أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيم عبد مهلهل - ساكو وفانزيتي ( إشتراكية السينما والرواية )















المزيد.....

ساكو وفانزيتي ( إشتراكية السينما والرواية )


نعيم عبد مهلهل

الحوار المتمدن-العدد: 4234 - 2013 / 10 / 3 - 13:09
المحور: الادب والفن
    


ساكو وفانزيتي ( إشتراكية السينما والرواية )
نعيم عبد مهلهل
لاأعرف لماذا يسكنني هاجس ما يقول : أنك لاتستطيع أن تكتب رواية إلا عندما تتخيل أنكَ تراها . وعلى هذه الرؤية ، ومثل الذي تسكنه رعشة قبلة من ممثلة سينمائية مشهورة كانت بداياتي الكتابية تضع هذا التصور في تفكيرها حتى من دون أن اشعر فيه ، ولا اعتقد أبدا أن روائيا سينجح ويصبح شهيراً دون أن يكون صباه وطفولته مسكوناً بخيالات السينما ورواياتها ، لأني اعتقد إن معظم الروايات الخالدة في التاريخ منذ حرب طروادة وحتى رواية ماركيز في ساعة نحس تم تحويلها الى افلام سينمائية .
كنت في في الثالثة عشر من عمري عندما أصطحبني أخي الكبير المرحوم ( عبد اليمة / 1953 ــ 2008 ) لمشاهدة الفيلم الأيطالي ــ الفرنسي ( ساكو وفانزيتي ) والمنتج عام 1971 .أخراج جوليانو مونتالدو وبطولة جان ماريا فولونتي .
أتذكر الزحام الهائل على شباك قطع التذاكر في سينما الأندلس في مدينة الناصرية ( ( 360 كم جنوب بغداد / على مقربة منها ولد النبي ابراهيم ، والرسام الكارفيتي المدهش فائق حسين والمطربون الاسطوريون داخل حسن وحضيري أبو عزيز وناصر حكيم ، وفيها أسس فهد الحزب الشيوعي العراقي ، وفيها ولد ثلاثة من رؤساء وزارة العهد العراقي الجديد عبد المحسن السعدون وصالح جبر وناجي طالب وفيها ولد ايضا واحد من كبار كتاب الرواية العراقية عبد الرحمن مجيد الربيعي )) .وكان الحضور خليط من كل شرائح المجتمع وكأنهم بأصرارهم للحضور في العرض الأول يريدون تكريم هذين الكادحين الايطاليين نيقولا ساكو وبارتيليميو فانزيتي واللذين هاجرا الى امريكا ولينتميا الى حزب يطالب بحقوق العمال مما ازعج السلطات الامريكية ليفبركا لهما التهمة المعروفة ، تهمة قتل الصراف وحارسه وليدفعا الثمن ( الأعدام ) وهما جالسين بصمت وكبرياء على الكرسي الكهربائي.
مازلت أتخيل وجهي ساكو ( صانع الأحذية ) ورفيقه فانزيتي ( بائع السَمك ) بوجيهما الحاديّْ التقاطيع والنظرات الغريبة والمليئة بتساؤلات جبروت يدل على براءتهما ، مما الهم هذا الكثير من كتاب العالم المتحضر لينشدوا بأسمها القصائد ويكتبوا القصص والمسرحيات . وكما شرح لنا معلمنا في الصف السادس الأبتدائي عندما عرف أن نصف الصف ذهب لمشاهدة الفيلم قال :هذا درس للحرية والحياة والمواقف العظيمة .ما شاهدتموه يمنحكم ثقافة واحلاما واخيلة ومواقف اكثر نفعا بألف مرة من قصص محمد عطية الابراشي التي تملأ مكتبة المدرسة بقصص العفاريب وخرائب الاهرامات والجنيات. أنتم تحتاجون الى الواقع أولا ومن ثم تستعينوا بالخيال.
بعد ستة اعوام من اخراج هذا الفيلم وفي عام 1977 أعلن حاكم ولاية ماساتشوستس في تصريح رسمي براءتهما. لأكتشف ومع كلام معلمي أن الحرية عندما تدان ويقاضونها ظلما فأن براءتها دائما ترتهن بأعتراف متأخر من ضمير التأريخ . وخاطرة المعلم هذه وحدها من أسكنت في الرغبة لأروي مع نفسي حادثة اعدام ساكو وفانزيتي بطريقتي الخاصة.
وعليَّ أن اتخيل الليل الطويل فوق سطح غرفتي الطينية وأنا ارسم سيناريو تخيل أحداث الرواية التي أكتبها بخواطر اجفاني في زمن لم ينضج قلمي بعد ولم أع حرفة القص وشروطه ، وربما كان بأستطاعتي أن أكتب قصة ساذجة بفضل درس الانشاء ولكن أن تكتب رواية فهذا من المستحيلات ، وكانت قناعتنا في هذا العمر المبكر أن الذين يكتبون تلك الروايات التي تصنع لنا الاماني والاحلام والشهوة حتما رؤوسهم لسيت بحجم رؤوسنا ، وأتذكر اني نلت اعجاب مدرس العربية في الثالث المتوسط عندما كتبت في احدى تلك الانشاءات عبارة : لو لم يكن انشتاين رواياً جيداً لاحلامه لم يستطع ابدا اكتشاف النظرية النسبية.
في تلك الليلة ورواية الفيلم ( ساكو فانزيتي ) تسكنني بالحزن والغضب والتعاطف أصل الى تخيل الحدث وحوارته والدراما التي مر بها ، وأتمنى أن يأتي الصباح لأقص على ابي واخوتي ما تخيلته في الحدث وما اريد أن ارويه أنا عن شغيلة يشبهون حلم أبي وصراعه مع الحياة ويعيشون معه في ذات مكان عمله.
( حمالون ، صاغة ، حدادون ، صافرون ، نجارون ، عطارون ، ندافون ، فكهانيون ، عمال بلدية ، حلاقون ، نوادل مقاهي ، خياطون ، عمال مطاعم الكباب والتشريب ، بناءون ، حائكون ، الرقاعون والأسكافيون )
تلك هي أغلب المهن التي يؤم اليها الفقراء لتمنع صفير الجوع في بطونهم ، الطبقات الكادحة التي بسبب هذا العزل المجتمعي وخجل الشرق وقسوة الحاكم وجندرمته لايفكرون في الدفاع عن احلامهم بالطريقة البارعة التي روى فيه الفيلم موقف الرجلين الكادحين.
أؤمن أن تلك كانت الروايات في زمننا انشط كثيرا من أي حزب يساري ، فمعظم الاحزاب اليسارية الحالمة بالكادحين والخبز والحرية كانت تشتغل في السر ولاتؤدي في فعلها المساحة التي تغطي فيها كامل تواجد الطبقات ، وربما النخبة فقط من يستطيع ان يصل الى ادبيات والمنشورات السرية لتلك الاحزاب واغلبهم من المنتمين أليها، ولهذا كان أبي والاغلبية الساحقة من اصحاب مهن الفقراء لايعون تماما رسائل تلك التنظيمات ، غير أن الروايات كانت تعمل في العلن وتجلس في رفوف المكتبات والارصفة ويقرأها الجميع لهذا كانت تقرأ ويعرف من احداثها طبيعة ما يجري في هذا العالم ، وكنا نقرأها ونحاول أن ننقل بعض من احلامها وسردها وحكايتها الى اباءنا الذين في الغالب يتذمرون من سردها الطويل وتفاصيلها الصعبة وشروحاتنا المملة ، وبالرغم من هذا أبي اصغى طويلا لساكو فانزيتي وانا ارويها بطريقة بدائية وركيكية ولكنها حماسية ، وعندما اخبرته في نهاية الروي : أني افكر لأكتب عن كل اصدقاءه من الفقراء وكادحي علوة بيع الحنطة والشعير.
ضحك وقال : دعْ رواياتك لحين تصير معلماً او موظفا ، واتركها حين تصير عريفاً متطوعا في الجيش.
لكني حينما اصبحت عريفا في الجيش في الخدمة العسكرية الألزامية بعد التخرج لم اتركها ، فقد حملنا الروايات معنا في حقائب السفر والجبهات لاكتشف أن اجمل متعة في هذا العالم بعد احتضان المرأة التي تعشق أن تقرأ رواية على قمة جبل شمالية في سيدكان أو مرتفعات حوض بنجوين ومع نسائم ليل بارد ، أو أن تغوص في احلام شخوص رواية ما مع موسيقى القصب الجنوبي تحت سماء صافية وضوء فانوس في واحدة من ليالي الهور الساحر.
مجد ساكو فانزيتي ليس في حصولهما على البراءة بعد حوالي 57 عاماً ، بل في تلك المتعة والالهام الذي صنع دافع رواية بما يتلائم ووقائع ما نعيش في مجتمع غالبية طبقاته من الفقراء والمعدومين ، هذا الدافع الذي سكن صبانا ونحن نتأمل وجهيهما في مساحة الأمل بأن العدل سوف يمنحهما براءته بالرغم من أنهما كانا يعلمان أن هذا السيناريو قائمٌ على الظلم والتلفيق والكره وكأنهما أتيا هنا ليخربا الحلم الرأسمالي بنضالها بين طبقة العمال أكثر مما تفعله المافيات الصقلية في حانات الليل والقمار والشوارع الخلفية في شيكاغو ونيويورك ولاس فيغاس.
جيل كامل يتسمر امام الشاشة البيضاء ، يذرف دموعه مع محنة هاذين الكادحين بعدما كنا نذرف الدموع في الأفلام الهندية فقط ، لكن رومانسية اللحظات العنيدة التي قضاها العاملين ساكو وفانزيتي في مواجهة أفتراءات المحققين صنعت في قلوبنا وعقولنا قناعات أن الحلم اليساري لسوف يغيض الجميع في نضاله من اجل احلامه ، واتذكر تفسيرا آخراً لمعلمنا : هذا الفيلم يعلمنا الى أي جهة نبعث بنظراتنا عندما نحتاج الى الحرية والأمل وعطر الوردة.
وهو ذاته ايضا علمني البدايات المرتعشة لتخيل رواية سأكتبها في السر ومع خربشة قلم الرصاص الذي كنت أُبريه بأسناني عندما تنتهي فحمته ، فالفقراء في ذلك الزمن يعتبرون شراء المبراة ترفا أو أنها لاتتلائم ومستوى سطح الانفاق في جيوبهم.
من تلك الطفولة القديمة ومن ذلك الصبا المتحمس أتخيل الوجوه المغدورة بصعقةِ الكهرباء ، وكيف كنا نرتجف مع ارتجاف الاداء الحقيقي للممثلين ، ويبدو أن السينما الايطالية بواقعيتها الجديدة وضعت مع هذا الفيلم مسارات الحداثة في نمط الاعمال المقدمة ليخلصها من موجتها الكلاسيكية والاباحية والرومانسية ، فيخلط هذا كله في رؤية العدسة الجديدة للحدث في ظل استعار الحرب الباردة وحرب فيتنام وموجات العبث وبادر ماينهوف وعمليات الفدائية ليلى خالد.
من ذلك الزمن الذي لن يعود عطره لأن التأريخ لايلبس ثوبه مرتين ، أحمل حنين الذكريات وأمنياتنا لتتحول الغيوم الى مركبات فضاء وتحملنا الى قبري ساكو وفانزيتي لنضع عليهما باقات ورد وفاء منا لتلك الشحنة الانسانية والوطنية والجمالية والتي حملوها لنا في مشاعر طفولية جميلة وبدايات الشعور بنمو موهبة الروي فينا .
وكان الدافع لنا لنكتب ونروي ونذرف الدمع هو أصرارهما على أنهما أصحاب قضية وأنهما ابرياء وليس قتله ...

دوسلدورف 30 سبتمبر 2013





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,472,244,837
- رواية الخبز الحافي وعولمة ابن بطوطة .....!
- الرواية المقرؤة ..تكتبها ( أَما ) أنثى أو قِطة ..........!
- الرواية ( الشعرية ) ..من يكتبها ..؟
- الريادة ((عراقيا)) في الجمع بين شاعرين استثنائيين ((سان جون ...
- الفرق بين روايات ماركيز وسلمان المنكوب
- الرواية والميثولوجيا ودبابة بول بريمر ....!
- المدينة الرياضية وهمُ الخليج وكأسه
- بورخيس ينظر اليها ...وماركيز يسميها أمرأة ( الرواية )*
- الناصرية مفخخات وأوربا وداخل حسن
- خاطرتان عن الرواية
- حرب الجوامع والحسينيات
- يا أولاد الحلال ( محدش شاف مصر ؟)
- الفقراء والسياسة.......!
- جنكيزخان في دبي بحزامهِ الناسف
- البغدادية وحالة الرئيس الطلباني الصحية...!
- يزورهُ القديس كل ليلة
- قل لنار قلبي لاتنطفىء...!
- المنابر لم تُحسمها بعد ...؟
- موسيقى الدمعة في تفجيرات الناصرية
- في مديح الراحل شيركو بيكاس


المزيد.....




- -عندما يغني لوبستر المستنقعات الأحمر- تتصدر نيويورك تايمز
- من هو الشاعر والكاتب الإماراتي حبيب الصايغ؟
- كيف يواجه الآباء استخدام الأطفال المفرط للشاشات؟
- مستشرق روسي يحوز جائزة أدبية صينية
- سيرة شعرية مليونية.. ماذا بقي من تغريبة بني هلال؟
- -دخل للمعسكر وسحبه بعيدا-.. دب يقتل فنان فرنسي
- موسيقى في العالم الافتراضي
- شاب لبناني يضيف ابتكارا جديدا لعالم التصوير السينمائي
- تأسيس أكاديميتين للفنون في السعودية
- هل كان جد بوريس جونسون خائنًا أم بطلاً عثمانيًّا؟


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيم عبد مهلهل - ساكو وفانزيتي ( إشتراكية السينما والرواية )