أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد البوعيادي - الإلحاد والإسلام: عودة من الواقع إلى التاريخ والنص















المزيد.....



الإلحاد والإسلام: عودة من الواقع إلى التاريخ والنص


محمد البوعيادي

الحوار المتمدن-العدد: 4184 - 2013 / 8 / 14 - 18:24
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


[ لا إمام سوى العقل]

أبو العلاء المعرّي

سنحاول في هذه المقالة الإجابة عن السؤال: هل يؤمن الإسلام كنص وكتاريخ بحرية العقيدة بما فيها حرية الإلحاد؟ وكيف يمكن تمثل ذلك في الواقع؟
قبل الخوض في القول وجب تحديد بعض الأمور الدقيقة، فعن أي إسلام سنتحدث بالضبط؟ أي ما هو التموقع والزاوية التي سنرى منها الإلحاد داخل نسق الإسلام، لأن هناك "إسلامات عديدة" وفق التوجهات الفقهية والمعرفية ، من إسلام متصوفة إلى إسلام فلاسفة إلى إسلام متكلمين إلى إسلام سلفيين ...إلخ، فالدين ليس واحدا كما تُصوِّره المرجعيات اللاهوتية المغلقة وحتى بعض المرجعيات العلمانوية في سياق النقد، وإنما هو نواة مفتتة في داخلها بفعل العوامل الجغرافية والسياسية والتاريخية...إلخ، هناك إسلام تاريخي يعطي لمقولة التغاير الداخلي صيغتها المنطقية ، يشير د.محمد أركون أنه في الفرنسية يميز البحّاثة بين التراث كمفهوم عام أرثذوكسي واختزالي لكل التفرعات العقدية والمذهبية وبين التراث مخصوصا من وجهة نظر معينة:
Tradition و tradition

وهذا التمييز لا يوجد في العربية، فالحرف الكبير في أول الكلمة يحيل على التراث ككل شامل يحتضن كل التوجهات داخل النسق الواحد ويختزلها بسلبية واضحة، والذين يتبنون هذا المفهوم "يتحدثون عن التراث المستقيم أو الأرثذوكسي على طريقة "أهل السنة والجماعة" بالنسبة للسنيين، أو على طريقة "أهل العصمة والعدالة" بالنسبة للشيعيين الإماميين، ثم يقيمون التضاد بينهما وبين كل أنواع الإسلام الأخرى التي يعتبرونها مهرطقة، أو منحرفة أو ضالة، أو مزورة"[1]
لذلك ستجد أن توجهات متفرعة في الإسلام تتحدث عن الإيمان كصيغة مطلقة للحقيقة متماهية مع فكر "الفرقة الناجية"[2] و"الإسلام الصحيح" ومناهضة لكل مظاهر المغايرة العقدية والفكرية في التراث الإسلامي بمفهومه النّووي المتعدّد الذي لا يقصي الاتجاهات غير الرسمية من خارطته الكلية، في مناطق الظل هذه وُجد في تاريخ الإسلام مذهب إلحادي غير رسمي لا يمكن أن ينكره المطلع على هذا التراث بالرغم من كل أشكال الإقصاء التي تعرض لها، من حرق كتب وتقتيل ونفي لأصحابه، فنصوص الإلحاديين على قلتها وبالرغم من أن معظمها يأتي على شكل استشهادات ومقتطفات موظفة للمناقشة والدحض من قبل الفكر الرسمي للإسلام، إلا أنها قادرة على رسم معالم التوجهات التي يمكن أن تدخل تحت مسمّى "الإلحاد في الحضارة الإسلامية".
للوهلة الأولى يبدو أن هناك تناقضا في هذا المُسَمَّى، حيث يتضمن كلمتي "الإلحاد" و"الإسلامية" لكن الذي ينظر إلى التراث بالمفهوم الذي أشار إليه د.أركون سيدرك أن صفة "الإسلامية" صفة تحمل طابعا ثقافيا أكثر مما تحمل طابعا عقديا دينيا، ذلك أن الثقافي يتضمن الديني ويحتضنه إلى جانب أشكال أخرى من تمظهرات العقائد، حين نتحدث عن ثقافة إسلامية فلسنا بالضرورة إزاء تقزيم لهذه الحضارة واختزالها في تاريخ الإيمان، لأنه ضمنها تفرعت مذاهب كثيرة تخالف الطابع السُّني أو السلفي أو الشيعي لصفة "الإسلامية" فوجب فهم ذلك وتعقّله، ولعل تصور التراث من هذه الزاوية وحده كفيل بفتح تحقيقات فكرية وملفات مغلقة وأبواب مشمّعة في تاريخ الفكر الإسلامي
في البداية وجب التمييز بين مصطلحين هما محور هذه المقالة : (العقيدة – الإلحاد) ، ثم التعريج على مدارهما الاصطلاحي والدلالي الغني.

فالعقيدة من الجذر اللغوي "عقد" والعقد بمعنى الرباط الذي نشد به شيئا إلى شيء آخر، تشد به نفس العبد إلى الله ، واصطلاحا هي ما يدين به شخص عموما، لكنها في المأثور الإسلامي تعني خصوصا : " الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره" فيمَا يسمّى أركان الإيمان.
أما الإلحاد فقد جاء في لسان العرب لابن منظور: "لحَد القبر يلحَدهُ لَحْدًا عمل لهُ لحْدًا. واللحد حفرهُ. والميت دفنهُ. وإلى فلانٍ مالَ ولحَد في دِين اللَّه ،لغة في اللحد. واللحد حفرهُ. وعن دِين الله وغيرهِ مال وحاد وعدل (عنه) وطعن فيه. والرجل مارَى وجادَلَ. وفي الحَرَم ترك القصد"، واصطلاحا جاء في الموسوعة الفرنسية الكونية أن كلمة ملحد ، تعني بشكل مباشر ذلك الشخص الذي لا يؤمن بوجود إله أو مجموعة من الآلهة، فهو يرفض أن يسبغ عليها نوعا من القداسة التي يسبغها عليها المؤمنون، ويفترض المصدر "الإلحاد" وجود فعل "أنكر" ، أي أنكر الآلهة جميعا، وهو ليس كالرُّبُوبِي الذي يؤمن بوجد إله خالق للكون لكن ينكر تدخله في الكون والحياة ( Universalis )
و الواضح أن الدراسة المصطلحية للفظين ستوصلنا إلى أبواب كثيرة من ضروب المعاني، إذ تأخذ ألفاظ الإلحاد والاعتقاد والكفر والزندقة والإيمان أبعادا ومعاني تختلف حسب الفترات التاريخية التي ينظر إليها فيها بله حسب الأشخاص حتى، يقول "سوامي فيفكاندا":
" إن بعض الأديان في العالم تطلق اسم ملحد على ذلك الإنسان الذي لا يؤمن بإله خارج نفسه، أما نحن فنقول: إن الملحد هو الذي لا يؤمن بنفسه، ولا يؤمن بتألق روحه نفسها، ذلك الذي نسميه إلحادا"، والإلحاد في الإسلام القديم كان يُقصد به إنكار النبوة لا غير، كما نلحظ ذلك عند صاحب "الزمرد" و"الدامغ" (ابن الرواندي سفيان) أو عند أبي بكر الرازي، حيث يهاجم الملاحدة فكرة النبوة ولا يمسون الذات الإلهية، لكن الذي يهمنا هنا هو التعريف المعاصر، أي الإلحاد بوصفه إنكارا لوجود خالق مسير للكون وعامل فيهِ وتهمنا العقيدة بوصفها إيمانا بوجود هذا الخالق ( من الزاوية الدينية). لأن بين الإلحاد كنكران الإله والإلحاد كنكران النبوة فوارق شاسعة، فحتى على مستوى اللفظ ميز العرب القدماء تمييزا واضحا بين هذين المعنيين، فنحن حين نريد التحدث عن الظاهرة الإلحادية في الحضارة العربية وجب أن نضع في حسباننا الدلالات الاصطلاحية أولا، فمقابل الإلحاد الذي نعنيه اليوم بمدلوله وشحنته المعنوية لم يكن موجودا، بل كان هناك الإلحاد بمعنى إنكار النبوة والمعجزات والملائكة وحدوث الكون ووحدانية الله، يقول ابن الراوندي في إنكار المعجزات :
- " إن المَخاريقَ شتّى وإن فيها ما يبعد الوصول إلى معرفته ويدقّ على المعارف لدقّته، و إن أوردت أخبارها بعد ذلك عن شرذمة قليلة يجوز عليها المواطأة والكذب، كقولهم تسبيح الحصى وكلام الذئب وشاة أم معبد وحديث سُراقة وكلام ضلع الشاة المسمومة فهذه كلها مما تنكره العقول"
ويقول في إنكار الملائكة:
- " إن الملائكة الذين أنزلهم الله تعالى في يوم بدر لنصرة النبي بزعمكم، كانوا مغلولي الشوكة ، قليلي البطشة على كثرة عددهم واجتماع أيديهم وأيدي المسلمين فلم يقدروا أن يقتلوا زيادة على سبعين رجلا، أين كانت الملائكة يوم أحد؟ لما توارى النبي ما بين القتلى فزعا وما بالهم لم ينصروه في ذلك المقام؟"
وقال في نقد النبوة:
" إن الناس هم الذين وضعوا الأرصاد على النجوم حتى عرفوا مطالعها ومغاربها ولا حاجة إلى الأنبياء بهم " وأورد مثالا على معرفة بطليموس وحده أكثر مما عرفه المسلمون مجتمعين عن الكواكب.
( نقلا عن عبد الرحمن بدوي - من تاريخ الإلحاد في الإسلام).
وفي إنكار حدوث الكون، كان ابن سينا يقول بقدم العالم وعدم إدراك الله للجزئيات ، بمعنى أن الله لم يحدث العالم ولا يتدخل فيه، وله في ذلك احتجاج، فهو لا يفهم كيف أن الله كان جالسا دون عمل ثم قرّر فجأة خلق العالم، فلو كان ذلك صحيحا لقلنا إن طارئا حدث على الله أو علة دفعته لخلق العالم وهذا باطل في رأي أهل الدين، وفي مسألة إدراك الذات الإلهية للجزئيات فهو يقول إننا لا نستطيع إثبات تدخل الله في العالم، ذلك أنه لو كان لله إدراك بالمتغيرات والطوارئ أمكن أن نقول إنّه (الله) يتأثر ،لأن كل حادث كان في حكم العدم ولمّا حصل وجبت مرافقته بتأثير، وكل تأثير لا يكون إلا على الذات المُدرِكة للحادث، وكيف يمكن أن نقول إن الله يتأثر، وعلماء السلف نفوا عنه الانفعال؟
كما نجد في كتب الرد على هذا التوجه مصطلحا آخر في التراث هو "الزندقة" وهو أيضا لا يحمل معنى الإلحاد المعاصر، يقول ابن منظور:[ الزنديق القائل ببقاء الدهر، (لفظ) فارسيٌّ معرّبٌ وهو بالفارسية " زِنْدِكَايْ"، يقول بدوام الدّهر، والزندقة: الضيقُ، وقيل الزنديق منه لأنه يضيق على نفسه، والزنديق معروف وزندقته أنه لا يؤمن بالآخرة ووحدانية الله، ليس في كلام العرب زنديق، إذ المقصود به مقتّر وبخيل، أما إذا أردتَ معنى ما تقوله العامة قالوا: مُلحدٌ ودهريٌّ. وقالوا: الزنديق من الثنويّةِ، وهو معرّب والجمع زنادقة وقد تزندق والاسمُ الزندقة، وقال أبو العلاء (المعرّي) في رسالته (رسالة الغفران): "لا يقولون بنبوة ولا كتابْ" ] وقد عمّق د.عبد الرحمان بدوي معنى اللفظ وتتبع تطوره :
"فلفظ زنديق لفظ غامض مشترك قد أطلق على معانٍ عدّة مختلفة فيما بينها على الرغم مما قد يجمع بينها من تشابه، فكان يطلق على من يؤمن بالمانوية ويثبت أصليين أزليين للعالم: هما النور والظلمة، ثم اتسع المعنى من بعد اتساعا كبيرا حتى أطلق على كل صاحب بدعة وكل ملحد، بل انتهى به الأمر أخيرا أن يُطلق على كل من يكون مذهبه مخالفا لمذهب أهل السنة، أو حتى من كان يحيى حياة المجون من الشعراء والكتاب ومن إليهم." [3]
فنرى إذا من خلال بسط المدار الدلالي أن الإلحاد قديما كان يحمل اسم الزندقة والدهرية أحيانا ( القول بقِدم العالم وبقائه) و لم يكن يمس الذات الإلهية وإنما مدارها الاشتقاقي من ملائكة ورسل ومعجزات ...
ولاشك أن الحديث عن الإلحاد في الإسلام في يومنا الآن - وبعد قطع مسافة تاريخية عن التصور السَّالف - يجرنا في اتجاهات متضاربة كثيرة ويزج بنا في دوامة من الخطابات المعرفية المتقاطعة والمتنوعة، حديث يجرنا نحو الحاضر والمستقبل ولكنه أيضا يستلزم منا غوصا في التاريخ، ويتطلب توصيفا للواقع قياسا على هذا التاريخ، كما أنه حديث لا يخلو من وجهة نظر قانونية دستورية ومن تحليل يحفر في بنية النصوص ليقرأها على ضوء معطيات تحليل الخطاب أو البلاغة ، هذا الحديث أيضا يتطلب دراية فقهية بالأصول لتتوضح الصورة الكاملة لقضية الحرية في الاعتقاد وبالضبط في الإلحاد، خصوصا في نسيج عقدي اجتماعي مركّب كنسيج الثقافة الإسلامية.

لكننا في هذا المقام المختصر لا نَبْغِي الحفر والإحاطة الشاملة بكل هذه الخطابات المتنوعة ولا ندعي ملاحقة المصطلحات في جذورها بقدر ما نأخذها كما هي الآن في هذه اللحظة التاريخية التي أعطتها دلالاتها المُحَيّنة ، نعتزم بناء رؤية مختصرة عن حال حرية الاعتقاد أو عدمه ( الإلحاد) في حيز صغير من المجتمع الإسلامي علّه يعطي فكرة ممثلة ، لهذا الغرض نرى ضرورة توصيف مبدئي لواقع ملموس قبل الإشارة إلى المقاربتين : التاريخية و النصانيّة للقضية المطروحة للنقاش، لأن هذا التوصيف يعطي للكلام النظري شرعيته حتى لا يكون حُدُوسا وتوهمات واستخلاصات لا تمت للواقع والنّص بصِلة، وهذا التوصيف هو الذي سيفتح لنا باب مراجعة حرية الإلحاد في التاريخ ثم في النصوص، إذ لا شرعية للنظري والتاريخي ما لم يرم تغيير تصور في الواقع الحاضر.

**********

أ‌) ماذا يقول الواقع؟

أتى في الفصل 3 من الدستور المغربي (2011):
" الإسلام دين الدولة والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية"
وفي الفصل 25:
"حرية الفكر و الرأي و التعبير مكفولة بكل أشكالها..."
وفي تصدير الدستور نفسه :
"المملكة المغربية دولة إسلامية..."
و يمكن اعتبار هذا الدستور تمثيليا بنسبة ضئيلة على الأقل لعدد كبير من الدساتير العربية إذا ما استثنينا حالات قليلة، فأول ما يُلاحظ على هذه الفصول أنها لا تحتوي لفظا صريحا على "حرية العقيدة" و تقر عوض ذلك حرية الفكر ، فأي فكر بالضبط؟ هل للفكر الإلحادي مكان ضمن هذا التحديد الشاسع؟ لا يجيب الدستور على ذلك ، وأين هو حق الإلحاد في مقابل حق الاعتقاد؟، فالفصل 3 يصرح بالحق لكل شخص بممارسة شؤونه الدينية، لكن هل يحق له أن يمارس شؤونه اللادينية؟ أي أن يلحد، هذا هو ما صمت عنه الدستور الذي بدا متناسقا مع تصديره، الدولة دينية و قائمة على أساس ديني واضح ، لذلك لن يكون للملحد مكان في التشريعات ولا حقوق واضحة تضمن حريته في إنكار الشعائر ونقدها أو حتى عدم ممارستها، ولعل حوادث شهر رمضان تؤكد ذلك، حيث يتم احتلال الفضاء العمومي من قبل المواطنين المؤمنين، فهو ليس ملكا لغير المؤمن ، لذلك تقفل كل المطاعم في وجه أبناء الوطن وتفتح في وجه الأجانب، ومن أفطر علانية يعرض لعقوبة سجنية نافذة بمقتضيات القانون الجنائي الفصل 222، بلغة أوضح، تحرم الدولة على مواطنيها أن يكونوا ملحدين ومنه تفرض عليهم أن يتركوا الفضاء العمومي للمؤمنين الذين يتمتعون وحدهم بالحق في ممارسة شعائرهم داخل الفضاءات العمومية كالصلاة في الطرق والأسواق والممرات ...إلخ.
هذا التصور الدولتي لحرية العقيدة لا ينفك يتساوق مع تصور غالبية المواطنين، إذ بلغة ما ، كل دولة أو جهاز حكم فهو انعكاس صادق عن مستوى وفكر الشعوب، وهو يهدف بكل وسائله إلى خلق رأي عام يتناسب مع موقف ديني مخصوص يخدم هدفا أو أهدافا سياسية معينة، وفي هذا الصدد طبقت منهجا إحصائيا بسيطا، لأدرس به قبول الإلحاد عند فئة من الشباب المغاربة فقط، ولكن للتنبيه فهذا الإحصاء البسيط إن استحق لفظة إحصاء لم يهدف إلى تعميم النتيجة بقدر ما هدف إلى دراسة حالة خاصة في دائرة خاصة من الشباب، هكذا يمكن أن ننطلق من لمحة واقعية نحو التنظير من جديد، إذ كل التقديم الاصطلاحي للإلحاد لم يكن سوى إنارة للمفهوم قبل وضعه على محك الواقع، للانطلاق نحو تصحيح المفهوم والممارسة انطلاقا من التصورين التاريخي والنّصّي فيما بعد، فهذه نتائج المحاولة الحسابية ( كي لا أقول الإحصائية).
المراحل:
1- (الساكنة) أو البيئة المدروسة : الشباب فوق سن 18 سنة .
2- العيّنة الإحصائية: 40 فردا، 20 ارتادوا المدرسة و 20 أميون، على أساس أن آخر إحصاء للأمية في المغرب أفاد بأن 49 في المائة أميون بمعنى قرابة نصف الساكنة، هي عيّنة عشوائية لأن (الساكنة المدروسة) غير مركبة ومتجانسة من حيثُ النّوعُ، ضمن كل 20 من أصل 40 حصلت على رأي 10 إناث و 10 ذكور بالنسبة للذين ارتادوا المدرسة .
3- المتغيّر الإحصائي : دراسة رأي حول حرية الإلحاد في المجتمع المغربي - مع العلم أنني لا أدّعي مسحا شاملا أو أن العيّنة تمثيلية بل هي مجرد عينة لبناء رأي على دراسة الحالة عوض الحدس.
4- الهدف: بعد قياس التردد و إحصاء النسبة المئوية استعملتها لتوضيح واقع معين ومن ثم مناقشته أخلاقيا .
ملحوظة: العينة ليست تمثيلية للمجتمع أكرّر ، هي دراسة حالة فقط . طريقة المساعدة (المشاركة ) حدَّدتُها في الإجابة على السؤال التالي:
الإجابة ب (لا) أو (نعم) دون تفسير أو شرح على السؤال التالي:
- هل تعتقد أن من حق شخص ترعرع في مجتمع إسلامي أن يصبح مُلحداً ؟
جاءت النتائج كالتالي:
الجدول التوزيعي+ النسبة المئوية:

المتغيرات الإحصائية ــــــــــــــــ عدد الساكنة الإحصائية ـــــــــــــــــ التردد ــــــــــــــــــــــــــــ النسبة المئوية ( % )

قبول الدكور الأميين ـــــــــــــــــــــــــــــــ 3 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 3(100-40) ــــــــــــــــــــــــ 7.5
رفض الدكور الأميين ـــــــــــــــــــــــــــــ7 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 7(100-40) ــــــــــــــــــــــــ 17.5
قبول الإناث الأميات ـــــــــــــــــــــــــــــ 0 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 0
رفض الإناث الأميات ــــــــــــــــــــــــــ 10 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ 10(100-40) ـــــــــــــــــــ 25
قبول الدكور المتمدرسين ــــــــــــــــــــ 9 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 9 (100-40) ـــــــــــــــــــ 22.5
رفض الدكورالمتمدرسين ـــــــــــــــــــــ 1 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1 (100-40) ــــــــــــــــ 2.5
قبول الإناث المتمدرسات ــــــــــــــــــــــ 3 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 3 (100-40) ـــــــــــــــــ 7.5
رفض .. المتمدرسات ـــــــــــــــــــــــــــ7 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 7 (100- 40) ــــــــــــــــ 17.5
.............................................................................................................
المجموع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 40ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 40(100-40) ـــــــــــــــ 100


نسبة الدكور الذي قبلوا بحرية الإلحاد بالنظر إلى طبيعتهم الجنسية فقط: 30%
نسبة الإناث اللواتي قبلن بحرية الإلحاد بالنظر إلى طبيعتهن الجنسية: 7.5 %
فلاحظنا:
- أن هناك توجها واضحا نحو رفض حرية الآخر في أن يُلحد إلا عند نسبة قليلة.
- أن المتمدرسين من تلك النسبة الضئيلة يقبلون بحرية الإلحاد أكثر من غير المتمدرسين.
- أن الدكور يقبلون بحرية الإلحاد أكثر من الإناث ولهذا تفسيرات سيكولوجية واجتماعية كثيرة تدرس التمايزات الجنسانية وما يترتب عنها من نظرة مختلفة للدين.

وبحدس شخص معايش للناس داخل المجتمع الإسلامي عموما، لا تبدو النتائج غريبة على أحد، إذ الأمر واضح أن هناك توجها جماعيا – كما هو الحال في الماضي – نحو رفض حرية الاعتقاد فعلا، وخصوصا رفض كل تغيير روحي عقدي يحصل لأشخاص كانوا ينتمون للديانة الإسلامية إن بشكل فعلي ممارساتي أو بدافع التوارث بل حتى مجرد التواجد في حيز جغرافي يسود فيه الدين الإسلامي.
وتدفعنا هذه المواقف العدائية نحو الملاحدة في واقع المجتمعات الإسلامية إلى عودة ضرورية للتاريخ لتبين الجذور الفعلية لهذه المواقف الرافضة لحرية العقيدة، إذ لم يكن تاريخ الإلحاد محفوفا بالمناظرات العلمية كما كان الحال مع المتكلمين والفلاسفة أو المناطقة أحيانا ،بل كان تاريخا دمويا مختلفا يعمه التعتيم والتقتيل وحرق الكتب والأجساد،
وهذه العودة لاستقراء التاريخ هدفها أولا أن تقيس الحاضر على الماضي، ثم تقيس الواقع على الواجب أخلاقيا وإنسانيا، وذلك قبل مقاربة النص القرآني والحديث بشكل ليس متعمق ولكن يوضح مدى المسار المغلوط الذي تسير فيه المجتمعات الإسلامية ودولها حين يتعلق الأمر بحرية الإلحاد.

******

ب‌) ماذا يقول التاريخ؟

جاء في "تاريخ الطبري"، فصل "تاريخ الرسل والملوك" على لسان الخليفة العباسي المهدِي في رسالة إلى ابنه :
"يـا بني فرقة تدعو الناس إلى ظاهر حسن كاجتناب الفواحش والزهد في الدنيا والعمل للآخرة ،ثم تخرجها الـى تـحـريـم اللحم ومس الماء الطهور ،وترك قتل الهوام تحرجا وتحوبا، ثم تخرجها من هذه إلى عـبـادة اثـنين: أحدهما النور ،الآخر الظلمة ،ثم تبيح بعد هذا نكاح الأخوات والبنات ،والاغتسال بـالبول ،وسرقة الأطفال من الطرق ،لتنقذهم من ضلال الظلمة إلى هداية النور فارفع فيها الخشب ،وجـرد فـيـهـا السيف ،وتقرب بأمرها إلى اللّه لاشريك له، فإني رأيت جدك العباس في المنام قلدني بسيفين، وأمرني بقتل أصحاب الاثنين "
وقد سبق وأسلفنا أن من بين التهم التي تعرض لها الملاحدة قديما تهمة التبعية للديانات الثنوية القديمة التي جاءت من بلاد فارس ( المزدكية – الزرادشتية – المانوية).
إن هذه الرسالة من أعلى سلطة في الدولة العباسية (الخليفة) تعكس وجها واضحا من أوجه العداء لأي اختلاف عقدي، وصل بخليفة المؤمنين إلى الافتراء الواضح على الملاحدة، فهم لم يدعوا للاغتسال بالبول !!لأن الأمر غير قابل حتى للمناقشة، ولم يتزوجوا بأخواتهم !لأن تاريخ الأخبار المنقولة عن أشهر الملحدين لم يثبت شيئا من ذلك، إنها عدائية خطابية واضحة على مستوى النص تُشرعنها الغائية السياسية، ولفهم المناخ العام الذي كان سائدا في بداية الانحطاط الفكري في الثقافة الإسلامية لا يكفي الوقوف على مواقف أهل السياسة من الاختلاف، لأنه ربما يُسَوَّغُ هكذا موقف بالمصالح السياسية أو "عصبية الدولة" التي ترتكز على مركزية العقيدة، بل إننا نرى حتى في مواقف الكثير من المفكرين نزوعات مشابهة نحو رفض كل الخطابات التي يمكن أن تحكم العقلانية في تصور العالم والأشياء، يقول أبو حامد الغزالي في كتابه "المنقذ من الضلال" في فصل " أصناف الفلاسفة واتصاف كافتهم بالكفر":
" اعلم أنهم على كثرة فرقهم واختلاف مذاهبهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الدهريون والطبيعيون والإلهيون" أما الطبيعيون فزنادقة لأن أصل الإيمان هو الإيمان بالله واليوم الآخر وهؤلاء جحدوا اليوم الآخر..والدهريون هم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبّر، العالم القادر وزعموا أن العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه لا صانع له، ولم يزل الحيوان من النطفة والنطفة من الحيوان وكذلك كان وكذلك يكو أبدا، وهؤلاء هم زنادقة..الإلهيون هم المتأخرون مثل سقراط وهو أستاذ أفلاطون، فوجب تكفيرهم وتكفير متبعيهم من المتفلسفة المسلمين، كابن سينا والفارابي وغيرهما.."
لقد تظافرت السلطة السياسية والفقهية بقوة خلال حكم الخليفة المهدي العباسي ضد الاتجاه الفكري الإلحادي الذي كان اتجاها نخبويا لا يمكن أن يسدي خدمة للخلافة كما يفعل فقه البلاط حين يجنّد رأي العامة بالفتاوي الداعية للطاعة، فتم التضييق على كل التوجهات الإلحادية الصارخة بله حتى التوجهات التي ليست إلحادية واضحة التي نشأت في كنف التصوف والكلام والفلسفة، ولعل الأمر بدأ حتى قبل الخليفة المهدي، ذلك أننا إذا عدنا إلى تاريخ هذه المسارات الفكرية (التصوف – الفلسفة – الكلام) نلفي الإلحاد صفة تبريرية لنسف شخصيات مهمة أسست لهذه البنى المعرفية.

إن جدل التفكير والتكفير في تاريخ الإسلام بدأ مع حروب الردة التي قادها الخليفة أبو بكر، حيث بدأت مؤشرات تظافر السياسي والعقدي في الثقافة الإسلامية و استمرت في التمطط مع الصحابة الذين تلوه حتى حدود الآن، ولإن كانت فترات مشعة في التاريخ الإسلامي وسّعت نطاق القبول بالاختلاف كفترة الخليفة السابع للدولة العباسية ( المأمون) فإن تلك الفترات كانت محصورة زمنيا و لم يكتب لها أن تمتد، حيث ثم وأد المشاريع الفكرية الإسلامية التي كان من الممكن أن تمنح التاريخ مسارا آخر وبالتالي رؤية أخرى للاختلاف العقدي، كمشروع المعتزلة الفكري ومشروع القرامطة الثوري الاجتماعي، إننا يمكن أن نراجع تاريخ الاغتيالات في صفوف كل شخص ملحد أو اشتبه في دينه أو حتى تطبيقه للدين حتى بدون دليل وسنرى أنه كان تاريخ فوبيا ودماء وتقتيل لازال مستمرا بأشكال جديدة يؤطرها الدافع السياسي كما تقول وقائع الاغتيالات والعقوبات :
ففي القرن الأول للهجرة:
- قتل عثمان بن عفّان وعمر بن الخطاب و علي بن أبي طالب باسم التكفير و الانزياح عن العقيدة الصحيحة بعد أن حكم عليهم من قبل أطراف معارضة بعدم الأهلية الدينية لقيادة الدولة.
القرن الثاني للهجرة :
- اتهم الشيخ الجُنيد إمام الحرمين و الشافعي صاحب الرسالة ومالك بن أنس بالفكر،وعُذِّب أبو حنيفة النعمان صاحب المذهب الحنبلي ليموت مسجونا.
القرن 3:
- كفّر البخاري نفسه ونُفِي من بُخارى موطنه ليحمل الأصفاد من طرسوس إلى مدينة بغداد سيرا على الأقدام وهو صائم.
- نصح علماء البلاط بإعدام مجموعة من المتصوفة في هذا القرن : ذو النون – بن يحيى – الخرّاز- ابن الحنان – ابن عطَا – النّوري، وحتى النسائي جامع الحديث لم يسلم من التكفير، وفي هذا القرن أيضا وقعت أفظع جريمة في حق الفكر الإسلامي والتصوف حيث ثم سجن المتصوف الشهير الحسين بن منصور الحلاّج ثم قتل وقُطعت أطرافه عند الصّلبْ قبل أن يتمّ إحراق ما تبقّى من جثته...

القرن 5:
- وصفت كتب أبي حامد الغزالي نفسه الذي هاجم الملاحدة بأنها غير سلفية دينية وأن بها من الخلط شيء كثير، ونفي ابن حزم الأندلسي صاحب "الإحكام في أصول الأحكام" و"طوق الحمامة" ليموت في "لابّالا" بالأندلس.
القرن 6:
- اتهم الفقيه الجوزي الإمام المتصوف عبد الكريم الجيلي بالكفر والارتداد وتعرض ابن عربي للاضطهاد وأسمته زمرة من فقهاء الدولة ب"المرتدّ الأعظم"، وفي القرن ذاته تم خنقُ المتصوف شهاب الدين السهروردي حتّى الموت لاشتباه السلطة الرسمية في إلحاده، وتعرض كل من الشيخ فريد الدين العطّار وشهيب حسن المغربي للاضطهاد والحجر على الحلقات العلمية والكتب التي تخصهم.
القرن 7:
- رُمي أبو الحسن الشاذلي بالتجديف والارتداد، وحتى ابن تيمية نفسه تعرض للاضطهاد السياسي وعذّب حتى الموت، في حين كفّر الشيخ جلال الدين الرومي صاحب "مثنويه" و سُلخ جلد أستاذه شمس الدين التبريزي حيّا لقولِهِ إنَّ التغنّي بالأذكار ليس حراما بل هو أكثر روحية وجمالا.
القرن 8 للهجرة:
- اتهم الإمام ابن القيم بالهرطقة هو الذي مثل التيار المحافظ أيّما تمثيل لأنه قال إن زيارة قبر النبي إبراهيم لا تساوي زيارة الكعبة، كما تعرّض المتصوف تاج الدين السبكي لمنع نشر فكره.
القرن 9:
- اتهم عبد الرحمان جامي بالهرطقة وكذلك محمد الجنبوري وأعلن علماء التوجهات السلفية أحقية ضرب عنق الشيخ علائي متزعم الحركة المهدية.
القرن 10:
- سُحِل الشيخ أحمد البيهاري بتمهمة الكتابة التجديفية و قُتِلَ الصوفي بايزيد البسطامِي في مدينة بيشاور بتهمة الزندقة.
القرن 11:
- سُجن علي ثاني وحُكم عليه بالإعدام ولكن لم ينفذ فيه فظل سجينا، وضُرب عُنق الصوفي الأرمني سَرمد الذي اعتنق الإسلام وثم قتله في الهند حين سافر للاضطلاع على علوم الصوفية.
القرن 12:
- قُتل معصوم علي شاه مِير في الهند، قطعوا آذان وأُنُوف أتباعه وحلقوا لهم لحاهم، في حين هُدِّدَ مُترجم القرآن إلى اللغة الفارسية شاهْ وَلِي وهُدر دمه لأنهم كانوا يرفضون ترجمة القرآن إلى أي لغة مهما كانت، فتعرّض لمحاولة اغتيال لم تنجح.
القرن 13:
- تعرض الفقيه عبد الله الغرنوي للنفي لاختلافه مع شيوخ البلاط الأفغاني وبعد عودته قاموا بسجنه حتى الموت.
وفي القرن الرابع عشر للهجرة حصلت محاكمات كثيرة لمفكرين معاصرين كطه حسين و الشيخ عبد الرازق صاحب " الإسلام وأصول الحكم"، ذلك دون أن ننسى حوادث قريبة جدا ولا زالت تحصل، من اغتيال فرج فودة وطعن نجيب محفوظ ومنع نصر حامد أبي زيد من حياته الأسرية ومواطنيته ...إلخ ، إن هذه مجرد نماذج تمثيلية لمواقف السلطة السياسية من الاختلاف العقدي مهما كانت نوعيته، أعني أي اعتقاد لا يخدم هذه السلطة ولو كان اعتقادا سلفيا، إننا نلاحظ في هذا المسار تداخلا كبيرا، فالصحابة بدورهم قتلوا باسم التكفير وحتى أعتى المدافعين عن الثقافة الدينية المتزمتة من العلماء كابن الجوزي وابن تيمية لم يسلموا من مقص الرقابة، ذلك أن الذي منع الحرية العقدية منعها بكل توجهاتها المختلفة، وإن كان درس التاريخ هذا سينفعنا في شيء فسينفعنا في استيعاب فكرة مهمة جدا، ألا وهي أن الاختلاف العقدي وبالأخص الإلحاد في علاقته بالإسلام، كان محكوما بجدلية السياسة وشرعية الحكم في أغلب فترات التاريخ الإسلامي ولم يكن محكوما كُلّية بالاختلاف الإيديولوجي الذي توجهه المعرفة الصرفة، أو على الأقل المعرفة لأجل المعرفة والمناظرة لأجل "الحق" و"الحقيقة"، من هذا المعطى إذا نبعت شرعية المراجعة النصّية للإسلام وموقفه من الإلحاد، فمادام التاريخ أفرز لنا خلاصة واضحة عن تحكم السياسة في موقف الإسلام السياسي من الإلحاد فللمقاربة النصية أن تعيد صوغ وبناء التصور بحثا عن المعرفة وبعيدا عن الخندقة السياسية للقضية، والتي تحكمت في الرأي العام لقرون ولازالت تتحكم من خلال إدماج السياسي في الديني عبر قناة الدّعوة، فتوجه الفتاوي المعاصرة إلى انتقاء المدخل الديني لتبرير السياسي يتطلب المقاربة النصية الصرفة لمراجعة موقف القرآن والحديث من قضية الإلحاد [4]

*******

ج) ماذا يقول النص؟

يسود في واقع المجتمعات العربية المتخلفة هكذا رفض للنزعات الإلحادية التي تعبر عن موقف أصاحبها فقط، ويقول التاريخ إن الساسة وعموم الناس الموجّهين إيديولوجيا نكّلوا بالملحدين بل حتى بالمسلمين تحت شُبهة الإلحاد، ولكن ماذا يقول التشريع الإسلامي في ينابيعه بعيدا عن التمظهر التاريخي، أو ما يسميه البعض ب"الإسلام التاريخي"؟
صحيح أن جوهر كل منظومة فكرية أو عقدية لا يكمن خارج تاريخ تطبيقاتها وممارستها، بما في ذلك الإسلام، ومعقول أيضا أن تاريخية النصوص التي تشكل التشريع أمر حاصل، لكن هناك في الدين الإسلامي أمر محيّر بخصوص قضية احترام الحريات العقدية، فالمطلع على القرآن والأحاديث المنقحة القوية السند، يلمح أن جوهر النصوص مُفارق للواقع وللتاريخ بشكل أو بآخر، أو على الأقل هناك شرخ بيّن بين جوهر النص وملفوظه وبين تطبيقه وممارسته وتصّور الناس له على مدى قرون، ليست دعوة بيوريتانية لتقديس النص أو الترفع به عن حكم حاصل أو موقف معين من حرية الإلحاد، ولا هي قضية مغالطة وتزوير لطبيعة النص أو حتى انتقائية ولكن في القرآن والحديث كمّ هائل من النصوص الواضحة الدلالة والمقرة باحترام حق الآخر في الاعتقاد بما يريد، في المقابل ليس هناك نصّ قرآني واحد واضح من حيث دعوتُهُ إلى قتل المرتد عن الدين الإسلامي أو الملحد، هناك نصوص تخضع لأسيقة تاريخية مختلفة يتم اقتصاصها من هذه الأسيقة وتوظيفها من قبل الفقهاء لإيهام الناس بأن الإسلام يرفض حق الآخر في أن يكون ملحدا، و من ذلك الحديث النبوي المزعوم :
" من بدَّلَ دينه فاقتلوه" – صحيح البخاري 6922

و لكن ما حقيقة هذه النصوص المجتزأة أو الخاضعة لتوظيف ساذج بغية خلق مناخ فكري منغلق؟
إذا حاولنا مساءلة هذا النص علينا أولا أن نقرّ أنه على مستوى تحليل الخطاب، لابد من الفصل في طبيعة الخطاب وتاريخه وطرائق تلفّظه و القنوات التي وصل إلينا منها، طبيعة الحديث النبوي (الخطاب هنا) مختلفة جدا عن طبيعة القرآن الكريم، وصحيحا البخاري ومسلم توضّح أنهما يعجّان بأحاديث كثيرة تواترها ضعيف ومناقضة للعقل في مواضع كثيرة، والحديث من حيث كونه خطابا خضع للانتقال الشَّفَهِي لعقود طويلة قبل أن يتم حصره كتابيا، فنحن إن سِرنا مع منطق علم الحديث نَلْفِي أنه لا يوجد إلا حديث واحد مرويٌّ باللفظ في حين كل ترسانة الأحاديث الأخرى مروية بالمعنى، أي أنها لا تحمل منطوق الرسول الكريم مباشرة، وإنما هي صياغات أشخاص أخرين غير مَعْصُومِين لا من النسيان ولا من الخطأ كما هو معصوم الرسول الكريم، وهذا جانب يغض دعاة السلفية الطرف عنه في خطابهم المراوغ، إذ يعلمون أن صحيح البخاري ذاته يحتوي من الأحاديث ما لا يمكن أن يقبله الرسول ولا العقل الذي كان يدعو القرآن الكريم إلى إعماله في كل شاذة وفاذّة [5] ،إن طبيعة نصوص الحديث تطرح إشكالا تاريخيا أكثر مما يطرحه النص القرآني "إنها تطرح إشكالية أكثر تعقيدا من جانِبَي المنطوق والمفهوم معا، إذ يفتقد هذا النوع من النصوص صفة تباث المنطوق، ويصبح تحديده أمرا اجتهاديا خاضعا بدوره لجدلية الكشف و الإخفاء" [6] وهذه الإشكالات هي ذاتها التي دفعت الفقهاء وجُمّاع الأحاديث إلى تصنيف الأحاديث وفق خصائص القوة أو الضعف، و في هذا الصدد وجبت الإشارة إلى أن حديث "من بدّل دينه افقتلوه" حديث آحاد و ليس مشهورا أو متواترا بالمعيار الفقهي نفسه، والحديث الآحاد كما هو معروف في القاعدة الفقهية لا يُؤخد به في أمور العقيدة ولا يُبنى عليه حكم، وما ينطبق على هذا الحديث ينطبق على الحديث الذي رواه النسائي : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا من ثلاثة: إلا من زنا بعد ما أحصن، أو كفر بعد ما أسلم، أو قتل نفساً فقتل بها" .
في حين أننا نجد في النص القرآني شواهد متباينة في حكمها على المرتد، فهي في أقصى الحالات تتوعده بالدخول إلى النار، وتدعوه للرجوع عن الغيّ الذي هو فيه، لكنها و بكل وضوح لم تقل بقتله أبدا، و ليس هناك فقيه سواء سلفي أو غير سلفي يستطيع وضع يده على نص قرآني واضح من حيث دعوته لقتل المرتد في الحياة الدُّنيا، يمكن أن نستشهد ببعض هذه النصوص:
- "لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوُثقى لا انفصام لها والله سميع عليم" البقرة – 256
- " قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربّكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل " يونس – 108
- " وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يُغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا" الكهف 29
- " إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين / وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنّما أنا من المنذرين " النمل - الآيتين 91 -92
- " من كفر فعليه كُفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهّدون" الروم – 44
- " هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين عند ربّهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا" فاطر 39
- " إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدي فلنفسه ومن ضل فإنّما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل" الزمر – 41
- " وإن تولّوا فإنما عليك البلاغ المبين" النحل -72 ( ولم يقل القتل المبين وإنما البلاغ فقط والهداية )
- " فاصدع بما تومر وأعرض عن المشركين" الحجر 94
- "نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبّار فذكّر بالقرآن من يخاف وعيد" ق – 45 ( ما أنت عليهم بجبار يعني أنت لا تملك إلا الهداية و الله هو الذي يعاقب ليس أنت أو البشر)
- " والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل" الشورى -6 ( ليست لك وكالة على الملحدين إنما أنت أبلغ وفقط)
- "فذكّر إنّما أنت مذكر / لست عليهم بمسيطر" الغاشية – 22
- " ليس عليك هداهم و لكن الله يهدي من يشاء" البقرة – 272 ( الله هو الهادي و ليس البشر الذين يهددون بقتل و قطع رأس من لم يؤمن ، فالأمر واضح هنا)
- " ولو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" يونس – 99 ( أسلوب استنكار واضح على من يدّعي إجبار الناس على الإيمان فالله وحده يهدي أو يضل ولا حق لبشر في فرض شيء على آخرين)
- " قل يا أيها الكافرون / لا أعبد ما تعبدون / ولا أنتم عابدون ما أعبد / ولا أنا عابد ما عبدتم / ولا أنتم عابدون ما أعبد / لكم دينكم ولي دين" الكافرون – 6
- " إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون" آل عمران – 90
لا أظن أن هذه الترسانة من النصوص القرآنية تحتاج إلى فقيه ليشرح لنا شيئا واضحا مثل الشمس، فإن لاحظنا هذه النصوص نجد أنها تنفي تدخل الرسول أو أي شخص آخر في عقيدة الآخرين بالقوة وبالعنف، فهي تدعو الرسول إلى التنبيه والتحذير والتبليغ فقط، ولم تطلب منه أن يقطع رقاب من لا يؤمن إنما الله هو المسؤول عن عقاب أولئك، من هنا القرآن لا يقر بقتل المرتد أبدا، وإن قارنا هذه الترسانة من النصوص مع ذلك الحديث المشكوك في أمره يتوضح تماما أن هناك شيئا مخفيا في خطاب فقهاء البلاط الذين يقولون بقتل المرتد، إنها خدمة السياسة كما وضّحت المقاربة التاريخية أعلاه، أما القرآن الذي هو أعلى مصدر تشريعي في العرف الإسلامي فلا يحلّ لأحد قتل شخص ملحد مرتدّ حتى عن الديانة الإسلامية، هناك مستوى مرتفع من الوعيد بالنار والعذاب ولكنه في الآخرة وليس دعوة لتطبيقه في الدنيا من قبل زبانية البلاطات السلطانية.
بناء على مقاربة النص نعود لنسائل التاريخ والواقع فيتوضح لنا أن التاريخ تلبّس في الحاضر، وفهم ذلك نابع من توصيف لحالة أشكال الحكم في العالم الإسلامي، إننا لم نخرج بعد من عصر الخليفة المهدي، ونتائج الإحصاء للرأي العام لبعض الشباب هي في واقعها نتيجة التصور التاريخي الموروث بلا تمحيص ولا فهم، ذلك أن الرأي الشعبي يتماهى مع رأي السياسيين طردا، لأنه مؤطر بآليات إعلامية إخبارية توظف الديني بشكل إقصائي لروح الإسلام المتسامحة، فنلفي أنفسنا أماما ظاهرة الانتقاء، ليأتيك شخص واحد بحديث ميت ومشكوك في أمره فيفتي بقتل هذا المفكر وسحل هذا الشاب ونفي هذه المرأة متناسيا كل هذا الزخم النصّي القرآني الذي يمثل السلطة التشريعية الأولى في الإسلام ، إن قراءة التاريخ تؤكد أن الإلحاد اضطهد في الإسلام وقراءة الواقع تؤكد أن هذا التاريخ لازال ممتدا في أذهان عامّة الناس، لكن قراءة النص القرآني تؤكد أن هذا التصور معطوب ومشوه لخضوعه لغير هدف المعرفة وإنما هدف السياسة.

هوامش:

[1] محمد أركون، الفكر الأصولي و استحالة التأصيل، ت: هاشم صالح،دار الساقي، الطبعة الأولى 1999،ص 189.
[2] فكرة الفرقة الناجية نجدها عن أئمة السلفيين مثل ابن تيمية، بمقتضاها ستكون هناك ثلاثة وسبعون فرقة في الإسلام ، اثنتان وسبعون في النار وفرقة واحد في الجنة !! وذلك بناء على الحديث النبوي، فعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ : ( أَلَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِينَا فَقَالَ : أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ، وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ ، ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ ) رواه أبو داود ( 4597 ) وغيره وصححه الحاكم ( 1 / 128 )
[3] عبد الرحمن بدوي ، من تاريخ الإلحاد في الإسلام، سينا للنشر، الطبعة الثانية 1993، ص 37.
[4] تعتمد ظاهرة الفتاوى المعاصرة على جدل السياسي والديني بقوة بل تقوم عليه، فرأينا بدء من دعاة الإخوان المسلمين ودعاة الظاهرة الوهابية هكذا تداخل وتجانس، لتصبح قضية الإلحاد في الفتوى ذات أهمية قصوى لا تقل عن أهمية الإلحاد في القرآن، أو هكذا أُريدَ لها، ويمكن للمرء أن ينظر فقط في نماذج هذه الفتاوى التخريبية :
يقول أبو الأعلى المودودي في موضعين :
- " إنّنا لا نسمح في عهدنا لأي مسلم أن يبدّل دينه، كما لا نسمح لأهل أي دين آخر أن ينشروا معتقدهم".
- "هناك طريقتان فقط للتعامل مع المرتد: فإما نجعله خارجا عن القانون بأن نجرّده من مواطنيته ونسمح له فقط بمجرد الوجود( وهو ما حصل فيما بعد لنصر حامد أبي زيد)، وإمّا أن نُنْهِي حياته، وإن الطريقة الأولى هي بالتأكيد أشدّ قسوة من الثانية، حيثُ يترك المرتد في حالة لا يموت فيها ولا يحيا، ولذلك فإن قتله هو الأفضل" !؟
[5] ينظر كتاب "جناية البخاري" لزكرياء أوزون.
[6] نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني، سينا للنشر، الطبعة الثانية 1993، ص 119.







كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,558,263,497
- أسئلة في الحب (حوار)
- أريد وطنا بعرض أحلامِي
- رَمادُ مُعتقَلْ...
- فالسُ الرّحيلْ...
- ڨالسُ الرّحيلْ (اللقاء الأخيرْ)
- طعنة الخيانة...
- عُتمة الزوايا (2) - لعبة الذكريات
- سعيد...رفيقي
- عُتمة الزوايا (1)
- كورنيشُ الأحزانْ...
- .أَرقٌ وَ شكْ.
- خرف
- المثقف المغربي والخذلان.
- زَطْلَةٌ نَازِيّةٌ
- بُصاقُ اللامعنى
- سَفَالةٌ
- رَشْمٌ خائِف
- الّليْلُ و الكَأْسُ
- شفرة قديمة
- شهقة جسد


المزيد.....




- إنقاذ 67 صبيا ورجلا من -مدرسة إسلامية- في نيجيريا
- أزمة بين روسيا وإسرائيل على خلفية سجن إسرائيلية تتعاطى الحشي ...
- حرائق لم يشهدها لبنان من قبل... تشعل نار -الطائفية- مجددا
- شيخ الأزهر: التسامح الفقهي لم يكن غريبا أو شاذا في المجتمعات ...
- حفتر يعلق على إعلان سيف الإسلام القذافي الترشح لانتخابات رئا ...
- الاحتلال الإسرائيلي يقرر إغلاق المسجد الابراهيمي غدا وبعد غد ...
- هل يعود تنظيم الدولة الإسلامية بعد التوغل التركي في سوريا؟
- اليهود المغاربة يحتفلون بيوم الغفران في مراكش
- مصر.. تطورات محاكمة قيادات -الإخوان- الهاربين إلى تركيا
- قطر: الإخوان المسلمين قصة تم اختلاقها


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد البوعيادي - الإلحاد والإسلام: عودة من الواقع إلى التاريخ والنص