أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس علي العلي - أعترافات ما بعد الموت















المزيد.....

أعترافات ما بعد الموت


عباس علي العلي
(Abbas Ali Al Ali )


الحوار المتمدن-العدد: 4235 - 2013 / 10 / 4 - 07:21
المحور: الادب والفن
    


اعترافات ما بعد الموت

مضت الأيام السبعة منذ أن أودعت رفيق عمرها وصنو شبابها لتتهيأ لعالم كانت تسمع عن حكاياته وتتمنى ان لا يكون قريبا منها, إنه عالم الوحدة والفقد, رغم أنها جربت طعمه في فترات منه ,فهي لا تتردد كثيرا بالقول بأنها جميله بالوصف , لكن عندما تتذكر أيام اغترابه عنها تشعر بقشعريرة في الجسم مختلطة بشيء من الريبة التي لم تحسم أمر مصدره ولا كيفية تسرب هذا الإحساس لقلبها ,لكنه بالتأكيد كانت تعيش هواجسه فقط.
صالح رجل أمتهن التفكير ونذر نفسه لفكرة أن الإنسان مولود لأجل أن يعيش الحقيقة كما هي بدون حد ولا إمكانية الاستبدال أو القفز فوق ما نؤمن , لذا فالواقع يفرض عليه أن يكون متناقض مع كل صور التناغم أو الانخراط في واقعية الحياة , هنا يكمن سر شقاءه الدائم, حاولت كثيرا بعد الارتباط به أن تخفف من شعوره بالأسى مع كل مباهج الحياة المستقرة أو تأجيل بعض الاستحقاقات لتنضج الظروف قبلا أو أقلا.
أنا عرفته من خلال تلميذتي في الجامعة عهود تلك السيدة الغامضة التي عجزت كل أدواتي العلمية في تفكيك شفرة تعاملها مع الرجال وخاصة الذين يتمتعون بشيء من الجاذبية الفكرية فقد لاحظت كيف أن صالح الرزين المفكر الذي قرأت له كثيرا , كطفل بين يديه لعبة يتباهى بها بين أقرأنه, حاولت الغوص في تاريخ عهود لم أجد إلا خيوط قليلة تقودني إلى ذات الشخصية التي أمامي ,تزوجت رجلا من رجالات السلطة فقضي عليه بين ليلة وضحاها دون معرفة الأسباب ولو أن أحدهم أوشى لي إنها قتلته بالخيانة ...لم اعرف طراز الخيانة , فقد تحول مفهومها المحدد إلى حبل مطاط.
أعادت بذاكرتها للسنين الأولى سنين العشق الأول حينما كانت مدارج الجامعة وحدائقها وشوارع بغداد تعج بالمفكرين وأصحاب النظريات الفكرية ,كانت تميل أكثر نحو الواقعية السياسية التي لا تمانع في الإنخراط بالحراك الفكري لكن بحدود الممكن الطبيعي , بينما كان يمثل لها طفرة ثورية في الفكر قياسا لما تؤمن به ,هو كان يمثل الواقعية الحقيقية التي لا مفر من التسليم بها كونها تحفظ لإنسان الحد الأقل من الحق الوجودي.
في تلك الفترة كنت طالبا في كلية الأدب أدرس علم النفس كنت خجولا كثيرا ومنطوي أخاف أن أصطدم بأفكاري التي غلفها الكبت وعرفت لا حقا من دراستي أن حبي لعلم انفس هو دافع لا شعوري يمنحني قدر من حق مكاشفة نفسي ولو على انفراد ... كان صالح وأمثاله أكثر جرأة مني على خوض غمارها ,,لم ألتق به ولم أعرفه لكن من قراءتي اللاحقة له كنت أحسده على تلك الجرأة العجيبة . فهو واضح ويعرف حقا ما يريد.
تنتابها الذكريات الأولى وهي تحاول أن تجبر نفسها لتفتح حقيبته التي جاءت مع قليل من حاجياته الخاصة وملابسه وبعض مما ترك من مسودات ما كتب في أيامه الأخيرة , لكن هذه الحقيبة بالذات التي لم تفارقه في السنين الأخيرة كنت تمثل كل تأريخه وغيابه وحضوره ,إنها تمثل صالح كما هو بدون تزييف أو تصنع.
لم يغير من قناعاتي شيء وأن أجد الكثير من صالح بين صفوف المثقفين الذين يملئون حياتهم صخب فكري ,كنت أظنه من نتائج الحرية التي لم نألفها في بيئتنا المحافظة والمنزوية على نفسها تحافظ أن لا تنفرط بوجه المتغيرات الخارجية الوافدة من كتب وأفلام وأفكار تتسلل بهدوء لتفرض حضورا بالغ الدقة في الكثير من تسليمتنا الأولى ولتعري عن أفكارنا ثوب التقليد والجمود ,بعضها كان لا يعجبني كثيرا بل كنت أفر أحيانا منها نحو شواخص أكثر روحية مما أعيش.
هوس الأنثى الطبيعي في البحث عن خبايا الزوج يدفعها بقوة نحو قراءة ما بين السطور .. تبرير حقيقي ومقنع لها ,إنها تبحث عن اعترافات ما بعد الموت ...كتابات صالح منذ أن عرفته في مدارج الكلية في سنتهم الأولى كان يبتدأ دوما بخطاب أيتها الرقيقة أو إليك مشيرا إلى مجهول معلوم يتصف دوما بالمثالية العالية في مخاطبة حواء الأنثى التي تمثل الماء في جسد آدم ليشير من طرف أخر إلى ذكورية التراب, كان محط أنظار زميلاتها في الفصل.
ما شككت يوما أن بعض من هؤلاء كان له أكثر من حياة يعيشها بين حياته أمام الناس ويحتفظ بالكثير منها في خزانة الأسرار, طبعي المحافظ جعل مني دفتر ذكريات وسلة أحلام مؤجلة ,لكن صالح لم يكن أكثر من مشروع لأحلام تفرض حضورها في الوجود بما يملك من ديناميكية أفتقدها البعض وأنا منهم لكني لا أحسده عليها مؤمنا أن لكل مجتهد نصيب.
تتسلل أفكارها لتفك الكثير من الرموز فيما كان يكتب وتتعجب عن أحداث مدونة لم تكن هي بطلتها لتسري قشعريرة من نوع اخر في جسدها وتختلط الصور هنا , بين تلك الأورق والصورة الجميلة لتي رسمتها في خيالها وعاشت تفاصيل منها واقعا ,لكن لم تعد تقنع أن تلكم المجريات تتحدث عنها فعلا ,إنها اعترافات في الوقت الضائع غيرت كثيرا مما في ذاكرتها وسببت لها أرق خفي اعتراها فجأة وبالطبع انتابها صداع غريب.
لم تتعدى قناعتي يوما أن ما أشهده من جموح نحو التحرر والانفتاح لم يكن إلا ردة فعل واقعية ومحسوبة لتلك الحياة القاسية والرتيبة التي بسطت حياتنا قبل الانتقال نحو العاصمة ونحن نشهد ميلاد جديد لكل واحد منا, بل كنت في أحيان كثير أعد عدم الانسجام الذي عليه البعض بين الجديد مرده جبن فكري وانحطاط في القدرة على التطور, شكل ذلك لي في بادئ الأمر نوعا من التعارض بين محافظيتي وبين قناعاتي الخاصة.
الشعور بالخديعة متأخرا أكثر إيلاما منها حتى لو جاءت من ملاك أحسبه طول العمر, قالت لأعط نفسي قدرا من الصبر فلا يمكن أن أغار من أوهام أنا من صنعها ,كانت تحاول أن تسترد ثقتها بنفسها وأن تعطي فسحة أكبر للتأمل عسى أن يكون ذلك وهم, لكنها ترددت كثيرا في التسليم بذلك وهي تتخبط بين أحداث غرائبية تتوالى عليها وكأن من عرفته طويلا ليس إلا شبح في ليلة مظلمة.
في دواخل الذات صالح وفي ذات صالح شخص يحمل أفكار مثلي ,الإنسان الذي استقرت صورته أخيرا في يقيني مركب متناقض يحمل كل جينات آدم التي وزعها بعشوائية على أبناءه منذ الأزل فكثيرا ما أعذرته وخاصة بعد لقائي بليلى تلك المفتونة بصالح وأفكاره جامحة تشبهه برغم برجوازيتها وتمسكها بقيم المجتمع العالي لكنها نزلت عند قدمي صالح بإرادتها ترى في ذك تمرد على سكونية ونمطية مجتمعها وأسرتها كانت الوحيدة لأبويين من الأعراق المهاجرة قديما والتي اتخذت من تجارة النفائس والجواهر شعارا لها كعائلة فاحشة الثراء, كنت احلل شعور صالح وهو يعيش هذه التجربة التي يعدها انتصارا لقيمه وتأكيدا على مصداقية حدسه الفكري لمجريات التحول الاجتماعي في البلد.
لاحظت أن دموعها تتساقط على تلك الأوراق الخائنة وهي تعري صالح وتنزع عنه ثوب القداسة والتبجيل , لم يعد صالح هو ما تبحث عنه ,تبحث عن أنثى تعلقت بحبال حبه الأول عسى أن تجدها بين المفردات المبثوثة التي نشرتها على سريرها الذي عانى كثيرا من برده ووحدته بغياب قلب كان هو الوحيد الذي يشبعه دفء وحيوية , إنها تعود بكل كيانها لتحاكم سنين عمرها على غباءها وغيبتها عما كان يجري من وراء صك الثقة التي منحته لصالح.
في أيام الاغتراب القصري نحن نتنقل من عالم لعالم نركب قطار الغربة ونصنع منه متنفسنا الوحيد لتسوية كل تناقضاتنا الخاصة والعامة, كنا برغم ذلك نشكل موجه واحدة تعيد الوعي لمجتمعنا الذي ركن إلى مجهولية الهدف أثر حقبة سوداء حملت معها غيوم تمنع المتأمل من إدراك نجوم السماء برغم تألقها ,هناك كان لقائي الوحيد مع صالح ,كنت أرى فيه نموذج يدفع نحو صنع الحياة بطريقة ما لتعيد بريق أخر اليقين الذي أكتمل في كينونته فكريا عندنا رغم كل التناقض والتضاد.
راودتها فكرة حرق هذه الحقيبة وكل ما ترك انتقاما لوجوده معها ذكرى تحولت بدقائق من شوق وردي إلى كابوس أسود, كيف تبرر يا صالح كل هذا الطعان لروحي التي وزعتها بين أيامك حتى لم يعد لي شيء أستقوي به!, كيف يكون ما يؤمن به العقل مخالفا لما رسمته من أحلام تشبه الياسمين؟, بل كيف كان بمقدورك أن تفعل هذا بشجرة زرعتها أنت لتتفيأ ظلالها؟, أليس من حقي أن أمزقك بأسناني ولو أنها وهنت من عذاباتك من غربتك من جور الأيام.
عرفت أن تغيرات كثيرة قد جعلت من صالح نجما أدبيا وسياسيا أحاط في بعض تفاصيل حياته شيء من المحظورات على أمثالي من الأصدقاء الجدد فيما كان الأصدقاء الأقدمون على طاولته كاملة, أعرف وأقدس خصوصيات الأخر وأحرص أن ألبي رغبتهم في عدم البحث بين الأورق الخاصة , لكن شغفي بتلك التحولات لم تدع لي فرصة دون أن تمر تحت كتاباتي التحليلية ,صار التحليل النفسي لشخصيات شدني تأثيرها الاجتماعي هوس قد يقودني إلى علة انزوائي وفشلي المدمن عليه.
لا شيء منك يستحق مني بعد الآن دمعة على فراق بل كل دموعي سأنذرها لطعنتك لروحي التي مزقها حرفك المستهين بوجودي ,عليك الرحيل حتى من ذاكرتي, لا مكان فيها يتسع لجمال تلك السنين إنها فارغة إلا لخيانتك لشريط الطعنات التي جعلت من عقلي أشبه بالماكنة الصدئة , إليك عني الآن أقفز أنت وأشياءك من حياتي عبر النافذة لتفترش الطريق وتسحقك اقدام المارة ,هيا فتناثرت كل اعترافات صالح محلقة بين الشباك وبين أسفلت الطريق الخالي إلا من بعض قطط وكلاب تجوب الشارع.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,599,968,121
- كلام على ورق
- أحلام العم عطية
- سوادين
- عنزة جاسم
- دار دور
- حلم في الف ليلة وليلة
- العقل وأشكالية التعقل بين النص الديني والواقع
- حكاية الثقافة في العراق
- قيامة منصور4
- القيامة في وسط المدينة3
- المدينة والقيامة 2
- أنا والقيامة الأتية 1
- عطش الذاكرة
- حدود هوية الأنا والأخر
- التجربة الإسلامية الحاكمة . _ نماذج ورؤى _ج3
- التجربة الإسلامية الحاكمة _ نماذج ورؤى _ ج2
- التجربة الإسلامية الحاكمة. نماذج ورؤى _ ج1
- السرقة الشرعية حلال والسرقة الغير شرعية حرام.
- العقل المصنوع والنفس الإنسانية
- الحرية نظرة الدين الحقيقية


المزيد.....




- نبيل الذي أمضى حياته كلها في الحكومات يقول لكم: عاش الشعب !! ...
- فنانة كويتية تتعرض لموقف محرج على الهواء... فيديو
- رحيل المخرج والكاتب المسرحي السوري محمد قارصلي
- عروض مهرجان الأردن المسرحي تتوالى في دورته الـ26
- إفريقيا ترشح رئيس بلدية الحسيمة لرئاسة منظمة دولية
- مصر.. نجل فنانة مشهورة يرقص شبه عار في الشارع ويثير جدلا
- عالم سمسم: خمس محطات فارقة في تاريخ برنامج الأطفال الأشهر عا ...
- 7 عناصر لا غنى عنها في بيوت أفلام الرعب
- -مقيم عربي- في السعودية يهاجم فرقة مسرحية بسكين... والقبض عل ...
- السعودية : مقيم يمني ينفذ عملية طعن لـ3 أعضاء بفرقة مسرحية ف ...


المزيد.....

- في الأرض المسرة / آرام كربيت
- الخطاب الأيديولوجي في رواية سيرة بني بلوط / رياض كامل
- كيفما كنا فنحن ألوف المشاكل... / محمد الحنفي
- ديوان وجدانيات الكفر / السعيد عبدالغني
- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس علي العلي - أعترافات ما بعد الموت