أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامى لبيب - نحو فهم الوجود والحياة والإنسان بعيداً عن الخرافة- المادة والوعى(1)















المزيد.....


نحو فهم الوجود والحياة والإنسان بعيداً عن الخرافة- المادة والوعى(1)


سامى لبيب

الحوار المتمدن-العدد: 4235 - 2013 / 10 / 4 - 21:39
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقدمة.
"نحو فهم الوجود والحياة والإنسان بعيداً عن الخرافة " سلسلة من المقالات والأبحاث تعتنى بفهم الوجود فهماً صحيحاً موضوعياً لتزيح وتبدد كل الأفكار والمفاهيم المغلوطة من طريقها بغية الوصول لأعتاب فهم عقلانى وموضوعى لوجودنا وحياتنا التى إستهلكناها و بددناها فى الأوهام والخرافة لنبنى أفكار ومفاهيم خاطئة تجتر من موروثات فكرية قديمة أسسنا عليها بنياتنا الفكرية الثقافية لننظر فى النهاية للوجود مقلوباً .
تعتنى هذه السلسلة بتفنيد فكرة وجود إله كقضية محورية ذات إعتناء فهى القضية الأم التى شغلت الإنسان منذ القدم وحتى الآن مبدداً حياته فى الوهم ليستنزف عمره وأيامه فى قضية ليست ذات معنى , ولو كان هناك معنى فلن يخرج أكثر من مخدر يتعاطاه الإنسان ليبدد قلقه من الحياة والوجود ليحمل فى بعض الأحيان تناحر إنسانى يتلحف بالإيمان ويصعده ويستثمره .
لن نعتمد على فضح هشاشة وسذاجة وتخبط التراث الدينى الذى يعلن فى كل ثناياه تهافته وتناقضه مثبتاً أنه إنتاج فكر إنسان قديم جاء معبراً عن رؤيته وخياله وقلقه ومحدودية معارفه فهذه التوقفات أشبعناها بحثاً فى إثبات هشاشة الفكرة ومازالت تتحمل المزيد من التفنيد ,ولكن ما نحن بصدده هو تأسيس لفكر وفلسفة تعتنى بتفسير الوجود والحياة والإنسان باحثة فى أعماقها ومغزاها بدون الحاجة لفكرة الإله الخرافية أن تطل لتفسرها .. معنيون بالفعل بتأمل وجودنا وحياتنا بعيون باحثة عن الحقيقة تهفو لإدراك الوجود كما هو بدون أى إضافات تُقحم عليه ليست منه لتنال منه بالتشويه وتضليل بوصلة الوعى .

أرى أن إشكالية الإنسان الحقيقية هو فى مفهومه الخاطئ والمغلوط للحياة والوجود ويرجع هذا إلى التعجل فى إيفاء حاجات نفسية عميقة لحوحة طفت على السطح تطلب الإستقرار فى ظل حالة من الجهل المعرفية عجزت عن إيفاء النفس متطلباتها فكانت الحلول المتوهمة المغلوطة المتسرعة الوسيلة لإسعاف قلق إنسانى يبغى التوازن والسلام فى مواجهة وجود مادى غير عاقل ولا معتنى .
سيكون سبيلنا لتفنيد وهم الإله فى هذه السلسلة ليس تبيان تناقض فكرة الله وفقا لمعطياتها الدينية أى إبراز التناقض والتخبط والسذاجة وفق ما تطرحه المنظومة الدينية ذاتها كما كان سبيلنا فى مقالات سابقة ولكن يكون نهجنا معتنياً بفهم الوجود والحياة والإنسان فهماً موضوعياً علمياً ومن خلال معطيات الوجود ذاته ,وسنجد ان الوجود يفسر ذاته بذاته فلا يحتاج لمًسبب خارج عنه أو شئ ليس منه يتم إقحامه ,وحقيقة لن تكون إجابات الوجود مريحة ليس لإختلال طرحها ولكن لانها ستهز ثوابت ونفوس راضية مرضية غارقة فى عسل الإحساس بمحورية الوجود .

سيكون بحثنا ممتداً عبر أجزاء عدة ليخوض فى الإنسان والوعى والدماغ وكيف تتكون الأفكار .. سنتطرق لمفاهيمنا وأفكارنا ومنطقنا المغلوط لنضع أفكار ورؤى ومنطق بديل .. سنخوض فى العشوائية والنظام ومفاهيمنا المتغطرسة عن الحياة والوجود ..سنغوص فى الإنسان لنتأمل الجمال والمعنى والقيمة والخير وسيكون لنا توقف مع السببية والغاية والحقيقة ..وسنرسخ حتماً لمفهوم مادية الوجود .
هذه الأجزاء ستثبت لنا أن فكرة الإله فكرة خيالية من منتجات الوعى الإنسانى وأن الوجود يفسر ذاته ولا يحتاج للميتافيزيقا ان تتدخل لتفسره .. أأمل أن أقدم فكر إلحادى قوى ومتجذر يفسر الحياة والإنسان والوجود بعيداً عن وهم فكرة الإله فلا يكتفى رفضنا لفكرة الله على خواء الفكرة وتناقضها وعدم معقوليتها وفقا لما يطرحه الفكر الدينى بل يكون رفض الفكرة من خلال رؤية فكرية علمية متماسكة بديلة تطرح نفسها متكأه على العقل والمنطق والعلم والوجود المادى الذى يقدم لنا إجابة فى كل مشهد حياتى وجودى يطل علينا لنصل إلى أعتاب رؤية بديلة تفسر الحياة والوجود والإنسان فلا تغفل ولا تتغافل حقيقة الوجود لتهرب منه باحثة عن مخدر ألفته لا تريد أن تبارحه , فالحياة بدون مخدر أفضل , لذا من يريد أن يتحرر من مخدره فليتبعنا .

* المادة والوعى - جزء أول.
-لم أكن مخطئاً حينها .!
أتذكر فى الطفولة المبكرة التى لم تتعدى السنوات الأربع مشهد باحث عن الله حيث بدايات أجنة العقل فى الحراك أمام ما يلقى أمامها من أفكار وصور .. لم أكن حينها عنيداً بل راغباً فى إستيعاب مايقولونه عن الله بعقل إمتلك فى مهده القدرة على خربشة الوجود بأظافر ناعمة , فعندما كان يُذكر اسم الرب كان يستدعى ذهنى حينها صور للمسيح ذو الملامح الأوربية المُعلقة على جدران منزلنا ,ولكن أبى ذكر لى بعدها أن الرب ليس كهذه الصور ليرفع أصبعه ويشير للسماء حيث مسكنه وملكوته .. لذا بدأت عيونى تتعلق وتحدق ملياً فى السماء باحثة عن الرب ليهدينى خيالى حينها لتلمس ملامح وجوه بشرية ذات حجم كبير تتخلق من الغيوم لأرى رأس رجل وسط تشكيلات الغيوم لأهرول لأمى ذات مرة وأصرخ : لقد رأيت الله ! لتندهش من كلامى فأشد يدها وأدعوها للشرفة وأشير لملامح الله .. أنظرى يا أمى هناك .هاهو الله .هاهى رأسه وذاك أنفه وجبينه وهاهى لحيته البيضاء الطويلة ,فتندهش أمى الطيبة من المشهد وتعقب "سبحان الله .المجد لك يا رب"!!-لأدرك أن رؤيتى صحيحة فأهرول لأبى وقد إمتلكت الثقة فى إكتشافى لأدعوه لرؤية الله فيندهش من المشهد ولكنه يحطم تصوراتى فيقول هذه غيوم وسحب تشكلت والله ليس هكذا ولا يمكن أن نراه .. لأقول له ألم تقل أن الله فى السماء فيبتسم معلناً أن الله كبير وهائل وليس على هيئتنا ولا نستطيع رؤيته .!
خاب ظنى فى إدراك الله وزادت حيرتى , فأبى يقول أن الرب ليس على هيئتنا لأسأله هل شاهدت الله فيجيب بالنفى لأعقب بسؤال آخر كيف عرفت الله يا أبى ليقول : الله خالق السموات والأرض وكل شئ ولا يمكن رؤيته ليبرز حينها تأمل طفولى رائع متحرر من القيد عند تأمل هذا الكيان الذى يرتبط بالوجود لنبحث عن وجوده فيذوب فى الوجود ليتوه سؤال وجوده .
http://t3.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcSCAC73B1f55mNh7ljfU_-rf6qWrazsSBi5pLa6weAl1Bqon4y-
http://t3.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcRpF3siN3_DKrtso9TBJ3STQgiIOpyAMdXxt72eCUuV1T9pMmHqOw
http://t0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcSwfSI3vd2ySQ9pJ_sZZGE_IarELEi3sbx_QZsuWvRhPd_IUyBv
-هذه بعض الصور من الطبيعة تتقارب مع نفس الصور التى كنت أتخيلها فى الطفولة وأنسبها لله .

عندما أتذكر الآن تلك الصور التى كنت أتخيلها لملامح الرب من خلال الغيوم والسحب فى السماء أجد أننى سلكت فكراً طبيعياً فطرياً منطقياً فلم أكن مخطئاً حينها عندما إمتد خيالى ليعانق السماء ويستخلص ملامح لله فهكذا إمكانيات العقل وآفاقه ومحتوى معرفته الوحيدة وشفرة دماغه التى لا تتعاطى إلا مع الوجود المادى حصراً .. بالطبع لا تكون فكرة الإله بذات الشكل الذى تخيلته ولكن لا وجود لفكرة إله إلا من خلال حالة تخيلية عقلية محضة تستقى ملامحها من الوجود المادى بغض النظر عن تنوع الصور المُختلقة داخل ذهن كل إنسان , وهكذا كان حال الإنسان القديم الذى أسقط رؤيته للإله على مشاهد طبيعية بدون تحوير لتتطور الرؤية وتنحى نحو التجميع والتجريد لتصل فى أعقد صورها إلى الأديان والمعتقدات الحديثة التى لم تفلح قدرتها على التجريد العالى أن تلغى مشاهد عديدة تجعل الإله ذات تجسيد ووجود مادى .
(وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ 115 البقرة
وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) هود 7- (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) 17 الحاقة
(و سمعا صوت الرب الاله ماشيا في الجنة عند هبوب ريح النهار فاختبأ ادم و إمرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة فنادى الرب الإله ادم و قال له اين انت فقال سمعت صوتك في الجنة فخشيت لاني عريان فاختبات).تكوين 3.

- من أين يأتى الوعى وما علاقته بالوجود المادى .
الوجود يتمحور فى المادة والوعى فقط ولا ثالث غيرهما , فالمادة هى كل الوجود المحسوس وما يمكن الإستدلال عليه مادياً بينما الوعى منتج لا مادى من منتجات الذهن البشرى كمرآة تعكس الواقع المادى على الدماغ , الوعى مهما كان عبقرياً فهو إستيعاب للوجود المادى الذى سبق الوعى فى الحضور , فالارض بكل ما تحمله من تنوع هائل من الصور المادية وُجدت قبل الإنسان بملايين السنين سابقة لوجوده ومستقلة عنه ليكون الوعى بمثابة إلتقاط صور لهذا الوجود والتعاطى معها , ويكون تطور الوعى الإنسانى هو القدرة على إستيعاب مدخلات عديدة متمثلة فى آلاف الصور الوجودية ومحاولة تنظيمها وترتيبها وإيجاد علاقات مع بعضها لنحظى على التطور .
أى وجود مادى هو واقع موضوعى مهما كان نوعه أو حجمه فالقمر مثلا يوجد فى داخل وعى الإنسان كصورة فقط وليس كوجود بالطبع , فالوعى هو القدرة على إستيعاب الوجود المادى كصور فقط وبالطبع لا يمتلك أى قدرة على خلق كيان خارج الوعى -وبقدر ما تُعتبر هذه بديهية إلا أن الشطط الإنسانى يسمح لفكرة خيالية أن تنفصل وجودياً ليتوهمها وجوداً منفصلاً ذات كينونة .!

عندما نحاول البحث فى الوجود فهذا يعنى البحث عن وعى ورؤية الإنسان ومنطقه وحسه وإنطباعاته فهو الكائن الوحيد الذى يستقبل الوجود بوعى لتتشكل رؤيته وأحكامه وتقييماته , لذا يكون فهمنا للوجود هو إستقبال وإدراك الوجود المادى لنصيغه فى أفكار تتشكل وتتحدد بأبعاد نفسية وآفاق ومحددات ومدارات وآليات دماغ تندفع فى تكوين الأفكار.
لا وعى بدون ملامح وتكوينات ومحتويات مادية فيستحيل أن يتواجد وعى بدون وجود مادى يسبق الوعى ليمنحه كل الصور المادية كمواد خام يتكون منها الوعى كما أن شفرة الدماغ لا تستوعب إلا الوجود المادى ليقفز سؤال عن ماهو الله ... فحينها لن يخرج الله عن معطيين لا ثالث لهما , إما وجود وإما فكرة , والوجود يستلزم ان يكون وجود مادي مستقل يمكن إدراكه بالحواس المادية أو ما يسعفها من تقنية ووسائل مساعدة تسمح بالإدراك أو يكون الله فى إطار فكرة مُنتجة من منتجات الذهن البشرى كتجميع لصور مادية بإختزالها وتجريدها ,ومهما تعقدت صورة الإله ستجدها فى النهاية صور مادية تم إذابة خطوطها لتبدو باهتة عصية عن التدقيق ولكنها خطوط مادية فى النهاية .

الوعى نتاج التفاعل بين الدماغ والوجود المادى وهذا الوعى يشبه المرآة التى تنعكس عليها الأشياء ,فالجسم الذى يسقط على المرآة سواء معاينه أو إستدلال لا يكون موجوداً بذاته بل إنعكاس عليها لذا لا وجود خارج مرآة الوعى المُدرك للمادة ومن هنا أى فكرة نرددها تكون أصولها صور وجودية مادية مهما تعقدت وضاعت ملامحها من شدة التعقيد أو الغفوة فى تتبع الجذور .
المادة سابقة على الوعى فالطبيعة تواجدت بكل مشاهدها المادية قبل ظهور الإنسان على مسرح الحياة ومنها يستقى الإنسان صور الطبيعة ويختزنها فى ذهنه , فالتفاحة والسمكة والفيل وأشعة إكس موجودات مادية قبل نشوء الوعي ليتكون الوعى من إلتقاط هذه الصور والإحتفاظ بها فى الدماغ وإقامة علاقات بينها وإسقاط إنطباع عليها .

الأفكار هى تجميعات لصور من الطبيعة والتفاعل معها بإيجاد علاقات بينها لتنتج ما نعتبره أفكار منظمة أو خيالية , فالأفكار المنظمة المنطقية هى ترتيب للصور المادية وفقا لمشاهدات متكررة وملاحظات وخبرات ومسببات خاضعة لقانون المادة بينما الفكرة الخيالية هى لصق الصور بطريقة غير مرتبة وغير خاضعة لملاحظات صارمة منتظمة وقد تأتى من تَأثر الدماغ بعامل كيميائى كالمخدرات أو إختلال فى وظائف الجسد الكيميائية أو كيمياء متقدمة مثل تلك التى لدى المُبدعين .
الأفكار المنظمة أو الخيالية على السواء هى منتجات من تأثير الوجود المادى فلن تجد أى فكرة إلا وتكون مفرداتها وكل محتواها من صور مادية سقطت على الدماغ ,فحتى الأفكار الخيالية الفنتازية أوالميتافزيقية ستجد مكوناتها صور مادية تم لصقها بشكل عشوائى فقط , فعروس البحر تصور خيالى لكيان غير موجود ولكن مفرداته المادية موجودة , فهناك الرأس والصدر لإمرأة ,والجذع والذيل لسمكة ومن هنا نستطيع أن نرسم صور وأفكار خيالية متوهمة كثيرة مثل التنين الأزرق والشيطان والله وتوم وجيرى فجميعها لن تخرج عن مكونات مادية موجودة فى الطبيعة حصراً , ولا إستثناء لأى فكرة فى الوجود من صورها المادية بل يستحيل أن تجد صورة منطقية أو خيالية لا يكون محتواها و مكوناتها وكل كينونتها من صور مادية مستقلة خارج الوعى شكلت وصاغت ورسمت وحددت الفكرة , فهكذا الوجود وهكذا الدماغ صاحب التكوين المادى المتعامل حصراً مع الوجود المادى كوكيل حصرى ووحيد ومتفرد بلا منازع فى توريد كل مكونات الأفكار لتكون وظيفة الدماغ التعاطى مع الصور الخام لتشكل الوعي ,ولنذكر فى هذا السياق أن مفاهيمنا المغلوطة عن الوجود تأتى من إنفصال الصور الخيالية التى أبدعناها لنتوهم أنها ذات وجود مستقل بينما هى نتاج الوعى الذى أنتجها وأبدعها لنعانى من هذا الوهم والرؤية الغافلة لنجتر منها ونبنى عليها قصص وأساطير وسيناريوهات وتقام معاهد وجامعات .!!

عندما نقول أن المادة تسبق الوعى فلا تكون وجهة نظر إفتراضية بل الحقيقة الوحيدة فى الوجود التى تصرخ فى وجهوهنا مع كل مشهد وجودى ويمكن تلمس ومعاينة هذا فلن تجد وعى وفكرة جاءت سابقة عن المادة , فالأفكار تتشكل من محتوى مادى . فلا وجود للوعى بالتفاحة إلا من وجود التفاحة السابقة للوعى بها .
قد يقول قائل أن الإختراع والإبداع يثبت أن الوعى يسبق الوجود المادى ,فصناعتى لكرسى أو تصميمى للمنزل جاء من وعى سبق الوجود المادى للكرسى والمنزل ... صديقنا هنا يحاول إنقاذ فكرة الوعى السابق للوجود المادى والتى سيكون إنهيارها مُحطم لفكرة الإله فهو هنا بتر الأصول ونظر للمنتج النهائى , فالكرسى مثلا لم يأتى إلا من مادة الخشب التى هى صورة وجودية مادية سابقة لوعيه وجلوسه على جذع شجرة أو حجر مستوى جلب له الراحة كصورة مادية أخرى سقطت فى دماغه ليقيم العقل علاقة بين الخشب والإستواء فتتخلق فى الوعى صورة تجميعية تجريدية من مكونات مادية وهكذا سنجد أن أى إختراع أو إبداع إنسانى مهما تعقدت مكوناته وبدا مذهلاً فلن يخرج عن تجميعات وتنسيقات وصياغات وتركيبات وتجريدات لصور مادية .

هذه الحقيقة من الأهمية بمكان فهى تنسف الفكر الميتافزيقى , فكون المادة تسبق الوعى وتشكل وتخلق مفردات الفكرة فهذا يعنى أن ماهية الإله لن تخرج عن كونها فكرة إستمدت مكوناتها من الوجود المادى فالإله لن يخرج عن كونه وجود أو فكرة فلو كان ذو وجود فهذا يعنى أن العقل سيدركه بأدواته المادية وطالما هذا غير متحقق فالأمور لن تزيد عن فكرة فلا مجال آخر لإفتراض الوجود , ليقول قائل ليس كل ما لا نراه غير موجود وهذا قول حق يراد به باطل فحقاً ليس كل ما لا نراه ولم نكتشفه يعنى عدم وجوده ولكن هذا يسرى على الوجود المادى فقط فلا يجب أن تفتح الباب على مصراعيه لأى إحتمالية لتتواجد لا يوجد أى دلائل على وجودها, ناهيك عن الإله حسب ما يروجون ذو وجود غير مادى فيلزم لإحتمالية وجوده أن يكون مادة .

الإنسان خالق الأفكار والفكرة هى العلاقة الجدلية بين المادة والإنسان فلا وجود لفكرة إلا وتستمد معطياتها ومحدداتها وآفاقها من العلاقة مع المادة حصراً ,ومن هنا علينا أن ندرك أن الآلهة ما هى إلا فكرة خيالية مكوناتها مادية تكونت فى مخيلة الإنسان من خلال إستعارته لمفردات مادية فى واقعه ليلصقها بطريقة خاصة ويجردها ليجعل منها وجود يعينه على تجاوز إشكاليات نفسية وذهنية عميقة.
الفكر حركة الواقع وقد إنتقل لذهن الإنسان فلو لم يكن هناك حركة للواقع المادى ما كان هناك فكر ولا حياة لذا من الخطأ تصور أن الفكرة مُبدعة الواقع فهذا هو الهذيان بعينه بل هى نتاج حركة الواقع لتصاغ فى منتج فكرى يمكن تبديل مشاهده وإعادة ترتيبها فقط لتتجادل بعد ذلك مع الواقع .

لدينا طريقة تفكير مغلوطة تشبه الفهم القديم عن الرؤية البصرية عندما كنا نظن أن العين هى التى ترسل إشعاع منها ليسقط على الشئ لنراه بينما الحقيقة أن العين ترى من إنعكاس الشعاع عليها ..وللأسف مازلنا نحتفظ بهذا المفهوم للعلاقة بين المادة والوعى ,ومن هنا يجب أن ندرك ان الواقع المادى الموضوعى هو الذى يسقط على أدمغتنا مشكلا الفكرة , فالأفكار نتاج إنعكاس الواقع الموضوعى على مرآة الوعى ليتم التعاطى مع الصور المسقطة لتنتج افكار .
لا وجود غير الوجود المادى ولا فكرة تتكون خارج سياق الوجود المادى بكل مفرداته وملامحه .ومن هنا تكون فكرة الله من إبداعنا حتماً فمعطياتها إسقاط لصور مادية على سبورة الوعى قمنا بترتيبها وفق حاجتنا لنرسمها بخطوط وألوان كثيفة .

فى الحقيقة لسنا محتاجون للسببية وقصة كل ماهو غير معلوم لا يعنى انتفاء وجوده للجدال والغرق مع الميتافيزيقين فى محاولاتهم ومناوراتهم الإلتفافية لإثبات وجود الله ,لذا دعونا من هذا اللغط والسفسطة المنطقية التى تبغى التهرب والمناورة والتعلق بقشة فلسنا بحاجة للسببية أو اى مفهوم منطقى مراوغ يضللنا عن الحقيقة الماثلة أمامنا التى تثقب عيوننا بإستحالة تواجد إله إلا كفكرة وليس كوجود , لأنه ببساطة شديدة وعينا هو الذى إختلق الله ,فكما ذكرنا أن أى فكرة هى نتاج وعينا , والوعى يستمد أفكاره من صور الوجود المادى التى تحتكر توريد الصور التى يتكون منها الأفكار لتتشكل أى فكرة فى الوجود من هذه المعطيات ,أى ان الدماغ يتحرك فيما يُقدم له من الوجود المادى ليقوم بتشكيل وتركيب ولصق صوره , فالله هنا منتج جاء من جمجمة الدماغ ليكون الإنسان خالق فكرة إلهه فكراً وإبداعاً وحيازة بلا جدال .. لا وجود إلا الوجود المادى والوعى .

دمتم بخير .
-"من كل حسب طاقته لكل حسب حاجته " حلم الإنسانية القادم فى عالم متحرر من الأنانية والظلم والجشع .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)