أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - بلال عوض سلامة - الحركة الطلابية الفلسطينية ما بين الواقع والامكان *















المزيد.....



الحركة الطلابية الفلسطينية ما بين الواقع والامكان *


بلال عوض سلامة
الحوار المتمدن-العدد: 4221 - 2013 / 9 / 20 - 20:08
المحور: الحركة العمالية والنقابية
    




ترتبط الحركة الطلابية بمفهوم نضالي يحمل في ثناياه شحنة من العلامات المؤشرة للتغيير والعطاء والنضال، وكثيراً ما أرتبط اسمها بحركات التغيير الجذرية على كافة الصعد الاجتصاسية (الاجتماعية والاقتصادية والسياسية) في العالم، وتمثل ذلك من خلال قوة وجودها وحضورها في القضايا التي تلامس وتشتبك مع المطالب القاعدية التي تعبر عن مجموع صالح الشعوب التي تطمح للكرامة والعدالة الاجتماعية والاقتصادية، وأبرز دور خاضته هذه الحركة العالمية كان في ثورة الشباب والطلاب بفرنسا في الستينيات من العقد المنصرم، حيث استطاعت ببعدها النقدي والثوري تغيير مسار التحليلات الماركسية المحدثة ليتم اعتبارها كرديف للوعي الطبقي للطبقات المسحوقة والملونين، ليلقى على كاهلها مهمات الاصلاح، بل: المساهمة في بناء المجتمع واعادة هيكلته بما يلتقي ويرتقي إلى مستوى احترام عقل وتفكير ومصلحة أغلبية الشرائح والطبقات التي تسعى لنيل حريتها وحقوقها المسلوبة، وأبرز المنظرين الذي ألهمت كتاباته الحركة الطلابية والمهمشين والملونين في ثورتهم: المفكر هربرت ماركوز (1973: 37) في كتابه الإنسان ذو البعد الواحد، والذي عرى فيها الأنظمة الشمولية و الصناعية من حيث افتقادها للحريات في الإطار الديمقراطي، كما ومارست تلك الأنظمة كافة أشكال الرقابة الجديدة.

وفي سياق محايثة تلك التجربة، على دول الجنوب: وهو ما اختبرته أندونيسيا عام 1998 عند قامت مجموعات من الحركة الطلابية الاصلاحية بالتمرد على الحكم المركزي أبان حكم سوهارتو واسقاطه بعد 32 سنة من التفرد بالحكم، ودخول ممثلين لهم في البرلمان، وفيما بعد، معارضتهم لسياسة الرئيس عبد الرحمن وحيد في 2001 وتشكيكهم في قدرته على قيادة البلد(الراوي، 2001) وفي سياق آخر ما حصل في الانتفاضة الشعبية عام 1999 في ايران والتي ساهم بها كلاً من الحركة الطلابية والشبابية(خريشة، 2000)، وفيما يتعلق بواقع وتاريخ السياق الفلسطيني السياسي وما اختبره من انتفاضات شعبية على مدار قرن من الصراع الفلسطيني الصهيوني، كان أبرزها وأميزها في الانتفاضة الشعبية الأولى 1987، حين أدار المعركة السياسية والاجتماعية الشباب في الأحزاب الفلسطينية وتمفصلاتها من الحركات الطلابية والنقابية والجماهيرية، فلعبوا دوراً ريادياً في النضال، ومؤخراً، في سياقنا العربي؛ ما شوهد من خلال انتفاضات ضد أنظمة شمولية وديكتاتورية في "الربيع العربي" والذي شهد به ميدان التحرير في مصر من حضور قوي للطلاب وجموع الشباب، تلك الأمثلة ما هي إلا دليل ومؤشر مهم على أن الشباب والحركة الطلابية قوة وطاقة كامنة ومؤثرة في سياق المجتمع، باعتبارهم يمثلون الحجم الأكبر من جسم أي أمة.

وبعيداً عن التعريفات التي نستطيع أن نسوقها للحركات الاجتماعية من حيث المفهوم والممارسة والمرجعية الأيدلوجية في تفسيرها وتنصنيفها طبقياً أو أيدلوجياً والمسوغات السياسية لها (العطري، 2011؛ سالم، 1983) إلا أن ما يهمنا هنا هو : مدلولها ودورها السوسيوسياسي، بما تعنيه من حركة احتجاجية جماعية هادفة إلى التغيير واعادة البناء(العطري،2011) على الأقل من الناحية النظرية، أو تحقيق مطلبي في الحرية والكرامة والعدالة كمطلب اجتماعي أو سياسي (حنفي، 2011)، وكون الحركات الطلابية جزء مهم من الحركات الشبابية فقد ترتبط بمشروع سياسي حزبي منظم أو غير منظم، وبما أنهم –أي الشباب- العمود الأفقي طولياً لأي حراك سياسي أو اجتماعي، فكانوا محط اهتمام الأنظمة والأحزاب السياسية؛ من بعد المراقبة والتحكم أو الإستخدام والاستثمار، خصوصاً أذا ما كانت الحركات الشبابية امتداداً لتلك الأحزاب.

فإذا كانت التجربة التاريخية للحركات الشبابية والطلابية في العالم ملتحمة بظروف اجتصاسية معينة، بل بلورتها استندت إلى قضايا انسانية واجتماعية: في الحرية وإعادة الاعتبار للعقل والعدالة المجتمعية والجنوسية ورفض استلاب وعي الفرد من خلال استخدام تكنولوجيات الاعلام واجهزة الدولة الايدلوجية، الذي عمل على تزييف وتزويف الواقع المعاش، فإن خصوصية التجربة السياسية الفلسطينية للحركة الطلابية تختلف بحكم انخراطها في صراع قومي ضد الاحتلال، وبالتالي فإنه من الضرورة أن تترك تلك التجربة بصماتها على دورها وبرامجها، وتتأثر صعوداً أو هبوطاً في دورها حسب المرحلة والسياق السياسي الذي تحيط بها.

يكاد يتفق الجميع؛ على أنه ومنذ بدايات تطبيق اتفاقيات أوسلو واستنساخاتها السياسية والاقتصادية قد تأثر المجتمع الفلسطيني، بحيث تركت أثراً عميقاً على بنيته الاجتماعية والسياسية والثقافية، وكان أبرزها حسب منحنى المقالة الحالية هو تراجع واضح بل غياب للأحزاب السياسية في رسم المشهد السياسي والاجتماعي والقانوني والخدماتي لصالح أجهزة السلطة الفلسطينية المتعددة، وبما أن الحركة الطلابية هي امتداد للفصائل السياسية فقد خبأ دورها وتم تجميدها بين عام 1993 حتى الانتفاضة الثانية والتي عرفت بانتفاضة الأقصى عام 2000- بالرغم من حضورها جزئياً وبشكل بسيط في المشهد السياسي في انتفاضة النفق عامي 1996 وعام 1998 -، إلا أن هذا الغياب كان نتيجة عدم فهم دورها وجدول اعمالها في النضال النقابي والاجتماعي إلى جانب نضالها السياسي، فبدأت وكأنها فقدت فعاليتها ودورها في المجال السياسي لصالح السلطة الفلسطينية، والتي تكفلت بجميع احتياجات ومناشط المجتمع الفلسطيني من حيث القيام بمسؤولياتها، ولكن هذا الاستثناء كان مؤقتاً لدورها.

ففي الأعوام القليلة الماضية، تشهد الساحة عودة للحركات الطلابية إلى المشهد السياسي والنقابي، وبيان حالة من النضوج في النضال الاجتماعي للحركة الطلابية، والتي استطاعت أن تكتشف ذاتها ودورها في مرحلة الكمون والتهميش السياسي بعد اتفاقية أوسلو 1993، فتأتي هذا المقالة بمحاولة استقراء واقع ودور الحركات الطلابية في سياقات سياسية مختلفة قبل وبعد انتفاضة الأقصى وحالة الإنقسام السياسي ما بين حركتي حماس وفتح لتوضيح كيف انعكست العروض السياسية والتغيرات البنيوية عليها، متبنين قراءة تحليلة وتقييمية لواقع ودور الحركة الطلابية وعلاقة الكتل الطلابية ببعضها البعض او بعلاقتها مع الفصائل السياسية والسياق المديني الذي نشأت واحاطت بها، ومن جانب آخر تسعى المقالة إلى تسليط الضوء على تجارب فريدة للحركة الطلابية جديرة بالتعميم أبرزها تجربة الحركة الطلابية في جامعة بيرزيت والتي لها مسوغات سنقوم بتوضيحها لاحقاً.

إن اهتمامنا بالحركة الطلابية باعتبارها حركة شبابية لا يرجع فقط إلى كون طلبة الجامعات والكليات الفلسطينية يمثلون ما قدره 180956 طالباً وطالبة، وأغلبيتهم من طلبة الجامعة حسب احصائيات 2008، ونسبة الشباب الواقعة أعمارهم ما بين الفئة العمرية 15-29 يشكلون ما نسبته 29.1%؛ إي ما يقارب ثلث المجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع(الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني 2010) رغم أهميته ذلك، وإنما يعود إلى أننا نعتبر أن الحركة الطلابية والجامعات هي الفضاء العام الذي يحتضن التعدد والانفتاح وحملة التغيير، فالجامعات هي أكثر المؤسسات التي ما زالت تتصدر النسبة الأكبر في ثقة المجتمع الفلسطيني لدورها الريادي في بناء الدولة العتيدة، وهي من المؤسسات التي لم تتأثر بنيوياً بمشاريع فئوية بشكل نسبي، وإن الحركة الطلابية عبارة عن طاقات شبابية تطمح للتغير وايجاد دور لها في عملية البناء الاجتماعي والنضال السياسي، والتي ترجمة التجربة السياسية عن عدم قدرتها عن الاستغناء عنها، وحاجة المجتمع لها. وعليه كان من المهم فهم دور هذه الشريحة وقراءة خارطة وجودها في المجتمع الفلسطيني والصعوبات التي تحيط بها، ودورها من خلال الجسم الطلابي الذي يعد أكبر حجماً وأكثر تأثيراً على المشهد الفلسطيني، والذي يعد اكثر ارتباطاً مع المتغيرات والظروف التي يشهدها المجتمع الفلسطيني.


الحركة الطلابية الفلسطينية: ظروف النشأة وملامحها
فلسطينياً، يختلف السياق وإن تشابك في جوانب عدة مع الحركات الطلابية عالمياً، لأن الظروف والسياق السياسي الذي أحاط بالمجتمع الفلسطيني يختلف بالجوهر عما اختبرته الحركات الشبابية والطلابية في العالم، وهو: تحديها لأنظمة تسلطية ومركزية، فجوهر تأسيسها تطابق مع المطلب الديمقراطي والاجتماعي، ولأن ظروف النشأة للحركة الطلابية الفلسطينية كانت في بيئة سياسية راضخة تحت حكم الاحتلال الصهيوني، فقد كان للظروف السياسية أثر على استبعاد المطالب الاجتماعية التي لم تكن مطروحة، أو مجرد التفكير بحركة اجتماعية ذات مطالب نقابية وحركة نضالية على الصعيد الاجتماعي، هذه الخلفية ستترك أثراً على خطاب وتأسيس ومن ثم أنشطة الكتل الطلابية في فلسطين، نلاحظ ترسباتها حتى وقتنا الحالي.

لقد أرتبط أول نشاط سياسي في فلسطين بالحركة الطلابية والتي تعد من أول التحركات الشعبية تشكلاً بعد "التطهير العرقي عام 1948" والمتمثل بـ رابطة الطلبة الفلسطينين أو في الاتحاد العام للطلبة الذي تشكل في الخمسينيات، وسرعان ما انتشر في الدول الحاضنة للفلسطينين(محمد، 2000: 42)، ولهذا كان أول شعار حُمل في تلك الفترة "فلسطين اولاً" (غياظة، 2000: 31)، ولا يعني ذلك عدم وجود حركات سياسية أخرى متمثلة بحركة القوميين العرب(محمد،2000)، إلا أن طابع التنظيم والتمأسس عُبر عنه من خلال الحركة الطلابية والتي برزت وتأسست في خضم خطاب ومد قومي أثر على بنيتها وعملها.

يختلف البعض حول تاريخ بداية الحركة الطلابية في الأراضي الفلسطينية المحتلة في (الضفة الغربية وقطاع غزة) بالشكل المنظم والرافد للحركة الوطنية السياسية، إلا أننا نستطيع القول أنها بدأت بالتشكل مع بداية تأسيس الكليات والمعاهد والجامعات الفلسطينية (محمد،2000)، وأول كلية كانت كلية بيرزيت عام 1972، والتي تحولت لاحقاً إلى جامعة تمنح درجة البكالوريوس ومن ثم الماجستير، وبعدها جامعة بيت لحم عام 1973، وبعدها كلية النجاح الوطنية عام 1977 والتي تحولت فيما بعد إلى كلية دبلوم متوسط، وبعدها دشنت غزة والخليل والقدس وجنين جامعاتها ومعاهدها العلمية.

وتعد جامعة بيرزيت أول جامعة في الضفة الغربية تشكل مجلس الطلبة عام 1976(جبر والأعرج، 2000: 60)، وهذا الحديث لا ينفي دور جامعات أخرى في تأسيس وتشكيل كتل طلابية في الجامعات الأخرى، فعلى سبيل المثال، أول من استخدم كتلة "جبهة العمل الطلابي التقدمية وكتلة الوحدة الطلابية" التابعة للجبهة الشعبية والديمقراطية على التوالي، ككتل نقابية تخوض الانتخابات، كان في جامعة بيت لحم عام 1979، اما فيما يتعلق بـ حركة الشبيبة الطلابية (التابعة لحركة فتح) والكتلة الاسلامية(التابعة لحركة حماس) وكتلة الاتحاد(التابعة لحزب الشعب) فكان تأسيسها في جامعة بيرزيت (غياظة،2000: 107)، ولكن بحكم قضايا تنظيمية وإدارية وجغرافية شكل مجلس الطلبة في بيرزيت المنظم الأساسي للحركة الطلابية على صعيد الضفة الغربية، وربطت حينها علاقات متينة ما بين مجلس الطلبة في جامعة بيرزيت و جامعة بيت لحم والنجاح والخليل، وبدأت عملية التشكيل في باقي جامعات ومعاهد ومدارس الضفة الغربية، وصولاً إلى 12/2/1982 والذي تمثل بعقد أول مؤتمر طلابي عام في جامعة بيرزيت(جبر والأعرج،2000) حضره مندوبين من عدة جامعات ومعاهد ومدارس، وتنبع أهمية هذا المؤتمر كما يراه جبر والأعرج (2000) في كونه محاولة تأسيسية للبرنامج العام الذي سيحكم أنشطة الحركة الطلابية، فجاء أحد بنوده مؤكداً على أهمية التوازن بين العمل الوطني والديمقراطي والنقابي، وبذلك يؤسس الاطار النقابي والوطني من جهة، ومن جهة آخرى المهمات والأنشطة الملقاة على عاتق الكتل الطلابية.

ويتفق كلاً من (غياظة،2000؛ جبر والأعرج، 2000) على أن مرحلة السبعينيات إمتازت بالدفاع عن الهوية الثقافية والوطنية في جامعات ومعاهد الوطن، وتم التعبير عن الأنشطة الطلابية بحالة من الحذر الشديد نتيجة الظروف الأمنية الميحطة بها، وما تستدعيه مستلزمات العمل العلني الجماهيري، وبالتالي حالة الاستهداف من قبل قوات الاحتلال الصهيوني، والذي كان يلاحق الطلبة النشيطين سياسياً، وبهذا كان العمل بالبداية مقتصر على الأفراد المنتمين سياسياً أو كانوا محسوبين على فصيل سياسي من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية(غياظة،2000)، فاتسمت أنشطة الحركات الطلابية بأعمال تطوعية تنموية مجتمعية، ونادت بالعدالة الاجتماعية والتقدم وبالمساواة عبر نشرات توعوية وتثقيفية وبيانات سياسية ونقابية، ومن جانب آخر تحقيق المطالب اليومية للطلبة (سالم، 2000)، ومن الجدير التنويه اليه هنا، أن النضال والخطاب الاجتماعي وبالتالي ممارساتها وتعبيراتها لدى الكتل الطلابية كانت وما زالت متباينة بدرجات مختلفة، نتيجة الإلحاق السياسي لتلك الكتل الطلابية مع الفصائل الفلسطينية، وهنا شكلت الايدلوجية والمبادئ الحزبية والحركية لتلك الفصائل مرجعية وموجه تسترشد منها الكتل الطلابية.

وفي مطلع الثمانيات، بدأ تشكيل الأطر الطلابية متمثلة ببرامجها النقابية ووثائقها وهياكلها ولوائحها الداخلية (جبر والأعرج، 2000: 61) وتنظيمها الداخلي، وشروط الانتساب اليها، فنشطت الكتل الطلابية في مجالي العمل النضالي الوطني: من مسيرات ومظاهرات وتعبئة سياسية ووطنية، إلى جانب أنشطة طلابية ونقابية ومهرجانات خطابية وتراثية ومعارض للكتب ومسابقات ثقافية ومجلات طلابية خاصة بالكتل الطلابية، ومع بداية الانتفاضة الأولى عام 1987، زاد نشاط الحركة الطلابية في الجامعات بشكل كبير، وهذا بالضرورة أدى إلى زيادة استهداف الاحتلال لبعض كوادر الجامعات الفاعلين سياسياً، فعلى سبيل المثال لا الحصر، كانت نسبة الطلبة المعتقلين قبل الانتفاضة 20%، ولكنها ارتفعت إلى 70% في ظل الانتفاضة(غياظة، 2000)، هذا إلى جانب ارتفاع عدد المبعدين والذين كان لهم ضلع في العمل الطلابي والسياسي منهم مروان البرغوثي رئيس مجلس جامعة بيرزيت السابق، وحسن عبد الجواد من جامعة بيت لحم.

فتعرضت الجامعات الفلسطينية إلى عدة حملات قمعية من قبل قوات الاحتلال الصهيوني لاحتواء النشاط السياسي والوطني للحركة الطلابية الآخذ بالازدياد، فكان أبرز تلك السياسات اغلاق العديد من الجامعات والمدارس، فتأثرت الحركة الطلابية من حيث افتقادها لأبرز كوادرها، الأمر الذي أدى إلى خلخلة التنظيمات والكتل الطلابية على حد سواء (المالكي، 2000)، وأربكت القاعدة والاطر الجماهيرية لتك الكتل في تلك الفترة.

وباعتبار أن الوظيفة الأساسية الأولى التي أوكلت لقيادات الحركة الطلابية في ذلك الوقت، كانت تسند بالأساس على العمل السياسي والوطني(غياظة، 2000)، رغم استمرار المعارك النقابية بشكل ثانوي في مجال الاقساط ومساعدة الطلبة المحتاجين وتشكيل النقابات ولجان عمل المرأة ولجان العمل التطوعي، وفي خضم التنافسات بين الكتل والفصائل الفلسطينية تم التركيز على الأعمال التطوعية والعملية مع تهميش لصقل العضوية الحزبية ببرنامج الفصيل السياسي الذي تنتمي له الكتل الطلابية، وهذا أدى إلى طغيان العمل الميداني على حساب العمل التعبوي طويل الأمد(المالكي، 2000).

والوظيفة الثانية التي أُوكلت إلى الحركات الطلابية في الجامعات هي رفد المحيط من المخيمات والقرى بكوادر مؤهلة سياسياً وثقافياً، للعمل في مجال العمل الفصائلي التنظيمي في المناطق الجغرافية البعيدة خصوصاً القرى، وخرجت كوادر سياسية واجتماعية ووطنية فاعلة في الحركة الوطنية، منهم محمود فنون، كامل حميد، جبرائيل الشوملي، عيسى قراقع وربيحة ذياب وآخرين.

وبالرغم من البعد الإيجابي لخلق قيادات جديدة وشابة من أصول ريفية ومن المخيمات، الأمر الذي ساعد على تجديد الدم لدى قيادات المجتمعات المحلية سمة ايجابية، وهذا ما كشفت عنه دراسة غياظة (2000: 97-100) والتي اوضحت عن أصول أغلبية رؤساء مجالس اتحادات الطلبة من 1981 إلى 1994- وربما حتى وقتنا الحالي- هم من أصول ريفية ومن المخيمات، ودوره في افساح المجال لتلك الشرائح أن تكون جزء من المشاركة وصنع القرار، إلا أنني اميل إلى بعد خفي ساهم في استبعاد أو ظهور على حياء شعارات وأنشطة تمس النضال الاجتماعي، اخضعت فيه القرارات المراتبية التي تحكم العقلية الريفية لتلك الكوادر والحس الشعبي التقليدي المحيط بها، ولهذا من الندر أن نجد رئيس قائمة لكتلة طلابية من النساء على سبيل المثال.

وانتقالاً إلى مرحلة ما بعد توقيع اتفاقية اوسلو 1993، وما حملته تلك الفترة من ارهاصات انعسكت على كافة انشطة المجتمع الفلسطيني، فامتازت بحالة الركود والتراجع في مجال العمل الوطني والحزبي والنقابي والطلابي، حيث يوسمها غياظة (2000) بمرحلة الحفاظ على الذات في واقع الحركات الطلابية، من حيث تغير معطيات ومميزات وانشطة الحركات الطلابية، ليصبح مستلزمات الانشطة النقابية وحالة الاستقطاب للحركة الطلابية: الموقف من أوسلو، ما بين مؤيد ومعارض ليهمين على المشهد الطلابي والمتثمل بالبرامج والمناظرات الانتخابية والبيانات للكتل الطلابية، فقلت الأعمال التطوعية وضعفت الانشطة التي تستهدف حريات التعبير حتى عام 2000، سرعة هذه المتغيرات أربكت الشارع السياسي، وتحصيل حاصل الحركة الطلابية عن ايجاد دور لها، فعجزت الكتل الطلابية عن التعامل مع المهمات الوطنية من جانب، والقضايا المرتبطة باحيتاجات ومتطلبات الدور المفترض نقابياً لها من جانب آخر، وبشكل متوازن (المالكي، 2000) أما سالم (2000: 27) فيذهب إلى تشخيص العمل الطلابي في مرحلة ما بعد أوسلو بحالة كانت قائمة على أساس الانحياز الكامل لاشباع احتياجات الطلاب اليومية، وكان ذلك بالضرورة على حساب المشاركة في النضال الاجتماعي والوطني، خصوصاً وجود حالة من الفراغ السياسي لفصائل العمل الوطني وضمور حضورها في المشهد السياسي والاجتماعي، واقتصاره على التنديدات والبيانات التي تفتقد إلى آلية فاعلة أو بديل لانقاذ التدهور الاقتصادي والسياسي الذي شهده المجتمع الفلسطيني، فكان هم الطالب الأساسي هو "الرسوم والاقساط الجامعية" الآخذة بالارتفاع، ومصاريف الدراسة من التصاوير والكتب والقرطاسية ذات الكلفة العالية مع تردي واضح وملموس للحالة الاقتصادية.

وفي نفس السياق، شهدت الجامعات الفلسطينية بروز وتنامي بتوالية هندسية للحركة الاسلامية في الشارع الفلسطيني، مع هيمنة واضحة للخطاب التقليدي للفصائل السياسية وبالتالي الكتل الطلابية (المالكي، 2000)، حيث عجزت الكتل الطلابية الوطنية عن منافسة الكتل الطلابية التابعة لحركة حماس، واستطاعت في فترات وجيزة الأخيرة أن تصبح لوحدها المنافسة الأولى التي تحسم رئاسة المجالس الطلابية كما حدث في عدة جامعات، منها جامعة النجاح وبيرزيت والخليل في انتخابات 1998، وعدم قدرتها على الحسم في جامعة بيت لحم لوحدها، فلم يشفع موقفها المعارض من اتفاقية اوسلو بالتحالف مع "كتلة وطن اليسارية" التي ترفض التحالف معها لتعارض برنامجها الاجتماعي والديمقراطي مع الكتل الطلابية ذات التوجه الاسلامي السياسي، الذي يتسم حسب وجهة نظرها بالمحافظة والتقليدية في المجال الاجتماعي والثقافي.

بعد تشخيص مكثف لسياق النشأة، واستعراض وتحليل تاريخي للحركة الطلابية، ننتقل الآن إلى معالجة موضوع المقالة الحالية في محاولة لاستقصاء وفهم أكثر لواقع الحركة الطلابية في فلسطين، وحتى يتسنى لنا ذلك لا بد من فهم البيئة والثقافية والسياسية التي تحيط بها، باعتبارها جسد سياسي قابل للأدلجة إن لم نقل انبثاقاً عنه، وعليه سنقوم بتقسيم ما يأتي إلى أربعة محاور:


المدخل الأول: في سبيل الفهم، الجامعات منبع الطبقة الوسطى!
يعد الدور الوظيفي للمدن من الناحية السوسيولوجية: هو احتضان الخيارات المتعددة التي تقدمها لسكانها ليضعها في مصاف متقدم عن الريف من حيث مركزة الخدمات والمؤسسات التي تلعب دوراً مهماً في تنظيم واعادة توزيع الخدمات للفلسطينين، من بين أهم تلك المؤسسات، الجامعات الفلسطينية، فمنذ بداية تأسيسها فترة السبعينيات، والتي كانت استجابة لاحتياجات المجتمع الفلسطيني المحلي، تلعبت الجامعات دوراً في خدمة وتأهيل كادر مهني قادر على اتخاذ قرارات عقلانية، محصن بمهارات علمية في انخراطه في تنمية قطاعات التعليم والصحة والفكر والاقتصاد، فاستجابت الجامعات، باعتبارها معطى ثقافي واجتماعي؛ فإنها قابلة للأدلجة وللتأثر بحالة الحراك الفكري والثقافي والسياسي في بيئتها "السياقتصادية" والتي كان أبرز تمثلاتها بالخطاب القومي والمد القومي، وبصورة دراميكيتيكة تحولت الجامعات إلى جهاز ايدلوجي تقدمي يقوم بتفريخ قيادات تقدمية وطليعية تساعد على نشر قيم وثقافة وأسلوب حياة المدن والتفكير الذي يرتقي إلى حد التماهي معها في مسلكيات الأفراد الذين ينتمون اليها.

ولهذا شكل مركز المدينة مناراً تقدمياً لمحيطه القروي والريفي، وعملت الجامعات على رفد تلك المناطق بكوادر منفتحة وقابلة للتعددية ومتفقة على وجود الآخر المختلف، الذي تشابك أحياناً مع بعضه، واتفق احيانا كثيرة مع بعضهم البعض، وهذه الصفة التقدمية ليست منزلة، بقدر ما هي ملتصقة مع بنية ووظيفة الطبقة الوسطى القائمة على أرضية الإعتراف بالآخر وعدم نفيه حتى في أكثر الحالات تطرفاً.

ومع تزامن نشوء ونشاط الحركة الوطنية الفلسطينية بأذرعها الطلابية والنقابية في فترة الثمانينيات حتى التسعينيات، تحولت الجامعات إلى مولدات ومصانع ومختبرات عملية ميدانية لصنع قيادات العمل الثوري والوطني، الذين ساهموا بصورة رئيسية فيها، ولعبوا دوراً طليعياً في متابعة وقيادة كافة انشطة وبرامج فصائل العمل الوطني الفسطيني(سلامة، 2013)، نقابياً وجماهيرياً وتنظيمياً، وتشابكت المصالح الوطنية معاً، فكانت القيادة الوطنية الموحدة (ق.و.م)عنواناً جامعاً لتلك الفصائل والكتل، ولكن كان اغتيالها اسرع من نشوئها، لأسباب كثيرة بحاجة لبحث كامل في معالجتها، فشكل التحالف العضوي ما بين الفصائل الفلسطينية والحركة الطلابية جبهة عريضة متقدمة في تصديها لسياسات الاحتلال المتعددة.
شهد الفضاء الايدلوجي الفلسطيني العام حالة من الاستقطاب والصراع ما بين فصائل العمل الوطني، بداياته كانت ما بين الفصائل اليسارية وحركة فتح، ولكنها تحولت سريعاً بفعل انتكاسات في المشروع الوطني وتراجع الحركات اليسارية عموماً وفلسطينياً على وجه الخصوص، ليتحول الصراع ما بين الحركات الاسلامية وحركة فتح في بداية التسعينيات، إلى ما بينها وبين سلطة الحكم الذاتي بعد اتفاقية أوسلو، ليتحول الدين الشعبي إلى أدوات ايدولوجية رئيسية في حقل السياسة، استخدم وظيفياً لشرعنة الموقع والمكانة والفصيل، فاستخدمت الحركات الوطنية والاسلامية الشعارات الدينية في بياناتها وخطاباتها وسلوكها، وشكلت الاخيرة-الاسلامية- مرجعية قيمية واخلاقية باعتبارها تعاملت مع نفسها كممثلة للدين، في خضم هذا السياق، كان الهم الأكبر لحركة فتح الاستحواذ على السلطة ومقدراتها وامتيازاتها، في حين انشغلت القيادات اليسارية في رمرمة أوضاعها وتساوقها مع بعض الدعوات والخطابات الدينية والدعوة للتشبث بالفلكلور والتقليد التي آثرت التمسك بالتقليد والمحافظة عليه، وبالرغم من ان تلك الدعوات كانت صحية خصوصاً في مواجهة احتلال يحمل في داخله خصائص اقتلاعية تهدد الوجود والهوية الفلسطينية، إلا ان تلك الدعوات قد ضللت وفهمت على انها دعوات للتمسك بالماضي.

وبما أن الجامعات الفلسطينية معياراً ومقياساً للحالة الثقافية والايدلوجية المهيمنة على محيطها، فقد تأثرت بنشوء وتراجع في الخطاب الطليعي والتقدمي في محيطها الريفي والقروي وحتى المديني، فنكصت اجتماعياً مع هيمنة الخطاب الديني والتقليدي متلافية بذلك المواجهة للتغيرات التي عصفت بالقيم والثقافة في المجتمع الفلسطيني، فبدأت بأخذ الحذر في تطبيق مناهجها وبرامجها وحتى في بعض مساقاتها أن تقدم رؤية لا تنسجم مع الطابع العام المحافظ الذي أخذ منحنى تصاعدي متمثلاً بصعود التيار الاسلامي ممثلاً بحركة حماس، كانت النتيجة هو تحولها من دورها الطليعي إلى التقليدي من خلال تفريخ قيادات وطبقات وسطى تقليدية ومحافظة في الخطاب والممارسة، أثر وما زال على الثقافة المهيمنة في المجتمع الفلسطيني، لتنطبق عليه مقولة هيمنة ثقافة الريف على حياة المدينة، بمرجعياتها واسلوب حياتها، فنشأت حداثات مغتربة ومشوهة في مواقع، واخرى رِدة في مواقع اخرى.



المدخل الثاني: إقصاء الاجتماعي وتسلط السياسي.. فغيابه
من الملفت للانتباه، لمن عايش الثورة الفلسطينية بمحطاتها المختلفة، هيمنة وسطوة الخطاب السياسي التحرري على المطالب المجتمعية والاجتماعية والنقابية، وإن وجد بمساحات ضيقة لدى الاحزاب اليسارية، إلا أن الحالة العامة بفلسطين عبرت عن هيمنة مشروع التحرر ومقارعة الاحتلال والمقاومة والنضال، كان الهدف الأساسي هو تحرير الأرض، وليس الإنسان، وبما أن الانفعال هو تأثر بالمكان وبثقافة الانسان، انخرطت الحركات الطلابية في عملية التحرر بنسائها وشبابها في اعطاء الأولوية والأهمية للتخلص من المشروع الاستعماري، وبهذا تم محاصرة واقصاء الاجتماعي بمظاهره وتجلياته المتعلقة بـ: محاصرة المرأة ومحدودية دورها وتمثيلها (كتاب، 2000)، حقوق العمال، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، باعتبار ان الصراع هو قومي بامتياز، وبهذا تم استعداء واستبعاد كل ما هو اجتماعي أو طبقي أو اقتصادي في السياق التحرري، او لنقل احالة كل الشعارات والخطابات المتعلقة به إلى ما بعد مرحلة الاحتلال التي لم تأتي بعد.

بعض الفصائل اليسارية، بحكم تركيبتها الايدلوجية والتنظيمية تبنت بعض من الخطابات المنفتحة والاجتماعية بخصوص مكانة ودور المراة، والعدالة الاجتماعية، وحرية الفكر والتفكير، وحقوق العمال والشرائح الفلاحية، وقامت بخلق مؤسساتها الشعبية والوطنية كحاضنة فكرية للسلوك الجماهيري وحالة الاستقطاب العام، وكان من متطلبات العضوية في تلك الأحزاب الاطلاع على الأدب الماركسي والتجارب الثورية المعاصرة في صقل هوية حزبية ايدلوجية لأعضائها، واهتمت حركة فتح وامتداداتها بالعمل الشعبي والتنظيمي الذي لا يفتح جبهات تتناقض مع الثقافة الجماهيرية المعبرة عن هوية تقليدية ومحافظه، في حين تقوقعت الحركات الاسلامية على ايدلوجتها الدينية وفهمت المجتمع واحتياجاته انطلاقاً من مبادئ عقائدية.

ما ينسجم مع روح المقالة هو دور الاحزاب اليسارية ومكانتها في القاعدة الشعبية، باعتبارها، من أبرز الأحزاب التي ناضلت في سبيل تحقيق العدالة والمساواة والديمقراطية، ودفعت باتجاه انخراط المرأة في كافة انشطتها وهرميتها التنظيمية وقد استطاعت لحد ما استعادة بعض الشعارات الاجتماعية بنسب متفاوتة حسب المحيط الجغرافي والثقافي الذي نشأت فيه(الخليل، بيت لحم، القدس، رام الله، نابلس..الخ) فلا نستغرب ان بعض هويات الأحزاب السياسية وبالتالي انشطتها صغيت بما يتلاءم مع الثقافة الموقعية والحس العام ونمط وعادات المنطقة التي تنشط بها، وبالرغم من ذلك، ونتيجة تبنيها لشعارات تقدمية تتناقض بالعمق مع الثقافة التقليدية، تم اتهامها من قبل التيارات الوطنية والاسلامية والمجتمع بشكل عام بالغربنة والتخارج عن قيمها العربية، لقيم ليست مرتبطة بالثقافة العربية، ويتفق مع هذا الطرح هلال (2009) حيث رأى ان تقويض اليسار لشعاراته التي تصب في النضال الاجتماعي كان بحكم احتكامه للسياق والثقافة الفلسطينية، وبالتالي لم يعمل جاهداً على توسيع قاعدة اجتماعية بمضمون وخطاب يلامس القضايا الاجتماعية، وما يدعم الفكرة السابقة، حالة العجز في تأليف تحالفات ما بين الفصائل اليسارية على أرضية النضال الاجتماعي بالرغم من تقاطعاتها في كثير من القضايا المرتبطة بالتنمية، والديمقراطية، ودور المرأة، وبدلاً من ذلك تشكل التحالفات ما بين اليسار أو فصائل أخرى على أرضية الصراع والتصدي لسياسات الاحتلال.

ما يهمنا هنا، هو انحسار دور الحركات الطلابية وايضاً النسوية والعمالية في الأبعاد والأنشطة السياسية، نتيجة لإرتباطها البنيوي والفكري والتنظيمي بالفصائل السياسية الفاعلة في الساحة الفلسطينية، فتميزت الفصائل السياسية لا بمواقفها تجاه المطالب الاجتماعية بقدر ما أثر اتساقها او تنافرها مع بعضها البعض على أرضية الرؤية السياسية المحضة والتي تم من خلال ذلك اغتيال مع سبق الاصرار لأي برامج اجتماعية ومواقف طبقية داخلية تخص تركيبة المجتمع الفلسطيني، وابرز حالات الانقسام التي شهدتها الساحة الفلسطينية بعد توقيع اتفاقية الحكم الذاتي ما بين الكيان الصهيوني ومنظمة التحرير الفلسطيني عام 1993، فأصبحت الحركات الطلابية كما هو الحال في الساحة الفلسطينية منقسمة على ذاتها ما بين مؤيد للتسوية ومعارض لها، وبدأت حالة الاستقطاب والمناظرات والأنشطة الطلابية والبرامج للكتل الطلابية تستند على هذه الأرضية(سلامة، 2013)، فارتباط الحركات بفصائلها وبالرؤية السياسية الضيقة ساهم في تذويب المطالب النقابية والاجتماعية وهيمنة ساحقة لبناء النظام السياسي بتفرد حركة فتح على جميع مكونات وأبنية وأجهزة الدولة العتيدة، وتنافرت الكتل الطلابية بل وذهبت حد للتناحر كلما ابتعدت عن الهموم النقابية والمطالب الاجتماعية لدرجة عدم وجودها في البرامج الانتخابية حتى من باب المزايدات، وتم اختزال الوطن والانسان بحزب الدولة الواحد، والذي ضمنياً يعني نفي المختلف وقتل روح النقد وحرية التعددية، ومن باب تحول حركة فتح إلى المتحكم الأساسي بالخدمات من حيث اقرارها وتقديمها، فكلما استمالت أكبر قدر ممكن من طالبي الخدمات، من بينها؛ وظائف التشغيل والشؤون الاجتماعية والأسرى والشهداء، والتعليم ..الخ، لدرجة احكامها تماماً بمفاتيح فرص الإستمرارية في الوطن للمواطن الفلسطيني، كل ذلك أسس ثقافة الإنسان الفلسطيني ذو البعد الواحد الطامح لسد احتياجته حسب الفكرة الماركوزية(ماركوز، 1973)، لم تجد حركة الشبيبة الطلابية نفسها إلا مدافعاً عن حركة فتح، وإن وجد من اختلف من بعض قيادات الحركة الطلابية بشكل جزئي معها، إلا أنه في الأخير السلطة الفلسطينية هي مشروع لحركة فتح منذ بداياتها، وبحكم إرتباط حركة الشبيبة بحركة فتح وجدت نفسها تدافع عن أخطاء السلطة التي تقترفها، بحكم حالة الالحاق، ولم تسمع الأصوات الحريصة داخل فتح أو حركة الشبيبة للتمييز بينها وبين السلطة أو حركة فتح.

فيعد جبر والأعرج (2000) أن ملامح المرحلة ما بعد أوسلو 1993 تمثل بضمور في دور الحركة الطلابية، وضعف النضال المطلبي والنضال الديمقراطي، وكذلك تراجع مستوى التنظيمي للكتل الطلابية، ونضيف هيمنة حركة فتح على مجالس اتحادات الطلبة باعتبار امكانية استخدام مقدرات حركة فتح كحزب حاكم وتفريغ عدد من قيادات حركة الشبيبة في صفوف أجهزة السلطة الاجتماعية والأمنية والسياسية(غياظة،2000)، وبالتالي أثر على تراجع تمثيل الكتل الطلابية. والتي بقيت فاعلة بصورة جزئية على صعيد صراعها الرئيسي مع إدارات الجامعات فيما يتعلق بالاقساط(محمد، 2000)، حيث عاد الاحتجاج النقابي المتعلق بالدفاع عن حقوق الطالب الفقير في تكافؤ فرصته وحقه في التعليم، وصندوق الطالب المحتاج ورفض سياسة رفع الاقساط في عام 2000، حيث شهدت جامعة بيت لحم حركة احتجاجية عريضة، طالبت فيها الكتل الطلابية السلطة بالقيام بواجبها المتمثل بدفع مستحقات الجامعات المالية، ورفض سياسية رفع الاقساط التي اخذت الجامعات الفلسطينية بإنتهاجها بعد منتصف التسعينيات حتى اللحظة.

إذاً بداية التأسيس لحالة الشقاق والاستقطاب الحاد في الشارع الفلسطيني و للفصائل وتحصيل حاصل بين الكتل الطلابية كان الموقف بين مؤيد ومعارض لاتفاقية أوسلو، إستمرت هذه الحالة حتى باتت الفصائل والكتل الطلابية المعارضة تتضاءل من حيث الوجود والتأثير على الساحة الفلسطينية، لافتقادها القدرة على تقديم الخدمات المتنوعة التي كانت تشهدها تجربة الانتفاضة الشعبية الأولى 1987، فتعدد مقدمي الخدمات يقضي على فكرة الولاءات المتطرفة والحادة والتي ستتحول بحكم عصبيتها إلي قبيلة كبيرة وإن كان على شكل دويلة بالمفهوم الخدلوني.

في خضم المتغيرات السياسية وانهيار المنظومة القيمية والتضامنية والعوامل الموضوعية سابقة الذكر، تراجع دور الكتل الطلابية خصوصاً اليسارية، وبما أن الطبيعة لا تستوعب الفراغ، شكلت أرضية خصبة لبروز دور للحركات الاسلامية بوضوح بعد التسعينيات، وبالتحديد حركة المقاومة الاسلامية حماس، وتبني بعض الطلاب أفكار "دينية وأصولية وهو ما يسمح لهم بملئ الفراغ الايدلوجي" (المالكي، 2000: 15) الذي سببته اتفاقية أوسلو، وتراجع ملحوظ على صعيد الفكر القومي والوطني، كل ما سبق، سرع من بداية حالة جديدة من الاستقطاب الحاد بين حركتي فتح وحماس وأذرعها النقابية والطلابية، واستطاعت الأخيرة بحكم إرتباطها مع الأخوان المسلمين أن توفر رصيد اجتماعي بفترات وجيزة، وأن تكون المنافس الرئيس مع حركة فتح، حيث التصقت بالمعنى الخدماتي والريعي مع الشرائح المجتمعية من خلال تقديمها لخدمات من خارج السلطة الفلسطينية في المجالات التعليمية والصحية والسكنية وحتى التجارية، وتفردها في العنف الثوري لوحدها في الساحة الفلسطينية في منتصف التسعينيات، ورغم المضايقات والملاحقات التي تعرضت لها الحركة، إلا انها استطاعت الصمود بحكم اتساع قاعدتها الجماهيرية، إذاً السياسة والمقاومة كانت المعيار في تحديد هوية الحركتين، وايضاً أذرعتهما الطلابية، وبعد إنتخابات المجلس التشريعي عام 2006، انقسم المجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع على وجه التحديد بين تيارين كبيرين لا يستوعب ثالث لهما، وسنعود لمعالجة ذلك في المدخل التالي.

ما يهمنا في المدخل الثاني، وهو ما يعد خاتمة له، أن اتفاقية أوسلو لم تشكل منعطف سياسي وطني بحت كما يروق للبعض توصيفه، إنما شكلت معضلة قيمية واخلاقية ومنعطفاً جديداً سيؤسس لاحقاً ثقافة وقيم انتهازية فردية رأسمالية مفرطة حتى لو لم تستجب البنية الإقتصادية الفلسطينية للمتطلب القيمي ذلك، وانتقل الشعب الفلسطيني إلى حالة وعي وإيمان مطلق لما يسميه علماء النفس الاجتماعيون "الراكب بالمجان" بمعنى تحييد وتحويل كافة الشرائح والحركات الوطنية والطلابية والتنظيمية إلى مجرد راكب، له محطته الخاصة، فإذا قرر السائق أن ياخذ الركاب بالمجان على رحلة تابعوا معه، ولكن في حال أصاب الباص عطب ما نزل الركاب منه، فالذي نعنيه هنا مجازياً أن ثقافة المجتمع الفلسطيني السياسي وكذلك الحركات الطلابية غابت وتغير دورها من فاعل وطني، أو في اكثر المناسبات حظاً نائباً للفاعل المبني على السلطة، وتحول دورها في الصرف والإعراب إلى مفعول به في النص الجديد، قابل للإدارة والتحكم وفق ما يريده ويرغبه السائق، فأصاب العطب مرة أخرى وتأثرت أكثر الحركات الطليعية في المجتمعات وهن الكتل الطلابية من سياسة "المريدون والشيخ ". ودفعوا ثمناً باهظاً كثمن لالحاقهم قسراً للمواقف التنظيمية لأحزابهم، فغاب الاجتماعي ونفي السياسي.


المدخل الثالث: سلطة تكلس الذهب
مفهوم السلطة هنا، لا يعني "السلطة الوطنية"- وان سحب بعض التحليل عليها- وإنما يتم استخدامه من الناحية المفاهيمية والوظيفية في المجال السوسيولوجي، والذي يعبر عن هيمنة وتسلط وتوحد مرضي في الرؤية، وبالتالي أصاب العطب الثقافي بنية المجتمع وفصائل العمل الوطني بعد اتفاقية أوسلو، وتحولها لـ "ثقافة زبائنية" تستفيد و تتضرر بقربها أو بابتعادها عن السلطة أو رموزها، و قد ساهم في سقوط وتحييد كافة الشرائح والطاقات الشبابية وتراجعها، وخلق حالة من اللامبالاة في القضايا المصيرية والوطنية، باعتبارها-الطاقات الشبابية- ذهباً بالقيمة وبالعطاء ليس على أرضية البيع والشراء بقدر ما نعنيه بأرضية قابلة للاستثمار في المستقبل في سبيل مجتمع متعدد ومدني في طباعه وطبعه.

إن التفرد السياسي والاقتصادي الذي مورس ما بين 1993-2003 خلق حالة من الوهن أصاب بنية المجتمع الفلسطيني وحييد أكثر الشرائح والطاقات عطاءً عن القيام بدورها، ساهمت أكثرية الطبقات الوسطى من أصول الحركة الطلابية في تردي ذلك لتبنيها خطاب يتساوق مع المرحلة التي تتطلب المحسوبية والعشائرية والتقليدية(هلال، 2006) لتعزيز دورها ومكانتها في الوظائف التي تقوم على أساس تقديم الخدمات، فتحول العمل الوطني إلى بيروقراطي، والبيروقراطي تحول إلى شيخ عشيرة.

إن عدم تجديد الدماء من الأجيال الشابة في كافة فصائل العمل الوطني من أكثرها يسارية إلى أقصاها يمينية ساهم في تأصيل وظيفة المخترة الجديدة-القديمة للقيادات، فحددت مكانات الأعضاء في العشيرة الحزبية، بمدى ولائها وقربها من مخاتير الفصائل السياسية، وتم استثمار حالات الحراك الشبابية في إطار خدمة مختار العشيرة، فالأمر لم يكن مرهونا على الادارة الاجتصاسية السيئة للسلطة الفلسطينية فقط، وإنما تغذت من حوامل اجتماعية وتنظيمية من مخاتير الأحزاب السياسية التي من المفروض أن تكون معارضة، خصوصاً إذا تم استثناؤها من تشكيلة ما؟، فتواطأت بعض القيادات في "لعبة الكعكة" ورضيت بحصتها وربحها على حساب وطاقات الشباب الذين فرغوا سياسياً، فلم يعد من المهم لأبناء حركة الشبيبة وجبهة العمل أو القطب الديمقراطي او اليساري او التيار الاسلامي ان تقوم على توعية ابنائها سياسياً أو تنظيمياً واجتماعياً وأيدلوجياً، ومورست عملية تضليل عليهم، والاكتفاء بأحداث تاريخية، فأصبحت "غلابة" كلمة توصف التاريخ الماضي وتشرعن نفي الآخر المختلف حالياً بدون مبنى أو محتوى نقابي أو ايدلوجي في الإختلاف.

حالة التحييد الشعبي والطلابي حالة مأساوية ومرعبة خصوصاً في مرحلة التحرر ومن ثم البناء، وضحت صورتها في بدايات الإنتفاضة الثانية 2000، حينما تعثرت بما تسمى بـ "المفاوضات" وبدأت حالة الشد والحدية في الخطاب ومؤشرات اندلاع انتفاضة ثانية، كانت الجماهير والحركات الطلابية مخدرة كل التخدير، وغير متمرسة على التعبير عن ذاتها، مثلما يصاب الحجر بالتكلس نتيجة ارتطام الماء به وهو ساكن بلا حراك، فمضت أكثر من ثلاثة أشهر وجميع شرائح المجتمع وفي مقدمتها الحركة الطلابية عاجزة عن فهم دورها حتى في السياسة، من حيث الممارسة التي غابت عنها، ولم تجد الأحداث والتغيرات إلا باب التصعيد العسكري والعمل المسلح غير المنظم يسيطر على ساحة العمل الثوري، فبعد ان جاءت فرصة ممتازة للحركة الطلابية لتجديد ذاتها واخذ دورها الطليعي، سرعان ما تم احتواء واخترال الجماهير وحركاتها الطلابية في تشييع الجماهير للشهداء، ورغم أنه دور بطولي وإنساني، إلا أن الطاقات الشبابية لا بد وأن تعبر عن ذاتها لتشعر بوجودها في أنشطة الفعل الوطني، فأُحبطت مرة أخرى.

ومن باب الإنصاف، نشير أن الانتفاضة الثانية 2000 فرضت على الفصائل الوطنية الحضور وتجديد ذاتها -وإن لم يكن بالمستوى المطلوب-، فملأت المظاهرات شعارات ورموز لفصائل العمل الوطني عبر عن تعددية وحضور جميع ألوان الطيف الفلسطيني، فشكل وجودها وحضورها في كافة أشكال وأنواع العمل الوطني، مما حفز الجماهير على إستعادة عافيتها النضالية وثقافة المقاومة التي تستدعى مشاركة الجميع، ولكن سرعان ما بدأ هذا التوجه بالتقلص لصالح التصعيد العسكري الصهويني وبالمقابل الفلسطيني، وتزامنه مع غياب الرؤية السياسية الفلسطينية للصراع الفلسطيني الصهيويني، ومع حالة من الفلتان وعدم قدرة التحكم بالمسار السياسي من قبل القيادة الرسمية، ومن أجل إحتواء النضال الجماهيري والعسكري، واختراقه بكونه متعدد وغير منتظم، برزت دعوات بأهمية العودة إلى المفاوضات في بداية 2004، وانتهاج المقاومة السلبية والمفاوضات كخيار رئيسي لا ثاني له، فبدأت المرحلة الثانية من عملية التخدير باعتبار أن سائق الباص هو الذي يحدد متى يقف ومتى يستمر، باعتبارنا مجموعة من "الراكبين بالمجان!" وحتى يستعيد سائق الباص طريقه، عليه أن يوقف الانتفاضة، وللأسف بدون استثمار أو وصوله إلى محطة خطط لها مسبقاً، وبدأت الدعوات للمقاومة السلمية الافتراضية بالتصاعد لدرجة أصبحت مكون رئيسي من خطابات وتصريحات السياسيين في القيادة الرسمية وانسابت بسرعة إلى صفوفها القيادية الثاني والثالث لحركة فتح وفصائل أخرى - ومؤخراً حركة حماس-، باعتبار انهم لا يستطيعوا الحفاظ على وجودهم في خضم معركة عسكرية، فكانت الدعوة للمقاومة السلبية في مقارعة الاحتلال الصهيوني هي الكفيلة بالحفاظ على السائق وعلى وظيفته، لأن العنف الثوري لا يفرز إلا سائق متهور أو قائد محنك وجريء يهدد وجود الطاقم السياسي الذي رأى في المفاوضات الحل اليتيم.

إن عدم الوضوح في الرؤية وتكرارها من قبل صناع القرار السياسي، يُفقد البوصلة خياراتها، ويؤسس حالة من عدم الثقة بالقيادة ورموزها من قبل القاعدة الشعبية، انعكاساته ستكون أكثر واخطر على الشباب والحركة الطلابية، حيث استطاعت حركة فتح متمثلة بالسلطة في الضفة-وبنفس السياق حركة حماس في غزة- أن تحكم قبضتها على شرايين الوجود الفلسطيني، وأن تُصدَر موقفها السياسي لقاعدتها وجماهيريها، ومن بينها حركة الشبيبة الأطار الطلابي لحركة فتح، مما دفع حركة الشبيبة إلى الدفاع عن أخطاء السياسيين في السلطة، بل التماهي مع مواقفهم، وذلك في غياب رؤية لدور الحركة الطلابية سياسياً ونقابياً ووطنياً، في مقابل حركة الشبيبة الطلابية؛ الكتل الطلابية اليسارية والاسلامية: تتهجم وتتهم حركة الشبيبة في دفاعها عن أخطاء وسياسة ومواقف السلطة، فلم تستطع تلك الكتل مع فصائلها المعارضة لحركة فتح أن تخلق جبهة شعبية مناوئة من جهة، وبديل سياسي أو ديمقراطي يقوم على انتشال المجتمع الفلسطيني من مشاكل الاجتصاسية، خصوصاً الفصائل اليسارية، كل ما سبق، ساهم في خلق ثقافة النفي في الانتفاضة الثانية - وهي بعكس الانتفاضة الأولى التي كانت تمتاز بتعدديها- التي ستحيل المجتمع الفلسطيني بفصائله الوطنية والاسلامية إلى بيئة غير صحية، وستدفع الجماهير إلى العزوف عن النضال الوطني أو الثقة بأي هيئة رسمية بغض النظر عن الفصيل السياسي.

إذا، من إحباط إلى انقسام في الرؤية والحلول السياسية والاجتماعية، إلى التمترس حول الذات والإدعاء بتمثيل الشارع الفلسطيني (خصوصاً من قبل حركتي حماس وفتح) أسس التربة الخصبة لحالة الإنقسام السياسي ومن ثم الجغرافي بعد انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، حيث أضحت حالة الخلاف واضحة ما بين مشروعين: الأول، لحركة حماس المقاوم والاسلامي والثاني، لحركة فتح التفاوضي العلماني نسبياً، في فهمهم وإدارتهم للصراع من جهة والوقوف على مسؤلياتهم تجاه متطلبات الفلسطيني من جهة أخرى، إن الجامع بينهم كان ثقافة نفي للآخر المختلف وعدم قبوله كشريك في اتخاذ القرار، فأسس "للإنقلاب" على الذات الفلسطينية عام 2007، واستخدامنا هنا للمفهوم بمعنى انقلابنا على ذاتنا وضدها، وليس انصافاً او إدانة لحركة حماس أو فتح فالحركتين تتحملان مسؤلية ما حصل، فتفردت حركة حماس بإحكام قبضتها الأمنية وحكمها لقطاع غزة، وبالمقابل استفردت حركة فتح بقراراتها في الضفة الغربية، وفي ضوء الصراع الأمني بينهما تم ملاحقة العناصر المؤيدة والمؤازة التي تدعم الفصيلين في الضفة والقطاع، ليتم رفض الاختلاف أو النقد من أي طرف حتى لو كان محسوب على فصائل أخرى لم تكن جهة في الصراع الداخلي بينهما، فكمت الأفواه ولوحقت الأقلام وتمت عملية ركلجة للعقول الحريصة.

لم تكن الحركات الطلابية بعيدة عما سبق، ولم تنأى بنفسها عن حالة الصراع على السلطة وإدارة دفة البلاد، فالتصقت مرة أخرى حركة الشبيبة والكتلة الاسلامية مع رؤية فصائلها السياسية، وتراجعت حرية العمل الطلابي والنقابي لتسود ثقافة الخوف، متزامنة مع تهميش ونسيان لدورها النقابي والوطني والرؤية الجامعة ونقاط الاتفاق التي تجمعها، فتم نفي حركة حماس بجناحها السياسي والجماهيري والنقابي والطلابي من مناطق الضفة الغربية، وبالمثل تم محاصرة حركة فتح وذراعها الطلابي في قطاع غزة، لتتحول الجامعات إلى صورة مصغرة عن حزب الدولة الحاكم والأنظمة الشمولية، بتواطؤ بعض من إدارات الجامعات مع هذا التوجه، ودعمته في سبيل مصالحها الايدولوجية، إن كان على صعيد الخطاب لها، او من حيث اناطت وظيفة عمادة شؤون الطلبة المسؤول المباشر لأنشطة مجلس الطلبة لأعضاء من حركة فتح، فأصبحت بعض من إدارات الجامعات الفلسطينية ذراعاً لسلطة الحزب المهيمن فيها بالضفة أو بالقطاع، وبهذا يخون الأكاديمي دوره في مهنته على ملكة السياسي والأمني، لتتحول بعض الجامعات تحت انظار ومسمع الجميع إلى مرتع للأجهزة العسكرية والأمنية، إنها ثقافة الخوف التي تخدر الشعور لدى الفرد لينأى بنفسه دفاعاً عنها، وإذا كان فوكو قد درس مستشفى الأمراض النفسية والسجن ليفهم المجتمع الكلياني الرأسمالي والشمولي وتسلطه، يكفينا الآن أن نقوم بدراسة الجامعات الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية، لنفهم أن "جنون النظام يبرر غباء الأجزاء"، والتي عبر عنها باعتقالات وتكميم الأفواه وملاحقة الطلاب المنتمين إلى الحزب المناوئ(أسعد، 2000)، هذه العدوى طالت توجهات بعض الكتل التي اصبحت متطرفة ورافضة للآخر باعتبارها حمالة لمواقف فصيلها السياسي.

بغياب الآخر، وقدرته التنافسية في العمل السياسي والنقابي يقود إلى سطوة وهيمنة مخيفة وليس المقصود هنا "الذراع الطلابي لحركتي حماس وفتح" فقط من الجامعات وإنما الأذرع الطلابية الأخرى لفصائل العمل الوطني والاسلامي، فالتنوع بالضرورة يقود إلى إغناء التجربة وتحسن الأداة وبالتالي الخدمات النقابية والطلابية، وتوفر جو ومناخ ديمقراطي منفتح عن الآخر وسعيد لنتائجه التي حققها بدوره النقابي وبخدماته التعليمية والاكاديمية والاجتماعية والثقافية.

وحتى تستعيد الحركات الطلابية عافيتها وقوتها وقوة تأثيرها، لا بد لها ان تستعيد تعدديتها ورفض لكافة أشكال الهيمنة التي لن تقود الحركة الطلابية وإن رفعت شعارات تقدمية إلا لفنائها وعطبها وتحولها في ايدي الحكام إلى اداة تستبدل وتستخدم بايدي السائقين حتى لو كان على حساب مصالح جموع الطلبة بغض النظر عن اختلاف ولاءاتها التنظيمية.

المدخل الرابع: نموذج إستثنائي خارج عن إطار المدينة؟
في محاولتنا لوضع نموذج في هذا المدخل، لا نستطيع إلا وأن نعترف بأننا لسنا من المؤهلين في نمذجة العمل الطلابي وتقديمه للحركة الطلابية، باعتبار أن ذلك من دورهم، ولكي نستطيع ان نسوق بعض التجارب التي قد تشكل نموذج وإن كان استثناء، ولكنه شكل قاعدة حصيفة ومتقدمة في سياق تدشين مؤسسة وطنية متميزة على مدار تاريخها حتى اللحظة الحالية، ألا وهي جامعة بيرزيت، والتي منذ تأسيسها شكلت تاريخ طويل في العمل الوطني والنقابي والطلابي منذ عام 1972، وبالرغم من تأسيسها في ريف رام الله، وما يعنيه ذلك من مخالفة لسير تأسيس الجامعات في المدن من الناحية السوسيولوجية، لما به من مخاطرة ثقافية، إلا أن صبغتها التقدمية والوطنية وطاقمها ومؤسسيها وكادرها التعليمي استطاعوا أن يطيحوا بهيمنة ريفها على توجهاتها وأسلوب تدريسها، وبالتالي على طلبتها وطبقتها الوسطى، إلى جانب ذلك، تميزت بميزة أخرى مهمة تخترق العقلية العربية التقليدية، وهي عدم التصالقها بالعائلة المؤسسة "آل ناصر" واعطائها صبغة عائلية عشائرية، لان القاعدة والهدف كان قومياً ووطنياً بإمتياز فكان من الصعوبة الحياد عن هذه الخط.

في سياق التأريخ لجامعة بيرزيت يقول الشيخ (2013) أن السياق الذي نشأت به الجامعة كان وطنياً وكجزء من مشروع التحرر الوطني، ولإن طبيعة النشأة والتأسيس والإدارة والقوانين والبرامج والسياسات والانفتاح والتعدد فيها كانت متقدمة على عصرها في ذلك الوقت، ساهم في بلورة ما يسميه بـ "روح بيرزيت". سيترك هذا الإرث أثرأً على سمعتها لتشكل ثقافة متوقعة وسلوك منتظم وفق ثقافة الجامعة باعتبار أن المكان يفرض قيمه ورموزه على مستخدميه، هذه السمعة والثقافة تسحب توقعات من دور ووظيفة الجامعة تنعكس بالضرورة على أداء الفاعلين في الحيز المكاني.

إذاً، استناداً إلى ما سبق، نحن أمام حاضنة ثقافية وسياسية متنوعة لجامعة بيرزيت بكوادرها ومؤسساتها البحثية والعلمية والتنموية، رسخت من تلك القيم لتصبح مناخاً ديمقراطياً لنشوء حركات طلابية ومن ثم قيادات سياسية وأكاديمية متقدمة على نظيراتها من الجامعات الفلسطينية، ومتأثرة بمساحات الحرية والخطابات التقدمية والاجتماعية والإقتصادية، وبروز دور متقدم وتاريخي لها خلال مسيرة الحركة الوطنية والعمالية والنسوية والطلابية عبر مدار أربعة قرون، والتي تشهد فيها التجربة لكل من سبق بذكره، بمبادراته وتقدمه، ليغدو بوصلة تستقطب المتتبعين.

هذا فيما يتعلق بالحاضنة الثقافية، أما فيما يتعلق بدور الحركة الطلابية فنستطيع أن نقول أن السياق السياسي ومفاصله الاساسية من (أوسلو 1993، والانتفاضة الثانية 2000، والعدوان على غزة في عام 2008 و2012) قد أثر بصورة أو بأخرى على الحركة الطلابية وبرامجها ما بين مد وجزر، وجميها تأثرت بالمعطيات الصاعدة والهابطة فيما يتعلق بالحل السياسي، بصعود التيار الاسلامي المتمثل بحركة حماس ومنافسته لحركة فتح، ولكن خصوصية الحركة الطلابية في جامعة بيرزيت جديرة بالبحث والتمحيص، خصوصاً فيما يتعلق بعلاقة الحركتين "فتح وحماس" وخصوصاً الأخيرة التي إستمرت بتواجدها المتمثل بمشاركتها بالأنشطة الطلابية، وبالمؤتمرات والمهرجان الخطابية، والمظاهرات المتوجهة إلى سجن عوفر لدعم الأسرى لدعم اضراب الأسرى في عام 2013، ونزولها إلى الانتخابات في قائمة انتخابية، فلم تغب كما هو حال الأذرع الطلابية لحركة حماس التي اختفت على إثر الاقتتال الداخلي مع حركة فتح، وبقيت حاضرة حتى فى أكثر المراحل الحرجة في تاريخ العلاقة بين الحركتين، وهذا لا يعني أن حجم التأثير لم يطالها، ولكنه كان قليلاً مقارنة بالجامعات الأخرى في الضفة، التي تكللت بحالة من الهيمنة والملاحقة من قبل الأجهزة الأمنية لأعضائها البارزين، ولعل جامعة بيرزيت الوحيدة التي زخرت بالإحتجاجات الطلابية من كافة الكتل الطلابية المنددة بالاعتقال السياسي خلال 2012 و2013، باعتبار أن المناخ الأكاديمي والثقافي في جامعة بيرزيت أسس "تنوع للخارطة السياسية " ولم تتأثر روح التنافس الديمقراطي بها (أبو حشيش، 2013)، وعبرت نتائج الانتخابات الأخيرة بتاريخ (10.4.2013) عن تعددية سياسية، حيث يرى معالي (2013) انه لا مجال من الهروب من التعددية السياسية كحالة فلسطينية طبيعية، والتي نستطيع القول أن تمأسس حالة التجربة النقابية والطلابية كنموذج صحي ينقل التعدد والديمقراطية وقبول الآخر.

وفي سياق تشخيص جامعة بيرزيت كحالة نموذجية للحركة الطلابية، لا بد وأن تستند ملاحظاتنا إلى أرضية علمية ومنطقية تقرأ السياق بموضوعية، مركزين على الإنتخابات الأخيرة وسياقات تاريخية أخرى تدعم النقاش وسياق التحليل، ونعنونها بما يأتي:
• التنوع في الجامعة، ومحاولات جادة من أجل مأسسة العمل النقابي،
كما مر معنا، إن ظروف النشأة للجامعة تأثيراً على سمعتها، وبالتالي السلوك "المتزمكن" بها من قبل مستخدميها: من الطاقم الإداري والتدريسي والنقابي، والعمالي، والطلابي، شكلت بصورة أو بأخرى حالة مسلكية في تقبل الحوار والتعدد والتنوع بها، باعتبار أن جامعة بيرزيت من أكثر الجامعات إحتضاناً للتنوع الجنوسي، والسياسي، والجغرافي، والديني، والطبقي، تلك الخلفية قادرة بصورة أو بأخرى أن تؤسس حالة من قبول الآخر المختلف، في أجواء إدارية وقانونية وثقافية قامت على أساس ديمقراطي داخل أسوار الجامعة.

يشهد التاريخ، على الدور البارز للكادر التعليمي في اشتباكه مع القضايا السياسية والنقابية والمطالب النضالية والاجتماعية وبث التوعية الوطنية والسياسية والتنموية والبحثية من جهة، ومن جهة أخرى المقاطعة الأكاديمية للجامعات "الاسرائيلية" التي جاءت كمبادرة مع بعض كوادر الجامعة(الشيخ، 2013)، إلى جانب ما سبق، الدور المميز للكتل الطلابية فيها منذ بداية السبعينيات والثمانينيات بجانب كوادر من الحركة الطلابية بجامعتي بيت لحم والنجاح، في صراعها السياسي في التصدي للاحتلال ولسياساته، ونشأت الحركة الطلابية وترسخ نظامها الداخلي وتبلور في جامعة بيرزيت، أما على الصعيد النقابي، كما هو الحال في جميع الجامعات والكليات الفلسطينية، فقد شكلت قضية الأقساط المحور المركزي في الجانب النضالي النقابي، ولكن نستطيع أن نستشف عبر مشاهدات عدة، وجود لبنة ديمقراطية واجتماعية في خطاب وممارسة الكتل الطلابية في جامعة بيزيت تتقدم به عن نظيراتها، والمتمثلة بـ الصراع النقابي والاجتماعي في مطالبة المجلس في مرحلة مبكرة بالإشراف على مقصف الجامعة وملكيته (محمد، 2000: 51) وهذا ما حصل بالفعل، والدفاع عن الحريات الفكرية، في التصدي للأفكار والدعوات التي لا تعترف بالحريات الأكاديمية للكادر التعليمي والطلابي، ونستشف درجة عالية من الاحساس بالمسؤولية الاجتماعية لدى الكتل الطلابية، وذلك من خلال التنديد ورفض غلاء الأسعار في العامين المنصرمين من خلال التظاهرات الإحتجاجية ضد السياسات الاقتصادية الليبرالية الحادة للحكومة الفلسطينية، إلى جانب مبادرات لأنشطة احتجاجية ضد سياسات الاعتقال السياسي وحريات التعبير، وتبلور مبادرات شبابية وطلابية داخل الجامعة او خارجها وغير مرتبطة بالفصائل الوطنية، والمتمثلة بـ مجموعات شبابية وطلابية عرفت بـ "مجموعة الحفاظ على البيئة، انهاء الإنقسام، إنهاء الإحتلال، أنهاء الجدار.." منذ عام 2010.

وفيما يتعلق بمساحات العمل الديمقراطي وتمثيل الكتل الطلابية بالتساوي، فقد طرحت فكرة التمثيل النسبي للكتل الطلابية 1994 (غياظة، 2000: 191)، وكانت جامعة بيرزت أول جامعة أو كلية تتبنى التمثيل النسبي في تشكيلة مجلس الطلبة، وهذا مؤشر على أن التجربة النقابية احتضنت آلية جديدة لادراة علاقاتها ببعضها البعض على أرضية ديمقراطية تفسح للجميع المساهمة في صنع القرار واتخاذه، خصوصاً تلك الاحزاب الصغيرة التي لا تستطيع بحكم حجمها أن تشارك في صنع القرار.

احتضان تجربة فريد وجديرة بالتعميم في جامعة بيرزيت، وهي تأسيس القطب الطلابي الديمقراطي عام 1997، من كتل يسارية متنوعة، والتي حرصت في بداياتها لتبني خطابات ومواقف لا تنسجم مع اطروحات الفصائل السياسية التي ينتمي اليها القائمين على التحالف الديمقراطي، فكان هنالك توحيد في الشعارات والمواقف السياسية والاجتماعية، ولكنها كانت تعبر عن تحالف تنظيمي، وبالرغم من جدية المبادرة والقائمين عليها ونقل التجربة إلى جامعات أخرى تحت مسمى "اليسار كما هو الحال في جامعة الخليل أو كتلة وطن كما هو الحال في جامعة بيت لحم"، إلا أنها سرعان ما اخفقت التجربة لطغيان الولاء الفصائلي عليها، وعدم احتكامها لخطاب ديمقراطي تقدمي يستوعب الطلبة غير المؤطرين والمستقلين، وبالرغم من فشل التجربة إلا أن الاسم بقي حتى في الانتخابات الأخيرة التي خاضت فيها جبهة العمل الانتخابات لوحدها، ويترك المجال افقاً لتأسيس التجربة مرة أخرى.
• الانتخابات الأخيرة كعنوان: قراءة عاجلة،
يعد شهر نيسان 2013 شهر الانتخابات للحركات الطلابية في الجامعات والكليات الفلسطينية في الضفة الغربية، وكان الاتفاق بين الكتل الطلابية وإدارات الجامعات تنفيذ الانتخابات كلاً على حدا في اوقات متفرقة من شهر نيسان، وفي أجواء الحديث عن المصالحة الفلسطينية ما بين حركتي حماس وفتح، نزلت الكتلة الاسلامية في القوائم الانتخابية، وبعضاً منها كانت بتردد لعدم وضوح المرحلة(انسحبت الكتلة الاسلامية من انتخابات جامعة بيت لحم قبل يوم من إجراء الانتخابات)، في حين امتنعت كتلة الجماعة التابعة لحركة الجهاد الاسلامي خوض الانتخابات لظروف أمنية، وشاركت جميع الكتل الطلابية في جميع الجامعات.

ومن الملفت، أن نسبة الاقتراع للطلاب قد اختبرت اختلاف بصورة تصاعدية منذ عام 2008 والتي كانت بالمتوسط 50%، لتصل إلى معدل 70%، اعلاها نتائج انتخابات جامعة بيرزيت 2013 التي وصلت إلى 75%، ومن ثم والبوليتكنيك بنسة 71%، و نسبة الاقتراع في النجاح كانت 69.3%، جامعة الخليل بنسبة 69%، والجامعة الأهلية بنسبة قدرها 66%، و66% في جامعة بيت لحم(احصائيات من مكتب عمادة شؤون الطلبة في الجامعات)، وهذا مؤشر مهم يدل على الاجواء المريحة والمشجعة التي احاطت بالانتخابات، وعلى اقبال الطلبة بالإدلاء بأصواتهم كجزء مهم في المشاركة بالعملية الديمقراطية ودورهم في المشاركة السياسية، ومؤشر على نضوج وفهم دور الطلاب في انتخاب ممثليهم، واجريت الانتخابات في اجواء مريحة وديمقراطية بدون ان تذكر مخالفات تعكر سير العملية من الدعاية الانتخابية، واستعراض البرامج والمناظرة ما بين الكتل الطلابية.

في المقابل، لعبت إدارة جامعة بيرزيت ومن لهم علاقة بإدارة شؤون الطلبة دور مهم في ترسيخ الأجواء الديمقراطية وبشكل متوازن متوازن بين الكتل الطلابية، وهذا ليس مرتبط فقط بالانتخابات الأخيرة، حتى في مراحل الاحتقان السياسي ما بين حركتي فتح وحماس، حيث نأت إدارة جامعة بيرزيت بنفسها عن تطبيق رغبة السلطة في التضييق على الكتلة الاسلامية بعد الخلاف السياسي في 2007، كما هو حال بعض الجامعات التي تساوقت مع توجه السلطة لمحاصرة الكتلة الاسلامية والحركة الطلابية وتحديد نشاطها، فأصبحت الجامعات عبارة عن ثكنة عسكرية لأجهزة المخابرات والاستخبارات بتنسيق مع الادارة وعمادة شؤون الطلبة، تحت مسوغات أمنية فارغة لا تقود إلا لتحييد الجامعات عن ايدلوجية منفتحة وديمقراطية، وبالتالي انخراط الطلبة في الأنشطة الطلابية والتواجد والدراسة بصورة مريحة وصحية، وما ينسحب على موقف الجامعة ينسجم على موقف الكتل الطلابية، خصوصاً حركة الشبيبة الطلابية التابعة لحركة فتح، والتي عبرت في مناسبات عدة عن رفضها لعسكرة الجامعات، وتدخل الأجهزة في شؤون الكتل بشكل خاص والطلاب بشكل عام، وتمثل أيضاً في موقف الحركة الطلابية بجامعة النجاح وبيرزيت الرافض لاقتحام جامعة النجاح من قبل الأجهزة الأمنية عام 1996، حيث شهدت فيه أول حالة من التصدي والمواجهة ما بين الحركة الطلابية والسلطة، وذلك من خلال الدعوة لتنظيم مسيرة طلابية رافضة لهذا السلوك من قبل الأجهزة الأمنية، انطلقت من امام جامعة بيرزيت حضرها طلبة من النجاح وبيت لحم، وتوجهت إلى مقر المجلس التشريعي، وحملت رسالة تطالب بالحريات السياسية والاجتماعية وحرية التعبير والمحافظة على قدسية الحرم الجامعي، والدعوة إلى الأسس الديمقراطية(غياظة،2000: 169)، تلك الشواهد وغيرها، ما هو إلا دليل على حرص الكتل الطلابية على الحياة الديمقراطية التي يفترض أن تتمتع بها الجامعات وهي سمة اساسية لجامعة بيرزيت، ويؤكد حديثنا ذلك، من خلال سياق تثمين إدارة جامعة بيرزيت، حينما أثنى الناطق الاعلامي لحركة حماس بغزة دور الجامعة المتزن، من حيث اتاحتها الفرصة لجميع الكتل بالمنافسة بصورة متساوية ومتكافئة في الانتخابات الاخيرة عام 2013(سراج الاعلام، 2013).

إن المتتبع لانتخابات الحركة الطلابية في الفترة الأخيرة، يستشف حالة من الحنق على الفصائل السياسية، من قبل الأذرع الطلابية التي تنتمي لها تلك الكتل الطلابية، باعتبار أن سقف الطموح والعمل والموقف للفصيل السياسي لا يرتقي إلى المساحات من المبادرة والاجتهاد التي تحتضنها الكتلة الطلابية التي تنتمي للفصيل، بغض النظر عن التوجه الايدلوجي لهم، وبداية نشوء توجه داخل صفوف الكتل الطلابية بالابتعاد عن المواقف السياسية المتطرفة وتبني خطاب نسبي قريب للعمل الجماعي وتكريس الوحدة والقيادة الجماعية من خلال تطبيق نظام التمثيل النسبي داخل المجلس كما حدث في جامعة بيرزيت، أو كما تمت الدعوة اليه في جامعة بيت لحم، رغم عدم تبنيها لنظام التمثيل النسبي بعد.

تلك الدعوات تم استقاؤها من خلال خلال الخطابات السياسية للكتل الطلابية، باقتراب المسافات في المواقف السياسية تجاه الصراع، وبداية وجود مؤشرات على تبلور خطاب اجتماعي يلامس الحريات الفكرية والاجتماعية والقضايا النضالية في بناء مجتمع مدني وديمقراطية، وحقوق المرأة، واحقية تمثيلها لقضاياها في الانتخابات واللجان داخل الجامعات كمطلب واعي واساسي داخل الكتل الطلابية، حيث عمدت تاريخياً الكتل الطلابية في جامعة بيت لحم على إدراج مناظرة نسوية ما بين مؤيدات حركة الشبيبة وكتلة وطن اليسارية، أو من خلال اللجان والبرامج الانتخابية للكتل الطلابية في جامعة بيرزيت، تلك الدعوات لم تقف عند الكتل فقط، وإنما شهدت السنوات الأخيرة تصاعد خطاب القاعدة الطلابية بذلك الخصوص ومن قبل المراة نفسها، وهذا ما شهدته ساحات الجامعات بشكل جلي في الانتخابات الأخيرة.

فتبنت الحركات اليسارية خطابات ودعوات نحو العدالة وتكافؤ الفرص، وحرية التعبير، وحتى طرق الاستقطاب التي تبنتها كانت اجتماعية من خلال نوعية الأنشطة التي تم تنفيذها في الجامعات الفلسطينية من قبل اليسار، في حين تبنت كتلة الشبيبة الطلابية خطاباً مغايراً بل متناقضاً لخطاب السلطة أو حركة فتح، وميلها إلى تبني خطاب تعددي يتسع به المجال لكل الكتل الطلابية كما هو الحال في بيرزيت وجامعة بيت لحم من خلال البرنامج الانتخابي لهم، ومن اللافت أيضاً إلى غياب الهوية الصورية لرموز في السلطة في دعاية كتلة الشبيبة الطلابية، والاكتفاء بالكوفية الفلسطينية ولصور الرئيس الراحل "ابو عمار" في دعايتها الانتخابية وبرامجها.

وفيما يتعلق بتشكيل مجلس اتحاد الطلبة في جامعة بيرزيت، فقد اتفقت الكتل جميعها على التمثيل النسبي للكتل في المجلس فقد حصلت كتلة الشهيد ياسر عرفات التابعة لفتح على خمس لجان، وكتلة الوفاء الإسلامية التابعة لحماس على أربعة لجان، و حصل القطب الطلابي الديمقراطي على لجنتين، مما يوسع بقعة المشاركة لجميع الكتل الطلابية بغض النظر عن حجمها في المساهمة في اتخاذ القرار وصنعه حسب التحالفات والبرامج والأنشطة، مما يؤشر على نضوج في التفكير لدى الكتل الطلابية، والتوجه نفسه لدى الكتل الطلابية في جامعة بيت لحم من حيث تبني أو اعتماد التمثيل النسبي الذي لم يقر حتى اللحظة، علماً ان الكتلة الاسلامية انسحبت من خوض الانتخابات قبل يوم من اجراء الانتخابات، لدواعي امنية.

في سبيل خاتمة،
ونحن نضع الخاتمة، يقيناً أن نقول أن العروض السياسية والعسكرية التي مرت وتمر بها القضية الفلسطينية أثرت على جميع مناشط الحياة اليومية للواقع المعاش للفلسطيني بصورة عامة، غيرت المنظومة القيمية والاخلاقية للوجود المتضمن له بمرجعياتها وأحكامها، هذه التغيرات في المشهد السياسي والاجتماعي تداعت لتؤثر على واقع ودور وبرامج ووظيفة الحركة الطلابية صعوداً وهبوطاً حسب السياق والمرحلة، وبما أن الحركة الطلابية معطى وطني ومولد سياسي واجتماعي لكوادر الفعل متأثرة بمحيطها، اصابها ما اصاب المجتمع وتمفصلاته السياسية من الفصائل وحقولها الاجتماعية من العمل النقابي والطلابي، خبأت في مراحل واكتشفت نفسها بمراحل أخرى من حيث علاقتها بالفصائل السياسية التي تنتمي لها، أو بعلاقتها بالسلطة الوطنية الفلسطينية من جهة أخرى.

وعلى ما يبدو، أن تجربة الكتل الطلابية في الجامعات الفلسطينية ومأسسة عملها النقابي ودورها السياسي يختلف حسب البيئة الثقافية والاكاديمية والسياسية التي نشأت بها وتطورت في ثناياها، ولاحظنا تصدر جامعة بيرزيت على الجامعات الأخرى في الضفة الغربية من مأسسة ورسوخ ومبادرة الحركة الطلابية فيها، فشكلت في مناسبات عدة قائدة وملهمة للحركات الطلابية الأخرى في الجامعات الفلسطينية، يعود الفضل فيها إلى سمعة الجامعة ودورها الريادي وممارستها للقوانين الادارية بصورة تقترب إلى الإدارة الديمقراطية والليبرالية، وبمساندة حركة وطنية وطلابية ضاربة بالعمق منذ تأسيسها في التأثير على المشهد السياسي والاجتماعي والنقابي، فسمعة الجامعة بشقيها الاداري والطلابي يفرض انماطاً مسلكية وقيمية تنسجم مع هذا التوجه.

إن تبني الحركة الطلابية لشعارات اجتماعية لم تتبلور وتتمأسس كما يجب، رغم ظهورها وبروزها في الاعوام القليلة الماضية نتيجة انعدام البدائل والحلول السياسية للصراع الفلسطيني الصهيوني، وحتى تستعيد الحركة الطلابية اعتبارها لدورها من جديد، وهي تبحث عن مكان لها في المشهد السياسي والاجتماعي لا بد أن تدرك مهماتها في "النضال الوطني ومهمات البناء المجتمعي" كما يعبر عنها سالم (2000: 26-27)، وحتى لا نعيد تكرار المأساة نفسها ولكن بصورة منعكسة، من حيث هيمنة السياسي على الاجتماعي على مدار تاريخ الحركة الوطنية والطلابية، وبتحصيل حاصل عدم عدم هيمنة الاجتماعي على السياسي، لأن للبعدين عامل محفز لاستعادة دور الحركة الطلابية إلى حيز التأثير في سياق بناء مجتمع تعددي خالي من آفات التوحد والرؤية المغلقة .

إن الدور المطلوب من الحركة الطلابية هو استعادة دورها على الصعيد السياسي وتجديد رؤيتها في دورها السياسي، من خلال خلق خيارات وأنشطة وفعاليات سياسية تستطيع ان تقدم بها شيء ويكون لها حضور في صالح المجتمع الفلسطيني كافة وليس على صعيد المصلحة الفئوية التي تنتمي لها، ومن المهم مراعاة أهمية الفصل ما بين مواقف وممارسات الفصائل السياسية التي تنتمي اليها، فمتطلبات العمل السياسي الوطني للفصائل الفلسطيني والسلطة الوطنية وخياراتهما ومصالحهما وتكتيكاتهما، تختلف بمتطلبات العمل السياسي للحركة الطلابية المشتبك مع النقابي والأكاديمي والاجتماعي.

فالمطلوب أيضاً، بلورة جديدة لبرامج ورؤية الكتل الطلابية تجاه القضايا الطلابية، كان على صعيد القوانين والحريات الأكاديمية والاجتماعية، وحقوق الفقراء والمهمشين والفئات المستثنية والمقصاة، والأهم من كل ذلك هو دور وحضور المراة في المشهد النقابي والطلابي، والتي ما زالت مهمشة من حيث نسبة تمثيلها في كوادر وكادرات الكتل الطلابية الذي لا يتعدى واحد بالمائة في احسن الأحوال، فالحريات الاجتماعية ولدور المراة في المجتمع مكانة مهمة في صياغة وبلورة المتطلب الاجتماعي في بناء مجتمع قادر على النهوض بكافة شرائحه وطبقاته.

_________________________________________________
*** تم نشر هذه المقالة في مجلة اضافات ، ع 23-24 ، ص.ص. 9-32.













المراجع والمصادر
أبو حشيش، حسن (2013). " انتخابات جامعة بيرزيت"، فلسطين أون لاين (روجعت بتاريخ 18.4.2013).
أسعد، فرحات (2000). واقع الحركة الطلابية الفلسطينية ومهمات المرحلة الجديدة بعد اوسلو. في مجدي المالكي (محرر) الحركة الطلابية الفلسطينية ومهمات المرحلة: تجارب وآراء. رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية (مواطن).

جبر، رباح و حلمي الأعرج (2000). الحركة الطلابية بين استكمال لمهام التحرر الوطني والبناء الديمقراطي والعمل النقابي. في مجدي المالكي(محرر) الحركة الطلابية الفلسطينية ومهمات المرحلة: تجارب وآراء. رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية(مواطن).

الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (2010). المرأة والرجل في فلسطين: قضايا وإحصاءات. رام الله، فلسطين.

حنفي، ساري (2011). ثورتا الياسمين والميدان: قراءة سوسيولوجية. مجلة اضافات، ع 13، 4-10.

خريشة،ابراهيم (2000).دور الحركة الطلابية في الأراضي الفلسطينية وعلاقتها مع السلطة والأحزاب بعد أوسلو. في مجدي المالكي(محرر) الحركة الطلابية الفلسطينية ومهمات المرحلة: تجارب وآراء. رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية(مواطن).
الراوي، أحمد(2001،أيار 3). إندونيسيا.. تحديات اللامركزية أكبر من استقالة أو إقالة رئيس، الشرق الأوسط، 8192(روجعت بتاريخ 19.4.2013)
سالم، وليد (2000). الحركة الطلابية بين مهمات استكمال التحرر الوطني ومهمات البناء الديمقراطي. في مجدي المالكي(محرر) الحركة الطلابية الفلسطينية ومهمات المرحلة: تجارب وآراء. رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية (مواطن).
سالم، وليد (1983). الحركة الطلابية: البعد النظري وانماط الممارسة في التشكيلات والبلدان المختلفة.القدس: ب.ن.

سلامة، بلال عوض (2013). "الحركة الطلابية في بيت لحم"، موقع الدراسات والابحاث العلمانية في الوطني العربي (روجعت بتاريخ 17.4.2013). < http://www.ssrcaw.org >


الشيخ، عبد الرحيم (2013). مذكرات جابي برامكي: جامعة بيرزيت وسردية الانتصار على الموت. مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

العطري، عبد المعطي (2011). سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية. مجلة اضافات، ع 13،17-31.


غياظة، عماد (2000). الحركة الطلابية الفلسطينية: الممارسة والفاعلية. رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية (مواطن).

كتاب، آيلين (2000). الحركة الطلابية الفلسطينية وأبعادها الاجتماعية النسوية. في مجدي المالكي(محرر) الحركة الطلابية الفلسطينية ومهمات المرحلة: تجارب وآراء. رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية (مواطن).

ماركوز، هربرت (1973). الإنسان ذو البعد الواحد. ترجمة جورج طرابيشي. بيروت: منشورات دار الآداب.

المالكي، مجدي (2000). التحول في ملامح الحركة الطلابية. في مجدي المالكي(محرر) الحركة الطلابية الفلسطينية ومهمات المرحلة: تجارب وآراء. رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية(مواطن).

محمد، جبريل (2000). الحركة الطلابية: توجد هنا خميرة نقابية وديمقراطية. في مجدي المالكي (محرر) الحركة الطلابية الفلسطينية ومهمات المرحلة: تجارب وآراء. رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية (مواطن).
معالي، خالد (2013)." قراءة علمية لانتخابات جامعة بيرزيت "، مدونة الكاتب الصحفي خالد معالي (روجعت بتاريخ 18.4.2013). < http://blog.amin.org/khalid >

موقع سراج الاعلام (2013). "أبو زهري: انتخابات بيرزيت رسالة بأن حماس قوية ومتجذرة بالضفة"، موقع سراج الاعلام (روجعت بتاريخ 17.4.2013). < http://seraj.ps >

هربرت، ماركوز (1973). الإنسان ذو البعد الواحد. ترجمة جورج طرابيشي. بيروت: منشورات دار الآداب.

هلال، جميل (2009). اليسار الفلسطيني إلى أين؟: اليسار الفلسطيني يحاور نفسه ويتامل مصيره. مؤسسة روزا لوكسمبورغ.

هلال، جميل (2006). الطبقة الوسطى الفلسطينية: بحث في فوضى الهوية والمرجعية والثقافة. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,841,097,778
- الثقافة المدنية: حصار الثقافة وغياب المدينة في فلسطين
- الحركة الطلابية في بيت لحم
- تحليل نقدي للمجتمع الفلسطيني: البنية الثقافية والمجتمع المدن ...
- مكونات وعناصر المجتمع المدني في الخليل (فلسطين)
- الخطاب السياسي لدى الطفل الفلسطيني: أطفال مخيم الدهيشة بين ر ...
- ثقافة المدن، مرآتها سكانها: دراسة مقارنة ما بين الخليل وبيت ...
- المرأة والمشاركة السياسية
- قراءة نقدية للاعلام الفلسطيني: تشخيص ورؤية مستقبلية للإعلام ...
- محاولة بحثية لموقع ومكانة المرأة في المؤسسات الاسلامية في فل ...
- ملاحظات عامة في قضايا مرتبطة بالمدن العربية
- القهر الاجتماعي والفراغ السياسي وأزمة الشباب: مخيم الدهيشة ا ...
- تكاد تتحول العمليات الاستشهادية إلى ايدلوجية فلسطينية1
- لاجئو مخيم الدهيشة : حق العودة لا يسقط بالتقادم
- اريتريا الافريقية : درس للفلسطينيين
- ثقافة الغالب والمغلوب في فكر ابن خلدون: قراءة فلسطينية
- العدوان على غزة : انها لحظة تصحيح الاعوجاج في سبيل الفعل الم ...


المزيد.....




- قطر تعلن توفير 1000 فرصة عمل للأردنيين المقيمين على أراضيها ...
- ناصر ابراهيم دشتي :ادارة معهد الثقافة العمالية تتهيأ لمرحلة ...
- اصحاب العقود والاجور اليومية بصحة ذي قار يتظاهرون للمطالبة ب ...
- شكر جلالة الملك المفدى على الاستقبال الحافل للوفد المصري .. ...
- غسان غصن: الملايين من -العمال العرب- ضد التطبيع مع إسرائيل.. ...
- أمنستي: إجراءات تقشف قاتلة بتشاد وحملة قمع
- طالبت بالإعتذار ومحاسبة المسؤول : رسالة غاضبة من -عمال البحر ...
- رسمي : الزيادة في الأجر الأدنى المضمون
- قوة من مكافحة الشغب تفرق تظاهرة في الشعلة واخرى تنتشر في حي ...
- الحوثي يؤكد التعامل بإيجابية مع مبادرة شخصيات عربية لإيقاف ا ...


المزيد.....

- في الذكرى الستين للثورة... الحركة العمالية عشية ثورة 14 تموز ... / كاظم الموسوي
- السلامه والصحة المهنية ودورها في التنمية البشرية والحد من ال ... / سلامه ابو زعيتر
- العمل الهش في العراق / فلاح علوان
- هل يمكن الحديث عن نقابات يسارية، وأخرى يمينية، وأخرى لا يمين ... / محمد الحنفي
- هل يمكن الحديث عن نقابات يسارية، وأخرى يمينية، وأخرى لا يمين ... / محمد الحنفي
- العمل النقابي، والعمل السياسي في المغرب: أية علاقة؟ / محمد الحنفي
- السياسة الاقتصادية النيوليبرالية في العراق والموقف العمالي 1 ... / فلاح علوان
- في أفق تجاوز التعدد النقابي : / محمد الحنفي
- الإسلام / النقابة ... و تكريس المغالطة / محمد الحنفي
- عندما يتحول الظلام إلى وسيلة لتعبئة العمال نحو المجهول ...! ... / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - بلال عوض سلامة - الحركة الطلابية الفلسطينية ما بين الواقع والامكان *