أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - كيمياء القصيدة العراقية















المزيد.....


كيمياء القصيدة العراقية


مقداد مسعود

الحوار المتمدن-العدد: 4184 - 2013 / 8 / 14 - 12:28
المحور: الادب والفن
    


كيمياء القصيدة العراقية : مثلنة الوطن شعريا..


(*)
ثمة َ رؤية ٌ منصفة ٌ معلنةٌ مثل نفيرٍ عام،على لسانِ شاعرٍ كبيرٍ
أشترط كينونة ًعراقية ً لصيرورةِ الشعر العربي :
فكن عراقيا لتصبح شاعرا ياصاحبي/ محمود درويش..(1)
هنا محمود درويش يَمسِكُ الشجرةَ من خاصرتِها..أليست إنهيدونا
أبنةُ سركونَ الأكديّ أول شاعرةٍ في العالم ؟ كما عنونت(بتي. دي ..يشونك ميدر) كتابها وألحقتهُ بكتبٍ أخر حول الشعر السومري
منها(إزالة لعنة الظلام/منشورات تشيرون،1992)و كذلك (على موقعك المتألق: تراتيل المعبد السومرية لإنهيدونا/منشورات جامعة
تكساس ) وهناك ايضا(السيدةُ ذاتُ القلبِ الأعظم)(2)
*وثمة َ إنصافٌ أستشراقيٌ يعلن..(ترى النظرة الحديثة أن بداية الفلسفة كانت مع مجيء ماقبل السقراطيّين الذين تمكّنوا من تخيّل الوحدة في الكون،وتدبرها. ..يرفض بويتر مايكلووسكي هذه النظرة،والأصل المتأخر للفلسفة،مستخدما كدليلٍ،النماذج والأنماط
الرمزية والتركيبية التي من خلالها،عبّر العراقيون القدماء عن بحثهم ونشدانهم المعنى في الكونص34)(3)
(*)
ترى قراءتي المنتجة ُ أن سيرة َ الشعرِ العراقيّ لاتخلو من فاعلية ِ مثلنة.. يتحول فيها الشعرُ من مثال الأنا الى الوطن المثالي ...وهكذا تكون مثلنة الوطن شعريا...
(..وأظل أسبحُ في رشاشٍ منهُ،أسبح في عبير
فكأن أودية َ العراق
فتحت نوافذ َ من رؤاكَ على سهادي،كلُ وادِ
وهبتهُ عشتارُ الأزاهرَ والثمار ،كأن روحي
في تربةِ الظلماءِ حبة ُ حنطةٍ وصداك ماء..) (4)
وهو في الرمق الأخير..يمثلن الشاعر السياب وطنهُ العراق الذي كان في زمن كتابةِ هذه القصيدة ،في حالة إصطراع وأحتراب
بين أطياف الحراك السياسي ..
من هنا أرمي شبكة اسئلتي ...
*لو كانت الاوضاعُ هنا آمنة ً مطمئنة ً..وكانت السعاداتُ ملكية ً عامة ً او نصفَ عامة....كم ستكون نسبة تأملاتِ الهايكو في القصيدة العراقية؟!
*ماالذي يجعلُ الشاعرَ العراقي الوريثَ الوحيدَ لشاعرِ القبيلة ؟!
*لماذا الكثرةُ..تحذف الواحد الشاعر..حين يتمردُ على برنامجها
الأيدلوجي؟
*هل الشاعرُ..موظفٌ ثقافيٌ..يلتقط السائدَ ويشتغل على تكرار إنتاجهِ ليصيب القرّاء بالأدمانِ على نرجسيتهِ هو..؟
*متى يتخلص القراء من مفهوم :الشاعر مفسرِ أحلامهم الاجتماعية؟..
(2)
ماهي آليات الصراع في أدبنا العراقي؟
حتى لاتكونَ أجابتي عائمة ً ،أستعين بالذاكرة التذكارية ..معتمدا على أطروحات المفكر الإقتصادي العراقي الفذ الأستاذ (ابراهيم كبة) الذي يرى ان(انتقال مجتمعات وأقتصاديات كانت حتى الأمس القريب خاضعة للنظام الكولونيالي وهي تنتقل الآن لمرحلة مابعد الكولونيالية وهذا النوع الانتقالي الأخيرهو الذي يثير المشاكل التي تحددها وتدل عليها بعض المفاهيم العلمية من أمثال (الامبريالية الجديدة) و(الكولونيالية الجديدة)و (الاشتراكية الخاصة) ومن الضروري في دراسة هذه الاشكال الانتقالية،تجاوز الحقل الايدلوجي الى حقل التغيرات الحقيقية في العلاقات الطبقية وعلاقات الانتاج والطبيعة الطبقية للدولة/ 339-340/ سلام ابراهيم كبة)(5) من هنا نرى ان مايسمى بالطبقةِ الاقطاعية في العراق لم يكن لها ذلك الرصيدُ الثقافي الذي يعوّل عليه ..خلافا للطبقةِ الاقطاعيةِ الاوربية..ومع الاحتلال الانكليزي حينما حاولت ان تعي ذاتَها كانت يقظتُها متأخرةً ،فهي لم تتصل مجتمعيا بغير الاتصالية الدينية ولما ارادت تتخلق بسمات طبقية،حاولت محاكاةَ اوربا في الجديد الوافد منها..وتحديدا اوربا البرجوازية التي تخلصت من التشكيلة الاقطاعية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الاوربي..والامر هنا مشروط ٌ بإتصاليةِ الإمكان والإستحالة :
(ليس للفكر حرية ذاتية في التحرك والتطور،كما ان نشاطه في انتاج المعرفة ليس من فعل الفرد كارادة ذاتية مطلقة .ان تحرك
الفكر يكون دوما في اطار بنية فكرية هي التي تحدد له آفاق الامكان والاستحالة في التطور/ص16) (6 )
وهذي هي بالضبط محنة مايسمى بالحكم الوطني في بداية القرن العشرين فهو : طبقة برجوازية عراقية في أدوار استحالتها وعليها التصدي للأقطاع من جهة وللأستعمار من جهة أخرى وضمن جرعات حذرة واندراجية..ومحايثة مع البرجوازية ولدت البروليتاريا العراقية بخطواتها الضئيلة والفاقدة الخبرة ..
أضافة الى مؤثرية المخترعات السينما/ الراديو/ الكهرباء
الحلم العربي الواحد..صدى ثورة أكتوبر / حسين الرحال وحلقات
الماركسية الاولى في العراق..وحسين الرحال كأول مدير للأذاعة العراقية في 1943(7)..
كل هذا التماوج من الوعي كان يتدفق في بيئة نصف اقطاعية – نصف برجوازية..ولم يكن الحد الفاصل واضحا بين الهويات الطبقية..فالعمال معظمهم ينحدرون من الريف وهذا يعني ان العمال وهم في المدينة كانوا يحملون قيمهم الفلاحية .ومن جهة ثانية كان الاقطاعيون الكبار هم الرافد الاساس للطبقة البرجوازية في العراق.. وأقول مع الشاعر والروائي فاضل العزاوي( هذا التحديد الطبقي لتركيب المجتمع العراقي ليس ضروريا فحسب في معرفة تطور الأدب العراقي ..وإنما يعتبر ضروريا لمعرفة وتعيين الاعمال والتيارات التي تعكس التاريخ/ )(8)
(3)
لم يكن الشاعرُ العراقيٌ ،قد نضدتهُ الخصصة بعد..لذا فهو قد كان يسهم في إنتاجية الثقافة من تنورين وليس من تنورٍ واحدٍ..
هكذا كان الشاعر الزهاوي فهو العالم الزهاوي أيضا وكان يشعرن
علمياته في كثيرا من الاحيان..ومن باب التمييز بين مصطلحي الشاعر والناظم فالشاعرالزهاوي هنا ناظم والناظم( بمثابة وسيط ينقل عبر قالب الشعر الافكار السائد/ص18/ مالك المطلبي)(9)
وهكذا أيضا كان المعرفي والشاعرمعروف الرصافي وهو ينتج لنا الاشعار كما أنتج كتابه ...(الشخصية المحمدية).....ولم يكن أشتغال الشاعرين الزهاوي والرصافي بعيدا..عما يجري من متغيرات في الحراك الثوري العالمي والشاعران رأيا في ثورة أكتوبر الاشتراكية رؤية خلاّقة فهاهو الزهاوي يناشد العراقيين :
(لاتيأسوا يا أيها البؤساء ،فعلى رابية الهدى،رُفعت للبلشفيك
راية ٌ حمراءٌ) في حين يخاطبهم الرصافي والانتداب مايزال في عنفوانه :
للأنكليز مطامع ببلادكم
لاتنتهي إلاّ بأن تتبلشفوا ..
*الوعاء كوظيفة :
العينتان ،عينة الزهاوي أو.. الرصافي لاتكون في حقل (الألفاظ) بل في حقل الافكار..واللفظ هنا محض وعاء يرتبط بمفهوم الوسيط وهذه الوظيفة الوعائية لاقت كل الترحيب في تسويق كم هائل من الكتابات منذ تلك الفترة وأستوطنت الآن بكل ديمقراطية في نسيج عنكبوت التقانة ..
فتسببت في تلويث البيئة الثقافية وماتزال..أما بالنسبة للأفكار فهي(قيم مجردة.يمكن تصورها في ضوء تقابلاتها كفكرة العدم والوجود والحرية والبنية والذات والموضوع والنفس والوعي /ص19/ المطلبي).(10).
أذن ليس الشاعر بل المصلح الاجتماعي الذي في الزهاوي والرصافي
هو الذي يحرّض ويدعو الجماهير ،مستعملا الشعر وعاءً أجتماعيا..
(4)
إتصالية مجتمع الأدباء/ مجتمع الأدب
وإذا كان الشاعر في الثلثِ الاولِ من القرنِ العشرين يناورُ ويحاور
في تماساتهِ مع السلطة بطابقيها الكونيالي والملكي..فأن الشاعرَ مع اندحارِ الفاشيةِ في الحرب العالمية الثانية ..شارك لا بقصائده فقط بل بجسده كله في الحراك الاجتماعي...وهنا ظهرت
كتابتان : الشاعر يكتب حلمه في عزيمة الجماهير..كتابة الشاعر من الأعلى وتحديدا يكون بثها من إرتفاعه على أكتاف الجماهير في شوارع المدينة الصخابة بحلمها الوطني المحتدم والغامض ايضا..وهذه الاكتاف هي المنبرُ الطوعيُ..تصعّد الشاعر بكل مافي التصعيد من شحنات متظافرة الدلالة..والشاعر يتماهى بدور ذلك الشاعر الذي كان صناجة القبيلة لكنه هنا صناجة الشعب من خلال فعل تبئير فهو لايعبر عن طموح الشعب كله بل عن محرومية الغالبية..وهنا تبئر السلطة اجراءاتها من فوهات سود وتلتقط..الجماهير المنكتبة نصوصا صخابة ً في الشارع ،فتتضرج النصوص بحلم الشاعر: كما جرى في وثبة كانون 1948 وفي غيرها من الغضب الجماهيري والسلطة ُ تكتبُ عنفَها في جسد الشاعر..وهي تقذفه في غياباتها وهو في أجمل سنوات عمره..أو تجعله مطاردا مشردا منفيا جواّبا وهنا
وفي أدوار الاستحالة هذي سيصّدر الشاعرُ عنفَ السلطِة بوصفه فعلا شعريا وفعلا ثقافيا أيضا من خلال قصائد المحتدمة ..
: السياب /الفريد سمعان/البياتي/ بلند الحيدري/ حسين مردان/ مظفر/ سركون بولص /خليل معاضيدي / عبد الكريم كاصد/ هاشم شفيق/ مصطفى عبدالله/ مهدي محمدعلي/...الخ
ولايكتفي الشاعر بذلك فهو سيشارك في مأسسة أدب مابعد المنفى
والمنفى هنا لايطوق جغرافيا بل يشمل المنفى في الوطن والمنافي
المتعارف عليها..وأدب مابعد المنفى هو مجموعة ٌ من الآثار (البلاغية والجمالية والأيدلوجية والثقافية التي يغرسها المنفى بأعتباره قيمة ومفهوما وجوديا ..لابأعتباره فعلا سياسيا إقصائيا)(11)..

إذا كان (كل وجودٍ يبدو في ذاته مدورا)حسب الفيلسوف ياسبرز فأن مدورةَ الشاعر العراقي عراقيتهُ..وحسب ما قال الشاعرعبد الكريم كاصد في حوار اجرته معه مجلة نزوى :
(لقد أخذ المنفى مني الكثير..)
نلاحظ من كل هذا ان الوعيَ الشعريَ لدى الشاعر العراقي..
وعيٌ قلقٌ / مطاردٌ /مشردٌ دون مظلةٍ او مأوى.ونبضُهُ لايمتلك
دقاتهِ الطبيعيةَ مقارنة ً بشاعرٍ يرفل في دول الاسلام النفطي بنعيم
السلطة أو شاعر في العالم الرأسمالي يملك حرية القول والفعل
والعيش الكريم..مقارنةً بالشاعرِ العراقي الذي يلاقي اعظم َالحفاوات ..ولكن بعد موته...
من هنا يسعى الشاعر العراقي..الى تذويتِ العالمِ ،وصولا الى مثلنةِ الوطن ولو على مستوى مافي نصوصه من يوتوبيا نجرتها
خيباتهُ المصنّعة وطنيا.. ويكون ذلك عبر المزدوجات التالية
العام ------------- -------الخاص
الزمن الجمعي--------الزمن الفردي..
وهكذا على مستوى الوظيفي للفاعلية الشعرية ستكون مسا همتها
في (تحرير الإنسان من النقص/21 المطلبي)
(5)
منابعُ الشعر هنا: مراوغةُ اللغة وغواياتُ الاستعاراتِ ربما بالطريقة هذه يطمئنُ الشاعر على ملكيتهِ الإستثنائيةِ من الحساسية
الشعريةِ التي توفر له ثرواتٍ هائلة ً من سعةِ المجاز و تخلصهُ من جهامةِ المعجمِ ونمطيتهِ المستعملةِ،وهكذا تتخلق كيوناتٌ ثرةٌ
(على اعتبار ان الكائن َ الإنسانيَ هو باطنُ النص ومبرره ُالوجوديُ،المعبرُ عن رمزيةِ حراكهِ، وإعادة تخليقهِ بواسطة اللغةِ/109 )(11) و من مشيمة واحدة تتم تغذية : الكائن الشعري : القصيدة والكائن البشري المتلقي وكذلك المرسل الذي يتخلق من خلال فاعلية الخلق المبثوثة منه ..
(6)
لماذا بالعنف نستقبل الجديد في الثقافة العراقية...؟
هل السبب هو غياب تصالح الذات مع ذاتها؟ أليس هذا الغياب هو القفل الصدأ المثبت في أفق الذات ؟ والذين نهشوا الخطوات الاولى
للشعر الحديث ..يجعلونني الآن أتساءل هل لديهم إتصالية عائلية
مع علم اللغة؟ اليس كل عائلة (تتماسك حسب النبرة والأقتباسات والكلمات المحصورة بين الأقواس،فأكثر الكلمات كسلا لها ظلالها
ولونها في العائلة..فهذه التلونات اللفظية المتباينة واللانهائية لعلم اللغة تترك ظلال الحياة العائلية/ص21/مندلستام)(12)..من هنا برر المحافظون شراستهم أزاء الشعر الحر كدفاعٍ عن معجم العائلة العراقية.. ودفاعٍ عن التاريخ لغويا فاللغة العربية من اللغات الثرة
جدا..الأمر الذي انتج عشرات المعاجم وآلاف اللغويين ..هذا الأمر
جعل القيمين على اللغة يرونها هي التاريخ نفسه وليس اداة تدوين للتاريخ كعلم مستقل بذاته.. هؤلاء يرفضون اي قطع معرفي يجريه
الشعر مع اللغة السائدة لأنه بالضرورة سيؤدي الى قطع في التعاقب التاريخي ودخول في منعطف جديد.. وماقاله الشاعر فاضل العزاوي قبل مايقارب أكثر من تلث قرن اعيد انتاجه ثانية:
(لماذا لايحدثُ مثل هذا الانسلاخِ الفكريّ والفني بين جيلين في بلدٍ
مثل فرنسا مثلا؟ وهل هو صراع فكري وفني بين جيلين كما يدعي
بعضُ الكتّاب ؟/ص11 مجلة الكلمة(13)..لماذا هذا العنفُ الثقافيُ أزاءَالجديد ؟ لماذا يقترن الجديد عندنا دائما بالدخيل الذي علينا ان نسيء الظن به دائما ؟ هل يتوقف الأمر على ذكاء البرجوازية الأوربية وغباء المحافظين في العراق حسب فاضل العزاوي
(...البرجوازية الغربية أكثر ذكاء وخبرة من ان تتبنى مواقف أدبية
أوفنية يمكن أن تخسرها بسهولة كما فعل المحافظون عندنا في الأربعينات وبداية الخمسينات عندما حاولوا مواجهة تيار الشعر الحر الناشىء الجديد وإيقافه..)(14)..أرى ان المحافظين في العراق لايقلون ذكاءً عن سواهم فهم جزء من الكل الكولونيالي الذي كان يحكم العراق عبر مايسمى بالحكم الوطني..ورواد الشعر
الحديث كانوا علامة ً مضيئة ً فى لافتاتِ اليسار العراقي آنذاك..
فليس من المعقول ان يضحي المحافظون برضا الكولونيالية البريطانية والبلاط الملكي ..من أجل الذين يتبعهم الغاوون ..
(7)
ألا يمكن أعتبارُ الشعر الحديث مساهمة ً لغويةً فاعلة ً في تدجين الأذن على قصيدة ما يعرف ب(جيل الستينات)..؟ أعني بذلك مساهمة في( الإمكان اللغوي الجديد )؟ ألم تترك هذه الخطوةُ الشعريةُ طمغة ً سسيولوجيةً مغايرة ً؟ وهي تسهم في الحراك الثوري ،بكل عنفوانها وهكذا ساهمت بإعادة إنتاج الهوية العراقية
وذلك حين نعي اللغة ك(وجود على هيئة الممكن وان الهوية في مستوى اللغة هي الإمكان المحض..) وبالطريقة هذه وفّر الرواد لنا أدوات إنتاج للأنحراف بالمفردة عن الطرق المعبّدة بالمعاجم،من أجل تقشيرها من غبار المعنى المتخثر وشحنها بالإيحائي الجواني من المعنى..دون ان تسلخَ المفردة من طمغتها السيسولوجية ،وهكذا يكون الانتاج واعيا لتجاوزه اللغوي/ اللفظي/ النحوي
وذلك عبر قصيدة القناع ....وإذا كانت هذه اللحظة هي لحظة اغتراب الشاعر فإنها في نفس الوقت هي لحظتة ُالمعرفية وهي لحظتهُ الحداثيةُ..وهي في كل هذا فاعلية الشاعر الاستنكافية في
مواجهة السلطة بعنف يوازي عنفها ضده....نلاحظ من خلال القصيدة القناع..طوى الشاعر لافتته السياسية الاولى ..ليصوغها قناعا شعريا..وليس في ذلك نكوص مبدئي بل خبرةُ تكتكيةُ أكثر رقيا..تتوازى مع ماوصل اليه الخطاب الثقافي عموما..
كلُ سؤالٍ يعني إشعال ضوءٍ جديد وكلُ جديدٍ يعني كسرا في النسق..يتخذ صيغة َ سؤال وهنا ينقسم الوعيُ الجمعيُ على نفسه
ويحرث في أرضٍ بكرٍ تقلق اصحاب رأس المال الرمزي الذي يمول رأس المال المعرفي..
(8)
الشاعر/ المطلق.
يتمرد الشاعر على المطلق الميتافيزيقي،لاليتحرر..بل لينقل اتصاليته الى المطلق الايدلوجي..وهكذا يكون الشاعر محافظا على نسقه بأستثناءٍ بسيطٍ هو تغير محتوى النسق..وربما يكون السبب هو هيمنة الكثرة على الواحد/ الشاعر ..ثم يتململ الشاعر من مطلقه الجديد.. ويعلن تمرده على المطلقات كافة فهو يريد التحررلنفسه وللوطن من خلال الشعر الحر ..أعني قصيدة التفعيلة وبعد فترة وجيزة قصيدة النثر..وإذا اردنا معرفة سبب هذا الكدح الذي لايتوقف عنه الشاعر فيمكن ان نراه في دوافعه في اكتشاف يوتوبيا تحررية ولو عن طريق الشعر..بعد استنفاذ
الخطاب الايدلوجي لكل ممكناته فراح يبحث عن( التذاذ النفوس بالتخيل) حسب ماجاء في كلام حازم القرطاجني..
((9
أتصاليةالشعر /السرد..
يصّدر الشاعر العراقي مجموعاته شعرية ..ثم يتضايق من واحدية الخطاب فيباغتنا بسروده الروائية الجميلة كما فعل ومايزال الشاعر والروائي فاضل العزاوي أو بمجموعة قصصية كما فعل سعدي يوسف فى منتصف سبعينات القرن الماضي..ثم أردفها ب (مثلث الدائرة) (15) رواية تشير الى وعي مؤلفها المتقدم في التقنية الروائية..أوتكون المزاوجة في ذات المطبوع،كما فعل القاص والروائي جمعة اللامي في روايته.(مجنون زينب)(16) حيث
تتمفصل الرواية بين الشعر والسرد...أما الشاعر الفريد سمعان فقد أصدر ثلاث مجاميع قصصية ( الجمعة الحزينة) (نبوءة متأخرة)..(النواقيس لاتدق) إضافة الى مسرحية شعرية )ليمونا) (17)الشاعر عبد الكريم كاصد يتحفنا بمجموعة قصص قصيرة(المجانين لايتعبون)(18)الشاعر كاظم الحجاح ينتج مجموعة من المسرحيات..ومنتج هذه الورقة النقاشية فصولا من روايته( ليلة زفاف عبد الكريم قاسم)(19)الشاعرة بلقيس خالد تنشر فصلامن مخطوطتها الروائية(غفوة أخرى لحلم لم يكتمل) في مجلة الثقافة الجديدة..(20)الشاعر عبد الكريم العامري بعد ثلاث مجاميع شعرية يصدر رواية (عنبر سعيد) (21)الشاعرة نجاة عبدالله تنشر مجموعة قصصية :(أصابع جدي)(22).والشاعرة فليحة حسن تصدر رواية (نمش ماي)(23) كتجربة سردية جديدة،ثم تعقبها ب(بعيدا عن العنكبوت حارستي حمامة أكره مدينتي...)(24)الشاعرة نضال القاضي تزاوج بين الكتابتين فقد أصدرت (ودائع المعوّل عليه)(25) كما أصدرت مجموعتين قصصيتين (مكان مألوف لدي) و(عصفورة آدم)..و رواية منشورة (سيرة ظل)نلاحظ هنا ان الشاعرة والشاعر العراقي ..لهما طاقات متوازنة وهما يشعرنان سرودهما بنماذج قصصية أو روائية...
فهما ينقذان السرد من تلك الضرورة التي تسمى ب( الحشو السردي)..فنحصل من خلال نتاجها الشاعرة/ الشاعر على نصوص تشعرن سرودها بجرعات محسوبة حفاظ على معادلة متكافئة الطرفين ..لايعني ان كل هذه المحاولات قد وصلت بر أمان التلقي.. لكن الوعي الشعري وهو يسرد نصوصا يكون مهموما ب(التركيز على أسلوب الكتابة،على صفاء اللغة وبناء الجملة وذلك التأكيد على الأيماء اللغوي،على منح الواقع دلالات جديدة من خلال التركيز)(26) وتستمر الشاعرة سالمة صالح في توضيح مساهمتها وهي تكتب سرودها بأ قتصاد أسلوبي مبررة ذلك في قولها( لماذا أثقل النص بتفاصيل لاأهمية لها..أنني أفضل ان اترك للقارىء اختراع التفاصيل..مامن عدو للنص الأدبي مثل أستطرادات لاتقدم شيئا للقارىء)(27) وحين سألنا الشاعر عبد الكريم كاصد (في مجموعتك القصصية ( المجانين لا يتعبون ) ثمة فرشة شعرية في القص اعتمدت فيها على الاقتصاد في الأسلوبية / الاشتغال على الومضة ، فجاءت القصص ، باختزال لم يؤثر سلباً على الحركة القصصية ، وهذا بدوره يكشف بالنسبة لي عن متابعتك للنتاج القصصي قراءة ، وهنا يبرز سؤالان :
1- هل ضاق وعاء الشعر بأحاسيس الشاعر عبدالكريم كاصد فتوجه إلى وعاء أكثر حريّة ؟
2- وهل سيضيق هذا الوعاء السردي فيلوذ الشاعر بوعاء سردي أوسع وأكثر حرية ، أعني هل ستجرب الرواية ؟ القصة الطويلة ؟
أجابنا:
تسعدني إشارتك إلى الإقتصاد في الأسلوب ، والاشتغال على الومضة ، والاختزال الذي لم يؤثر سلبياً على الحركة القصصية ، وأود أن أوضح أن كتابتي القصصية لم تكن جراء ضيق الوعاء الشعريّ لسبب بسيط هو أنّ الشعر لا يحدّه وعاء أو شكل معينين ، تماما كالنثر ، في أشكاله اللامتناهية ، التي لم يستنفدها الكتّاب بعد . وحتى أساليبه القديمة هل تمت دراستها واستيعابها لننطلق إلى ما هو أرحب منها تمثيلاً لتصوراتنا وكتاباتنا .كتبتُ أغلب هذه القصص سنتي 81 ، 82 ولم أعد إلى هذا الشكل إلاّ نادراً في السنوات التي أعقبت تلك الفترة ولكنني كتبت مجموعة قصصية أخرى للأطفال ( سأرفق لك مع مقابلتي هذه قصتين قصيرتين منها ) ، وكتاباً يحتوي على مئات الصفحات عن بصرة طفولتي وتجاربي في المنفى . وفي هذا الكتاب يتقارب الشعر والنثر ويتداخلان ويتبادلان أدوراهما وقد يتخذان شكلاً واحداً فلاتدري أين يبتدئ الشعر أو ينتهي النثر .لم يعد هذا الفارق بالنسبة إليّ مهماً فأنا أرى أن قصة ( مقهى ) مثلاً في المجموعة هي قصيدة كتبتها وأنا في حالة شبيهة بتلك الحالات التي أكتب فيها قصائدي . وقل مثل ذلك عن قصص مثل (الأشباح ، الأم ، وغيرها ) .نني أتنقل بين الأشكال مثلما أتنقل في فضاءات لا حدود لها . لا فرق لديّ بين شكل مغلق أو مفتوح . وما هو مغلق هو في حقيقته ليس ذلك إلاّ لمن يرى ظاهره .. هل شكل الزهيري شكل مغلق ؟ ويصح السؤال على الرباعية والسوناتة والهايكو .. ولكن هذا الشكل المغلق كتب فيه أعظم العوالم انفتاحاً .. رباعيات الخيام ، سونيتات شكسبير وكلّ المحدثين من الشعراء : سليفيا بلاث ، لويل ، بيريمان ، وكثيرون .)(28) وفي هذا الصدد ،في حوار أجرته معها (إنتصار السعداوي) ترى الشاعرة والروائية فليحة حسن:
(عندما أردت أن أكتب ما مررت به من تجارب قاسية معاشة من خلال ذهابي وأيابي الى بغداد ولم يسع فضاء القصيدة تلك التجربة
فصار ان أكتبها رواية.. وهذه الرواية نقلت فيها مكابداتي الشخصية ومررت خلالها بمتاهات من الخوف،أحسب ان المتلقي
سيقف في حالة اندهاش وذهول حين قراءته لهذه الرواية..)(29)
(10)
من خلال رصدنا لعناصر الشبكة الإشارية الدالة في سيرورة الشعر العراقي ..نختم بورقتنا بالسؤال التالي:
كم نسبة التخلي (عن الرؤية لصالح المرئي )؟!



إحالات
*هذه الدراسة منشورة في/ مجلة الثقافة الجديدة/ العدد/ 359/ تموز/ 2013
(1) محمود درويش/ الاعمال الشعرية/ قصيدة /ليس سوى العراق/
(2)بتي د يشونك ميدر/ صلوات إنهيدونا/ ترجمة كامل جابر/ دا ر الجمل/ط1/2009
(3)المصدر السابق /...
(4) بدر شاكر السياب/الاعمال الكاملة/ ج1/ ص324
(5) سلام ابراهيم كبة/ ابراهيم كبة غني عن التعريف/ دار الرواد/ بغداد/ ط1/2012
(6) مهدي عامل/ مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني/ القسم الاول/ في التناقض/ دار الفارابي/ بيروت/ مكتبة النهضة – بغداد/ط1/ أيلول/1972
(7) إنعام كجه جي/ فكتوريا نعمان/ أول مذيعة عراقية/ أول منفية عراقية/ موقع معكم/
(8)فاضل العزاوي/ قوانين التطور العامة للأدب العراقي/ مجلة الكلمة- العدد الثالث/ آيار)- 1974/السنة السادسة/ ص17
(9) مالك المطلبي/ تأمل المقدس/ في أسطورة الأدب الرفيع/ العالم للطباعة والنشر والتوزيع/ لايوجد سنة الإصدار
(10) المصدر السابق/
(11) الثقافة العربية في المهجر- الجزء الاول/ كتاب مجلة العربي/ الناشر/ وزارة الإعلام – مجلة العربي /ط1/15/ أكتوبر/2012/ أنظر..
*شهادة ضياء العزاوي- ص94
* شهادة عفيفة لعيبي/ص102
*صلاح نيازي – المراحل الروائية في الغربة –ص168/ *د.محمد الشحات – مابعد المنفى: المفاهيم والأنواع والهويات –ص21
(12)محمد العباس/ ضد الذاكرة- شعرية قصيدة النثر/ المركز الثقافي العربي/ بيروت / ط1/ 2000
(13)أوسيب مندلستام/ مختارات شعرية ونثرية/ ترجمها من الروسية برهان شاوي/ الأصداء للطباعة والنشر والتوزيع/ ط 2/ 2009
(14) فاضل العزاوي/ قوانين التطور العامة للأدب العراقي/ مجلة الكلمة – العدد الثالث (ايار) 1974/ السنة السادسة/
(15) المصدر السابق
(16) سعدي يوسف/ مثلث الدائرة/ المدى/ بيروت/ط1/ 1994/2000
(17) جمعة اللامي/ مجنون زينب/ نيقوسيا/ ط1/ 1998
(18) الفريد سمعان ..أعماله السردية
(*) ليمونا/ مسرحية شعرية / شركة الوفاق /ط1/2000
(*) الجمعة الحزينة/ قصص/
(*)نبوءة متأخرة/ قصص قصيرة دار ميزوبوتانميا/ بغداد/ ط1/ 2008
(*) النواقيس لاتدق/ قصص قصيرة/ مطابع دار الأديب / عمان/ ط1/ 2011
(19) عبد الكريم كاصد/ المجانين لايتعبون/مجموعة قصصية/ دار الكندي/ الاردن/ط1/
(20) مقداد مسعود/ الثقافة الجديدة/ ع 346/ سنة2011
(21) بلقيس خالد/ / مجلة الثقافة الجديدة/ع345/ 2011
(22) عبد الكريم العامري/ عنبر سعيد/ مطبوعات بصرياثا/ ط1/ 2011
(23) نجاة عبد الله/ أصابع جدي/ قصص/ الحضارة للنشر/ ط1/2010
(24) فليحة حسن:
(*) نمش ماي/ دار الينابيع/ دمشق/ط1/ 2010
(*) بعيدا عن العنكبوت حارستي حمامة وأكره مدينتي/ دار آراس/ أربيل/ ط1/ 2012
(25) نضال القاضي ..
()مكان مألوف لدي/قصص/ دار المسار / الشارقة /ط1/ 1999
() عصفورة آدم/ قصص/ دار الحرية/ بغداد /2001
() سيرة ظل/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ط1/ 2009
(26)موقع معكم/ حوار أجراه برهان شاوي مع الشاعرة سالمة صالح
(27)النقر على ابواب الشاعر عبد الكريم كاصد/حاوره مقداد مسعود/ جريدة طريق الشعب/ ع164/السنة 71/ الأحد/14/آيار/ 2006
(28) موقع شبكة النبأ المعلوماتية/ الشاعرة فليحة حسن أسعى للحصول على براءة أختراع في القصة الرقمية/ حاورتها أنتصار السعداوي.








كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,562,396,246
- اللون كشخصية رئيسة أو العزف على الالوان....في دورق الشاعر شي ...
- أيام الحلم الممكن. خالدة سعيد...في يوتوبيا المدينة المثقفة
- المراقبة كنظام سلطوي/ المراقبة كسلوك فردي...غائب طعمة فرمان. ...
- الارتهان الانتاجي
- هندسة اجتماعية...55/ 14 تموز
- ياكريم السلمان
- مسح ضوئي/ 2- القراءة السماعية وما ينوب عنها..
- قراءة مجاورة..المفتاح في مرآوية المعرفة..الباحثة فاطمة المحس ...
- مسح ضوئي
- الخياط (ط. ل)
- نواقيس وليد هرمز
- فيل البنغال
- تراس بولبا
- أولاد شوارع
- لحظة احتفاء(4)
- جزع عراقي
- دكتور علي عباس علوان بعيدا عن التأبين
- لحظة احتفاء(3) / الشاعر علي الحسينان في ....(مساء سيزار)
- الى لطيف وأميره
- عبدالله كوران من خلال عبد الوهاب البياتي


المزيد.....




- لبنان...فنانون وإعلاميون يتركون المنصات وينزلون للشارع
- رقصة مثيرة تسقط -ليدي غاغا- من على المسرح
- شاهد.. لحظة سقوط ليدي غاغا عن المسرح بسبب معجب
- المالكي: سنحرص على التفعيل الأمثل للمبادرات التشريعية
- مقطع مصور للممثل المصري محمد رمضان ينهي مسيرة قائد طائرة مدن ...
- شاهد.. لحظة سقوط ليدي غاغا عن المسرح بسبب معجب
- الحبيب المالكي: هذه حقيقة غياب البرلمانيين والوزراء
- المالكي: الخطاب الملكي رؤيةٌ مستقبلية ودعوة لانبثاق جيل جديد ...
- الزفزافي: اللهم ارحمني من والدي أما أعدائي فأنا كفيل بهم !! ...
- المالكي : هذه هي التحديات المطروحة على الدورة البرلمانية


المزيد.....

- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - كيمياء القصيدة العراقية