشكلة اجتماعية .. نجدها ايضا تركز الضؤ على الغربة النفسية والجسدية للمرأة في مواجهة ظاهرة الاغتراب و علاقة الذات بالاخر . وعلى عكس قصص استيلا واغنيس وارثر المتسمة بروح المشاركة الجماعية.. نجد منال تركز على فردانية الانسان , واثر ذلك على الجماعة . وربما جاء ذلك من استخدامها للسرد الذاتي كما اشرنا اليه سابقا - فالسرد عند استيلا وارثر واغنيس موضوعي, وان كان لا يخلو من هيمنة للراوي احيانا بحيث يتعمد الكاتب تسريب افكاره الخاصة, ولغته دون ترك مساحة لشخصياته, للتحرك بحرية لتعبر عن افكارها هي بلغتها ووعيها هي, الذي تحدده خبراتها في الحياة وتعليمها , الخ - اذ ان هناك حالتان اما ان يكون الراوي خارجا عن نطاق الحكي . او ان يكون شخصية حكائية موجودة داخل الحكي , فهو راو ممثل داخل الحكي . وهذا التمثيل له مستويات ( فاما ان يكون الراوي مجرد شاهد متتبع لمسار الحكي . ينتقل عبر الامكنة ولكنه مع ذلك لا يشارك في الاحداث . واما ان يكون شخصية رئيسية في القصة (157) كما هو الحال عند راوي منال في غربة وحبيبات مطر .

هوامش :
1) دروب جديدة ." منشورات نادي القصة السوداني " . الشريف الاكاديمية الطبعة الاولى 2001 . ص : 15
(2) السابق : ص : 16
(3) السابق : ص : 16
(4) السابق : ص : 17
(5) السابق : ص : 17
(6) السابق : ص : 18
(7 ) السابق : ص : 19
(8) السابق : ص : 22
(9) السابق : ص : 24
( 10) السابق : ص : 26
(11) مجلة الرافد الأماراتية . دائرة الثقافة والاعلام . الشارقة . العدد 84 .أغسطس 2004. ص : 86.
(12) السابق . ص : 87 .
(13) كتابات سودانية ( كتاب غير دوري ) . مركز الدراسات السودانية. العدد 22 . ديسمبر 2002 . ص : 116.
(14) السابق : ص : 122 .
(15) نفسه : ص : 118 .
(16) نفسه : ص : 118 .
(17) نفسه : ص : 119 .
(18) نفسه : ص : 119 .
(19) نفسه : ص : 120 .
(20) نفسه : ص : 121.
(21) نفسه : ص : 121 .
(22) نفسه : ص : 118 .
(23 ) نفسه : ص : 119 .
(24) محمد السيد محمد ابراهيم . بنية القصة القصيرة عند نجيب محفوظ ( دراسة في الزمان والمكان )الهيئة
العامة لقصور الثقافة . طبعة اولى 2004 . ص : 149 .
(25) السابق : ص : 151 .
(26) كتابات سودانية . مرجع سابق : ص : 120 .
(27) السابق : ص : 119.
(28)محمد السيد محمد ابراهيم . مرجع سابق : ص : 154.
(29) مجلة فصول للنقد الادبي . المجلد الخامس . العدد الرابع . يوليو أغسطس . سبتمبر 1985. ص : 57.
(30) محمد السيد محمد ابراهيم . بنية القصة القصيرة عند نجيب محفوظ . دراسة في الزمان والمكان . قصور الثقافة .الطبعة الاولى 2004 .ص : 80
(31) صديق الحلو . غصة في الحلق . دار جامعة ام درماالاسلامية للطباعة والنشر . الطبعة الاولى 2001 . ص : 1
(32) السابق : . ص: 1
(33) السابق : . ص : 3
(34) السابق . ص : 11
(35) السابق : ص : 5
(36) السابق : ص : 4
(37) السابق : ص : 4
(38) السابق : ص : 6
(39) السابق : ص : 7
(40) السابق : ص : 18
(41) السابق : ص : 25
(42) السابق : ص : 25
(43) السابق : ص : 21
(44) السابق : ص : 21
(45) السابق : ص : 22
(46) محمد السيد محمد ابراهيم " مرجع سابق " : ص : 81
(47) دكتور صلاح فضل . نظرية البنائية في النقد الادبي . مكتبة الاسرة . 2003. ص : 280
(48) دروب جديدة مرجع سابق. ص : 71
(49) السابق : ص : 71
(50) السايق : ص: 71
(51) السابق : ص : 72
(52) السابق : ص : 73
(53) السابق : ص : 73
(54) السابق : ص : 74
( 55 ) السابق : ص : 74
(56) محمد السيد محمد ابراهيم " مرجع سابق " : ص : 67
(57) السابق : ص : 68
(58 ) السابق : ص : 69
(59) دروب جديدة " مرجع سابق " : ص : 71
(60) السابق : ص : 71
(61) السابق : ص : 71
(62) السابق : ص : 72
(63) السابق : ص : 73
(64) السابق : ص : 73
(65) السابق : ص : 74
(66) السابق : ص : 74
(67) السابق : ص : 74
(68)محمد السيد محمد ابراهيم " مرجع سابق " : ص : 72
(69) السابق :. ص : 227
(70) دروب جديدة مرجع سابق . ص :122
(71 )السابق : ص : 122
(72)السابق : ص :123.
(73)السابق : ص :123.
(74) السابق : ص :124
(75)السابق : ص :124
(76)محمد السيد محمد ابراهيم " مرجع سابق " ص : 230.
(77)دروب جديدة " مرجع سابق " : ص : 125
(78) السابق : ص: 125
(79)السابق : ص : 126
(80) السابق : ص : 127
(81)محمد السيد " مرجع سابق " : ص : 236
(82)السابق : ص : 239
(83) ثقافات سودانية . " كتاب غير دوري " . المركز السوداني للثقافة والاعلام . العدد الخامس . 1999. ص : 104
(84)السابق : ص : 103.
(85) السابق : ص : 104.
(86) السابق : ص : 103
(87) السابق : ص : 104.
(88) نماذج من القصة القصيرة النسائية في السودان . الانثى كذات كاتبة والانثى كموضوع للكتابة . المركز السوداني للثقافة والاعلام . الطبعة الاولى 2002. ص : 151.
(89) السابق : ص : 151
(90)نفسه : ص : 151
(91) نفسه : ص : 151
(92) نفسه : ص : 152.
(93)محمد السيد " مرجع سابق " : ص : 341.
(94) نماذج من القصة القصيرة النسائية " مرجع سلبق " : ص : 118.
(95) السابق : ص : 119.
(96) السابق : ص : 119 .
(97) السابق : ص : 120 .
(98) السابق : ص : 121.
(99) السابق : ص : 122 .
(100)السابق : ص : 122 .
(101) السابق : ص : 123.
(102) السابق : ص : 124 .
(103) محمد السيد محمد " مرجع سابق " : ص : 342.
(104) السابق : ص : 343.
(105) دروب جديدة. " مرجع سابق " : ص : 57 .
(106) السابق : ص : 58 .
(107) السابق : ص : 58.
(108) السابق : ص : 58 .
(109) السابق : ص : 58 .
(110) السابق : ص : 62 .
(111) السابق : ص : 62
(112) السابق : ص : 63 .
(113) السابق : ص : 64 .
(114) السابق : ص : 65
(115) السابق : ص : 67 .
(116) السابق : ص : 68
( 117) السابق : ص : 69 .
(118) كتابات سودانية " كتاب غير دوري " مركز الدراسات السودانية . العدد 29 . ديسمبر 2004 . ص : 138.
(119) السايق : ص : 138 .
(120) السابق : ص : 137 .
(121) السابق : ص : 137 .
(122) السابق : ص : 138 .
(123) السابق : ص : 138 .
(124) السابق : ص : 138.
(125) السابق : ص : 139 .
(126) السابق : ص : 139 .
(127) السابق : ص : 139 .
(128) السابق : ص : 139 .
(129) السابق : ص : 140 .
(130) السابق : ص : 141 .
(131 ) السابق : ص : 141 .
(132) السابق : ص : 140 .
(133) السابق : ص : 141.
(134)* www.masarat.org/modules/news/index.php?storytopic=2-30k
- www . beghdad-bangkok.net/iraqi_lady/iraqi-writters.htm-72 -
- www.adbyat.com/vb/show threat.php?t=3930&goto=newpost
- www. wedyan.net/vb/show threat .php?goto=lastpost&t=1465-72k-supplementalresult

(135) طراد الكبيسي . جماليات النثر العربي - الفني . دار الشؤون الثقافية . بغداد . 2001. ص : 6.
(136) كتابات سودانية . " كتاب غير دوري " . مركز الدراسات السودانية . العدد 29. سبتمبر 2004 ص : 83
(137) السابق : ص : 83.
(138) السابق : ص : 84 .
(139) السابق : ص : 84
(140) السابق : ص : 84 .
(141) مجلة الثقافة الجديدة . العدد 174 . ديسمبر 2004 . ص : 86.
(142)السابق : ص : 86 .
(143) السابق : ص : 86 .
(144)السابق : ص : 86 .
(145) السابق : ص : 86 .
(146) السابق : ص : 86 .
(147) محمد السيد محمد ابراهيم " مرجع سابق " . ص : 345
(148) سيد اسماعيل ضيف الله . الاخر في الثقافة الشعبية . مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان . 2001. ص : 8
(149) السابق : ص : 9.
(150)محمد السيد محمد " مرجع سابق " ص : 346.
(151) حسين عيد . جارسيا ماركيز وأفول الديكتاتورية . دراسة في رواية خريف البطريرك . الهيئة المصرية العامة للكتاب 1988. ص : 24 / 25.
(152) السابق : ص : 47.
( 153) كلود ليفي شيتراوس . الاسطورة والمعنى . ترجمة صبحي حديدي . الحوار للنشر . اللاذقية . الطبعة الاولى 1985. ص : 19 .
(154) السابق : ص : 30 .
(155) د. عبد الرازق عيد . محمد جمال باروت . الرواية والتاريخ " دراسة في مدارات الشرق " . الحوار للنشر . اللاذقية . الطبعة الاولى 1991. ص : 14.
(156) السابق . ص : 18.
(157)محمد السيد محمد " مرجع سابق : ص : 347





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,167,637,908
- أحزان الذي لم يكن أنا ..
- قالت شهرزاد
- الفصل الثالث - دارفور : حول جذور الازمة واسبابها ومآلاتها ..
- الخاتم عدلان , في رحاب الله ..في وداعة الحزن : مرثية لضياء ن ...
- دارفور : حول جذور المشكلة واسبابها ومآلاتها .. الفصل الثاني
- دارفور :- حول جذور الازمة , و أسبابها ومآلاتها
- قصص قصيرة : خوف
- مشاهد
- ثقافة الاستبداد .. حجب الحوار المتمدن
- الصفر ... قصة قصيرة
- فصل من رواية : التقرير الاخير حول محنة ابو لكيلك الجنجويدى . ...
- دارفور : الازمة والابعاد ..
- رواية مارتجلو ..ذاكرة الحراز
- الازمة الوطنية فى السودان : من التمزق الى التلاشى 1-5
- حول مازق السودان ..الراهن 1-5
- جابر الطوربيد : محمود مدني رؤية نقدية في الدلالة والسياق الر ...
- حكومة الخرطوم والاصرار على الابادة فى دارفور
- تحول السلطة : بين العنف والثروة والمعرفة
- عام على احتلال العراق : لقد ظل حذاؤك وراسى .. فتذكر سيدى الج ...
- اغنية لطائر الحب والمطر..........قصة قصيرة


المزيد.....




- النور كان هنا.. ندوة عن كاتب مقاوم كفيف
- وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني يتذكر زمنا من الثقافة ...
- كاظم الساهر: هل تصبح أغنية سلام عليك نشيدا وطنيا للعراق؟
- افتتاح الدورة الخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب
- بوريطة: لقاء جنيف كرس مرجعيات المغرب والأمم المتحدة في مسار ...
- جدل في السعودية حول حقيقة إقامة الحفلات الفنية في مطاعم ومقا ...
- صدر حديثًا كتاب -كوميديا الموقف (السيت كوم) البناء - السرد - ...
- رئيس هيئة الثقافة الليبية بالحكومة المؤقتة: لم يصدر أي كتاب ...
- محمد بن راشد لطباعة المصحف الشريف: نقدم سبعة وعشرون ترجمة لل ...
- رحيل المخرج اللبناني العالمي جورج نصر عن عمر 92 سنة


المزيد.....

- عريان السيد خلف : الشاعرية المكتملة في الشعر الشعبي العراقي ... / خيرالله سعيد
- عصيرُ الحصرم ( سيرة أُخرى ): 71 / دلور ميقري
- حكايات الشهيد / دكتور وليد برهام
- رغيف العاشقين / كريمة بنت المكي
- مفهوم القصة القصيرة / محمد بلقائد أمايور
- القضايا الفكرية في مسرحيات مصطفى محمود / سماح خميس أبو الخير
- دراسات في شعر جواد الحطاب - اكليل موسيقى نموذجا / د. خالدة خليل
- خرائط الشتات / رواية / محمد عبد حسن
- الطوفان وقصص أخرى / محمد عبد حسن
- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد ضحية - قراءات في بنية القصة السودانية