أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - جون مولينو - كتاب - الماركسية والحزب















المزيد.....



كتاب - الماركسية والحزب


جون مولينو
الحوار المتمدن-العدد: 475 - 2003 / 5 / 2 - 02:20
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


مقدمة
كُتِب هذا الكتاب فى منتصف السبعينات، وشأنه شأن أي عمل آخر، فهو يحمل ملامح عصره.
كانت بداية السبعينات في بريطانيا سنوات صراع قوي وناجح للطبقة العاملة:
بلغ قمته فى تدمير "قانون العلاقات الصناعية" التابع لحكومة المحافظين بواسطة عمال الميناء والهندسة، وفك تجميد الأجور الذي قام به عمال المناجم فى 1972، وأخيراً إسقاط حكومة المحافظين التابعة لإدوارد هيث بواسطة إضراب عمال المناجم فى 1974.
كانت هناك بالطبع بعض الهزائم، ولكن بشكل عام، كانت الصورة تظهر حركة عمالية متصاعدة.
وعلى الصعيد العالمي، كانت هناك أسباب أيضاً تدعو للتفاؤل.
حيث كانت ذكرى عام 1968 الرائعة لا تزال في الأذهان، بهجوم التت في فيتنام، وأحداث مايو الدرامية في فرنسا، والانتفاضات الطلابية المنتشرة فى جميع أنحاء العالم، وتمرد السود في مختلف المدن بالولايات المتحدة الأمريكية.
بالإضافة إلى كل ذلك، فإن عام 1968 قد أعقبه "الصيف الساخن" للعمال الإيطاليين فى 1969، والهزيمة المنكرة للأمريكان فى فيتنام، والثورة البرتغالية فى 1974 بكل عواقبها فى إفريقيا.
ومرة أخرى كانت هناك هزائم، خاصة مأساة انقلاب شيلي في 1973.
ولكن عموماً، بدا وكأن العملية الثورية العالمية قد بدأت تشق طريقها.
وبدا على الأخص أن القوى الثورية الحقيقية للماركسية بدأت أخيراً فى سحب نفسها من الهوامش الخارجية للحياة السياسية، حيث حوصرت منذ صعود الستالينية في العشرينات.
وفى بريطانيا، تحول الاشتراكيون الأمميون (الآن حزب العمال الاشتراكي) من مجموعة صغيرة للدعاية مكونة من مائتي فرد إلى حزب صغير حيوى يضم بضعة الآف، ذى قاعدة صغيرة ولكن جادة في صفوف الطبقة العاملة.
وأصبح في أوروبا عدد من المجموعات المبشرة ذات حجم مساوى أو أكبر، أتسمت سياساتها (بالرغم من الارتباك بسبب التأثير القوى للماوية) بالثورية وأنها ذات توجه واضح نحو الطبقة العاملة.
تماماً كما صورها كتاب الماركسية والحزب فقد كان هناك "بزوغ لمنظمات كبيرة فى عدة دول (ليست أحزاب جماهيرية، وإنما من الكبر بحيث تمثل بدايات جادة) تهدف جميعها إلى بناء الحزب الثوري".
كان المنظور الضمني لكتاب الماركسية والحزب هو أن تلك الاتجاهات سوف تستمر، وأن أحزاباً ثورية حقيقية سوف تنمو وتتطور، ليس فى بريطانيا وحدها، بل في عدد من البلدان الأخرى.
ولكن للأسف، يجب أن نعترف أن هذه الرؤية لم تتحقق.
فعموماً قد أصبحت اليوم الحركات العمالية في الدول الرأسمالية المتقدمة، ومعها قوى الاشتراكية الثورية، بشكل أو بآخر أضعف حالاً من عقد مضى.
وفي بريطانيا تتمثل النقلة في ميزان القوى الطبقية فى المصير المتناقض للإضراب الذين قام بهما عمال المناجم فى 1974 و4-1985.
حيث كانت الهزيمة فى 1985 هي الذروة ونتيجة سلسلة طويلة من التراجعات التى أضعفت تلاحم وكفاحية الحركة العمالية.
وتكمن خلف عملية تغير ميزان القوى الحقيقة المتعلقة ببزوغ الأزمة الاقتصادية العالمية، والتى طال انتظارها، فى 1974، واستمرارها إلى يومنا هذا (مقطوعة بفترات انتعاش قصيرة)، والتي لم ينتج عنها تثوير جموع العمال كما توقع الاشتراكيون الثوريون.
فعلى العكس تولد إحساس بالإحباط.
فقد فضح الكساد الطويل مدى إفلاس الوعي النقابي الإصلاحي الذي تسيد الحركة العمالية، ولكن لم يتزامن ذلك الإفلاس مع حركة قوية بالشكل الكافى للثوريين، تمكنهم من تمثيل مصدر جذب بديل.
ذلك أن العمال الذين كانوا على استعداد للهجوم وتحقيق انتصار بعد انتصار عند اعتقادهم بأن الأحوال المادية ميسورة، (وبعضهم توصل لاستنتاجات ثورية خلال تلك العملية)، هؤلاء أصبحوا أكثر حذرًا، وتمهلا فى خوض المعارك عندما بدءوا يستشعرون أن صاحب العمل قد يضار حقاً أو أن "حال البلد لن يتحمل المزيد من الضغوط".
تلك على كل حال تعميمات واسعة، يقابلها بالطبع إستثناءات عديدة واتجاهات مخالفة.
فعلى الصعيد العالمى حدثت نضالات عظيمة وانتصارات بارزة مثل حركة التضامن في بولندا، وثورة الساندينيستا فى نيكاراجوا، والإطاحة بالشاه في إيران، وغيرهم.
ولكن لسبب أو لآخر لم تقدم أي من هذه الأحداث للاشتراكية الثورية نفس الإلهام العالمي الذي قدمته أحداث مايو 1968، أو الهزيمة الأمريكية فى فيتنام.
بل كانت النتيجة، فترة هزيلة لليسار الثوري، استطاعت خلالها المنظمة التي أنتمي إليها (حزب العمال الاشتراكي) أن تبقي على نفسها وتحقق القليل من النمو فى وقت انكمشت فيه أحزاب ثورية أخرى، أو انهارت، أو انتقلت إلى اليمين.
ولكن على الرغم من هذه النتيجة المعتمة، إلا أنني أعتقد أن الأفكار الأساسية لكتاب الماركسية والحزب مازالت ذات دلالة فى أوضاعنا الحالية.
فالهزائم والتراجعات التي حدثت في العقد الماضي لم تكن نتيجة وجود، بل بالأحرى غياب ذلك النوع من الأحزاب الماركسية التي أدعو إليها فى هذا الكتاب.
وقد جعلت تلك الهزائم من الأصعب بناء مثل هذه الأحزاب، ولكنها في الوقت نفسه أكدت ضرورة مواصلة المحاولة.
بالإضافة إلى ذلك، تظل المحاولة ممكنة، بالنظر لكون الهزائم - رغم أهميتها - تعتبر جزئية أكثر منها شاملة.
فالحركة العمالية، أي نعم ضعفت، ولكنها لم تتفكك أو تنسحق كما حدث فى تلك الدول الأوربية التي خضعت للفاشية بين الحربين العالميتين أو في الاتحاد السوفيتي تحت حكم ستالين.
وهكذا يستمر وجود صراعات عمالية يمكن للثوريين أن يرتبطوا بها، ويستمر وجود أقلية -متنامية- من العمال لا يرغبون فقط فى القتال وإنما أيضاً يريدون تفسيرات لاخفاقات الماضي ويتطلعون لأفكار وإستراتيجيات يمكن أن تقود للنصر فى المستقبل.
إن الحاجة للحزب الثوري مطروحة بوضوح فى بريطانيا بعد التحولات الأخيرة فى حزب العمال البريطاني.
فتدهور اليسار الذي تشكل حول توني بِن منذ 1982 والتحول نحو اليمين تحت قيادة نيل كينوك يمثلان قضايا تواجه كل اشتراكي مخلص في حزب العمال بضرورة القطع مع الإصلاحية.
فقد أصبح الآن واضحاً أن حكومة المستقبل العمالية تحت زعامة كينوك (أو حكومة ائتلافية بين العمال والحزب الاشتراكي الديمقراطي) ستكون كارثة للطبقة العاملة.
بل من الممكن أن تكون أسوأ من إدارة ويلسون - كالاهان في نهاية السبعينات، ما لم تواجه بمقاومة جماعية مكثفة من أسفل.
وفى وسط هذه المقاومة يجب أن يتواجد الحزب الماركسي الثوري معطياً إياها التماسك والرؤية.
وكنتيجة لذلك فأنه لو أتيح لي الوقت لإعادة كتابة ومراجعة الماركسية والحزب اليوم (وهو الشيء الذى لا أفعله)، ستبقى الخطوط الأساسية للأطروحة واستنتاجاتها الرئيسية كما هي.
فالحالة تبقى -كما كتبت وقتها- أن بناء الأحزاب الثورية وتوحيدها عالمياً هو الآن الواجب الرئيسي والعاجل والإستراتيجي الذي يواجه الاشتراكيين الثوريين فى جميع أنحاء العالم.
وما لم يتحقق هذا، ستبقى الطبقة العاملة غير قادرة على حل أزمة الرأسمالية -التي تزداد حدتها كل يوم- لصالحها.
على كل حال سيكون هناك بالطبع تغييرات معينة فى التفصيلات، أهمها تقييم جرامشي.
ما زلت أعتبر جرامشي ماركسي ثوري عظيم له العديد من الإضاءات الهامة، لكن بالتعرض له اليوم سأقدم مساهمة أقل حجماً بخصوص تعرضه لنظرية الحزب، وسأفرد مساحة أكبر للدفاع بشدة عن جرامشي ضد تفسيرات "الشيوعية الأوروبية" والتفسيرات المشوهة للماركسية الأكاديمية التي تعتبره إصلاحياً ونبي الجبهة الشعبية و"التحالف الديمقراطي الواسع".
هذه النقاط مترابطة، فمن الواضح لي أنه على الرغم من أن جرامشي كان ثورياً مؤمناً بضرورة الانتفاضة المسلحة، والسوفيتات، وتدمير الدولة الرأسمالية، فأن أغلب صياغاته -عن "حرب المواقع" التي تحل محل "حرب المناورة"، والعلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، والفروق بين روسيا وأوربا الغربية- كانت غير دقيقة ومشوهة، ومن ثم فتحت الباب للتفسير الإصلاحي، الذي ما كان جرامشي نفسه إلا ليرفضه.
وكما أعتقد، فإن الفصل المكتوب عن جرامشي يجب أن يُقرأ جنباً إلى جنب مع ورقة كريس هارمان عن جرامشي ضد الإصلاحية (لندن 1983) التي تمدنا بالتصحيح اللازم.
بالإضافة إلى ذلك، كان على أن أخصص أيضاً مساحة أوسع لمفهوم الحزب والطبقة المتضمن في كتابات تروتسكي الإستراتيجية في الفترة 1928 - 1937، أو في قول آخر، انتقاده "للفترة الثالثة" اليسارية المتطرفة الستالينية -التي شقت صفوف الطبقة العاملة في مواجهة هتلر، وما أستتبعها من انتهازية في فترة الجبهة الشعبية.
أثبتت تلك الكتابات مدى ارتباطها ونفعها فى السنوات القريبة الماضية وحتى اليوم.
فمن ناحية، شكلت تلك الكتابات الخلفية النظرية الأساسية للنضال ضد صحوة النازية -التي كشفت عن نفسها في بريطانيا في النصف الثاني من السبعينيات، والتي لا تزال مستمرة اليوم بفرنسا.
ومن ناحية أخرى، تعد تلك الكتابات نقطة انطلاق النقد الماركسي للإستراتيجية الحالية للـ"شيوعية الأوروبية"، وللعديد من اليساريين الآخرين، وإصلاحيين على هامش اليسار.
وعلى القارئ الذي يريد الإلمام بهذه المسألة، الرجوع إلى كتاب دانكان هالاس ماركسية تروتسكي (لندن 1985).
رغم ما سبق، إلا أن هناك شيئاً واحدا لم يتغير خلال العقد الماضي، وهو الحاجة الملحة لإسقاط الرأسمالية، إذا كان للإنسانية.
أن تتقدم، بقيادة الطبقة العاملة، من تحت عتمة السحابة النووية الكثيفة.
فإذا استطاع هذا الكتاب أن يساهم فى هذه العملية بأي شكل، فهو قد حقق هدفه.
وأقدم شكري الخاص لتوني كليف على انتقاداته واقتراحاته القيمة وعلى عمله كمحرر. ولأنيتا بروملي على كتابة أجزاء كبيرة من مخطوط هذا الكتاب على الآلة الكاتبة.
ولجيل وسارة وجاك لأنهم صبروا على كثير من العطلات الضائعة.
جون مولينو سبتمبر 1985

 


الفصل الأول:
كارل ماركس :
الطبقة والحزب
1- الأساس الطبقي إن أساس جميع الاتجاهات الماركسية فى تحليل الأحزاب السياسية هو نظرية ماركس فى الصراع الطبقي.
وتفسير الماركسيين لوجود أحزاب سياسية مختلفة ومتنافسة يكمن أساساً في البنية الاقتصادية للمجتمع، فتظهر الأحزاب السياسية إلى حيز الوجود وتجتذب الدعم وتواصل وظيفتها المبدئية كممثلة لمصالح طبقية.
ومن الطبيعي أن تصبح هذه الفكرة -شأنها شأن أي مبدأ ماركسي- بلا معنى لو تم فهمها بطريقة فجة أو عقيمة.
إن الأطروحة القائلة بأن الأحزاب السياسية تمثل مصالح طبقية لا تعنى أنها تفعل ذلك ضرورياً بطريقة مباشرة.
إنها لا تعنى أنه فى جميع الحالات يمثل الحزب الواحد مصالح طبقة واحدة، أو أن مصالح طبقة ما -بالمعنى التاريخي- يمكن قصرها على الكسب الاقتصادي المباشر، أو أن كل ممارسات كل حزب يمكن تفسيرها بالرجوع إلى الطبقة التي يقوم عليها الحزب فقط.
في الواقع لقد قدم التاريخ عدداً كبيراً من الأمثلة لكل نوع من الارتباط الطبقي-الحزبي منها أحزاب بدأت بتمثيل مصالح طبقة معينة ولكن ينتهي بها الأمر بتمثيل مصالح طبقة أخرى، ومنها أحزاب تحاول خدمة مصالح طبقتين أو حتى ثلاث طبقات فى نفس الوقت، ومنها أحزاب تخدم قطاع من طبقة فى مواجهة مصالح الطبقة ككل.
ومنها أمثلة لحزبين أو ثلاثة صغار يتنافسون على أن يصبحوا الممثل الأوحد لنفس الطبقة.
وهكذا ...
فعلي سبيل المثال، لدينا اليوم ببريطانيا 3 أحزاب رئيسية:
حزب المحافظين،
وهو أساساً حزب كبار الرأسماليين، ولكن يصوت له العديد من العمال، ويلقى تأييد قطاعات كبيرة من البرجوازية الصغيرة…
حزب العمال
ذو القاعدة الممتدة في منظمات الطبقة العاملة ويعتمد بالأساس على أصوات العمال الانتخابية، ولكن قيادته تنتمي للطبقة الوسطى ومتقبلة لاستمرارية النظام الرأسمالي، وهكذا تضطر في أحيان كثيرة إلى التحرك ضد مصالح قاعدتها العمالية…
الحزب الليبرالي
وهو بالأساس حزب برجوازي صغير يؤيده قلة من كبار الرأسماليين، ويكسب بعض الأصوات الانتخابية من صفوف الطبقة العاملة.
وليس هنالك من هذه الأمثلة ما يفند الأطروحة الماركسية، ولكنها تؤكدها.
كل ما يجب التأكيد عليه هو أن نقطة البدء الرئيسية فى تحليل الأحزاب السياسية -والسياسة بشكل عام- يجب أن تكون التركيب الطبقي للمجتمع المعني. إن تلك التشكيلات والتوليفات التي أشرنا إليها تنبع من حقيقة أن الطبقات لا تقف إلى جانب بعضها البعض ولكن الواحدة فوق الأخرى فى حالة من الصراع الحركي الدائم، والأحزاب السياسية تلعب دوراً رئيسياً فى ذلك الصراع.
إن تركيبة معينة من الأحزاب السياسية تعكس مرحلة التطور النسبي الذي وصلت إليه مختلف الطبقات ومدى الهيمنة التي وصلت إليها طبقة ما على الطبقات الأخرى.
من هنا فإنه عند التعامل مع النظريات الماركسية للحزب -وهذا محل اهتمام ماركس قبل كل شئ-لا يكون الاهتمام بنظرية محدودة ومنفصلة للتنظيم ولكن يكون دائماً بالعلاقة ما بين الحزب والطبقة.
إن الأحزاب هي لحظات في تطور الطبقات.
أراد ماركس أن يظهر القوى المحركة للتاريخ لكي يسهل صنع التاريخ.
وهكذا لم تكن الطبقات ببساطة عبارة عن أشكال ساكنة بالنسبة لماركس، ولكنها جماعات اجتماعية تظهر إلى حيز الوجود عبر عمليات تاريخية وتمر بمراحل مختلفة من النمو والنضج.
وقبل كل شئ تُعّرِف الطبقات نفسها عبر الصراع.
فـ"يشكل الأفراد طبقة فقط للدرجة التي يكونون فيها منخرطين في صراع مشترك ضد طبقة أخرى".1
وفى سياق الصراع تكتسب الطبقات (أو تفقد) التماسك والتنظيم والثقة والوعي، فالأحزاب السياسية إذن هي أسلحة في الصراع بين الطبقات.
في تحليل ماركس للرأسمالية "ينقسم المجتمع ككل بشكل مطرد إلى معسكرين كبيرين متنازعين، إلى طبقتين كبيرتين تواجهان بعضهما بشكل مباشر: البرجوازية والبروليتاريا".2
لم يكن ذلك إيماناً من ماركس بأن فئتي البرجوازية والبروليتاريا تشمل جميع من فى المجتمع الرأسمالي -وكان هذا سيكون غريباً إن أكد مثل هذه الحقيقة فى عام 1847.
ما كان يطرحه هو أن الصراع بين البرجوازية والبروليتاريا متأصل وأساسي في النظام الرأسمالي.
ففي الرأسمالية يتم الإنتاج على أساس استغلال الأجر والعمل.
لهذا يكمن فى صميم الاقتصاد الرأسمالي تعارض دائم للمصالح، وهذا التعارض الأساسي يشكل كل مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية، فكما يصفها ماركس في رأس المال: أنها دائماً العلاقة المباشرة بين ملاك أدوات الإنتاج والمنتجين المباشرين…
تلك التي نجد فيها السر النهائي، والأساس الخفي للبناء الكامل للمجتمع، وهذا يشمل الأنماط السياسية للسيادة والتبعية، وباختصار الشكل المعطى المحدد للحكومات. 3
في التحليل الأخير تكون فاعلية الطبقات أو الشرائح الاجتماعية الأخرى محصورة في إطار البدائل التي تحددها الطبقتان الرئيسيتان.
في النهاية لا يكون بوسعهم إلا أن يقفوا في صف إحدى هاتين الطبقتين.
وكنتيجة لذلك، ومن وجهة النظر الماركسية، لا يكون المعيار الأساسي في تقييم الأحزاب السياسية ببساطة على أي طبقة تقوم، ولكن على موقعها من الصراع الطبقي بين البرجوازية والطبقة العاملة.
ولكن عندما يتحدث المرء عن نظرية ماركس فى الحزب لا يكون الموضوع عن الأحزاب السياسية بشكل عام، ولكن عن الحزب الثوري الذي يهدف للإطاحة بالرأسمالية وبالتحديد يتحدث المرء عن مفهوم ماركس للحزب السياسي البروليتاري، ففي رأيه "أن البروليتاريا وحدها هي الطبقة الثورية الحقيقية…
الطبقات الأخرى تتآكل وتختفي في النهاية أمام الصناعة الحديثة؛ في حين أن البروليتاريا هي النتاج الخاص والجوهري لهذه الصناعة".4
فالتوسع الرأسمالي يقوض التاجر الصغير والحرفي و المزارع الصغير والفلاح، ولكنه يزيد من حجم البروليتاريا.
و"بنفس المقدار الذي تتطور به البرجوازية -أي رأس المال- تتطور البروليتاريا أو الطبقة العاملة الحديثة".5
فكلما توسع الإنتاج كلما تجمع العمال في وحدات أكبر وأكبر.
"مع تطور الصناعة لا تزيد البروليتاريا في العدد فقط ولكن تصبح مركزة في تجمعات أكبر وتزداد قوتها ويزداد شعور البروليتاريين بهذه القوة".
تقف البروليتاريا إذاً في قلب البنية الاقتصادية، وهي من ناحية الإمكانية أقوى طبقة مُستغَلة في التاريخ.
وهذه القوة تعطى العمال القدرة على تحرير أنفسهم، وهذه القدرة تمثل عنصرا حيوياً فى نظرية ماركس للثورة. 6
والعنصر الثاني المساوي في الأهمية للعنصر الأول فى تقييم ماركس للطبقة العاملة هو أنها أول طبقة لا يكون نتيجة انتصارها شكلاً جديداً من المجتمعات الطبقية ولكن إلغاء كل الطبقات.
وهذا الرأي يقوم على الطبيعة الجماعية بالضرورة للنضال العمالي.
فلا يستطيع العامل الفرد سؤال مستخدمه زيادة أجره بأي فرصة للنجاح فى تحقيق هدفه، ولهذا يكون مرغما على الاتحاد مع زملائه.
فالعامل لا يملك أياً من وسائل الإنتاج ولا يستطيع ذلك كفرد لأن الصناعة الحديثة لا يمكن تقسيمها وتجزئتها إلى ملايين الأجزاء.
ولكي تستولي الطبقة العاملة على وسائل الإنتاج يجب أن تفعل ذلك بصورة جماعية وذلك من خلال الملكية الاجتماعية.
إن تصميم ماركس على الطبقة العاملة كالطبقة الثورية الوحيدة (وأسبابه فى ذلك) يمكن تلخيصه من خلال موقفه من المرشح الآخر الأكثر وضوحاً لهذا اللقب وهم الفلاحون.
فى الوقت الذى عاش فيه ماركس شكل الفلاحون أغلبية ضخمة حتى فى معظم دول أوروبا وكانوا على الأقل فى نفس الفقر والبؤس كالبروليتاريا.
بالإضافة إلى ذلك كان هنالك تراث طويل من هبات فلاحية عنيفة ولكن ماركس لم يضع اعتبارا لكل هذا بسبب الطبيعة الفردية والتجزيئية للطريقة الفلاحية فى الحياة:
يشكل الفلاحون من صغار الملاك جمهورا ضخماً يعيش أعضاؤه فى ظروف متشابهة ولكن دون الدخول فى علاقات متشعبة مع بعضهم البعض.
أن نمط إنتاجهم يعزلهم عن بعض بدلاً من إدخالهم في تفاعل متبادل.

وبهذه الطريقة يتشكل الجزء الأعظم من جماهير الأمة الفرنسية من خلال الإضافة البسيطة لكميات متشابهة، كما تشكل البطاطس في كيس؛ كيساً من البطاطس.
تشكل الملايين من العائلات طبقة بحسب الدرجة التي يعيشون فيها تحت ظروف اقتصادية تميز نمط حياتهم ومصالحهم وثقافتهم عن الطبقات الأخرى، وتضعهم في مواجهة عدائية مع هذه الطبقات.
ولا يشكل هؤلاء الفلاحين الصغار طبقة طالما علاقاتهم المتبادلة تتواجد فقط على المستوى المحلي، وطالما لا تخلق طبيعةُ مصالحهم مجتمعاً أو رابطةً قوميةً أو تنظيماً سياسياً.
إنهم عديمو القدرة على فرض مصالحهم الطبقية بأنفسهم، سواء عن طريق البرلمان أو مؤتمر.
لا يستطيعون تمثيل أنفسهم، ويجب أن يقوم أحد آخر بتمثيلهم. 7
إن قدرة الطبقة العاملة -على عكس الفلاحين- على تمثيل نفسها وبالتالي تحرير نفسها هو أمر جوهري بالنسبة لوضعها كطبقة ثورية ولقدرتها على خلق الحزب الثوري.
وعلى أية حال لا يجب أن يخلط المرء إمكانية أن تقوم الطبقة العاملة بخلق حزبها الثوري بالواقع الملموس.
فقد كان ماركس على دراية بالفجوة التي بين البروليتاريا كطبقة "في ذاتها" وبين البروليتاريا كطبقة "لذاتها"8 ، والطريق الطويل من النضال الذى يفصل بينهما.
ولم يفت على ماركس أن يرى التأثير السلبي لمجتمع البرجوازية التنافسي على تنظيم ووحدة الطبقة العاملة:
تفصل المنافسة الأفراد عن بعضهم البعض، ليس فقط البرجوازيون ولكن العمال أيضاً على الرغم من أنها تجمعهم سوياً.
من هنا فأنه سوف يمر وقت طويل قبل أن يتحدد هؤلاء الأفراد ...
لذا فأن التغلب على جميع القوى المنظمة الواقفة فى مواجهة هؤلاء الأفراد المعزولين الذين يعيشون فى ظروف تجعلهم يعيشون علاقات تعيد إنتاج عزلتهم يومياً يحتاج إلى صراع طويل. 9
وكان مدركاً أيضاً لقوة الأيديولوجية البرجوازية :
أن الطبقة التي تتحكم في وسائل الإنتاج المادية تسيطر فى نفس الوقت على وسائل الإنتاج الذهنية.
ومن هذا المنطلق، وبشكل عام، نجد أن أفكار هؤلاء الذين يفتقرون إلى وسائل الإنتاج الذهنية تخضع لهذه الطبقة. 10
لهذا كان تشكيل الحزب السياسي العمالي ضرورياً لمحاربة النزعة القوية نحو التفتت ولتحقيق استقلال البروليتاريا كطبقة.
وفى الواقع كثيراً ما أكد ماركس أن العمال لا يمكن أن يعدوا طبقة بالمعنى الحقيقي للكلمة حتى يخلقوا حزبهم الخاص المتميز.
من ذلك نجد فى البيان الشيوعي أن "تنظيم العمال في طبقة وبالتالي في حزب سياسي يتم تعطيله بشكل دائم وذلك بسبب المنافسة بين العمال أنفسهم"11 ، وكذلك في قرار مؤتمر لندن للأممية الأولى عام 1871 أن "البروليتاريا تستطيع أن تتصرف كطبقة فقط عن طريق تشكيلها لحزبها السياسي المستقل".12
وهذه الفكرة ظلت مركزية للنظرية والممارسة عند ماركس وإنجلز منذ منتصف أربعينات القرن الماضي وحتى نهاية حياتهما.
2- الشيوعيون والبروليتاريون وهذا ينقلنا إلى المشكلة الأساسية فى النظرية الماركسية للحزب، حيث يؤمن الماركسيون بأن الصراع الطبقي هو محرك التاريخ وأن "تحرير الطبقة العاملة يجب أن ينتزع بواسطة الطبقة العاملة نفسها"13 ، وفى نفس الوقت فأنهم يرغبون فى خلق حزب سياسي يمثل المصالح التاريخية للطبقة ككل.
إذاً ماذا ستكون العلاقة بين هذا الحزب وجماهير الطبقة العاملة.
تطرق ماركس بنفسه إلى هذه المشكلة فى جزء من البيان الشيوعي عنوانه "البروليتاريون والشيوعيون":
ما هي علاقة الشيوعيين بالبروليتاريا ككل؟
الشيوعيون لا يشكلون حزباً منفصلاً في مواجهة الأحزاب العمالية الأخرى.
وليس لديهم مصالح منفصلة ومستقلة عن البروليتاريا ككل.
وهم لا يطرحون مبادئ حلقية خاصة بهم يشكلوا ويقولبوا من خلالها الحركة البروليتارية.
يتميز الشيوعيون عن الأحزاب العمالية الأخرى فقط بالآتي:
1)في النضالات المحلية للبروليتاريا في مختلف الدول يوضح الشيوعيون المصالح المشتركة للبروليتاريا ككل بشكل مستقل عن كل القوميات.
2) في المراحل المختلفة التي يمر بها بالضرورة نضال الطبقة العاملة ضد البرجوازية يمثل الشيوعيون دائماً وفي كل مكان مصالح الحركة ككل.
يشكل الشيوعيون بالتالي ومن الناحية العملية القطاع الأكثر تقدماً وتصميماً من أحزاب الطبقة العاملة في كل بلد.
ذلك القطاع الذي يدفع إلى الأمام كل القطاعات الأخرى.
أما من الناحية النظرية فلديهم ميزة عن الجمهور العريض للبروليتاريا وهي الفهم الواضح لخط السير والظروف والنتائج العامة المنتظرة للحركة البروليتارية. 14
تلك الفقرات المكثفة والفذة تحوى بذرة حل مشكلة علاقة الحزب بالطبقة، كما تحوي سلسلة من الخطوط العريضة التي شكلت ممارسات الحركة الماركسية إلى يومنا هذا.
بدايةً، استبعدت الفقرات النظرة التآمرية لدور الحزب كفرقة صغيرة من المغامرين تتصرف بالنيابة -وبشكل منفصل- عن الطبقة.
كما استبعدت أيضاً الاتجاه السلطوي الذي يطرح أن الحزب يصدر الأوامر من أعلى وعلى الجماهير السلبية الطاعة، وكذلك الاتجاه الدعائي الصِرف؛ للعصبة التي تبشر بتعاليمها حتى تكسب بقية العالم.
ترسخ الفقرات السابقة أيضاً مبدأ القيادة التي تُكتَسب على أساس الأداء فى الصراع الطبقي في خدمة الطبقة العاملة، وكذلك مبدأ رفع الأهداف الكلية للحركة العمالية داخل النضالات الاقتصادية والسياسية اليومية للعمال.
ويفهم من طيات هذه السطور بذور الإستراتيجية الماركسية في الجبهة المتحدة15 وسياسة العمل من خلال النقابات العمالية مع إدراك حدود النقابوية.
وكذلك الدفاع عن الحقوق الديمقراطية أثناء النضال من أجل تجاوز الديمقراطية البرجوازية.
ومع ذلك فإن صيغة ماركس تتضمن حدوداً وثغرات، فهي مكتوبة على مستوى عال من التعميم وليس فيها ما يتعامل بشكل خاص مع الشكل التنظيمي الذي يجب أن يتبناه الشيوعيون.
وهى فى الواقع لا تحوى إشارة صريحة لمعنى الحزب.
عدم الدقة هذه أدت إلى الافتراض الوحيد في الفقرة الذي أثبتت الأحداث اللاحقة بطلانه بوضوح، وهو بالتحديد أن "الشيوعيين لا يشكلون حزباً منفصلاً معارضاً لباقي أحزاب الطبقة العاملة".
وهذا له معنى كمبدأ عام فقط إذا أخذ على أنه مطابق فى المعنى للمقولة بـ"أنهم ليس لديهم مصالح منفصلة ومختلفة عن مصالح الطبقة العاملة ككل".
وعدم الدقة هذه في استخدام كلمة "الحزب" ليست مقتصرة على البيان الشيوعي.
ففي أعماله يستخدم ماركس مصطلح الحزب بمعان متعددة (يعرف مونتى جونستون على الأقل خمس "نماذج" أساسية16) للإشارة إلى ظواهر مختلفة عديدة مثل حركة الشارتيين العريضة والفضفاضة، وللإشارة أيضاً إلى مجموعته الصغيرة من الرفاق والأتباع، وكذلك إلى القضية الثورية العامة.
وهكذا يكتب ماركس لجريدة "فريلجراث" شارحاً أن "العصبة (الشيوعية)، مثلها مثل جمعية المواسم في باريس، ومثل مئات الجمعيات الأخرى، كانت فقط حلقة في تاريخ الحزب الذي ينمو تلقائياً في كل مكان من تربة المجتمع الحديث…..
تحت مفهوم الحزب ، أفهم الحزب بالمعنى التاريخي العظيم للكلمة"17، وكما كتب لـكوجلمان:
"إن كوميونة باريس كانت أعظم عمل قام به حزبنا منذ انتفاضة يونيو في باريس (1848)" 18.
بسبب غموض ماركس فى هذه النقطة فإنه من الصعب بناء أو إعادة بناء أي نظرية واحدة للحزب من الاقتباسات المأخوذة خارج سياقها.
والإجراء الوحيد الممكن هو فحص التطور الحقيقي لنشاط ماركس السياسي وتفسير تعليقاته على مسألة الحزب فى سياقها التاريخي.
19 في هذا السياق هناك حقيقة أساسية يجب الانتباه إليها وهي أن عدم وجود تعريف محدد وواضح للحزب السياسي لم يكن محض صدفة ولا نتاج كسل فكري، ولكن ذلك يعكس حقيقة أنه خلال فترة طويلة من حياة ماركس لم تكن الأحزاب السياسة بمعناها الحديث قد وُجِدَت بعد سواء للبرجوازية أو للبروليتاريا.
إن الحزب الجماهيري الحديث بتعريفه الواضح للعضوية وتنظيمه ودستوره هو ظاهرة حديث، ظهرت إلى حيز الوجود أساساً لكي تواجه تحدي الاقتراع العام والديمقراطية البرجوازية كاملة التطور، وافترضت مسبقاً وجود شبكة اتصالات فعالة وإعلام جماهيري وانتشار التعليم.
أما قبل ذلك فالحزب السياسي الحديث لم يكن مطلوباً من قِبَل النظام السياسي البدائي نسبياً.
فكل ما كان ضرورياً هو إما جمعيات فضفاضة وغير رسمية قائمة على شبكة من الوجهاء المحليين (عادةً من ملاك الأراضي)، أو تجمعات صغيرة فى نوادي وصالونات المثقفين ذوي النفوذ.
من غير المعقول إذاً أن ننتظر من ماركس مفاهيماً تسبق تجربة زمانه.
وهذا كلام صحيح خصوصاً لأنه من الأصعب علينا أن نرى المستقبل فى مجال الأشكال الملموسة للتنظيم من أن نراه فى مجال التطور الاقتصادي والاجتماعي العام.
ولرسم الخطوط العريضة لتطور مفهوم ماركس للحزب يمكن تقسيم حياته السياسية إلى أربعة فترات أساسية: 1) من 1847 - 1850 وهي فترة العصبة الشيوعية؛ 2) من 1850 - 1864 وهي فترة الهدوء الطويلة في الصراع الطبقي؛ 3) من 1864 - 1872 الاتحاد الأممي للعمال؛ 4) من 1873 وصاعداً و هي فترة بدايات الاشتراكية الديمقراطية الجماهيرية.
3-العصبة الشيوعية
بحلول عام 1846 أسس ماركس وإنجلز لجان المراسلة الشيوعية، وكان مركزها بروكسل، وبعلاقات في بريطانيا وفرنسا وألمانيا.
ومن خلال هذه اللجان تم الاتصال بـعصبة العدالة وهي جمعية أممية سرية تكونت أساساً من الحرفيين الألمان.
ومع حلول 1847 تم كسب قيادات العصبة ودُعِيَ ماركس وإنجلز للانضمام فوافقا على شرط أن يتم التخلي عن الأشكال التآمرية القديمة للتنظيم.
وقد غيرت بعد ذلك عصبة العدالة اسمها إلى العصبة الشيوعية، وأقامت مؤتمر إعادة تنظيم بمشاركة ماركس وإنجلز.
كانت أهم النقاط التي نوقشت بالمؤتمر هي تحقيق بنية تنظيمية "ديمقراطية شاملة…
بهيئات منتخبة وقابلة للتغيير" والنضال ضد "كل التواقين إلى التآمرية".20
وقد حارب ماركس وانجلز من أجل التحول نحو الدعاية المفتوحة للأفكار الشيوعية داخل الطبقة العاملة.
لذلك نرى أنه بحلول عام 1847 تجمع عدد من الأفكار الأساسية للنظرية الماركسية للحزب.
أولا حاجة البروليتاريا فى أي مكان إلى تنظيم أممي، وثانياً الربط بين الصراع الطبقي والتحرر الذاتي للطبقة العاملة، والحاجة إلى تنظيم ديمقراطي يعرض أهدافه بشكل واضح.
أطلقت العصبة على نفسها تسمية منظمة دولية وأحياناً أخرى "الحزب الشيوعي الألماني"، ولكنها في الواقع كانت أضعف من أن تكون نواة للأممية الأولى أو حزباً قومياً قوياً.
ولكنها كانت بأعضائها الـ200 أو الـ21300 المنتشرين في بلاد عدة لا تعدو أن تكون نواة لحزب.
في البداية كانت الإستراتيجية المتبعة من قِبَل الشيوعيين هي العمل بقدر الإمكان داخل الحركات الموجودة في البلدان المختلفة.
فهكذا في بريطانيا عمل أرنست جونز من خلال الشارتيين ، وفى فرنسا انضم أعضاء العصبة إلى الاشتراكيين الديموقراطيين التابعين لليدرورولين ولويس بلانك.
وسرعان ما ظهر ضعف العصبة حينما غمرت في أحداث أوربا عام 1848.
وكما كتب إنجلز "إن البضعة مئات الذين شكلوا أعضاء العصبة اختفوا في الخضم الجماهيري الذي اشترك في الحركة".22 وليس معنى هذا أن أعضاء العصبة لم يكن بيدهم شئ يقدمونه.
بل على العكس فقد لعبوا كأفراد دوراً هاماً فى تطوير الثورة.
وكما وضعها ستيفن بورن لـماركس "إن العصبة لم تعد موجودة ولكن على الرغم من ذلك فهي موجودة في كل مكان".23
إن عدم وجود تنظيم فعال كقاعدة وصغر حجم الطبقة العاملة وعدم نضجها السياسي مع وجود حالة شديدة الثورية…
دفع كل هذا أدى ماركس إلى الابتعاد من مخططاته المرسومة فى البيان الشيوعي.
فبدلا من ظهوره كمؤيد ومحرض للثورة العمالية، وكممثل لحزب طبقة عاملة مستقل اضطر ماركس إلى العمل بأقصى يسار الديمقراطية الراديكالية من خلال جريدة نيوراينيش زيتونج، والعمل على دفع الثورة البرجوازية إلى النقطة التي تتفجر فيها التناقضات تحت أقدامها.
كان ماركس واعياً للمشاكل المتضمنة فى موقفه، وفى عام 1849 عندما أعربت البرجوازية الراديكالية الألمانية عن عدم مقدرتها على القيام بثورة، استقال هو وزملاؤه وولف وشابر وبيكر من لجنة منطقة راينلاند التابعة للاتحاد الديمقراطي.
وقد كتبوا "فى رأينا أن شكل التنظيم الحالي للاتحادات الديمقراطية يحوى الكثير من العاصر غير المتجانسة إلى الدرجة التي يستحيل معها عمل نشاط يعيد تطوير أهدافها.
وفى رأينا أن تشكيلات أضيق مكونة من منظمات عمالية ستكون أكثر فائدة لأن تلك المنظمات تتكون من عناصر أكثر تجانساً".24 وبدءاً من هذه النقطة، أصبح النضال من أجل تكوين المنظمة السياسية المستقلة للطبقة العاملة أساسياً للنظرية والممارسة الماركسية.
وقد منع الانهيار السريع للثورة الألمانية تحقيق هذا التوجه بصورة عملية وفورية.
ولكن في خريف 1849 أعاد ماركس -من منفاه في لندن- تشكيل اللجنة المركزية للعصبة الشيوعية.
وبدأ إعادة تنظيمها بألمانيا مضطراً في هذه المرة كحزب سري مركزي.
في مارس 1850 وفى بيان اللجنة المركزية للعصبة الشيوعية (المعروف باسم بيان مارس) جمع ماركس خبرة هذه الفترة والدروس التنظيمية المستقاة منها :
وفي نفس الوقت كان التنظيم الصارم للعصبة متراخيا بشكل ملحوظ، وقد ظن جزء كبير من الأعضاء الذين شاركوا فى الحركة الثورية أن وقت الجمعيات السرية قد مات وأن النشاطات العامة العلنية وحدها فعالة.
وقد سمحت الحلقات الفردية والجمعيات لاتصالاتها باللجنة المركزية بالتراخي وتدريجياً انقطعت نتيجة لذلك.
وبينما كان الحزب الديمقراطي -حزب البرجوازية الصغيرة- ينظم نفسه أكثر فأكثر فى ألمانيا؛ فَقَدَ حزب العمال موطئ قدمه الوحيد وبقى منظماً في الأغلب في بلديات متفرقة بأهداف محلية، ولهذا في الحركة العامة وقع تحت سيطرة وقيادة الديمقراطيين البرجوازيين الصغار بالكامل.
يجب أن توضع نهاية لهذا الوضع المتردي، ويجب إعادة استقلالية العمال…
إن إعادة التنظيم ممكنة فقط عن طريق مبعوث، وتؤكد اللجنة المركزية على أهمية أن يرحل هذا المبعوث فى الحال، فى وقت تكون فيه ثورة جديدة على الأبواب، فى وقت يجب أن يعمل فيه الحزب العمالي بأكثر الوسائل تنظيماً، وأكثر الطرق الممكنة استقلالية، لو أراد ألا يُستَغَل من قِبَل البرجوازية مرة ثانية كما حدث فى 1848.
25 في بيان مارس يسجل ماركس أقصى نقطة اقتراب من مفهوم لينين للحزب الطليعي (على الرغم من وجود اختلافات كبيرة بالطبع).
ومفتاح هذه الأطروحات التنظيمية هو أنها نتاج أكبر انخراط مباشر لماركس في العمل السياسي الثوري وأنها صممت كدليل للعمل في موقف يفترض فيه أن "ثورة جديدة على الأبواب".
إن الخطة الموضوعة لتشديد تنظيم العصبة وتقوية استقلالها لا تشكل بنفسها جهازاً تنظيمياً منعزلاً، ولكنها جزء مكمل في منظور العمل الثوري الحيوي الذي تقوم بمقتضاه الطبقة العاملة بتقلد القيادة في الثورة الديمقراطية لدفعها في اتجاه اشتراكي.
جنباً إلى جنب مع الحكومات الرسمية الجديدة التي عليهم أن يؤسسوا بالتوازي حكوماتهم العمالية، سواء كان ذلك على هيئة لجان محلية أو مجالس محلية أو على هيئة نوادي عمالية أو لجان عمالية…
الأسلحة والذخيرة لا يجب تسليمها مهما كانت الظروف، وأي محاولة نزع سلاح يجب أن تجابه ولو بالقوة إن لزم الأمر.
تدمير تأثير البرجوازيين الديمقراطيين على العمال، منظمة عمالية مستقلة مسلحة فوراً، فرض أصعب شروط ممكنة على حكم الديمقراطية البرجوازية المؤقت بطبيعته- هذه هي النقاط التي يجب أن تضعها البروليتاريا ومن ثم العصبة نصب أعينها خلال وبعد الانتفاضة الوشيكة. 26
لذا فإن وجه التشابه بين مفهوم ماركس للحزب فى هذه النقطة ومفهوم لينين بعد خمسين عاماً أو أكثر ينبع من تشابه ظروفهم.
وليس من قبيل الصدفة أن يشتق تروتسكي نظريته في "الثورة الدائمة" من بيان مارس.
وليس من قبيل الصدفة أيضاً أن كثيراً ما كان لينين يستشهد بكتابات ماركس وإنجلز في هذه الفترة من أجل تقديم الدعم النظري لتكتيكات البلاشفة في الثورتين الروسيتين.
لكن ماركس لم يؤله أبداً أي شكل تنظيمي على وجه التحديد أو أي حزب بعينه.
وكما تغيرت الظروف تغير مسلكه.
في صيف 1850 عندما أصبح واضحاً أن المنظور الذى ترتكز عليه الخطط التنظيمية فى البيان كان خاطئاً وأنه لن يكون هناك اندلاع مبكر للثورة تخلى ماركس عن هذه المقترحات بسرعة.
وأدى هذا بشكل حتمي إلى انشقاق فى اللجنة المركزية بين الذين اعترفوا بانحسار الموجة الثورية وبين الذين رفضوا مواجهة الحقيقة.
وأراد الفريق الثاني بقيادة ويليس وشابر أن يعجل من الثورة فمارس مختلف أشكال الخطط المغامرة:
مثل وضع خطة غزو مسلح لألمانيا.
وقد وضع هذا الانشقاق نهاية العصبة الشيوعية كمنظمة فاعلة.
وعلى الرغم من قيام محاولة لإنقاذها، وذلك بنقل اللجنة المركزية إلى كولون، سرعان ما استقال ماركس وبعد ذلك بفترة قصيرة تم حل العصبة نفسها.
4- سنين التراجع
عند هذه النقطة بدأ ماركس فترة من حياته مكرسة بأكملها تقريباً لأبحاثه الاقتصادية علاوة على سعيه لكسب عيشه.
وقد لخص نظرته للأعوام القادمة فى آخر عدد من نيوراينيش ريفيو فى نوفمبر 1850:
بالنظر إلى الازدهار العام المنتشر حالياً، والذي يسمح لقوى إنتاج المجتمع البرجوازي بالتطور بقدر ما يمكن أن يسمح لها إطار المجتمع البرجوازي، فإنه لا يمكن الحديث عن ثورة حقيقية.
إن ثورة جديدة ستصبح فى طور الإمكان فقط كنتيجة لأزمة جديدة.
لكن قدومها حتمي كحتمية قدوم الأزمات نفسها. 27
كانت أوساط المهاجرين دائماً ذات سمعة سيئة بالشجارات التافهة والفضائح والصراعات المدمرة.
لذلك كان من الضروري لصحة ماركس النفسية ونجاح أعماله النظرية أن ينسحب من هذا الوسط المؤذى.
واستقبل ماركس وإنجلز هذه الراحة من تلك المعارك الحزبية بارتياح شديد.
وكتب ماركس إلى إنجلز "إنني مسرور جداً بعزلتنا التامة والمعلنة والتي نجد أنفسنا فيها الآن نحن الاثنين.
إنها تتفق تماماً مع مبادئنا وموقفنا".28 ورد إنجلز "أخيراً أخذنا -لأول مرة منذ فترة طويلة- فرصة لنثبت أننا لسنا فى حاجة إلى تأييد أي حزب كان من أي بلد كانت، وأن موقفنا مستقل بالكامل عن مثل هذه القمامة".29 ويحذر فرانز مهرنج من أن تؤخذ هذه الملاحظات الخاصة على محمل الجد.
30 ولكن بعض المعلقين من أمثال برترام د.
وولف وشلومو افنيرى رأوا أن يقدموها كآراء ماركس "الحقيقية" في الحزب.
لكن هذه المحاولة تنزع هذه التعبيرات الجافة بعيداً عن السياق التاريخي العام الذي كُتِبَت فيه وملابساتها الخاصة (أي عن الخطابات الخاصة بين الأصدقاء المقربين)، 33 وتضعها في مواجهة نصوص لها وزنها واعتبارها الأكبر ومكتوبة بغرض النشر.
عند أخذ هذه التعليقات -وتعليقات أخرى لماركس وإنجلز- حرفياً، يمكن أن تؤخذ على أنها تعارض العمل السياسي بأكمله وهو الشيء السخيف للغاية.
فحتى أيام الخمسينات والستينات عندما كان ماركس منهمكاً حتى النخاع في كتاب "رأس المال" لم ينسحب من الحياة السياسية بالكامل مطلقاً.
كان يواصل إسهاماته فى الجرائد الشارتية ويراقب إرنست جونز الذي قال عنه (ماركس) في 1857 بأنه يجب أن "يؤسس حزباً يمتد إلى المناطق والأحياء العمالية".34
لكن ماذا كانت العوامل الرئيسية فى غياب ماركس 12 عاماً عن أي حزب سياسي؟
أولاً، وكما أسلفنا، بسبب رأيه في أن المجتمع البرجوازي قد دخل في مرحلة طويلة من الاستقرار والتوسع.
ثانياً، كانت هناك الأهمية العظيمة التي أولاها ماركس لأعماله النظرية.
وعندما جاءه مهاجر ألماني في نيويورك يريد إحياء العصبة الشيوعية قال ماركس :"[أنا] مقتنع تماماً بأن عملي النظري له فائدة أكبر للطبقة العاملة من المشاركة فى تنظيماً عفي عليه الزمن".35 ثالثاً، كانت هناك فجوة كبيرة فرقت مفهوم ماركس عن الحركة الثورية عن المفهوم الذى كان يؤمن به غالبية الثوريين فى ذلك الوقت.
بما أن القوى المحركة للتاريخ عند ماركس كانت الصراع الطبقي وكان هدفه هو التحرر الذاتي للطبقة العاملة، فأن وظيفة الحزب هي قيادة وخدمة البروليتاريا، وليس "وضع مبادئ عصبوية تخصه ليستطيع من خلالها تشكيل الحركة العمالية".
ولكن الحركة الثورية فى منتصف القرن التاسع عشر كانت تحت سيطرة مفاهيم وتراث مختلفين تماماً.
كانت الاتجاهات الشائعة في ذلك الوقت إما بقايا التراث اليعقوبي التآمري الذي انبثق عن الثورة الفرنسية، أو من الاشتراكيين الطوباويين البرجوازيين صغار الذين آمنوا بالتوفيق بين رأس المال والعمل على أساس مثلهم المستنيرة.
كان الفريقان نخبويين من حيث موقفهما من الطبقة العاملة.
الأولون أرادوا العمل من وراء وبالنيابة عن الطبقة والآخرون أرادوا أن تبقى الطبقة سلبية حتى يتم إقناع ذوي النوايا الطيبة باستخدام قوة الإقناع.
كان ماركس قد طرح جانباً تلك الأفكار منذ زمن بعيد، وكان مستعداً لخوض معركة معهم فى سياق حركة للطبقة العاملة.
ولكنه اعتبر -في خارج هذا الإطار (فى جمعيات ونوادي صغيرة)- أنه سوف يضيع وقته لو أنخرط معهم بأي شكل من الأشكال.
5- الأممية الأولى :
الممارسة والنظرية الذي سحب ماركس من عزلته التي فرضها على نفسه كان دعوته إلى الاجتماع التأسيسي لاتحاد العمال الأممي الذي عقد في سانت مارتينز هول في 26 سبتمبر 1864.
لم يكن تأسيس الأممية بواسطة ماركس ولا إلهاماً ماركسياً، ولكنه جاء كنتيجة تصاعد عام للنضال الاقتصادي للطبقة العاملة الأوروبية، ونتيجة اهتمام الطبقة العاملة بالقضايا الدولية كتأييد الشمال فى الحرب الأهلية الأمريكية؛ وقضية الاستقلال البولندي؛ وتوحيد إيطاليا؛ ومنع استخدام العمال المهاجرين لكسر الإضرابات.
جاءت المبادرة الفورية لاجتماع سانت مارتينز هول من أعضاء من نقابيين في لندن وباريس.
وكان ذلك التميز والعفوية هما العاملان الأساسيان اللذان جذبا ماركس، فكتب إلى إنجلز "أعلم أن في هذه المرة تشارك القوى الحقيقية في لندن وباريس.
ولهذا السبب قررت التخلي عن موقفي المعتاد الرافض لجميع مثل هذه الدعوات...
لأن من الواضح أن هناك صحوة للطبقات العاملة".36
كان لهذه المعالم الإيجابية جانب سلبي متمثل في الارتباك وعدم التجانس النظري والسياسي.
فمن بين المشتركين في الأممية كان هناك أتباع مازينى من القوميين الإيطاليين، وفرنسيون برودونيون الذين أرادوا التوفيق بين رأس المال والعمل، وأوينيون مثل وستون37 الذين عارضوا فكرة الإضرابات، وأيضاً جمعيات سرية اتبعت الشكل الماسوني مثل الفيلادلفيين.38 اضطر ماركس إلى استخدام اللباقة وكثير من المكر حتى يتسنى له أن يعمل في مثل هذا الهيكل غير المنظم ليوجهه إلى الطريق الذى تبناه.
كان الأمر محتاجاً لكثير من التسوية عند استلامه لمهام رسم الخطوط العريضة للأممية، و"الخطاب الافتتاحي"39، وذلك لتجنب مضايقة المشاركين الآخرين.
لقد كان من الصعب علينا أن نصوغ أفكارنا بحيث تظهر فى شكل مقبول من وجهة نظر الموقف الحالي للحركة العمالية.
خلال بضعة أسابيع سيعقد نفس الناس اجتماعا للتوكيل مع برايت وكوبدن وسوف يمر بعض الوقت قبل أن تسمح الحركة الناهضة بالحديث الواضح القوى ثانية.40
كانت طريقة ماركس هي التركيز على الطبيعة الطبقية للحركة وأمميتها، مع التركيز على أطروحة التحرر الذاتي المنتشرة آنذاك،41 بدون التركيز على الأهداف أو الطرق الثورية.
لهذا نصت القواعد على أن "تحرير الطبقة العاملة يجب أن ينتزع بواسطة الطبقة العاملة ذاتها"، وأن "التحرر الاقتصادي للطبقات العاملة هو الهدف الأسمى الذى يجب أن تكون كل حركة سياسية خاضعة له كأداة"، وأن "تحرير العمل ليس مشكلة محلية ولا قومية بل مشكلة اجتماعية تضم جميع البلدان التي يوجد فيها المجتمع الحديث".42 ولكنهم لا يذكرون تجميع وسائل الإنتاج -الأمر الذي كان ليغضب البرودونيين، ولا الثورة التي كانت لتخيف النقابيين الإنجليز.
وقد نجحت هذه الإستراتيجية تماماً.
وجنّبت الأممية نفسها عن أن تكون كما قال مهرنج:
"جسم صغير برأس كبير".43 ولكن في نفس الوقت استطاع ماركس تدريجياً، من خلال تفوق تصوره الأشمل للحركة أن يفرض سيطرته الفكرية على المجلس العمومي.
وبنمو قوة الأممية -مستفيدة على وجه الخصوص من موجة الإضرابات التي تولدت من الأزمة الاقتصادية 66 - 1867- أقنع ماركس مؤتمرات متتالية بتبني سياسات أكثر اشتراكية.
وقد أقر مؤتمر لوزان (1867) أن :
"التحرر الاجتماعي للعاملين لا ينفصل عن تحررهم السياسي".44 وشهد مؤتمر بروكسل (1868) هزيمة البرودونيين في مسألة الملكية الجماعية للأراضي والسكك الحديدية والمناجم والغابات، وقد قرر مؤتمر لندن (1871) أن يضيف الفقرة التالية إلى القواعد:
في نضالها ضد القوة الجمعية للطبقات المالكة تستطيع البروليتاريا أن تتصرف كطبقة فقط إذا شكلت حزباً سياسياً معارضاً لكل الأحزاب القديمة التي شكلتها الطبقة المالكة.
إن تشكيل البروليتاريا فى حزب سياسي لهو ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها من أجل انتصار الثورة الاجتماعية وهدفها النهائي: إلغاء الطبقات. 45
ولكن على الرغم من هذا التقدم فقد بقيت الأممية خليطاً من اتجاهات مختلفة إلى الدرجة التي يستحيل معها أن تقترب من أن تكون حزباً شيوعياً عالمياً.
ولم يحاول ماركس أبداً أن يفرض مثل هذا المفهوم عليها.
ولكنه وافق على أن الأممية لا تعدو كونها اتحادا عريضاً للمنظمات والأحزاب العمالية فى مختلف البلدان وأنه عليها أن "تدع لكل فريق أن يشكل برنامجه النظري بحرية".46
إن الحالة الفضفاضة -التي كانت قوة للأممية سمحت لماركس بأن يحافظ على تكتلاتها العديدة في نفس الوقت الذي وفر فيه التوجيه العام- كانت أيضاً نقطة ضعف لها وجعلت الأممية هدفاً سهلاً للاختراق من قِبَل ميخائيل باكونين ومنظمته الفوضوية الأخوة العالمية والتي دخلت الأممية في 1868 من داخل الحلف الأممي للاشتراكية الديمقراطية.
وكانت عاملاً أساسياً فى الانهيار النهائي لها.
كان باكونين مغامراً رومانسياً أو متآمراً أكثر من كونه منظراً.
وكان البرنامج الذى وضعه ساذجاً ومشوشاً، دعي إلى "المساواة بين الطبقات"، وأيد الإلغاء المباشر للدولة، وكذلك إلغاء حق الميراث...
كل هذه كمطالب أساسية للحركة، وفوق كل هذا الابتعاد التام عن السياسة.
نظر ماركس إلى هذه الأفكار بازدراء: "سخافة تم جمعها بطريقة سطحية من اليمين ومن اليسار...
كتاب لأطفال التمهيدي...

الفوضى التي جمعها من بقايا البرودونيين وسان سيمون وغيرهم".47 ولكنه لم ينكر حق الفوضويين فى مناقشة قضيتهم داخل الأممية.
لقد كان صراعا -ليس على المبدأ- ولكن على نوع التنظيم الذى ستسير عليه الأممية، وهذا هو أساس الصراع المدمر بين ماركس وباكونين.
استغل باكونين العدد الهائل من التوترات والانقسامات فى داخل الأممية، وبدأ حملة ضد "سلطوية" المجلس العمومي تهدف إلى استغلال الانتقادات المختلفة للمجلس العمومي.
ولكن فى خلال إطار الحملة "المضادة للسلطوية" حاول باكونين فرض "الديكتاتورية الشاملة الخفية"48 الغير منتخبة لجمعياته السرية.
حقيقة الأمر كما يصورها مونتي جونستون أن "كان الأمر إما وجوب أن تُدار الأممية كمنظمة ديمقراطية عامة بما يتوافق مع القواعد والسياسات الموضوعة من قِبَل المؤتمرات، أو السماح لباكونين بأن يشل نشاطها بمؤامراته الخفية وكذلك السماح للاتحادات والفرق بعدم قبول قرارات المؤتمرات التي اختلفوا معها".49
اكتسبت نشاطات باكونين أهمية بسبب تزامنها مع العنصر الأساسي الآخر في فشل الأممية وهو كوميونة باريس.
لقد أدى تعاطف ماركس مع الكوميونة في الحرب الأهلية في فرنسا إلى إلصاق الكوميونة بالأممية وبالتالي إلى انتشار "الذعر الأحمر" وحملة مطاردة ضد الأممية فى أنحاء أوربا.
في الوقت ذاته، أدى ظهور ثورة اجتماعية واقعية -بإشكاليات سياسية مطروحة بصورة أوضح- إلى تحطيم الوحدة الهشة التي ارتكزت عليها الأممية.
للتعامل مع هذا الوضع طالب ماركس فى مؤتمر لندن بسلطات إضافية للمجلس العمومي، وتمت الموافقة على هذا.
ولكن ذلك أدى بدوره إلى دفع الذين استاءوا من "تدخل" المجلس العمومي إلى المعسكر "المضاد للسلطوية" بزعامة باكونين.
وبحلول عام 1872 قرر ماركس أن الأممية قد حان أجلها (على الرغم من عدم إعلانه لذلك)، ولكنه كان مصمماً على إلا تقع فى أيدي المتآمرين سواء الباكونينيين أو البلانكيين الذين كانوا يحاولون تسوية الإنجازات الإيجابية للأممية بمغامرات لا طائل من وراءها.
وقد حقق ماركس هذه الأهداف فى مؤتمر "هيج" وذلك بتأمين طرد باكونين (على أساس أسباب مشكوك فيها) 50 وأيضاً بنقل مقر الأممية إلى أمريكا حيث انتهت في سلام في عام 1876.
كان اتحاد العمال الأممي بدون شك أهم أعمال ماركس السياسية طوال حياته.
وقد أعطت قوة دافعة كبيرة لتطوير الحركة فى كل مكان.
وخلقت وعياً أكثر انتشارا بكثير لبعض مبادئ ماركس الأساسية عنها فى أي وقت مضى.
وفوق هذا كله فقد كرست تقليد الأممية وكذلك تقليد التنظيم الأممي في قلب حركة الطبقة العاملة الاشتراكية.
كانت تلك إنجازات ضخمة، ولكنه من الواضح أن الأممية احتوت على بذور التفكك فى أساس إنشائها. ولتقييم مفهوم ماركس للحزب فإنه من الضروري اختبار قوة وضعف الأفكار النظرية التي بنى عليها عمله فى خلال هذه الفترة.
بما أن ماركس كان دائماً يتناول الحزب مقروناً بالطبقة العاملة، وأن الطبقة العاملة تُعّرف أساساً بوضعها الاقتصادي، فإن المشكلة النظرية الأساسية تكمن فى طبيعة العلاقة بين الاقتصاد والسياسة وعلى وجه التحديد بين الصراع الاقتصادي للطبقة العاملة وتطور وعيها السياسي وتنظيمها. وهناك عدة كتابات في هذه الفترة تشير إلى تبني ماركس الرأي القائل بأن الوعي السياسي يظهر بشكل تلقائي من الأوضاع الاقتصادية والصراع العمالي.
هكذا يقول ماركس في خطبة له أمام ممثلين من النقابيين الألمان عام 1869:
"إن النقابات هي مدارس الاشتراكية.
ففيها يعلم العمال أنفسهم ويصيرون اشتراكيين لأن الصراع مع رأس المال يحدث كل يوم على مرأى من عيونهم ...
إن غالبية العمال مهما كان انتماؤهم الحزبي، قد فهمت أخيراً أن وضعها المادي يجب أن يتحسن. ولكن بمجرد أن يتحسن وضع العامل المادي فسوف يستطيع أن يكرس نفسه لتعليم أطفاله، ولن يحتاج أطفاله وزوجته للذهاب إلى المصنع، ويستطيع هو نفسه تطوير فكره بشكل أفضل، ويولي صحته رعاية أفضل ويصبح اشتراكيا دون أن يلحظ ذلك".51
أعاد ماركس طرح المفهوم النظري الأساسي نفسه في رسالة إلى ف.بولت عام 1872، بالرغم أنه توجد بعض العبارات هنا لا يجب أخذها حرفياً:
إن هدف الحركة السياسية للطبقة العاملة هو بالطبع انتزاع السلطة السياسية لصالح هذه الطبقة، وهذا يتطلب تنظيماً مسبقاً للطبقة العاملة متطوراً إلى نقطة معينة ونابعاً من نضالاتها الاقتصادية.
ومن ناحية أخرى فإن كل حركة تظهر فيها الطبقة العاملة كـطبقة ضد الطبقات الحاكمة وتحاول الضغط عليها من أسفل هي حركة سياسية.
على سبيل المثال، فإن المحاولة داخل مصنع معين أو حتى قطاع معين لفرض يوم عمل أقصر ضد رأسماليين معينين من خلال الإضرابات، الخ…
هي حركة اقتصادية صِرْف.
ولكن من ناحية أخرى فإن محاولة فرض قانون (أو ما إلى ذلك) ليوم عمل من ثمان ساعات هي حركة سياسية.
وبهذه الطريقة تنمو بكل مكان حركة سياسية من حركات اقتصادية منفصلة للعمال.
وبعبارة أخرى، حركة الطبقة تملك قوة فرض مصالحها في شكل عام، وفي شكل يملك قوة الإخضاع الاجتماعي (التشديد لكارل ماركس). 52
تكمن قوة رؤية ماركس في ماديتها، وفي تأكيدها على التعلم من خلال التجربة والنضال.
ولكن يكمن ضعفها في حتميتها الاقتصادية وتفاؤلها بالتطور.
لم يوضح التاريخ فقط عملية التطور التي رسمها ماركس، فبجانب هذا أوضح العديد من القوى المضادة التي تعمل على قطع طريق تطور التحول من الوعي النقابي إلى الوعي الاشتراكي.
وبالأخص، في قدرة المكاسب الاقتصادية -حتى تلك التي اكتُسِبَت من خلال النضال- على العمل كمسكنات لا منشطات، بالإضافة إلى تقليل ماركس من خطورة سيطرة الأيديولوجية البرجوازية على البروليتاريا وبالتالي قدرتها على تقسيم وتجزئة الحركة.
في 1890 علق إنجلز قائلاً "يقع اللوم جزئياً على ماركس وأنا لتأكيد الشباب أحياناً على الجانب الاقتصادي أكثر من اللازم.
كان علينا أن نؤكد مبدئنا الأساسي في مواجهة أعدائنا الذين أنكروه، ولم يكن لدينا دائماً الوقت ولا المكان والفرصة لإعطاء حق العوامل الأخرى التي تدخل في التفاعل"53 ، ويقع الجزء الأكبر من لائمة مسألة تطور الوعي الاشتراكي على ماركس لتأكيده الأكثر من اللازم على "المبدأ الأساسي" على حساب "العوامل الأخرى التي تدخل في التفاعل".
لقد بنى ماركس أفكاره حول التنظيم ونشاطه في الأممية معتمداً على تبسيطه المخل والتفاؤل الشديد الذي حوى رؤيته بكيفية تحول الطبقة العاملة من "طبقة في ذاتها" إلى "طبقة لذاتها".
كانت المسألة الأساسية لماركس هي بناء منظمة سياسية معتمدة على فكرة الصراع الطبقي الذي يشرك قطاعات واسعة من العمال، وفي حالة تحقيق ذلك، اعتقد ماركس أن التنظيم سوف يتطور بنفسه في اتجاه ثوري.
لهذا فإننا نجد عنصراً قوياً من القدرية في منظور ماركس من ناحية تكوين الحزب، إذ رأى أن صراع الأفكار والاتجاهات داخل حركة الطبقة العاملة سوف يحل نفسه بتأكيد وتدعيم الاتجاهات الطبقية للعمال.
كانت المشكلة الأساسية عند ماركس هي فشله في تصور إمكانية وجود إصلاحية سياسية عمالية (بعبارة أخرى الاشتراكية الديمقراطية أو العمالوية) تمسك بقبضتها على الحركة بطريقة لا تسمح لها بتطوير نفسها ولا أن تفسح المجال للعمل الثوري، بل تمثل عقبة كبيرة في طريق الثورة.
ولأن ماركس لم ير الخطر فإنه بالتالي لم ير الطريقة لمحاربته وهى خلق حزب طليعي منضبط وضيق نسبياً.
6- الاشتراكية الديمقراطية ومشكلة الإصلاحية
منذ عام 1872 فصاعداً، لم يكن ماركس وانجلز مشتركين أو أعضاء فى أي تنظيم أو حزب، ولكنهما على الرغم من ذلك اعتبرا نفسيهما "ذوا وضع خاص كممثلين للاشتراكية الأممية"،54 وبهذه الوضعية أسدوا النصح للاشتراكيين فى أرجاء العالم.
كان إنجلز في هذا المجال أنشط من ماركس لتردي صحته وتركيزه على دراساته.
لكنه يبدو من المعقول اعتبار آراء إنجلز -في تلك الناحية على الأقل- ممثلة بطريقة عامة لآراء ماركس.
كانت أهم ظاهرة في تلك الفترة ظهور أحزاب عمالية اشتراكية ديمقراطية في عدد من البلدان، خاصة في ألمانيا.
جمعت هذه التنظيمات بين برنامج اشتراكي معلن وجمهور الطبقة العاملة.
أدت مشاهدة هذا التطور مع الخبرة العمل في الأممية -فيما يبدو- إلى إعادة تقييم أو على الأقل تغيير في التركيز في وجهات نظر ماركس وإنجلز.
هكذا نجد أنه في عام 1873 حذر إنجلز بيبل من أن "ينخدع بنداء الوحدة ...
يثبت الحزب انتصاره بالانشقاق وبكونه قادراً على تحمل ذلك".55 وفي عام 1874 تنبأ إنجلز لسورج بأن "بعد أن تكون كتابات ماركس قد خلقت آثاراً لبعض السنين ستكون الأممية القادمة شيوعية بشكل مباشر وسوف تطبق مطالبنا بحذافيرها".56
في بريطانيا والولايات المتحدة، حيث تواجدت طبقات عاملة في غاية القوة ولكن العمال خاضعين سياسياً لأحزاب الطبقة الحاكمة وحيث التيار الاشتراكي شديد الضعف، واصل ماركس وإنجلز خط سيرهما القديم في الدعوة إلى تكوين حزب عمالي مستقل وعريض دون النظر إلى برنامجه أو إلى أسسه النظرية.
كتب إنجلز سلسلة من المقالات على هذا الأساس في مجلة وضع العمل في عام 1881 مجادلاً -ومتنبأً بطريقة نشأة حزب العمال (البريطاني)- أنه "إلى جانب، أو على رأس، النقابات العمالية يجب أن تنبثق رابطة عامة، كتنظيم سياسي للطبقة العاملة بأكملها".57 وفى 1893 حث كل الاشتراكيين على الانضمام إلى حزب العمال المستقل.
وفيما يتعلق بأمريكا جادل إنجلز :
إن الشيء العظيم هو جعل الطبقة العاملة تتحرك كطبقة، وبمجرد حدوث هذا سوف يجدون الطريق الصحيح...
إن تَوقُّع أن يبدأ الأميركيون بالوعي الكامل بالنظرية التي تطورت في الدول الصناعية الأقدم هو بمثابة توقع المستحيل ...
أن أصوات مليونين من العمال فى نوفمبر القادم لصالح حزب عمالي حقيقي جاد لهو أهم بكثير -في الوقت الحالي- من مائة ألف صوت لصالح منبر كامل المبادئ...
ولكن أي شئ يمكن أن يعطل أو يمنع ذلك التضامن القومي لحزب الطبقة العاملة -ومهما كان الأساس النظري لذلك- أعتبره خطأ جسيماً. 58
وأما فيما يخص فرنسا وألمانيا، حيث كانت الحركة أكثر تقدماً بكثير، كان سلوك ماركس وانجلز مختلفاً تماماً.
وهنا رأوا - ولأول مرة - إمكانية خلق أحزاب ماركسية قوية فى هيئة الحزب العمالي الفرنسي والحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني.
ومن أجل تحقيق تلك الإمكانية، أعطوا اهتماما خاصاً لمسائل النظرية والبرنامج.
لهذا فانه عندما انقسم الحزب الفرنسي عام 1882 بين ماركسيين بقيادة جيوسد ولافارج، و"امكاناتيين" بقيادة مالون وبروس (وهم فوضويين تحولوا إلى إصلاحيين)، رحب إنجلز بالحدث على إنه شئ "حتمي" و"جيد"، وأن ذلك "الحزب الزائف [الامكاناتيين] هو ليس فقط حزب غير عمالي ولكنه ليس حزباً على الإطلاق، لأنه في الواقع لا يملك برنامجاً"59 ، وعلق قائلا "على ما يبدوا أن كل حزب عمالي في دولة كبيرة يمكن أن يتطور فقط من خلال الصراع الداخلي، بما يتماشى مع قوانين التطور الجدلي بوجه عام".60 ولكن في تعاملهما مع الاشتراكية الديمقراطية الألمانية، احتفظ ماركس وإنجلز بأعلى درجات الحدة النظرية.
وعندما توحد فى 1875 حزبSDAP مع حزبADAV اللاسالي لكي يشكلا حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الألماني (لاحقاً الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني)، عارض ماركس وإنجلز هذه النقلة "كتهور من جانبنا"61 متضمناً تنازلات نظرية. وقد وجه ماركس إلى برنامج الوحدة نقداً عنيفاً62 موضحاً ليس فقط المدلولات الرجعية للصيغ اللاسالية مثل "قانون الأجور الحديدي" و"الحقوق المتساوية في المردودات غير المنقوصة للعمل" و"جمعيات المنتجين المدعومة من الدولة"، بل أيضاً تناول مسألة الطبيعة الطبقية للدولة في مواجهة الدعوة إلى "دولة الشعب الحرة"، منتقداً البرنامج لافتقاده مبدأ الأممية، وشاكياً من أن البرنامج "لا يطرح شيئاً من ناحية المطالب السياسية عدا تلك القديمة والتي لا تتعدى الشعائر الديموقراطية العامة المعروفة: حق الانتخاب العام، التشريع المباشر، العدالة الشعبية، الجيش الشعبي، الخ"63.
في عام 1877، ولكي يحافظ على هيمنة الماركسية في الحركة الألمانية، أخذ إنجلز على عاتقه مشروع ضد دوهرنج الضخم، وفى عام 1879 أرسل ماركس وإنجلز "خطاب دوري" لقادة الحزب منتقدين بشدة ظهور نزعات غير بروليتارية داخل الحزب رافضة للصراع الطبقي وبالتالي الطبيعة الطبقية للحزب، و "تعلن صراحة أن العمال جهلاء إلى درجة لا تؤهلهم لتحرير أنفسهم ويجب أن يتم تحريرهم من أعلى بواسطة محبي الإنسانية من البرجوازية الكبيرة والبرجوازية الصغيرة".64 وأيضاً في عام 1879 عارضا "ضعف ليبنخت غير المتوقع فى البرلمان الألماني"65 في مواجهة قانون بسمارك المعادي للاشتراكية، وعارضا كذلك التأييد الانتهازي لسياسة بسمارك المتعلقة بالتعريفة الحمائية وذلك بواسطة المجموعة البرلمانية لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي، ورداً على ذلك أعلن ماركس "أنهم أصيبوا بالبلاهة البرلمانية لدرجة تصورهم أنهم فوق كل نقد".66
ولكن لا يجب أن يضللنا هذا السيل المتواصل من النقد.
فهو لا يعكس عداءً للاشتراكية الديمقراطية الألمانية، بل يعكس اهتمام ماركس وانجلز الاستثنائي بالتنظيم الذي كثيراً ما يشيران إليه بكلمة "حزبنا".
وعلى الرغم من هجومهما العنيف على كل مظهر معلن من مظاهر الإصلاحية والتسليم بالديمقراطية البرجوازية، بقي ماركس وإنجلز مرتبطين بالحزب الألمانى بـ"روابط تضامن".67 وأصبح الحزب الألماني -بمباركتهما- النموذج للحزب الماركسي لبقية العالم.
ما فشل ماركس وانجلز في استيعابه هو أن الخطر الرئيسي لا يكمن فيما قاله الحزب، ولكن فيما فعله، وفي ماهية الحزب أساساً.
وقد برزت هذه المشكلة بوضوح بعد ذلك ببضع سنوات، فيما يسمى "الجدل التحريفي"، عندما طلب برنشتاين أن يتبنى الحزب سياسة إصلاحية خالصة.
وفى رسالة مؤيدة كتب الاشتراكي البافاري إجناز آور لـبرنشتاين "عزيزي إدي، لا يقرر المرء رسمياً أن يفعل ما تطلبه ولا يقوله ولكن المرء يفعله. إن كل نشاطنا -حتى في ظل القانون المخزي المعادي للاشتراكية- كان نشاطاً لحزب إصلاحي اشتراكي ديمقراطي.
إن الحزب الذي يتفهم الجماهير لا يمكن ببساطة أن يكون أي حزب آخر".68 يكمن أصل المشكلة في مفهوم العلاقة بين الحزب والطبقة العاملة، ذلك المفهوم الذي لم يعارضه ماركس وإنجلز بوضوح؛ مفهوم الحزب الواسع الذي ينمو باطراد، منظماً لأقسام متزايدة من البروليتاريا إلى أن يضم فى النهاية الغالبية العظمى.
وكما كتب كريس هارمن "المهم عند الاشتراكي الديمقراطي هو أن الحزب يمثل الطبقة".69 وإذا مثّل الحزب الطبقة فيجب أن يحتوى على الاتجاهات المختلفة الموجودة بداخل الطبقة.
وقد تقبل ماركس وإنجلز هذا المبدأ على الرغم من كفاحهما لتسييد الماركسية.
ولهذا كتب إنجلز في 1890 :"إن الحزب من الكبر بحيث أنه من الضروري أن يكون هناك نقاش مطلق الحرية بداخله...
إن أعظم حزب في البلد لا يمكن أن يوجد بدون أن تعبر فيه الآراء المختلفة الموجودة به عن نفسها".70
إذا مثّل الحزب الطبقة في فترة من التوسع والاستقرار الرأسمالي يكون فيها جمهور الطبقة العاملة إصلاحي، فيجب على الحزب عندئذ أن يكون إصلاحياً أيضاً، حتى ولو لم يعلن ذلك صراحةً.
ولكن العمال الإصلاحيين شئ والقادة السياسيين الإصلاحيين شئ آخر تماماً.
إن وعي العامل العادي فى كثير من الأحيان هو خليط من عناصر متناقضة، ومن الممكن لهذا الوعي أن يتغير بسرعة كبيرة تحت ضغط حاجات العامل المادية وانخراطه المباشر في الصراع والتغيرات الدرامية فى الوضع السياسى.
أما على الجانب الأخر، فإن وعي القائد متبلور بشكل محدد ومترابط (وهذا ما يجعله قائداً)، ولهذا فهو أكثر مقاومة للتغيير، علاوة على ذلك فإن القائد ليس عُرضة لنفس الضغوط المادية الموجودة على العامل، بل على العكس فغالباً القائد له مركزه الذى يعطيه الامتيازات (مثلاً كعضو فى البرلمان أو كزعيم نقابي عمالي).
والنتيجة لذلك، هي أن علاقة تمثيل الطبقة العاملة فى المرحلة الإصلاحية ستتحول إلى علاقة معارضة وخيانة فى المرحلة الثورية.
لكي يكون مع الطبقة في موقف ثوري، يجب على الحزب أن يتقدم الطبقة نسبياً في فترة ما قبل الثورة.
لا يتوقف الحزب عن تمثيل مصالح الطبقة ككل، ولكن لكي يحقق ذلك يجب أن يقصر عضويته على أولئك الذين تتغلب فيهم مصالح الطبقة ككل على المكاسب الفردية والجزئية والقومية أو المكاسب الفورية، بمعنى آخر، الثوريين.
كون ماركس لم يطور أو يبنى هذه الفكرة التى هى الفكرة الأساسية المبدئية لنظرية حزب ثوري يكمن فيما سميناه مسبقاً بـ"التطورية المتفائلة" التي شابت رؤيته في نمو وعي الطبقة العاملة السياسي والذي رأى أنه يتطور نسبياً بنعومة واتساق وإلى حد ما موازي لتطور الرأسمالية.
لا يمكن أن يندهش المرء أو يلوم ماركس على عدم تخطيه لهذا الرأي.
فخلال الجزء الأعظم من حياة ماركس لم تظهر مشكلة الإصلاحية كتهديد أساسي بأي حال من الأحوال، لقد كانت المهام الأساسية هي التغلب على التقاليد البرجوازية الصغيرة، والعصبوية، والتآمرية، والاشتراكية الطوباوية، للتنظيم الثوري -الموروثة عن الثورة الفرنسية، بالإضافة إلى مهمة تحقيق الاستقلال السياسي للبروليتاريا.
لقد كانت إسهامات ماركس عظيمة في تحقيق البروليتاريا لهذه المهام فى معظم البلدان الأوربية.
ولو كان -في سياق الصراع- قد "ثني العصا" في اتجاه الحتمية الاقتصادية فإن هذا مفهوم بشكل تام.
ولكنه من الضرورى أيضاً أن نفهم إنه في مجال نظريته عن الحزب، فإن تراث ماركس -مهما كانت إنجازاته الإيجابية- كان شيئاً يجب تخطيه بمرور الوقت على يد الحركة الماركسية لو كان للرأسمالية أن تسقط.

 


الفصل الثاني:
لينين وميلاد البلشفية
برغم أن الماركسية عموماً -كما وضعها جرامشي- هى "فلسفة للعمل"، وبالتالي معادية للقدرية، إلا أن ماركس نفسه -كما وضحنا- لم يحرر نفسه تماماً من مفهوم قدري للمنظمة السياسية بسبب الظروف السائدة وتصميمه على تفادي الحلقية.
إن الحزب السياسى للبروليتاريا سينشأ تدريجياً وعفوياً من الصراع الواسع للطبقة العاملة.
ففى الاشتراكية الديمقراطية قوت هذه النزعة القدرية نفسها فى دائرة التنظيم وبعد ذلك توسعت فى نظرية النمو الرأسمالى والثورة البروليتارية وطبيعة النشاط الإنسانى نفسه.
إن الممارسات البلشنية وأفكار لينين التنظيمية كانت بمثابة قطع مع هذه القدرية، وبذلك كانت خطوة هائلة للأمام بالنسبة للنظرية الماركسية ليس فقط مع الاشتراكية الديمقراطية.
ولكن أيضاً مع ماركس.
لينين فقط هو الذى أستبدل مفهوم الحزب العريض الذى "يمثل" الطبقة أو هو الطبقة ذاتها، بمفهوم حزب يتكون من أقلية (قبل المرحلة الثورية) هى طليعة الطبقة. والتى لكونها التعبير التنظيمى عن المنظور الاشتراكي للطبقة.
واجب عليها الدفاع عن نفسها، والنضال ضد كل مظاهر الانتهازية.
1- خلفية البلشفية
إن البلشفية لم تكن "فينوس" مولودة مكتملة النمو من الأمواج - لقد نمت وتطورت من خلال مجموعة من الصراعات الداخلية والخارجية، ولا يمكن رؤيتها أيضاً ببساطة كنتاج لعبقرية لينين التنظيمية.
إن إعطاء لينين شكلاً مثالياً كما هو سائد فى الدوائر الماركسية إلى جانب نزعة المنظرين الستالينين فى تصوير التاريخ الثورى الروسى على إنه هناك بطلين هما الشعب الروسى ولينين (ومعظم الأفراد الآخرين ليسوا بشراً) قد خلقت صورة للبلشفية كأن لينين هو مخترعها مثلما أخترع واط المحرك البخارى.
فى الواقع إن القطع مع التدريجية فى مجال التنظيم كان هو نفسه عملية تدريجية ونصف واعية فقط بالرغم من العديد من الصراعات الحادة والواعية.
إن اللينينية هى نتاج استجابة ثورية نامية وقوية لواقع ملموس.
ولفهم هذه الاستجابة يجب النظر إلى عناصر هذا الواقع التى جعلت منه شيئاً ممكناً.
إن أول عامل قفز إلى الذهن كمصدر للبلشفية هو ما يسميه توني كليف (بالتقليد الاستبدالى فى الحركة الثورية الروسية).
هذا التقليد كان بالقطع شديد القوة.
ففى ستينات وسبعينات القرن الماضى كان أحياناً عشرات وأحياناً أخرى مئات المثقفين البطوليين والمثاليين يضعون أنفسهم ضد الحكم المطلق، فأحياناً يذهبون إلى الشعب كمعلمين ومنورين وأحياناً أخرى "يتصرفون نيابة عن الشعب" بأفعال إرهابية جريئة.
وبفعل ذلك اكتسب هؤلاء النارودبيين الاحترام الأزلى وإعجاب الثوريين الروس ومن ضمنهم لينين على وجه الخصوص الذى يشير تكراراً إلى "إصرارهم المخلص وقوة عزيمتهم".
ولتقوية تلك الفكرة يمكن ضم العديد من الأجزاء من سيرته ذات دلالة:
التأثير القوى على لينين من قبل كتاب الصفوة مثل:
شيرلينشفكى وتكاشيف، وبالطبع قدر أخاه الذى أعدم بتهمة إرهابية.
ومع ذلك فإن الحديث السطحى لا يحتمل الفحص النقدى، لأنه يغفل حقيقة أن لينين قد نبتت أسنانه النظرية بالضبط من الصراع ضد النارودنية، وأنه عارض الإرهاب الفردى طول حياته، وأنه رفض تأييد الاستيلاء على السلطة عام 1917 حتى أصبح للبلاشفة أغلبية فى السوفيتات، وأنه شن هجوماً عنيفاً ضد كل أشكال "الانتفاضية" لمحاولات انتفاضات من قبل اقليات، فى المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية عام (1921).
لم يكن الإرهاب وإنما الوضع الذى أنتج الإرهاب هو العامل المهم فى تطوير أفكار لينين. فقد استطاع لينين أن يقاطع وبشكل فاصل النظريات الرومانسية والطوباوية للإرهاب، واستطاع أن يلتحم تماماً بنظرية الصراع الطبقي كرافع للثورة الاجتماعية، ولكنه لم يستطيع القطع مع حقيقة البوليس القيصري.
فتحت القيصرية ظل القمع السياسى التام وبذلك تم حظر كل النشاطات النقابية والاضطرابية.
فى مثل هذا الوضع كان النموذج الاشتراكي الديمقراطي لحزب جماهيري عريض يمثل الطبقة العاملة بكاملها من المستحيل.
"فلا يمكن إلا للطوباوى الراسخ فقط أن يدعو لمنظمة عمالية واسعة..
فى ظل الحكم المطلق". في الواقع فإنه من ناحية محاربة البوليس القيصرى، كلما صغر التنظيم كلما كان ذلك أفضل.
إن الحاجة إلى الفاعلية والتمرين القويين شديدة الارتباط بمسألة الحجم والسرية. فالحاجة إلى الفاعلية تطرق إليها لينين فى "ما العمل" والتى كانت تقريباً العامل الموضوعي الأساسي فى تحديد نجاح ذلك الكتاب فى ذلك الوقت. تعطى الأساس لمفهوم الثورى المحترف كأساس للتنظيم الثورى.
فقد كتب لينين ملخصاً آراءه فى هذا الصدد قائلا:-
"فى الدولة الاستبدادية. كلما اقتصرت عضوية مثل هذا التنظيم على الأفراد الذين يحترفون النشاط الثوري والذين دربوا على فن محاربة البوليس السياسى. كلما صعب القضاء على هذا التنظيم".
إن إبراز العملية فى التأكيد على السرية والتدريب والاحتراف فى التنظيم يجب أن تكون واضحة.
ولكن هذا العنصر من العملية المجردة أو ضرورة التنظيم فى نظرية لينين يمكن بسهولة تضخيمها.
فإذا كانت الملاءمة الثورية هى الشئ الوحيد الذى تم أخذه فى الاعتبار، فيبقى على الأرجح أن نقول مع ليونارد شابيرد (والعديد من المعلقين الآخرين) "إن مفاهيم لينين قد اقتربت من أفكار نارودنايا فولجا التآمرية، وبعدت عن مفهوم ماركس للدور التاريخى للطبقة بكاملها".
واقع الأمر لم يكن كذلك.
فذلك القلب الصلب من الثوريين المحترفين لم ينظر لهم كفاية فى حد ذاتهم، وإنما كوسيلة.
وقد شدد لينين على إنه كلما قوي قلب الحزب "كلما كبر عدد الأفراد من الطبقة العاملة ومن الطبقات الإجتماعية الأخرى الذين يستطيعون الانضمام للحركة وممارسة نشاط فيها".
من هنا فإن منظور لينين كان دائماً منظور حركة طبقية عريضة ضد السلطة المطلقة.
ولكن يقودها حزب طليعى.
"نحن حزب طبقة، ولذلك فتقريباً كل الطبقة (وفى أوقات الحرب، وحقبات الحرب الأهلية، الطبقة بكاملها) يجب أن تعمل تحت قيادة حزبنا".
علاوة على ذلك، فإذا كانت الضرورة العملية فقط هى التى حددت فكر لينين، فأفكاره سيكون لها أهمية محلية ومؤقته.
كانت البلشفية لتثبت أنها ظاهرة روسية خاصة استثناء عن القاعدة، بدلا من أساس لحركة وتقليد أممى واسع. فى الواقع لإن العناصر التآمرية فى مفهوم لينين محددة تاريخياً ويعترف لينين بذلك:-
"فى ظروف الحرية السياسية يبنى حزبنا بشكل كامل على مبدأ الأنتخاب.
فى ظل الأتوقراطية يكون هذا غير عملي بالنسبة لآلاف العمال الذين يشكلون الحزب".
وإذا كان مستوى القمع هو ما جعل تأسيس حزب عريض على النمط الغربي مستحيل، فإن الوضع الإجتماعي والسياسي الخاص فى روسيا والاتجاهات فى داخل الحركة الثورية هى ما دفعت لينين نحو رؤى نظرية جديدة وجعلته قادراً على أخذ خطوة أمام نموذج الاشتراكية الديمقراطية بدلا من خطوة للخلف نحو التآمرية، لذلك يجب فحص هذا الموضوع.
إن الفرق بين مهام الحركة الثورية فى أوروبا الغربية وروسيا يكمن فى أن الرأسمالية فى الغرب كانت قد رسخت تماماً، بينما الرأسمالية الرويبة كانت ما تزال وليدة فلذلك بينما كانت الماركسية تعرض نفسها فى الغرب بشكل مباشر كنظرية إحاطة البروليتاريا للرأسمالية، ظهرت الماركسية فى روسيا للعديد كنظرية لحتمية النمو الرأسمالي. وبما أن السلطات قد اعتبرت الإرهابيين الخطر الأساسى -وقد زعم الإرهابيون أن روسيا يمكنها تجنب الرأسمالية عن طريق ثورة فورية- كان النقد الماركسي للإرهاب والتوكيد على حتمية الرأسمالية محل ترحاب لفترة، فعلى الأقل كان ينظر له كأهون الشرين.
وهذا أدى إلى ما أصبح معروفاً بالماركسية الشرعية وأصبحت الماركسية موضة حقيقية:-
"تم تأسيس المجلات والصحف الماركسية، وأصبح تقريباً كل فرد ماركسى، وأطروا على الماركسيين وتوددوا لهم. وأبتهج ناشروا الكتب للبيع غير العادى للأدبيات الماركسية".
وبشكل حتمي، ومثل هذا الوضع حدث تحالف "لعناصر ظاهرة الاختلاف" وبشكل خاص فالذين سموا أنفسهم ماركسيين كانوا هؤلاء الذين نظروا إلى الماركسية كضرورة وكأمر تقدمى، ولكن الذين أيدوا الواقع الرأسمالية، والذين كانت الاشتراكية بالنسبة لهم بلاغة غير واضحة المعالم بالنسبة للمستقبل البعيد. (الممثل الرئيسى للاتجاه الثانى كان بيوترستروف. والذى كان يتعاون من قبل مع لينين وبيلخانوف، والذى أسس سنة 1905 حزب الكاديت البرجوازى الديموقراطى) هذا كان يعنى أنه منذ وقت مبكر للغاية شعر لينين أن عليه أن يختار بشكل صارم جداً هؤلاء الذين أرادو فعلاً الصراع من بين العديد من الذين تفوهوا بعبارات راديكالية.
كان هذا عاملاً أساسياً فى تحديد عناد لينين المذهبى وخصوصاً إصراره على المفارقة بين ما يقوله الناس وما كانوا فعلاً مستعدين لفعله. هذه القدرة الأخيرة.
التى كانت نامية بشكل واضح عند لينين والتى هى إحدى الملامح المدهشة فى كل كتاباته. كان لها أن تلعب دوراً مهولاً فى نمو البلشفية كحزب مستقل.
إن الإجابة الماركسية الثورية لمشكلة رؤية الرأسمالية كتقدمية.
وفى نفس الوقت الحفاظ على استقلال البروليتاريا التام للصراع ضد الرأسمالية تقع فى نظرية هيمنة البروليتاريا فى الثروة البرجوازية.
فبدءا ببليخانوف (إن الثورة الروسية ستنجح كثورة عمالية أو أنها لن تنجح على الإطلاق)، علا الرغم من تركه لهذه الرؤية بعد ذلك. والتى تبناها وصقلها لينين، هذه النظرية كان لها أن تصبح سمة البلثفية فى مرحلة ما قبل سنة 1917.
إن جوهر هذه النظرية هو أن البرجوازية الروسية قد ظهرت متأخراً على الساحة.
بعدما توقفت البرجوازية عن كونها قوة ثورية على النطاق العالمى.
وبناء على ذلك فإن مهمة قيادة ثورة ضد الحكم المطلق ستقع على البروليتاريا التى، برغم صغرها، كانت تنمو بسرعة فى الصناعات الحديثة الضخمة، وكانت تستطيع التحالف مع القوى الهائلة للتمرد الفلاحى.
من أجل تحقيق هذه المهمة على البروليتاريا أن تتبنى الإطاحة بالقيصرية كمطلبها الأول والأكثر أهمية، وأن تضع نفسها فى طليعة كل صراع من أجل الديمقراطية والحرية السياسية.
2- نقد الاقتصادوية
كانت هذه هى النظرية التى ولدت الخلاف بين لينين وبين مختلف الاتجاهات التى جمعها تحت أسم "الاقتصاديين".
إن المختلفين الأساسيين "للاقتصادية" فى ذلك الوقت كانوا دابوتشايا ميسل (فكر العمال)، جريدة تنشر فى سانت بيتر سبرج 1897 - 1902، ورادوثيى ديلو (مهمة العمال) وهى مجلة ناطقة بلسان اتحاد الاشتراكيين الديمقراطيين الروس فى الخارج (1899 - 1903) وكانت الأخيرة تتخذ موقفاً يمكن وصفه بشكل أدق كنصف (اقتصادية). إن المحتوى الأساسى "للاقتصاديين" هو أنه يجب على الاشتراكية الديمقراطية ألا تركز عملها فى الصراع ضد الحكم المطلق، ولكن فى خدمة وتنمية الصراع الاقتصادى للعمال، وانبثقت العديد من الأفكار الأساسية للبلشفية من الخلاف مع "الاقتصادية". من أجل فهم وتقييم هذه الأفكار سيكون من الضرورى النظر فى هذه الخلافات بشئ من التفصيل - ولكن حتى قبل ذلك يجب النظر إلى السياق الذى حدثت فيه هذه الاختلافات والسؤال ببساطة :
لماذا كانت بهذه الأهمية؟
إن السبب الرئيسى هو أن لينين رأى أن "الاقتصادوية" تقود حتمياً إلى التخلى عن هيمنة البروليتاريا فى الثورة الديمقراطية القادمة؛ بإرساء تقسيم عمل يكون العمال فيه محددون بصراع النقابات، وأن يتركوا السياسة للبرجوازية. فى الواقع كان التأييد الصريح لمثل هذا التقسيم فى الوثيقة المعروفة باسم (الكريدو) أى (العقيدة) التى كتبها ى.
د. كوسكوفا من اتحاد الاشتراكيين الديمقراطيين فى الخارج، هو الذى حدث لينين أن يشن الهجوم ضد "الاقتصادوية" ب "احتجاج الاشتراكيين الديمقراطيين" فى أغسطس عام 1899.
وقد كتب كوسوكوفاد (الكريدو) :
بالنسبة للينين كان يعنى هذا الطريق خيانة الثورة؛ لأن نشاط المعارضة الليبرالية، (أى البرجوازية) كان عاجزاً تماماً عن معارضة ثورية متسقة للحكم المطلق. وقد تمسك بأن أى محاولة لتقليل مهام البروليتاريا والحركة الاشتراكية الديمقراطية ستعود على البرجوازية بالفائدة، ونظر إلى أى نزعة نحو "الاقتصادوية" كمؤدية فى هذا الاتجاه وبهذه الطريقة، فإن المناظرة حول "الاقتصادوية"، قد أرهمت بالإشكالية الجوهرية للماركسيين الروس خلال السبعة عشر عاماً التى تلت - أدوار ومهام البرجوازية فى الثورة - باستمرارية جوهرية موجودة بين موقف "الاقتصادوية" المبكر والموقف اللاحق للمناقشة بأن الدور القيادى يجب أن يكون للبرجوازية.
من هنا يمكننا رؤية أن لينين كان أيضاً على صواب عندما ربط "الاقتصادوية" بالاتحاد العالمى للإصلاح أو "التحريفية" فى الاشتراكية الديمقراطية. وهو ما فعله بطريقة سليمة فى أول "ما العمل" لقد كرس "الاقتصادويون" الانقسام القائم بين الاقتصاد والسياسة. ودافعوا مع برانشتاين عن أهمية "الحركة" (المطالب الفورية) فى مقابل (الهدف النهائى) (الاشتراكية، أو فى هذه الحالة الإطاحة بالقيصرية).
إن الهجوم العنيف بالنسبة للينين.
كان يعنى أخذ المسائل المختلف عليها من جذورها ومتابعة منطقة وحجج خصمه بلا رحمة: ولذلك فتلك المساجلات؛ بالرغم من أنها نشأت من موضوعات محددة، إلا أنها تحتوى على أهمية عامة :
إن نتاج الصراعات ضد "الاقتصادويين" كان "ما العمل" الذى كان له باستحقاق تأثيراً قوياً على النظرية الماركسية، وفى الممارسة فى كل مكان فى العالم.
ولكنى أطرح فى نفس الوقت أنه قد صور خطأ على أنه النص الماركسى المعيارى فى نظرية الحزب: لذلك فإن أى دراسة نقدية للنظرية الماركسية للحزب يجب أن تنظر بجدية تامة لهذا العمل.
"ما العمل" يلخص كل آراء لينين ضد "الاقتصادوية" وقضيته الخاصة ببناء منطقة ثورية على نطاق قومى تقوم على أساس كادر من المحترفين الثوريين وجريدة لكل روسيا. لذلك فالعديد من النقاط التى يحتويها لها طبيعة عملية من النوع الذى أشرنا إليه من قبل فى المقال، ولكن الموضوع الأساسى هو العلاقة بين العفوية والوعى فى تنمية الحركة الثورية.
إن الاقتصادويين "الذين تمسكوا بأن السياسة تمشى وراء الاقتصاد. وأن لينين والايسكراويين "صغروا من حجم العنصر العفوى" و "ضخموا الوعى" ولكن بالنسبة للينين فحتى هذه الطريقة لعرض المشكلة كانت غير مرضية على الإطلاق.
فلم تكن أهميتها تقع بالتحديد فى المطالب التنى دمغتها على الوعى وعلى التنظيم.
إن برنامج "رابوشيى ديلو" يقول :-
"نحن تعتبر أن أهم فى الحياة الروسية التى ستحدد بشكل أساسى المهام وطبيعة نشاط النشر فى الاتحاد. هى حركة العاملة الجماهيرية التى صعدت فى السنوات الأخيرة".
ويعلق لينين :-
"إنه لا يمكن الخلاف على أن الحركة الجماهيرية هى ذات أهمية قصوى، ولكن فى هذا الشأن هى كيف نفهم عبارة أن "حركة الطبقة العاملة الجماهيرية" تحدد المهام" ؟
يمكن فهمها بأحد المعنيين.
ما أنها تعنى الانحناء لعفوية هذه الحركة أى اقتصار دور الاشتراكية الديمقراطية على مجرد التبعية لحركة الطبقة العاملة - أو أنها تعنى أن الحركة الجماهيرية تضع أمامنا مهايا نظرية وسياسية وتنظيمية جديدة، أكثر تعقيداً بكثير من المهام التى اكتشفنا بها فى مرحلة ما قبل صعود الحركة الجماهيرية".
إن المفهوم الجدلى للعلاقة بين العفوية والوعى، الحركة الجماهيرية والحزب، يمثل خطوة هائلة للأمام بالنسبة للنظرية الماركسية، وهى تتقدم عن أى إسهام سابق فى هذه المشكلة (وفى ضمنها إسهامات ماركس نفسه وخصوصاً إسهامات الاشتراكية الديمقراطية الألمانية).
وهى فى الأساس نقطة البداية الضرورية لنظرية ثورية حقيقية فى الحزب؛ لأنها قطع راديكالى مع القدرية.
"نحن الاشتراكيين الديمقراطيين الثويين، على العكس، غير راضين بهذا التقديس للعفوية الموجودة حالياً "بالنسبة للينين، فإن نمو الصراع الطبقى نفسه، حتى شكله الاقتصادى، هو عملية الانتقال من "العفوية" إلى "الوعى".
"إن الإضرابات التى حدثت فى روسيا فى السبعينات والستينات (وحتى فى النصف الأول من القرن التاسع عشر) وكانت مصحوبة بالتحطيم "العفوى" للماكينات. الخ.
مقارنة بهذه "التمردات" يمكننا وصف إضرابات التسعينات ك "راضية" إلى الحد الذى يوضح التقدم الذى أحرزته الطبقة العاملة فى هذه الفترة.
هذا يوضح أن "العنصر العفوى" فى الأساس.
لا يمثل شئ أكثر أو أقل من الوعى فى شكله الجنينى".
لذلك يرى لينين أن واجب الثورى هو دائماً مساعدة العنصر الواعى والعمل على التغلب على العفوية.
ولكن لينين لا يجادل فحسب من أجل تنظيم فى مواجهة عدم تنظيم.
أو قيادة فى مواجهة "ذيلية" "الاقتصادويين".
ولكن الشئ الجوهرى فى محاربته "الاقتصادويين" وفى نظرته لطبيعة مهام الحزب هو رفضه لمقولة أن الوعى الطبقى البروليتارى يمكن أن ينمو تدريجياً على أساس تراكم صراعات اقتصادية.
فكما كتب لوكاتش :-
"إن استحالة التطور الاقتصادى للرأسمالية إلى الاشتراكية قد اثبت بوضوح فى مجادلات برانشتاين ومع ذلك فإن نظيره الغيديولوجى قد عاش بدون تناقض فى أذهان العديد من الثوريين الأوروبيين المخلصين.
ولم يكن حتى معتبراً مشكلة أو خطراً".
وكان موقف لينين فى هذا الصدد متطرفاً، ولا يقبل المساومة :-
"إن وعى الطبقة العاملة لا يمكن أن يكون وعياً سياسياً حقيقياً حتى يكون العمال قادرين على الرد على كل أشكال الاستبداد، الظلم، العنف وسوء المعاملة دون النظر إلى الطبقة المتضررة إلا إذا تدربوا.
علاوة على ذلك، أن يردوا من وجهة نظر اشتراكية ديمقراطية وليس غيرها. إن وعى الجماهير العاملة لا يمكن أن يكون وعياً طبقياً حقيقياً.
إلا إذا تعلم العمال من حقائق وأحداث ومواضيع سياسية ملموسة أن يضعوا نصب أعينهم كل طبقة اجتماعية بكل مظاهر حياتها الفكرية والأخلاقية والسياسية.
إلا إذا تعلموا تطبيق التحليل المادى لكل نواحى حياة ونشاط كل الطبقات. والشرائح ومجموعات الشعب".
ولذلك :
إن "الوعى السياسى الطبقى لا يمكن أن يقدم للعمال إلا من الخارج، أى من خارج الصراع الاقتصادى. من خارج محيط العلاقات بين العمال والمستخدمين".
عملياً، كان هذا يعنى أن على الاشتراكيين الديمقراطيين ليس فقط "الذهاب بين العمال" ولكن "يجب تحريك العمال ليتخذوا موقفاً فى مساندة كل ضحايا الحكم المطلق. ومن ضمنهم مجموعات مثل الأقليات الدينية والطلبة.
"إن المثل الأعلى للاشتراكيين الديمقراطيين، لا يجب أن يكون سكرتير النقابة، ولكن المدافع عن الشعب..
القادر على الاستفادة من كل حدث مهما كان صغيراً، من أ جل نشر إيمانه بالاشتراكية ومطالبه الديمقراطية".
وكان أساسياً لهذه الإستراتيجية جريدة لكل روسيا ترقب بعين يقظة كل مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية فى روسيا وقادرة على شن حملات سياسية على النطاق القومى "بغير أداة سياسية، لا توجد حركة سياسية تستحق هذا الاسم فى أوروبا الآن".
قد يكون من الضرورى الإشارة بشكل عابر إلى أن لينين بالطبع لم ينظر باى حال إلى تنويعة القوى هذه كتعديل أو تسوية للأساس الطبقى للحزب.
على العكس، فقد كان من هذا من الممكن فقط على أساس مرحلة مطولة من التحريض الاقتصادى الواسع وسط الطبقة العاملة.
"فى المرحلة السابقة" فى الواقع كان لدينا قوى قليلة - لشدة دهشتنا !.
وكان من الطبيعى والمشروع جداً أن نكرس أنفسنا لنشاطات بين العمال، وأن ندين بعنف أى انحراف عن هذا الطريق. فالمهمة بكاملها كانت تقوية مواقعنا وسط الطبقة العاملة؛ وعلى أى حال فإن جل هدف الإستراتيجية كان ضمان هيمنة البروليتاريا فى الصراع ضد الحكم المطلق.
إن ما يميز هذه النظرة اللينينية لفهم الموضوع، وما يفرقها عن طرق الاشتراكية الديمقراطية والأممية الثانية، لم يكن أن الماركسيين يحاربون من أجل حقوق ديمقراطية وإصلاحات، كل هذا كان أرضية مشتركة وفى الواقع طبيعة ثابتة للاشتراكية الديمقراطية. أن الاشتراكيين الديمقراطيين حاربوا من أجل إصلاحات لأنهم "تقدميين" وشكلوا جزءاً من تطور الرأسمالية إلى الاشتراكية.
بعبارة أخرى، حاربوا من أجل الإصلاحات كإصلاحيين.
فى حين أنه بالنسبة للينين فإن العملية بكاملها كانت جزءاً من معركة الوعى الطبقى للبروليتاريا، لتتمكن من فهم علاقات كل الطبقات والمجموعات الاجتماعية، وبذلك تهيئ نفسها لتولى السلطة.
لهذا فبالنسبة للاشتراكيين الديمقراطيين نمت فجوة واسعة بين برنامج الحد الأدنى وبرنامج الحد الأقصى (بين المطالب الفورية والهدف الأساسى) بينما بالنسبة للينين، فالتحريض السياسى متعدد النواحى كان وسيلة لسد هذه الفجوة. وكذلك لضمان سيادة الهدف الثورى النهائى.
3- الاشتراكية من الخارج؟
حتى الآن لقد لخصنا التطويرات التي ادخلها "ما العمل" على نظرية الحزب لدى ماركس ولدى الأشكال الدجمائية من" الاقتصادية" الموجودة فى روسيا وإلى حد ما فى الاشتراكية الديمقراطية الأوربية . ولكن يظل هناك منحنى هام فى أطروحة لينين لم نتناوله بعد هام ليس لمحوريته فى فكر وممارسة لينين، ولكن لتأثيره على الاتباع للاحقين.
نحن نتحدث عن فكرة أن" الوعى السياسي" لا يمكن أن يقدم للعمال إلا من الخارج، تلك الفكرة التى قدمت تعطى تبريرا نظريا للهجوم على العفوية.
تلك الفكرة تظهر فى "ما العمل" فى شكلين.
أحدهما والذى ذكرناه من قبل:
"الوعى السياسى الطبقى لا يمكن أن يقدم للعمال إلا من الخارج.
أى من خارج الصراع الاقتصادى، من خارج محيط العلاقات بين العمال والمستخدمين.
والآخر هو:-
"لقد ذكرنا انه لا يمكن أن يكتسب العمال وعى اشتراكي ديمقراطي بأنفسهم بل يجب أن يجلب إليهم من الخارج .
إن تاريخ كل البلدان يظهر أن الطبقة العاملة بمجهودها الخاص فقط، لا تستطيع إلا أن تطور وعيا نقابيا، أى الاعتقاد بضرورة التجمع للصراع فى نقابات ضد المستخدمين .
ومحاولة الضغط على الحكومة لإصدار قوانين عمل مطلوبة، الخ، على حين أن نظرية الاشتراكية تطورت من النظريات الفلسفية والتاريخية والاقتصادية التي شرحها الممثلون المثقفون للطبقات المالكة، بواسطة المثقفين.
وحتى مؤسسو الاشتراكية العلمية، ماركس وإنجلز أنفسهم ينتمون اجتماعياً إلى الانتلجنسيا البرجوازية.
وبنفس الطريقة، في روسيا ظهرت نظرية الاشتراكية الديمقراطية بانفصال تام عن التطور العفوي لحركة الطبقة العاملة.
لقد ظهرت كنتيجة طبيعية وحتمية لتطور الفكر لدى الانتلجنسيا الاشتراكية الثورية".
هناك فارق ضخم بين الصيغتين، فالصيغة الأولى ما هي إلا طريقة متعثرة لمحاولة قول أن العمال يحتاجون إلى فهم التشكيلة الكلية للعلاقات الاجتماعية وكل أشكال القهر، هذا الفهم الذي لا يتأتى إلا من محيط أوسع(من خارج) من المصنع، هكذا يستطيع المرء أن ينتقد الصياغة اللغوية، ولكن يبقى المضمون على تعميمه صحيحا، ولكن في الصيغة الثانية، (من الخارج) تعنى من خارج الطبقة العاملة، بالذات من المثقفين البرجوازيين وأكثر من ذلك فهي تقدم محاولة وصفة منطقية لفهم أصل وتطور نظرية الاشتراكية العلمية، وهذا يطرح إشكالية ضخمة بالنسبة لنظرية الحزب لذا فإنه من الضروري أن نتعرض لمفهوم لينين هذا بشيء من التحليل النقدي المفصل.
أولا : يجب أن تذكر هنا أن لينين كان يبرز أفكارا منقولة مباشرة من كارل كاوتسكي، حتى أنه استشهد بفقرة من كاوتسكي ليعطى مقولاته سندا نظريا.
" لكن الاشتراكية والصراع الطبقي ينشأن جنبا إلى جنب وليس واحدا من الآخر، وكلاهما ينشأ تحت ظروف مختلفة، الوعي الاشتراكي الحديث ينشأ فقط على أساس المعرفة العلمية. في الواقع إن علم الاقتصاد الحديث هو شرط للإنتاج الاشتراكي مثله مثل التكنولوجيا الحديثة، والبروليتاريا لا تستطيع أن تخلق إيمانها، مهما كانت رغبتها في ذلك، فالاثنان يتطوران من العملية الاجتماعية الحديثة .
إن أداة العلم ليست هي البروليتاريا ولكن الانتلجنسيا البرجوازية" أن هذا الرجوع لكاوتسكى مع معرفتنا بماركسيته الميكانيكية، وتطوره السياسي اللاحق يمثل علامة خطر لمن يعملون منا مستفيدين من النظر في التاريخ، وهناك العديد من اللينينيين اللاحقين الذين انتقدوا ذلك المرجع. يعلق تروتسكي على أن لينين نفسه" أقر بعد ذلك الطبيعة المنحرفة ومدى خطأ تلك النظرية "في مقالة حديثة يسمى لوتثيو ما جرى هذا الاقتباس من كاوتسكي بأنه تنويري ويرجع إليه كريس هارمان على انه مقولة نخبوية.
المشكلة الأساسية هي انه إذا قبل المرء الصيغة اللينينية - الكاوتسكية بان الوعي السياسي يأتي من المثقفين البرجوازيين وان النضال السياسي يجب أن يتسيد النضال الاقتصادي، فأنه إذن لا يبقى شئ من مبدأ ماركس الأساسي أن تحرر الطبقة العاملة هو فعل الطبقة العاملة نفسها" بل على العكس -بل إن الطبقة العاملة يصبح دورها ثانويا. فتكون الطبقة الثورية حقا ليست الطبقة العاملة. ولكن المثقفين المتمردين.
مؤيدين بهذا النظرة البرجوازية التقليدية للحركات الراديكالية على إنها تتكون من قيادة متمردة من الطبقة المتوسطة وقاعدة "بريئة" من العمال. وهكذا نجد أن الفصل بين العمل الذهني والعمل اليدوي الذي يشكل الأساس في المجتمع الطبقي.
على العكس من محاولة تخطيه. نجده ينتقل إلى الحركة الاشتراكية ويكرس في الحزب الثوري.
في الواقع فإن كل ذلك العرض للعلم والنظرية والوعي الاشتراكي غير ماركسي على الإطلاق ولكنه يقترب من مثالية وضعية القرن التاسع عشر هكذا يصور العلم أنه يتطور بانعزال تام عن الحياة الاجتماعية - عن الممارسة - إذا تحدثنا عن العلوم الطبيعية. عن الفلسفة، أو عن العلوم الاجتماعية البرجوازية يبدو هذا صحيحا والمفكر ما ينحو إلى الانعزال في برجه العاجي. ولكن في الحقيقة هذا مجرد وهم ينتجه المجتمع الطبقي لهذا السبب يرفض ماركس أن يعترف بأي تاريخ خاص للفلسفة أو أي فرع آخر للمعرفة منفصلا عن تاريخ هذا المجتمع.
وإذا تحدثنا عن نظرية الاشتراكية، فإن تلك الاستقلالية الوهمية للعلم البرجوازي لا توجد ولا يجب أن توجد لو كان لتلك النظرية أن تكون ثورية حقا. على العكس فإنها يجب أن ترتبط وتتأثر وتبنى على نشاط الطبقة العاملة. وهكذا يكتب ماركس:-"
" تماما كما يمثل الاقتصاديين الممثلين العلميين للبرجوازية، فالاشتراكيون والشيوعيون هم منظرو البروليتاريا وطالما أن البروليتاريا لم تتطور بالقدر الكافي لتكون نفسها كطبقة، وطالما أن صراع البروليتاريا ضد البرجوازية لم يأخذ طابعا سياسيا، وطالما أن قوى الإنتاج داخل المجتمع البرجوازي نفسه لم تتطور بالقدر الكافي لإعطاء دليل على الشروط المادية الضرورية لتحرر البروليتاريا وخلق مجتمع جديد، يبنى هؤلاء المنظرون مثاليين طوباوبيين. فيحاولون من أجل علاج كرب الطبقات المقهورة أن يرتجلوا أنظمة مثالية مختلفة، ويبتكروا علوما جديدة. ولكن كما تطور التاريخ، وإذ يأخذ نضال البروليتاريا شكلا أوضح، فانهم ليسوا بحاجة للتفتيش عن علم ما داخل عقولهم، فعليهم فقط أن يراقبوا ما يحدث أمام أعينهم، وأن يجعلوا من أنفسهم أداة التعبير عنه".
ومن ناحية أخرى،فإن الفكر الاشتراكي والماركسي يدحض بوضوح نظرية لينين - كاوتسكي عن"التطور المنفصل".
ففكرة الاشتراكية والثورة الاشتراكية نفسها لم تكن شيئا أخترعه أو أكتشفه ماركس، بل نبعت من نضالات الجماهير كجناح أقصى اليسار في الثورات البرجوازية في إنجلترا وفرنسا - لاحظ حركة" المساواتيين" في إنجلترا ومجموعة "بابوف" المتساوين(الذي أشار إليها ماركس على أنها أول حزب شيوعي في العالم).
دايا دونايفسكايا في كتاب" الماركسية والحرية" تسجل تأثير الحرب الأهلية الأمريكية ونضال العمال الإنجليز حول يوم العمل على تشكيل كتاب"رأس المال" وكتبت:-
"إن هناك ما هو أكثر عمى عن عظمة إسهامات ماركس، أن ترفعه إلى السماء لعبقريته، كأن عبقريته تلك نضجت خارج الصراعات الحقيقية في الفترة التى عاش فيها كأنه استمد المؤامرات من نمو وتطور أفكاره وليس عن العمال الأحياء الذين يغيرون الواقع الحي بأفعالهم".
حقا لقد تعلم ماركس من العمال الثوار أن الطبقة العاملة لا تستطيع أن تستولي على الدولة فقط، ولكن أن تحطمها.إن التاريخ يمدنا بأمثلة كثيرة على أن العمال يرتفعون عفويا إلى ذروة أعلى بكثير من النقابة وسياسة النقابات:
الشارتيون، ثورة1848 في فرنسا، كوميونة باريس، العمال الروس في 1905 وفى فبراير1917، الثورة المجرية 1956وأمثلة أخرى عديدة.
ولكننا يجب أن نقد الطريقة النظرية التي برر بها لينين موقفه في ذلك الوقت لا تحطم كل قاعدة نظرية لينين في الحزب.
فحقيقة أن العمال يمكن أن يصلوا إلى الوعي الاشتراكي عفويا لا يجب أن يعيدنا إلى النظرة الاشتراكية الديمقراطية التدريجية، لأن ذلك الوعي لا يتطور تدريجيا أو يتراكم بصورة منتظمة وحتمية، على العكس فإن ذلك الوعي يأخذ خطوات عملاقة ومفاجئة للأمام، وقد يعانى من انتكاسات بنفس القدر من الضخامة، وفى نفس الوقت لا ينتشر الوعي بطريقة متساوية داخل الطبقة. ولذا فإن وعى العمال الاشتراكيين الطليعيين يجب أن ينظم ويمركز ليزيد من تأثيره إلى الحد الأقصى داخل الطبقة ككل.
وسنعود ثانية لهذه الأفكار، وخاصة عند تناولنا لإسهام روزا لكسمبورج.
4- انشقاق البلاشفة والمناشفة
بسبب أهمية " ما العمل" النظرية والتاريخية والعملية. ينظر إليه على أنه الوثيقة الأساسية للبلشفية.
وهذا صحيح إلى حد ما ولهذا اشتبكنا معه .
ولكنه لم يكن" ما العمل" هو الذي أدى مباشرة إلى انشقاق حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي إلى بلاشفة ومناشفة" على العكس، فقد خدم ذلك الكتاب في الصراع من أجل المؤتمر الثاني للحزب. جامعا المناضلين. على أساس كل روسيا.
حاصلا على التأييد الظاهر للقادة المفكرين للماركسية الروسية- بليخانوف، مارتوف،آكسل رود، تروتسكي، الخ.
لقد كانت محاولة وضع " ما العمل" محل التنفيذ هي التي أدت إلى الانشقاق، أولئك الذين ظنوا أنهم متفقون نظريا وجدوا أنفسهم على خلاف عنيف عندما ترجم ذلك النظري إلى قرارات وقواعد عملية في المؤتمر الثاني بلندن1903.
ولقد وصف لينين بدقة الخلافات التي حدثت في ذلك المؤتمر في كتابه" خطوة للأمام خطوتان للخلف" الذي كتبه فى1904 بعد الانشقاق.
وباختصار فإن ما حدث كان أن اتجاه"إسكرا" الموحد والمهيمن داخل الحزب انقسم على صياغة الفقرة الأولى من القواعد التنظيمية كانت صياغة مارتولى:
" يعتبر عضوا في حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي كل من يعترف ببرنامجه.
ويؤيده ماديا، ويبدى له بانتظام مساعدة شخصية تحت قيادة إحدى منظماته" في حين كانت الفترة الأولى من مشروع لينين:
يعتبر عضوا في الحزب كل من يعترف ببرنامجه، ويؤيده ماديا، ويشترك شخصيا في إحدى المنظمات الحزبية" حول هذه المسألة انقسم "الإسكرايون" إلى فصيلين محددين، أيد بليخانوف لينين، وعند التصويت، حاز مارتوف بمساعدة معادى المركزية الاقتصادية، على الأغلبية. ولكن بعد احتجاج اقتصاديي" دابوتشى ديلو" ومنظمة "البوند" في جلسة لاحقة انتقلت الأغلبية إلى فصيل لينين مما مكنه من حيازة الموافقة على قائمته لهيئة تحرير إسكرا من:-
لينين، بليخانوف، ومارتوف بدلا من هيئة التحرير القديمة .
(التي كانت تضم بليخانوف، آكسل رود،ولينين، مارتوف بوتريسوف).
رفض مارتوف ومؤيديه هذا القرار واستقال مارتوف من إسكرا. وهكذا تسير التسمية بلاشفة(أي أغلبية)ومناشفة(أي أقلية) إلى التصويت حول هيئة التحرير ولكن لان الفصيلين ظلا أجنحة لنفس الحزب، اقترنت التسميات بهما.
ومن أجل هدف الدراسة يجب طرح سؤالين: أولا إلى أي مدى كانت تلك الخلافات التي تبدو وكأنها جدال حول بعض الألفاظ حقيقية؟ ثانيا: ماذا كان تأثير الانقسام على تطور النظرية اللينينية للحزب، علينا إذن لكي نفهم تلك الخلافات أن نضعها في سياقها التاريخي، وهكذا يكتب يول فرولنج:"
الذي يلخص الوضع كالآتي:
"من أجل أن نفهم تلك الجدالات، يجب أن نضع أمامنا حالة الحركة الاشتراكية الديمقراطية في ذلك الوقت، بشبكاتها الفوضوية وغير المستقرة عن الحلقات والظروف التي كان يعمل بها حزب غير شرعي تحت الحكم الاستبدادي، وفى نفس الوقت، يجب أن نفهم أن الخلافات سياسية حقيقة كانت لتصطدم في مواجهة النظام الأساسي، خلافات كانت في تلك اللحظة محسوسة فقط ولم يعبر عنها بوضوح في أي مناقشة.
استشعر لينين أخطارا جسيمة في المستقبل وأراد أن يدفعها عن طريق تنظيم الحزب بطريقة محكمة .
لقد كان واعيا للمهام الجسيمة التي سيجابهها الحزب في الثورة المقبلة، وأراد أن يجعل من الحزب سلاحا جديدا وأخيرا لقد كان واثقا انه الوحيد من مجموعة إسكرا القادر على قيادة الحزب بالثقة والتصميم اللازمين. وكانت الطريقة الموضوعية التي توصل بها إلى قناعاته تلك هي التي تفسر عناده …
إن صياغة الأطروحتين للفقرة الأولى يعطى ملمحا عن الخلاف. من المؤكد أن مارتوف كان يريد حزبا مائع الحدود متماشيا مع الحالة الواقعية للحركة، مع استقلالية عالية للمجموعات الفردية - حزبا تحريفيا يجمع كل من يسمى نفسه اشتراكيا .
على حين كان لينين يرى أهمية تخطى استقلالية وانعزالية المجموعات المحلية وتجنب أخطار أفكارها السطحية والمتحجرة، ناهينا عن تطورها السياسي المتخلف. لقد كان يريد حزبا منظما بإحكام وصرامة. يكون كطليعة للطبقة مرتبطا ارتباطا وثيقا بها، وفى نفس الوقت متميزا بوضوح عنها".
هناك أيضا جانب آخر للجدال ركز عليه لينين. فهناك تفسير آخر محتمل لصياغة مارتوف أن المنظمات الحزبية ستكون مخولة اعتبار أي شخص يساعدها تحت إشرافها عضوا بالحزب.
وأن اللجان ستقوم بتحديد المهام وتراقب تنفيذها " ويعلق لينين:
"ولكن هذه المهام الخاصة لن تشمل أبدا بالطبع جمهور العمال، آلاف البروليتاريين(الذي يتحدث عنهم الرفيق آكسل رود والرفيق مارتينوف)، وسيعهد بها في غالب الأحيان إلى الأساتذة …
إلى الطلاب…
إلى الشباب الثوريين……وبكلمة:
إما أن تبقى صيغة الرفيق مارتينوف حبرا على ورق، جملة فارغة، وإما أن تصير على الأخص وبوجه الحصر تقريبا" المثقفين المشبعين كليا بالفردية البرجوازية " والذين لا يريدون الدخول في المنظمة، إن صيغة مارتينوف تدافع بالكلام عن مصالح فئات البروليتاريا الواسعة. إما من حيث الواقع فلن تخدم هذه الصيغة سوى مصالح المثقفين البرجوازيين الذين ينفرون من النظام والتنظيم البروليتاريين".
تركز رايا دوناينسكايا أيضا على هذه النقطة كمحور الخلاف:
" لقد كان الانتظام من خلال اللجان المحلية أعلى من الالتزام اللفظي بالماركسية، ومن الدعاية للرؤية الماركسية ومن الحصول على بطاقة عضوية…
لقد أصر لينين على أن المثقف الماركسي يحتاج إلى المراقبة الأيديولوجية من البروليتاريا في المحليات، وإلا فانه يقاوم ليس فقط الانتظام على مستوى المحليات ولكن أيضا يقاوم أن ينظم بالمضمون الاقتصادي لثورة الروسية."
لقد كانت تلك الرخاوة تجاه المثقفين البرجوازيين هي السبب في العداء المارتوفى تجاه لينين (وهذا ينطبق تماما على نمط الفروق البلشيفة- المنشفية المقبلة).
ولكن بصدد ذلك الانحراف بالذات لم يحتاج لينين إلى نبذ الاشتراكية الديمقراطية الكاوتسكية الأرثوذكسية.
إن وجهات النظر التنظيمية للمناشفة يمكن أن تعد داخل التيار الانتهازي العام داخل الاشتراكية الديمقراطية،وكانوا هم أيضا يستشهدون بكاوتسكى. إن النقطة الجوهرية في نظرية لينين والتي مكنته من تطوير نهج ماركس للتنظيم، هي مسألة التفرقة بين حزب الطبقة والطبقة ذاتها، والتي وضحها لينين في الجدال حول شروط العضوية:
كلما كانت منظماتنا الحزبية أقوى، مكونه من اشتراكيين ديمقراطيين حقيقيين، قل التذبذب وعدم الاستقرار داخل الحزب، واتسع وتنوع وأصبح أكثر إثمارا تأثير الحزب على عناصر جماهير الطبقة العاملة التي تحوطه ويقودها.
إن الحزب كطليعة الطبقة، لا يجب أن يخلط بينه وبين الطبقة ككل".
إنها تلك الجملة الأخيرة هي التي تعلن القطع مع منظور ماركس للمنظمة حيث الفرق بين الحزب والطبقة غير واضح.
وتعلن قطيعة أكبر مع المنظور الاشتراكي الديمقراطي التقليدي للحزب كممثل للطبقة.
وما يجعل تلك القطيعة دائمة، ويجعل لها أهمية عالمية وليست فقط روسية هو كون لينين يبنى تلك الرؤية ليس على أساس ظروف السرية في روسيا أو على أساس النظرية الخاطئة لجلب الوعي من الخارج ولكن يبنيها على الحالة الموضوعية للبروليتاريا في النظام الرأسمالي.
"بالضبط لان هناك فروقات في درجات الوعي وفى درجات النشاط يجب أن تكون هناك فروق في درجات القرب من الحزب ..
إنها ستكون ذيلية أن نظن أن الطبقة ككل، أو حتى الطبقة ككل تقريبا، تستطيع تحت الرأسمالية أن ترتفع إلى درجة وعى ونشاط طليعتها، حزبها الاشتراكي الديمقراطي."
ولاتهام لينين في هذه الفقرة لخصومة "بالذيلية" أهمية عظيمة، فهو يستخدمها بمعنى(الحتمية)، وذلك للمنظور الذي أودى بعد ذلك بالأممية الثانية، وكان التباين بين المنظور البلشفي الفاعل الثوري للعالم، وبين المنظور المنشفي الحتمي التذيلي للعالم، يقول لينين هنا "خطوة للأمام،خطوتان للخلف" ولا يبرر ذلك أفضل من إحدى جدالات لينين مع تروتسكي
"من ضمن المحاولات التي تبرز عند محاولة تعضيد صياغة مارتوف تلك الخاصة بالرفيق تروتسكي أن الانتهازية تنتج من أسباب أكثر تعقيداً، وأكثر عمقا من بند أو آخر في النظام الداخلي: إنها تنتج عن التطور النسبي للديمقراطية البرجوازية والبروليتاريا" إن النقطة ليست أن البنود المختلفة في النظام الداخلي قد تخلق الانتهازية، ولكن أنه بمساعدتها يمكن أن تخلق سلاحا ضد الانتهازية.
كلما كانت أسباب عميقة " لهو "ذيلية" من الطراز الأول لقد حلل تروتسكي وفسر ظاهرة الانتهازية وتركها على ذلك. في حين أن لينين يوافق على التفسير ولكنه يريد أن يستخدمه لفعل شئ ضد الانتهازية.

 

 

الفصل الثالث:
لينين من البلشفية الروسية إلى الأممية الشيوعية
كما أظهرنا- فبحلول عام 1904 كان لينين قد طور عددا من الأفكار شكلت تقدما أكيد على الرأي المقبول بصفة عامة حول الحزب.لهذا السبب، وبسبب الاستمرارية التاريخية للفصيل البلشفي منذ انشقاق 1905حتى ثور
ة1917.فقد تم على نطاق واسع افتراض أن لينين كانت لديه منذ البداية تقريبا نظرية الحزب الواضحة الخاصة به، والمختلفة تماما عن تلك الخاصة بالاشتراكية الديمقراطية في الغرب.
إلا أن هذا هو بالضبط خطأ أن نقرأ في الماضي أفكار لم تصبح واضحة إلا بعد وقت طويل لاحق.
والواقع أن لينين. في هذه المرحلة، لم يكن واعيا بأنه قد اختلف بشكل جوهري عن الأرثوذكسية الاشتراكية - الديمقراطية لقد اعتبر المناشفة صنوا للمرجعية البرنشتاينية.
وأعتبر نفسه صنوا لتيار بيبل - كاوتسكي السائد في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني.
يكثر في أعمال لينين في ذلك الوقت -ويظل الأمر كذلك على مدى فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى - الاستشهاد بكاوتسكى باعتباره الحجة الماركسية.
بل ولم يسمح لينين لميل كاوتسكي لتفضيل المناشفة بالتأثير على هذا الحكم، فكان يرده دائما لجهل كاوتسكى بحقيقة الواقع في روسيا.
وفى وقت متأخر مثل أغسطس 1913 كان بوسع لينين أن يثير إلى بيبل بوصفه" قائدا عماليا نموذجيا" وأن يمتدحه بوصفه موضح "أساسيات التكتيكات البرلمانية الديمقراطية الاشتراكية (والأممية)، وهى موجهة دائما نحو تحقيق الهدف النهائي. فيما يتعلق بادراك الطابع المحافظ للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، فليس فقط لكسمبورج، التي تعاملت مع قادته مباشرة، وإنما أيضا تروتسكي كان أكثر تقدما من لينين بكثير. ففي وقت مبكر كعام 1906حذر تروتسكي من أن:
الأحزاب الاشتراكية الأوروبية - وبصفة خاصة أكبرها، الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني - طورت طابعها المحافظ بالتناسب مع تبنى الجماهير للاشتراكية وبمقدار ما أصبحت هذه الجماهير منظمة ومنضبطة.
كنتيجة لهذا، فإن الاشتراكية الديمقراطية بوصفها منظمة تحمل الخبرة السياسية للبروليتاريا، قد تصبح في لحظة معينة عائقا مباشرا أمام الصراع المفتوح بين العمال والرجعية البرجوازية.
إننا نؤكد على هذه النقطة لدحض ا لنزعة الشائعة المتمثلة في المبالغة في وحدة"فكر لينين" وجعل أفكاره نظاما متسقا تماما لكل شئ في مكانه المناسب من البداية للنهاية. كما علق تروتسكي ذات مرة:.
لو كان لينين في 1903 قد فهم وصاغ كل شئ ما كان لازما للأزمنة التالية.
ولكان ما تبقى من حياته قد اشتمل على تكرارات فقط. وهذا ليس واقع الأمر على الإطلاق" هناك فجوة كبيرة بين نظرية لينين حول الحزب في 1903و1904 وتلك الخاصة بعام1919 عند إنشاء الأممية الشيوعية . لقد طور لينين هذه النظرية. ليس مرة واحدة، وإنما خلال سلسلة من ردود الفعل والتعميمات المستقاة من سير الصراع الطبقي. وبالتالي، وكما هو الأمر مع ماركس، فإن فهم هذه النظرية لا يمكن اشتقاقه من نص أو نصين أساسيين، وإنما ينبغي استخلاصه من دراسة ممارسة لينين ككل.
1-تأثير 1905
بعد انشقاق1903، فإن الحدث التالي الذي كان له تأثير كبير على نظرية لينين حول الحزب كان ثورة1905. كان الأثر الأول لـ1905 هو تعميق الانشقاق بين البلاشفة.
كان الانقسام في الأصل حول التنظيم فقط، وكان يبدو غير متصل بمسائل البرنامج أو الاستراتيجية، أما الآن فقد ظهر اختلاف جوهري في تقدير القوى الدافعة للثورة.
لقد قبل لينين، كما أشرنا أعلاه، بالطابع البرجوازي للثورة، ولكنه رأى انه سيستعين أن تقوم البروليتاريا متحالفة مع الفلاحين بالثورة البرجوازية، وذلك بسبب الطابع المحافظ والضعيف والجبان للبرجوازية الروسية. وسعيا منا، لأغراض العمل الثوري، لجعل موقفه هذا ملموسا. جادل لينين بأن الاشتراكيين الديمقراطيين عليهم إلغاء تأثير الليبراليين البرجوازيين(الكاديت..الخ) على الفلاحين، ثم القيام بتمرد بروليتاري- فلاحى مشترك للاطاحة بالاتوقراطية. وستنشأ عن الانتفاضة الناجحة حكومة ثورية مؤقتة تتكون من حزب العمال الثوريين(الاشتراكيين الديمقراطيين) وحزب الفلاحين الثوريين (الاشتراكيين الثوريين)
وستمثل هذه الحكومة "الدكتاتورية الديمقراطية للبروليتاريا والفلاحين" وبعد فترة وجيزة من الإجراءات الحيوية التي ستكتسح جميع بقايا الإقطاع .
ستدعو الحكومة الثورية الانتقالية لجمعية تأسيسية. ونظرا لكون غالبية السكان من الفلاحين فإن الجمعية التأسيسية ستكون بالضرورة معادية للاشتراكية.
وسيصبح الاشتراكيون الديمقراطيون آنذاك حزبا معارضا يقود الصراع من أجل الاشتراكية. أصر لينين على أنه بهذه الطريقة ستكون الثورة الروسية شاملة( مثل الثورة الفرنسية العظيمة.
ولن تكون تسوية رديئة مثل ألمانيا فى1848) وستأمن أفضل ظروف ممكنة لمعارك البروليتاريا المستقبلية.
إلا أن المناشفة رفضوا هذا التصور.
لقد مالوا أكثر فأكثر إلى الرأي القائل بأنه حيث أن الثورة كانت برجوازية، فإن قوتها الدافعة يجب أن تكون برجوازية مع وجود دور ثانوي فقط للبروليتاريا.كان دور الاشتراكيون الديمقراطيين هو الضغط على الليبراليين البرجوازيين بحيث"يثوروهم"، ولكن في نفس الوقت دون أن "يخيفوهم" وقد رفضوا صيغة الدكتاتورية الديمقراطية للبروليتاريا والفلاحين كما رفضوا المشاركة في حكومة ثورية مؤقتة باعتبار أن هذا من شأنه أن يدفع الطبقات البرجوازية للارتداد عن الثورة مما يؤدى إلى تقليص مداها" أثناء صعود الثورة جرفت الأحداث المناشفة على نطاق واسع ولكن ما أن بدأت الحركة تتعرض للجذر حتى عبروا اكثر فاكثر عن الندم على المواقف والأفعال المتطرفة التي دفعوا إليها- وهى عملية بلغت أوجها في ملاحظة بليخانوف الشاذة.
" لم يكن ينبغي أن نحمل السلاح".
اقتنع لينين من خلال مشاهدته لسلوك المناشفة بالصلة بين الانتهازية في التنظيم والانتهازية في السياسة. هكذا فعلى الرغم من أن العمل المشترك للعمال البلاشفة والمناشفة في الصراعات الثورية انتج ضغوطا قوية للوحدة استجاب لها لينين من الناحية الصورية، فقد أصبح أكثر إصرارا من أي وقت سابق على تقوية التنظيم المستقل لتياره. في المقال الذي كتبه عام 1910 حول "المعنى التاريخي للصراع الحزبي الداخلي في روسيا" يركز لينين على موضوع دور البروليتاريا في الثورة.
كاتبا أن البلاشفة كتيار اتخذوا شكلا محددا في ربيع وصيف1905.
الأثر الثاني للثورة كان حدوث تحول في فهم لينين للعلاقة بين الحزب والطبقة. في ما العمل؟ كان لينين قد برر رأيه حول الحزب بحجة أن الاشتراكية يجب أن تقدم للطبقة العاملة"من الخارج"، وأن الطبقة العاملة لا تستطيع أن ترتفع بشكل عفوي فوق مستوى النقابوية. في مواجهة الإنجازات الثورية الهائلة والعفوية للطبقة العاملة الروسية، تتغير تماما لهجة كتابات لينين.
لا يوجد أدنى شك في أن الثورة ستعلم جماهير العمال في روسيا الاشتراكية الديمقراطية….
في وقت كهذا تشعر الطبقة العاملة برغبة ملحة غريزية في العمل الثوري المفتوح إن الطبقة العاملة اشتراكية ديمقراطية غريزيا وعفويا.
هنا يلاحظ لينين" كيف أن الغريزة الأولية لحركة الطبقة العاملة قادرة على تصحيح مفاهيم أعظم العقول" وهو يصبح منذ هذه النقطة محترسا إزاء صياغات ما العمل؟.
إنه يكتب فى1907: ما العمل هو تصحيح مثير للجدل للتحريفات" الاقتصادية" وسيكون من الخطأ النظر للكتيب في أي ضوء آخر." لم تتضمن إعادة التقييم هذه، مع ذلك، عودة لموقف عفوي أو قدري من مهام الحزب - بل على العكس، لقد شهد هذا المجال بالتحديد أشد هجوم للينين على المناشفة.
" انهم جنود جيدون، ولكنهم قادة سيئون، أنهم يحطون من شأن الفهم المادي للتاريخ إهمالهم للدور الحيوي والقيادي والإرشادي في التاريخ الذي يمكن أن تلعبه، ويجب أن تلعبه، الأحزاب التي تفهم الشروط المادية للثورة والتي وضعت نفسها على راس الطبقات التقدمية."
يحافظ لينين على القطع الذي حققه مع القدرية الاقتصادية في ما العمل؟ وخطوة للأمام خطوتان للخلف ويطوره. ولكنه يخلصه من الأساس النخبوي الذي كان قد صبغه به. الصياغات في تكتيكات شديدة الجدلية. لا شك أن الثورة ستعلمنا وستعلم جماهير الشعب ولكن السؤال الذي يواجه الحزب النضالي الآن هو:
هل نستطيع أن نعلم الثورة أي شئ؟
كانت النتيجة التابعة لهذا التحول النظري هي الصراع الذي شنه لينين داخل الفصيل البلشفي ضد تأثير" الثوريين المحترفين"أو رجال اللجان"الذين كان قد شدد كثيرا على أهميتهم قبل سنة أو سنتين. في فترة النشاط السري السابقة على الثورة وفر" رجال اللجان" هؤلاء الاستقرار والخبرة الضروريين لإنشاء القوة للحزب في مثل هذه الظروف الصعبة.
إلا أنهم أصبحوا أيضا فريسة لروتينية معنية كشفت عن خصائصها الرجعية مع قدوم الثورة. لقد كانوا بصفة خاصة التجسيد الملموس لنظرية " تقديم الاشتراكية للطبقة العاملة من الخارج" وهكذا مالوا نحو موقف متعال على العمال مما أسفر عن أنه من الناحية العملية لم يكن هناك أي عمال في اللجان البلشفية.
طرحت مسألة إدخال العمال في اللجان في المؤتمر الثالث للبلاشفة في ابريل1905 هكذا وصفت كروبسكايا الجدال:
دافع فلاديمير إيليتش بقوة عن فكرة ضم عمال .
ووقف إلى جانب الفكرة أيضا الأشخاص الذين كانوا في الخارج وبوجدانوف والكاتبة. ووقف رجال اللجان ضدها.
وقد صارت المناقشة حامية جدا….
في كلمته خلال هذه المناقشة قال فلاديمير إيليش :
"اعتقد أن علينا نتناول المسالة بشكل أوسع.
إن إدخال العمال إلى اللجان ليس مهمة تعليمية فقط.
وإنما سياسية العمال لديهم غريزة طبقية، وحتى مع خبرة سياسية ضئيلة، فانهم يصبحون سريعا جدا اشتراكيين ديمقراطيين يعتمد عليهم.إنني أرغب أن أرى ثمانية عمال في لجاننا أمام كل مثقفين…."
عندما قال ميخائيلوف (بستولوفسكى)هكذا ففي النشاط العملي ينفذ المثقفون متطلبات صغيرة في حين ينفذ العمال متطلبات كبيرة جدا، صرخ فلاديمير إيليتش قائلا:هذا صحيح تماما! وقد اختفى صوته في ضجيج كورس يقول"غير صحيح! "من جانب رجال اللجان .وعندما قال رومياتستيف" هناك عامل واحد فقط في لجنة بطرس برج، رغم أن العمل هناك ظل قائما لمدة خمس عشرة سنة "صرخ فلاديمير إيليتش قائلا: يا للعار".
إن الجدال حول اشتراك العمال في اللجان، والذي انهزم فيه لينين أمام المؤتمر، كان جانبا واحد فقط من صراع لينين ضد الطائفية المحافظة في صفوف البلاشفة. وكان موقف الحزب من السوفيت قضية أخرى اصطدم حولها لينين مع مؤيديه. لقد وصف تروتسكي، رئيس السوفيت، رد الفعل الأولى للبلاشفة لهذه المنظمة التاريخية.
"لقد أصيبت لجنة البلاشفة في بطرسبرج بالفزع أول الأمر من هذا الإبداع لتمثيل غير حزبي للجماهير المحاربة.
ولم تجد شيئا تفعله أفضل من توجيه إنذار للسوفيت: التبني الفوري لبرنامج اشتراكي ديمقراطي، أو الحل. وقد أهمل سوفيت بطرسبرج ككل، بما في ذلك فريق العمال البلاشفة، هذا الإنذار دون أن ترمش له عين.
رأى لينين، مع أنه كان في الخارج، عقم هذا المنهج وعارضة في رسالة بعث بها لجريدة الحزب" نوفايا زيزن"،جادل فيها بأن المسألة لم تكن مسألة السوفيت أو الحزب، وإنما مسألة "سوفيت مندوبي العمال والحزب" كما جادل بأنه ليس من المستحيل بالنسبة للسوفيت أن يتبع بالكامل لحزب واحد".
كتب لينين:" في اعتقادي أن سوفيت مندوبي العمال، كمركز ثوري يوفر قيادة سياسية، ليست منظمة شديدة الاتساع، بل على العكس هي منظمة شديدة الضيق. ينبغي أن يعلن السوفيت نفسه كحكومة ثورية مؤقتة، أو أن يكون مثل هذه الحكومة الفارق الجوهري بين "رجال اللجان" ولينين هو أن رجال اللجان أرادوا أن يطبقوا في الثورة مفهوم الحزب الذي عمل في فترة ما قبل الثورة، في حين أن لينين أراد أن يعيد تنظيم الحزب بالكامل بحيث يشمل القوى الجديدة ويواجه المهام الجديدة التي ألقت بها الثورة.
إذا فشلنا في إظهار مبادرة جريئة في تكوين منظمات جديدة، سيكون علينا أن نتخلى عن كل ادعاءاتنا بالقيام بدور الطليعة بوصفها ادعاءات لا تقوم على أساس.
إذا وقفنا بعجز عند الحدود والأشكال والتخوم المميزة للجان والمجموعات واللقاءات والحلقات، فإننا نكون قد أتثبتنا عجزنا لا غير . إن آلاف الحلقات تظهر الآن في كل مكان بدون مساعدتنا، بدون أي برنامج أو هدف محدد، وإنما فقط تحت تأثير الظروف……
فلندع جميع هذه الحلقات ماعدا التي تجاهر بأنها ليست اشتراكية ديمقراطية، تنضم للحزب مباشرة أو تنساب لجانب الحزب . في الحالة الأخيرة لا يجب أن نطلب أن يقبلوا ببرنامجنا أو أن يدخلوا بالضرورة في علاقات تنظيمية معنا.
يكفينا مزاجهم الاحتجاجي وتعاطفهم مع قضية الاشتراكية الديمقراطية الثورية الأممية. بشرط أن يعمل الاشتراكيون الديمقراطيون بفاعلية بينهم.
قاومت آلة الحزب مسعى لينين إلا أن مجرى الأحداث كان في صفه. بحلول نوفمبر 1905 كان بوسعه أن يلاحظ برضى: في المؤتمر الثالث للحزب اقترحت أن يكون هناك حوالي ثمانية عمال أمام اثنين من المثقفين في لجان الحزب. كم يبدو هذا الاقتراح عتيقا اليوم!الآن علينا أن نأمل أن يكون لدى منظمات الحزب الجديدة مثقف اشتراكي ديمقراطي واحد أمام مئات من العمال الاشتراكيين الديمقراطيين. كما أن إعادة التقييم النظرية التي أجراها لينين للقدرات العفوية للبروليتاريا لم تضمن عودة للقدرية الاقتصادية. فإن آراؤه الجديدة حول تنظيم الحزب لم تعن أيضا تبنيه لموقف المناشفة الخاص بالحزب الواسع.الباب المفتوح للحزب الذي تصوره لينين في الفقرة الثورية كان ممكنا فقط على أساس الاستعداد القوى للحزب سلفا.
هل تتعرض الاشتراكية الديمقراطية للخطر بتحقيق الخطة التي نقترحها؟
قد يقال إن الخطر في تدفق مفاجئ لأعداد واسعة من غير الاشتراكيين الديمقراطيين إلى الحزب. إذا حدث ذلك، سيذوب الحزب بين الجماهير.
وسيتوقف إن يكون الطليعة الواعية لطبقته. وسينخفض دوره إلى دور الذيل، سيعنى ذلك فترة يرثى لها جدا بالفعل. ولا شك أن هذا الخطر يمكن أن يصبح خطيرا جدا إذا أظهرنا أي ميل نحو الديماجوجية.
أو إذا افتقدنا المبادئ الحزبية …
بالكامل، أو إذا كانت هذه المبادئ ضعيفة ومزعزعة. ولكن الواقع هو أنه لا توجد أي ميل نحو الديماجوجية…
لقد طالبنا أولئك الذين ينضمون للحزب بالوعي الطبقي، وأصررنا على الأهمية الهائلة للاستمرارية في تطور الحزب، ودعونا للانضباط وطالبنا بتدريب كل عضو بالحزب في واحدة أو أخرى من منظمات الحزب…لا تنسوا أنه في كل حزب حي ومتنامي ستكون هناك دائما عناصر عدم استقرار وتذبذب وتردد. ولكن هذه العناصر يمكن التأثير عليها ، وسوف لتأثير النواة الثابتة والصلبة من الاشتراكيين الديمقراطيين".
هكذا فان خبرة"البروفة العظيمة" للثورة الروسية رفعت نظرية لينين حول الحزب إلى مستوى جديد. لقد عمقت معارضته للانتهازية وقوت عزمه على بناء، حزب ثوري على وجه التحديد.
كما جعلت فهمه للعلاقة بين الحزب والطبقة أوضح. يظل الحزب طليعة متميزة عن الطبقة ككل، ولكنه الآن حزب الانتلجنسيا التي تقدم الاشتراكية" من الخارج". ولكن لم تكن فقط فترة صعود الثورة هي التي أثرت على لينين، بل أضافت فترة الرجعية التي تلت ذلك عناصر هامة لنظريته حول الحزب.
2- الرجعية تتصلب
بعد هزيمة ثورة1905، ابتلعت الرجعية الرهيبة روسيا لعدد من السنوات. ساد الإحباط في كل مكان وتحطمت المنظمات البلشفية.
من الشيق مقارنة رد فعل لينين لهذه الحالة برد فعل هزيمة ثورات1848. حل ماركس العصبة الشيوعية وترك المهاجرون في شجارا تهم التافهة وتفرغ للدراسة. أما لينين فقد تثبت باستقتال ببقايا تنظيمه الحزبي وبفكرة الحزب،مدافعا عنهما بحماسة ضد كل الهجمات.
لقد كتب:
" دع الرجعية تعربد…الحزب الذي ينجح في تعزيز نفسه من أجل العمل المثابر في الاتصال بالجماهير ؛ حزب الطبقة المتقدمة الذي ينجح في تنظيم طليعته والذي يواجه قواه بحيث يؤثر بروح اشتراكية ديمقراطية على جميع جوانب حياة البروليتاريا - حزب كهذا سينتصر مهما حدث.
من أجل بناء نوع الحزب الذي كان يرغب فيه، كان على لينين أن يخوض العديد من المعارك الفيصلية.
كانت أهم ثلاث معارك ضد(أ)" التصفوية، اليمينية" (ب)" الاستدعائية ، اليسارية المتطرفة" (ج) التوفيقية، الوسطية.
أصبحت هذه النزعات شديدة الشراسة والتشابك، ولم يكن المستوى النظري للمجادلات التي أفرزتها عاليا جدا على الدوام. وبالتالي فليست هناك حاجة للدخول في تفاصيلها هنا، ولكن ظهرت مع ذلك بعض المبادئ العامة الهامة التي تستحق الذكر، والتي أكتشف لينين نفعها في السنوات اللاحقة،أولا، مبدأ أن الحزب ليس فقط منظمة للهجوم، وإنما أيضا للانسحاب المنظم.
من بين جميع الأحزاب المعارضة والثورية المهزومة، أجرى البلاشفة الانسحاب الأكثر تنظيما، بأقل الخسائر"لجيشهم" ومع الحفاظ على نواة هذا الجيش كأفضل ما يكون. ثانيا:
مبدأ الجمع بين العمل غير الشرعي واستخدم" الفرص الشرعية" وثالثا:مبدأ الوصول بالصراع ضد الانتهازية إلى استنتاجاته التنظيمية وإحداث انشقاق مع جميع العناصر غير الثورية.
كانت هذه النقطة الأخيرة هي العلامة المميزة حقا للينينية، وقد أسفرت في 1912 عن الإنشاء الرسمي لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي(البلاشفة) كحزب منفصل ومستقل تماما.
كان كاوتسكي قد صارع برنشتاين نظريا.ألا أن التراجعيين لم يتم طردهم من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني.
وصارعت روزا لكسمبورج كاوتسكي وسط الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني.. ولكنها لم تنشأ منظمة منفصلة وكان تروتسكي معارضا لكل من التصفوية والاستدعائية كما كان ناقدا كلينين للخط السياسي للمناشفة. ومع ذلك فقد عمل بنشاط ضد الانشقاق. وقد شكل هذا تقدما أيضا على الموقف السابق للينين نفسه حيث أن انشقاق1903 كان إلى حد كبير عمل المناشفة.
وكثيرا ما كان لينين راغبا في الموافقة على إعادة التوحيد في حين أنه الآن أجرى قطعا نهائيا مع المناشفة.
كانت نتيجة صراعات لينين الحازمة أثناء فترة الرجعية هي أن البلاشفة بدءوا الحياة كحزب مستقل تماما في الوقت الذي بدأت فيه حركة الطبقة العاملة تسير مرة أخرى.
حصلت الحركة التي كانت تصحو ببطء على دفعة عظيمة من مذبحة عمال مناجم الذهب في لينا في ابريل1912، التي أسفرت عن موجه من الإضرابات والاجتماعات الاحتجاجية والمظاهرات على امتداد البلاد. وهى موجة بلغت أوجها في إضراب (400ألف عامل بمناسبة أول مايو تدخل لينين في هذه الحالة من خلال إصدار جريدة يومية شرعية" برافدا" ظهر عددها الأول بعد18 يوما من مذبحة لينا.
جمعت"برافدا" بين خط سيأسى ثوري لا يلين وتقارير عديدة من العمال أنفسهم يسجلون فيها ظروفهم وصراعاتهم اليومية.
في سنة واحدة، نشرت 11ألف رسالة ومساهمة من العمال.
بلغ التوزيع اليومي لبرافدا أكثر من 40ألف نسمه، وعوض تكوين مجموعات عمالية لجمع المال للجريدة افتقاد حزب شرعي جماهيري.
على أساس التحليل المجهد لعملية جمع المال هذه، أظهر لينين أن البلاشفة كانوا قد كسبوا هيمنة حقيقية على العمال الواعين سياسيا. في 1913، حصلت برافدا على تبرعات من 2181 مجموعة، في حين حصلت البرافدا المنشفية على تبرعات من 661 مجموعة، وفى 1914، وحتى 13 مايو، كان رقم التبرعات لبرافدا 2873، في مواجهة 671للمناشفة.
من هذا استنتج لينين أن "البرافدية والقرارات البرافدية والتكتيكات البرافدية وحدت أربعة أخماس العمال الواعين طبقيا في روسيا".
هكذا أصبح لينين أول ثوري يبنى حزبا يتكون من الثوريين فقط، دون أي جناح إصلاحي أو انتهازي، ولديه أيضا قاعدة ضخمة داخل الطبقة العاملة.
3- القسم الأكثر ثورية في الأممية الثانية
من المفيد عند هذه النقطة أن نعتبر الحزب البلشفي، التجسيد الملموس لأفكار لينين حول الحزب، مقارنين إياه بالأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الأكثر أرثوذكسية.
أولا: كان البلاشفة بالطبع، حزبا غير شرعي يعمل في بلد لم تكن فيه حريات ديمقراطية ولا نقابات عمالية فعالة، في حين أن أغلب الاشتراكيات الديمقراطية الغربية كانت قد حصلت على شرعيتها منذ وقت طويل.
وبالتالي لم يطور البلاشفة ولم يكن بوسعهم أن يطورا -كما فعل مثلا الحزب الاشتراكي الألماني - شريحة واسعة من الموظفين تتكون من المسئولين المحليين والقادة النقابيين وأعضاء المجالس المحلية، الخ .
هذه شريحة تكون عرضة بالضرورة لضغوط "اعتدالية" قوية من بيئتها .حيث أنهم يرتفعون إلى موقع متميز إزاء العمال العاديين، يجد هؤلاء الموظفون أن لديهم دورا محددا يلعبونه ليس فقط داخل الحركة العمالية. وإنما أيضا داخل الرأسمالية.
كوسطاء بين الطبقات، ولديهم بالتالي مصلحة مباشرة في السلام الاجتماعي. أنهم يشكلون إذن قوة محافظة كبيرة.
عملت هذه الشريحة داخل الاشتراكية الديموقراطية الدولية كقاعدة دائمة للإصلاحية.
كون أن القيادة البلشفية وكادرها المحلى كانوا أقرب إلى خلية السجن والمنفى السيبيرى منهم إلى مناصب الوزارية أو القيادة النقابية وكون أن الحزب نفسه لم يكن لديه أكثر من جهاز إداري مهلهل. فان ذلك قد أعطى الحزب مناعة نسبية (وأن لم تكن مطلقة) أمام الروتينية البيروقراطية.
ثانيا: كان الحزب البلشفي بروليتاري الثقل في تركيبة أعطى ديفيد لين البيان التفصيلي التالي للعضوية البلشفية لعام 1905: العمال61.9%، الموظفون الكتابيون 27.4%، آخرون 5.9%، وهو يستنتج "إذا حكمنا على أساس المستويات السفلي للحزب وبصفة خاصة تأييده الشعبي" يمكن أن يقال أن البلاشفة كانوا حزبا عماليا في حين أنه "يبدو من المرجح أن المناشفة كان لديهم أعضاء "برجوازيون صغار أكثر ومؤيدون من الطبقة العاملة اقل في المستويات الأدنى مقارنة بالبلاشفة "إثناء فترة الرجعية كان هناك خروج كبير للمثقفين من الحركة في حين أن خلايا المصانع رغم عزلتها بقيت على قيد الحياة بشكل افضل مما أدى إلى زيادة الطابع البروليتاري للحزب يؤكد هذه الصورة تحليل لينين المذكور أعلاه لعمليات جمع المال بين1912 و1914 من بين جميع التبرعات للبرافدا في الربع الأول من1914.
جاء 87% من العمال و13% من غير العمال .
في حين أن 44% فقط من التبرعات للجرائد المنشفية جاءت من العمال و56% من غير العمال.
أدى مزيج الوضع غير الشرعي للحزب وتركيبه البروليتاري إلى بنية تنظيمية مختلفة جذريا عن التقليد الاشتراكي الديمقراطي العادي. فعلى الرغم من بلاغتهم الثورية، كانت الاستراتيجية الأساسية لأغلب أحزاب الأممية الثانية هي تحقيق الأغلبية البرلمانية. وبالتالي.
فان الوحدات القاعدية لهذا الأحزاب كانت منظمة على أسس سكنية أو جغرافية.
بحيث تسهل تعبئة أعضاء الحزب للحملات الانتخابية في مختلف الدوائر الانتخابية. أما في روسيا فان غياب الانتخابات البرلمانية(الانتخابات التي جرت للدوما كانت على أساس المصانع) والحاجة للسرية دفعا البلاشفة إلى إقامة تنظيم على أساس المصانع يسجل أو سيب بياتينتسكى. وهو بلشفي قديم أنه أثناء جميع الفترات، كان التنظيم الحزبي الأدنى للبلاشفة يوجد في مكان العمل وليس في مكان السكن."
وفرت هذه البنية. على الرغم من صغر حجم الحزب البلشفي، علاقة أوثق بين الحزب والعمال من تلك التي حققها الأحزاب الاشتراكية الديموقراطية، حيث كان يتم الاحتفاظ بالصلة بالمصانع بشكل غير مباشر فقط من خلال السيطرة على النقابات. وحيث قام تقسيم عمل معين الصراع الصناعي الذي تولته النقابات والصراع السياسي الذي تولاه الحزب لم يحدث مثل هذا الانفصال الفعلي في حالة البلاشفة لقد وصف بياتنتسكى عمل خلايا المصانع البلشفية:
في روسيا القيصرية استخدمت الخلايا جميع الشكاوى في المصانع فظاظة الملاحظين .
الخصم من الأجر الغرامات عدم توفير الرعاية الطبية في الحوادث…
الخ في التحريض الشفوي في أماكن العمل من خلال المنشورات.
والاجتماعات عند أبواب المصانع . أو في ساحات المصانع والاجتماعات المنفصلة للعمال الأكثر وعيا طبقيا وثورية أظهر البلاشفة دائما الصلة بين إساءة المعاملة في المصانع وبين حكم الأوتوقراطية…
وفى نفس الوقت تم ربط الأوتوقراطية في تحريض خلايا الحزب بالنظام الرأسمالي بحيث انه عند بداية تطور الحركة العمالية، أقام البلاشفة ارتباطا بين الصراع الاقتصادي والصرع السياسي.
هكذا فان الحزب البلشفي لم يكن مجرد ممثل سيأسى للطبقة العاملة بل كان حزبا قتاليا تدخلياً يسعى لقيادة وإرشاد الطبقة في كل معاركها. كان من الأمور الهامة أيضا شباب عضوية الحزب فى1907 كان حوالي 22% من الأعضاء يبلغون اقل من 20 سنة من العمر وكان 37% بين20و24و16% بين 25و29 علق تروتسكي على دلالة هذا الأمر:
عندما كانت البلشفية تحت الأرض كانت دائما حزبا من العمال الشباب اعتمد المناشفة على الشريحة العليا الماهرة الأكثر احتراما ودائما ما افتخروا بذلك ونظروا باحتقار للبلاشفة وقد أظهرت لهم الأحداث التالية خطأهم بقسوة في اللحظة الحاسمة قام الشباب بسحب الشريحة الأكثر نضجا وحتى العجزة وراءهم " ويلاحظ ليون أن البلاشفة كانوا اصغر من المناشفة في المستويات الأدنى للتنظيم الحزبي وقد صح ذلك بين النشطين أكثر منه بين الأعضاء العاديين يشير هذا إلى أن البنية التنظيمية البلشفية سمحت للشباب بالتقدم إلى مواقع المسئولية بسهولة اكثر من البنية التنظيمية المنشفية ….
سياسيا ربما وفر هؤلاء الشباب قيادة اكثر ديناميكية ونشاطها للفصيل البلشفي.
ولا شك أن شباب الحزب كان عاملا هاما آخر في تحريره من الروتينية المحافظة.
أخيرا كان الحزب البلشفي هيئة منضبطة لقد وصف النظام الداخلي للحزب بالمركزية الديموقراطية ولكن هذه الجملة في حد ذاتها ليست لها دلالة عظيمة كقاعدة تنظيمية لم تكن على الإطلاق لينينية تحديدا حيث أنها كانت مقبولة نظريا من جانب المناشفة والعديد من الأحزاب الاشتراكية الديموقراطية الأخرى ما كان مهما هو التفسير المعطى للمركزية الديمقراطية عمليا لقد عرفها لينين بأنها وحدة العمل، وحرية المناقشة والنقد" وقد عنى بذلك حرية النقد داخل حدود برنامج الحزب وحتى يتم التوصل إلى قرار محدد ثم تنفيذ هذا القرار بواسطة الحزب ككل واحد.
لا يستطيع حزب يحتوى على جناح ثوري وآخر إصلاحي أي مجموعات لها أهداف مختلفة جوهريا -أن يكون عمليا منظمة منضبطة هكذا فعلى الرغم من الاشتراكية الديموقراطية الألمانية أعطت أهمية خاصة عظيمة للمركزية الإدارية والوحدة الحزبية فقد كان لها موقف شديد التهاون إزاء انتهاكات الانضباط من جانب كبراء الحزب والقادة النقابيين… الخ
الانضباط لتحقيق الوحدة في العمل ولكن إذا وضعت الوحدة التنظيمية فوق المبدأ فان الانضباط الحقيقي يختفي بالضرورة. كتب لينين: " ما لم تكن الجماهير منظمة فان البروليتاريا لا شئ فإذا كانت منظمة فهي كل شئ التنظيم يعنى الوحدة في العمل الوحدة في النشاط العملي ولكن كل عمل لا يكتسب قيمته بالفعل إلا بمقدار ما يسهم في دفع الأمور للأمام وليس للوراء… التنظيم الذي لا يقوم على المبدأ لا معنى له وهو يحول عمليا العمال إلى ملحق بائس للبرجوازية التي في السلطة …
لا ينبغي إذن على العمال ذوى الوضع الطبقي أن ينسوا أن هناك انتهاكات خطيرة للمبدأ تجعل قطع جميع العلاقات التنظيمية ضروريا".
اضطرت الظروف الحزب البلشفي لان يكون منضبطا وقد تمكن من تحقيق الانضباط اللازم لأنه كان متحدا سياسيا ولكن من المهم أدراك أن هذا الانضباط لم يعنى، كما يدعى كثيرا المبادرة المستقلة من قواعد الحزب . الظروف القمعية نفسها التي جعلت الوحدة في العمل ضرورة ، أجبرت أيضا الأقسام المحلية في الحزب على العمل من تلقاء نفسها.
يكتب بياتنيتسكى:
تم تشجيع مبادرة المنظمات الحزبية المحلية. والخلايا لو كان على بلاشفة أوديسا أو موسكو أو باكو أو تفليس أن ينتظروا دائما توجيهات اللجنة المركزية واللجان الإقليمية الخ والتي كثيرا ما فقدت الوجود أثناء سنوات الرجعية والحرب بسبب عمليات إلقاء القبض فماذا كانت ستكون النتيجة؟
لم يكن البلاشفة سيحوزون على ثقة الجماهير العاملة ويمارسون أي تأثير عليها.
جميع هذه العوامل مجتمعة جعلت حزب لينين البلشفي عشية الحرب العالمية الأولى كما كتب تروتسكي. القسم الأكثر ثورية -القسم الثوري الوحيد بالفعل - في الأممية الثانية".
4- القطع مع الاشتراكية الديموقراطية
أن وصف تروتسكي للبلاشفة بأنهم القسم الثوري الوحيد في الأممية الثانية " يشير أيضا إلى حدود إنجازات لينين حتى هذه النقطة حيث انه يوضح أن البلاشفة ظلوا قسما من الاشتراكية الديموقراطية أن هذا في حد ذاته يظهر انه على الرغم من أن لينين كان قد طور عمليا حزبا مختلفا تماما عن النموذج الاشتراكي الديمقراطي فانه لم يكن قد عمم بعد هذه الخبرة بوعي في شكل نظرية متميزة وجديدة حول الحزب.
لقد كان انهيار الأممية في مواجهة الحرب العالمية هو الذي أثمر القطع النظري الكامل للينين مع الاشتراكية القديمة كما أثمر ميلاد نظرية لينينية تحديدا حول الحزب من المعروف أن لينين فوجئ تماما بالتأييد الذي أعطته كل الأحزاب الاشتراكية الأوروبية الأساسية للحرب في تمرد كامل على سياستهم السابقة كان رد فعله الأول إزاء عدد" فورواتس" الذي سجل تصويت الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني لصالح اعتمادات الحرب هو أن هذا الخبر لابد مزور ولكن متى استوعب حجم الاستسلام تطور فكرة بسرعة شديدة فمقال لينين الأول بعد اندلاع الحرب. مهام الاشتراكية الديمقراطية الأوربية في الحرب الأوربية" والمكتوب في تاريخ سابق على 28 أغسطس .لم يكتف بإدانة زعماء الاشتراكية الديمقراطية الدولية بسبب "خيانتهم للاشتراكية" وتسجيل "الإفلاس الأيديولوجي والسياسي للأممية".
بل رأى في هذه الخيانة وفى التخلي عن المواقف السابقة استمرار لنزعات كانت قائمة لمدة طويلة خلال فترة ما قبل الحرب يحدد المقال الاشتراكية- الشوفينية بأنها نتاج الانتهازية وتطويرها." هذا الانهيار(للأممية) كان بالأساس نتيجة للشيوع الفعلي فيها لانتهازية البرجوازية الصغيرة……
ما يسمى بوسط الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني والأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الأخرى استسلم في الواقع بجبن للانتهازيين". من هنا استنتج لينين على الفور انه ينبغي أن تكون مهمة الأممية المستقبلية تخليص نفسها بحزم وبلا رجعة من هذا التيار البرجوازي في الاشتراكية.
من هذه النقطة فصاعدا، لن يكون للينين أي صلة بخطط إعادة توحيد أو أحياء الأممية القديمة " على العكس"، دعي إلى الاعتراف صراحة بهذا الانهيار وتفهمه، بحيث يكون من الممكن بناء وحدة اشتراكية جديدة وأكثر دواما لعمال جميع البلاد.
بحلول أول نوفمبر كانت اللجنة المركزية البلشفية قد رفعت شعار" فلتحيا أممية بروليتارية محررة من الانتهازية" في ديسمبر كان لينين يسأل "
أليس من الأفضل التخلي عن اسم الاشتراكيين الديمقراطيين الذي لوثوه وحقروه، والعودة للاسم الماركسي القديم الشيوعيين"؟
وبحلول فبراير 1915 كان مؤتمر الحزب البلشفي الزم نفسه رسميا بإنشاء " أممية ثالثة".
حتى 1914 رأى لينين نفسه كاشتراكي ديمقراطي أرثوذكسي يطبق منهج كاوتسكي وبيبل - بعد تجربتهما واختبارهما على الظروف الخاصة لروسيا القيصرية ولكن قرار إنشاء أممية ثالثة لم يعن العزم على الحفاظ على ذلك التراث الذي تخلى عنه قادته، بل عنى الرفض الشامل لهذا التراث.
لقد وجه لينين تهمتين متصلتين للأممية الثانية:
أ?) أنها كانت نتاج فترة ممتدة من"السلام" الشعبي بين الطبقات
ليس فقط السلام بين الأمم، إنما أيضا السلام النسبي بين الطبقات- أصبحت معتادة خلالها على الوسائل الشرعية وعلى نمو منظماتها الجماهيرية الشرعية لدرجة أنها صارت غير راغبة ولا قادرة على الانتقال الضروري للعمل غير الشرعي.
ب?) أنها كانت ائتلافا بين الثوريين والانتهازيين لصالح الانتهازيين
فالأحزاب الاشتراكية في عصر الأممية الثانية كانت ذلك الحزب الذي يسمح بان تتواجد بين صفوفه انتهازية تم بناؤها في عقود الفقرة السلمية".
لقد تجاوز هذا النوع عمره الافتراضي.
وحتى إذا انتهت الحرب فى1915، فلن تجد أي اشتراكي يفكر مستعدا للبدء في 1916 في إعادة بناء الأحزاب العمالية مع الانتهازيين، مع علمه في ضوء الخبرة ،بأنهم سيقفون مع البرجوازية في أي أزمة جديدة؟
بالمقارنة بالأممية الثانية - التي وصها كاوتسكي بأنها أداة للسلام، غير مناسبة للحرب" فإن الأممية الثالثة كانت بالتحديد أداة للحرب - الحرب الأهلية الدولية ضد البرجوازية الإمبريالية- وبالتالي ما كانت لتحتمل في صفوفها طابورا خامسا ولا مترددين.
في قيامه بهذا النقد للاشتراكية من الواضح أن لينين اعتمد في أفكاره على خبراته مع البلاشفة والصراع ضد المنشفية، ولكن تم الآن، لأول مرة تعميم هذه الخبرات والملحوظات النظرية العديدة التي صاحبتها على المستوى الدولي، مما أثمر نظرية جديدة حول الحزب تستبدل أشكال التنظيم القديمة في كل مكان بأخرى مختلفة.
ومع ذلك، فإن نظرية جديدة حول الحزب لم تكن لتقف بذاتها، لقد كانت تقتضي التجديد الشامل للماركسية فنظرية الحزب هي مجرد تطبيق لتحليل الصراع الطبقي ككل على مسألة التنظيم.
كانت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية منتجة ونتاجا في نفس الوقت لتفسير ميكانيكي وقدري للماركسية تم من خلاله النظر لتوحيد البروليتاريا ونمو حزبها السياسي كعملية تسير بسلامة وتجانس في خط صاعد بانتظام كنتيجة حتمية للتطور الرأسمالي.
في إطار هذه الصورة، صاغ كاوتسكي مهام الماركسيين بأنها "بناء التنظيم وكسب كل مواقع القوة التي نستطيع أن نكسبها ونحتفظ بها، ودراسة الدولة والمجتمع، وتعليم الجماهير، لا نستطيع بوعي وبشكل منتظم أن نضع أهدافا أخرى لأنفسنا أو لمنظماتنا" إما الهدف فهو" الوصول إلى سلطة الدولة عن طريق الحصول على أغلبية في البرلمان.
ورفع البرلمان إلى مستوى سيد الحكومة" ورأى كاوتسكي أن هذا الهدف سيتحقق حتما بشرط فقط أن يتجنب إرباك " منظماته" من خلال التورط في صراعات حمقاء وغير ناضجة عمليا .
أصبح تجنب مثل هذه الاضطرابات الشغل الشاغل لكثير من القادة الاشتراكيين الديمقراطيين في سنوات الحرب الأولى.
عكف لينين بشكل منتظم على تدمير هذه الرؤية وبناء أساس نظري جديد للأممية الثالثة المستقبلية. وقد دفع هذا لينين نحو ثلاثة مجالات أساسية للبحث النظر9أ) الفلسفة. (ب) الاقتصاد (تحليل الإمبريالية) (ج)السياسة (الدولة) . كان لكل من هذه المجالات تأثيره على نظريته حول الحزب، وبالتالي، فعلى الرغم من انه ليس من الممكن هنا أن نشير للارتباطات المتبادلة الأساسية إلا أننا سنضطر في عجالة إلى الاشارة إلى أهم هذه الإسهامات .
فيما يتعلق بالفلسفة .
سبق أن جادلنا بان مفتاح موقف لينين في الانشقاق الأولى مع المناشفة كان رفضه للموقف القدري (الذيلي) من مشاكل التنظيم. في ذلك الوقت. كان موقف لينين نتاجا لغريزته السياسية الحادة وتقديره العملي الثاقب أكثر من كونه نتاجا لقطع فلسفي مع المادية الميكانيكية، كما يظهر من صياغته في " المادية ونقد التجريبية" إلا انه في نهاية 1914 غاص لينين في دراسة هيجل،وخاصة علم المنطق لهيجل . أن لينين مثل ماركس لم يكتب أبدا الجدل الخاص به ومع ذلك فان ملاحظاته الهامشية حول هيجل تظهر بوضوح الثورة الفلسفية الناتجة عن هذه القراءة . لأول مرة يستوعب لينين بوضوح ويهضم الجدل الماركسي . من خلال إعادة هذا الجدل والممارسة إلى مكانهما الصحيح في النظرة الماركسية للعالم أقام لينين الأساس الفلسفي لحزب لا يستهدف أن يكون انعكاسا سلبيا للطبقة العاملة .
وأن ينتظر نتيجة القوانين التاريخية الحديدية، وإنما يستهدف أن يتدخل فعليا في صناعة التاريخ .
أما فيما يتعلق بالاقتصاد كانت مهمة لينين هي أن يظهر أن الوضع الموضوعي كان ناضجا لخلق حزب دولي جديد .
يكون ثوريا ليس فقط في أحد أهدافه النهائية، وإنما أيضا في تبنيه واستعداده الفوري لأساليب الصراع الثورية .
في كتيبه الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية، استهدف لينين إظهار أن الثورة كانت على جدول الأعمال على النطاق العالمي كانت حجة لينين، في خطوطها العامة، هي أن الإمبريالية كانت نتاج التحول، من خلال قانون تركيز رأس المال، من الرأسمالية القائمة على المنافسة الحرة إلى عكسها، الرأسمالية الاحتكارية .
كان هذه مصحوبا بسيطرة رأس المال المالي على رأس المال الصناعي.
وتحقيق تراكم الفائض من رأس مال لم يكن من الممكن أن يجد منافذ مربحة إلا في البلاد المتخلفة حيث العمل رخيص ورأس المال نادر.
وبالتالي فقد انقسم العالم بين الاحتكارات الكبرى وحكوماتها. وحيث إن مثل هذا الانقسام لم يكن ليحدث إلا على أساس القوة النسبية،وحيث إن القوة(أي الحرب). على هذا الأساس، فإن أي تحقيق للسلام لن يكون إلا مقدمه لحرب جديدة.
وفوق كل شئ. عمقت الإمبريالية التناقض بين إضفاء الطابع الاجتماعي على الإنتاج والاستيلاء الفردي عليه، وهكذا فقد مثلت الإمبريالية بداية هبوط الرأسمالية وافتتاح عصر " الحرب والثورات".
بالإضافة إلى إقامة الأساس الموضوعي لأممية ثورية جديدة، وفر تحليل لينين للإمبريالية أيضا أساسا اقتصاديا لنقده للأممية الثانية، مستدعيا تعليقات إنجلز حول برجزة قسم من البروليتاريا الإنجليزية بسبب الاحتكار الصناعي والكولونيالى لإنجلترا جادل لينين بأن الاحتكارات الإمبريالية ربحت "سوبر أرباح" من استغلالها للمستعمرات وأن ذلك سمح " لبرجوازية القوى العظمى" بأن ترشى اقتصاديا الشرائح العليا من عمالها.
في القرن التاسع عشر كان هذا ممكنا في إنجلترا فقط، وقد عمل هناك لعقود مفسدا الحركة العمالية.إما الآن.
فإن كل قوة عظمى "إمبريالية تستطيع أن ترشى، وترشى بالفعل، شرائح أصغر( من إنجلترا في 1848- 1868) من" أرستقراطية العمال " بهذه الطريقة، ففي جميع البلدان أمنت البرجوازية لنفسها بالفعل. أحزابا عمالية برجوازية" من الاشتراكيين الشوفينيين . هكذا اعتبر لينين أن الانتهازية أو الإصلاحية، في حركة الطبقة العاملة لم تكن مجرد مدرسة فكرية بديلة.
أو مؤشر على عدم النضج. أو حتى نتاج لضغط الأيدلوجية البرجوازية .
بل كان لها على العكس "أساس اقتصاديا" كانت الانتهازية هي التضحية بالمصالح الكلية للبروليتاريا ككل لصالح المصالح الفورية لمجموعات منفصلة من العمال. يعنى مفهوم "الحزب العمالي البرجوازي" أن الانتهازية ينظر إليها على أنها عميل العدو الطبقي داخل صفوف البروليتاريا.
إن هذا التعريف للانتهازية، والذي لم يصفه أي ماركسي بهذا الوضوح قبل ذلك. هام جدا بالنسبة لنظرية لينين حول الحزب.
إنه السبب الأساسي في ضرورة أن يستبعد الحزب بصرامة جميع التيارات الإصلاحية من داخل صفوفه.
إنه اعتراف بان الحزب الثوري يجب تنظيمه من أجل الصراع ليس فقط ضد البرجوازية، وإنما أيضا(بطريقة مختلفة) ضد المنظمات البرجوازية داخل الطبقة العاملة إنه فهم للصعوبات المتضمنة في الانتقال من الطبقة في ذاتها إلى الطبقة لذاتها.,
وتفسير مادي لهذه الصعوبات . فى1901 كان لينين قد استوعب هذه المشكلة، ولكنه فسرها من خلال عدم قدرة الطبقة العاملة على الوصول للوعي الاشتراكي بواسطة جهودها الذاتية.
إما الآن فقد فسرها من خلال التناقض بين المصالح التاريخية للبروليتاريا ومصالحها الفورية. التي يمكن أن تسود لفترات محدودة وفى شرائح محدودة على الحاجة للوحدة الطبقية تتطور الوحدة الاشتراكية للطبقة العاملة جدليا، من خلال الصراع الداخلي .وباعتباره العنصر الفاعل في هذا الصراع، فعلى الحزب الثوري أن يقصر عضويته على أولئك الذين يعلون المصالح الكلية للبروليتاريا على المصالح الفورية .
أي على الأمميين.
أخيرا، هناك مسألة الدولة، التي أبرزتها على الساحة الجدالات الإمبريالية والحزب إن جوهر الثورة الاشتراكية هو نقل سلطة الدولة من البرجوازية إلى البروليتاريا.
ولما كان تنظيم الحزب يتحدد جزئيا بالضرورة بواسطة المهام التي سيكون عليه أن ينجزها في الثورة، فإن كيفية تصور هذا الانتقال تصبح في غاية الأهمية بالنسبة لنظرية الحزب .
لم يستبعد منظرو الأممية الثانية العنف، وبصفة خاصة العنف الدفاعي، في الصراع على السلطة، ولكنهم توقعوا بشكل أساسي أن تترك آلة الدولة سليمة.
دور الحزب سيكون الاستيلاء على الدولة القائمة، مغيرا بلا شك أشخاصها القياديين ومعيداً تنظيمها، ولكن دون تحدى بنيتها بشكل جوهري. مع رأى كهذا حول مهام الثورة فيما يتعلق بالدولة، فإن مركز ثقل الصراع الطبقي ينبغي حتما أن ينظر إليه على أنه في البرلمان والانتخابات البرلمانية. هكذا فقد كتب كاوتسكي:
هذا العمل المباشر للنقابات يمكن أن يجرى بفعالية كمساعد ومقوى فقط للعمل البرلماني، وليس كبديل له"، وكتب أيضا أن(البرلمان) هو أقوى أداة يمكن استخدامها لرفع البروليتاريا من انحطاطها الاقتصادي والاجتماعي والمعنوي" ويترتب على ذلك أن قيادة الحزب تتمثل في ممثليه البرلمانيين مادامت الحكومة الثورية ستتشكل من خلال الأغلبية البرلمانية .
وفقا لهذا التصور، فإن دور عضو الحزب العادي- وبالأحرى دور العمال خارج الحزب - سلبي بالأساس:
فعلى الرغم من أنه قد يتم اللجوء إليهم في الصراع، إلا أنه لا يتوقع منهم أن يخلقوا هياكل جديدة للسلطة بأنفسهم أو أن يشاركوا في تسيير هذه الهياكل. مفهوم الاشتراكية الديمقراطية البيروقراطي عن الثورة استتبع تنظيما بيروقراطيا للحزب.
بالنسبة للبلاشفة، كما أظهرنا أعلاه، لم ينطبق شئ من هذا لأنه لم تكن هناك دولة "ديمقراطية حديثة في روسيا "وكانوا من البداية غير شرعيين .أما الآن، ومع تفكيره في أممية جديدة، فقد كان على لينين أن يواجه هذه المشكلة نظريا. كانت النتيجة هي أنه نجح في اكتشاف ووضح وقنن تعميم ماركس من خبرة ثورات48-1852و1871 الفرنسية، ذلك التعميم القائل بان "الطبقة العاملة لا تستطيع ببساطة أن تستولي على آلة الدولة القائمة وتستخدمها لأغراضها هي" لخص لينين المسألة في دفتر ملاحظاته ،كما يلي:
ما هي التغيرات بعد1871؟
إنها تتمثل كلها - أو طابعها العام أو مجملها- في أن البيروقراطية في كل مكان قد تضخمت (في البرلمانية وداخلها في الحكم الذاتي المحلى، كما في الشركات المساهمة المشتركة والاتحادات الاحتكارية وما إلى ذلك). ذلك هو الأول.
أما الثاني فهو أن الأحزاب الاشتراكية، العمالية قد تحولت، بنسبة3/4إلى بيروقراطية مماثلة.
الانشقاق بين الاشتراكيين-الوطنيين والأمميين. بين الإصلاحيين والثوريين، له بالتالي دلالة اكثر عمقا:
الإصلاحيون والاشتراكيون - الوطنيون يراهنون على الدولة البيروقراطية في حين أن الثوريين يستعين عليهم تخطيها مستبدلين إياها " بالكوميونة" وهى نصف دولة جديدة ربما يستطيع المرء باختصار وصرامة أن يعبر عن الأمر كله هكذا :
استبدال آلة الدولة القديمة (المصنوعة سلفا) والبرلمانات بسوفيتات نواب العمال ووكلائها هنا يكمن الجوهر!!
الحزب الذي يستهدف تحطيم الدولة لا يمكن أن ينظم بنفس طريقة الحزب الذي ينوى الاستيلاء عليها .
ينبغي أن يكون مركز ثقله في المصانع لا في البرلمان.
حيث أن الدولة الجديدة ستنشأ من المصانع. لا يمكن لأعضاء الحزب العاديين أن يكونوا مجرد مصوتين سلبيين أو حتى دعائيين. فعليهم هم أنفسهم أن يصبحوا قادة لزملائهم العمال وبناة لآلة الدولة الجديدة الخاصة بهم وفضلا عن ذلك فإن أطروحة أن الدولة البرجوازية ينبغي تحطيمها ألغت بشكل نهائي خيار الثورة السلمية أو الدستورية. حتى بالنسبة لأكثر الجمهوريات الديمقراطية حرية.
ستتضمن الثورة البروليتارية، بحكم التعريف.
صراعا جماهيريا على السلطة، وبالتالي فان كل حزب ثوري ينبغي أن يكون منظما بحيث يتمكن من قيادة صراع كهذا.
لقد عنى ذلك خلق أجهزة شرعية وغير شرعية متوازية. وتنظيم تجريدات محاربة وخلق مجموعات حزبية داخل القوات المسلحة، وما إلى ذلك.
وأخيرا، غيرت نظرية لينين حول الدولة بشكل راديكالي المفاهيم السائدة وقتها حول علاقة الحزب بالدولة العمالية أثناء الاستيلاء على السلطة وبعده.
لو كانت الثورة تعنى الاستيلاء على الدولة القائمة، إذن فالمضمون الطبقي للدولة كدولة عمالية يتحدد بواسطة الحزب الذي يسيطر عليها.
وينبغي على الحزب سيطبقه أن يندمجا. بهذا المعنى ، كان الحزب بالنسبة للاشتراكية الديمقراطية هو جنين الدولة الجديدة .
نظرية لينين حول استبدال الدولة القائمة بالسوفيتات(المجالس العمالية) أقامت تمييزا واضحا بين الدولة العمالية والحزب الثوري.
يتحدد المضمون الطبقي للدولة الجديدة من خلال كونها من خلق الطبقة العاملة ككل. وكون أن الطبقة ككل تشترك في تسييرها".
في ظل الاشتراكية …
ستصعد جماهير السكان إلى مستوى لعب دور مستقل، ليس فقط في التصويت والانتخابات، وإنما أيضا في الإدارة اليومية للدولة" دور الحزب ليس أن يكون الدولة العمالية. وإنما أن يكون الأقلية المتقدمة التي تقود وترشد عملية خلق و تعزيز الدولة الجديدة وكما ذكر كريس هارمان الاشتراكي البريطاني المعروف " الدولة السوفيتية هي أعلى تجسيد ملموس للنشاط الذاتي للطبقة العاملة كلها" والحزب هو ذلك القسم من الطبقة الأكثر وعيا بالمغزى التاريخي العالمي للنشاط الذاتي" ولان الحزب والدولة ليسا متطابقين فمن الممكن لأكثر من حزب أن يتنافسوا على التأثير والحكم داخل إطار مؤسسات سلطة الدولة العمالية".
هكذا، فإن نظرية لينين حول الدولة كانت تكملة لا غنى عنها لنظريته حول الحزب. كانت نظرية الدولة هي ما أكد أن اقتصار الحزب على الأقلية المتقدمة من البروليتاريا لم يتضمن بأي حال من الأحوال أن يحل الحزب محل الطبقة ككل أو أن يسعى للوصول للسلطة كأقلية. وكانت نظرية الدولة هي ما جعل النظرية اللينينية حول الحزب تتجانس مع المبدأ الجوهري للماركسية وهو أن تحرر الطبقة العاملة يجب أن تحققه الطبقة العاملة نفسها".
نتيجة لسنوات العمل النظري المكثف هذه تحطمت الأسس النظرية للأممية الثانية تماما. وأصبحت نظرية لينين الجديدة حول الحزب مكتملة تماما الآن (وهذا لا يعنى استبعاد إضافات أو تطويرات أخرى ) لم تمثل النظرية الجديدة اكتشافا منعزلا وإنما مثلت الاستنتاجات العملية المتوجة لتجديد شامل للنظرة الماركسية للعالم. كما أنها لم تأت مبكرة لحظة واحدة- فسرعان ما واجهت الاختبار العملي الحاسم مع اندلاع الثورة الروسية في فبراير 1917.
والسؤال العملي الذي يجب أن نطرحه هو:
ماذا كان حظها من النجاح في مواجهة هذا الاختبار؟
5- الحزب في الثورة
أكدت أحداث الثورة الروسية البالغة الأهمية نظرية لينين حول الحزب بطريقتين أساسيتين أولا:
أظهرت أن منظمة صغيرة في الأصل تستطيع في سخونة الصراع.
أن تنمو بسرعة كبيرة جدا. وأن تكسب - وهذا أكثر أهمية - تأييد الغالبية الكاسحة من الطبقة العاملة .
في يناير1917. بلغت عضوية الحزب البلشفى23600.
ومع نهاية إبريل كانت قد نمت الى79204، وفى أغسطس قدرت بحوالى200000، ونستطيع أن نفترض أن العضوية زادت بحلول أكتوبر. بالقياس إلي سكان روسيا ككل. فإن 200ألف رقم لا قيمة له تقريبا. إلا أن العضوية البلشفية كانت مركزة في الطبقة العاملة ذات الأهمية السياسية الضخمة رغم صغر حجمها
لقد كتب ليونادر ثابيرو أن استطلاعا للرأي بين المنظمات في خمس وعشرين مدينة أظهر أن نسبة البلاشفة المنظمين بين عمال المصانع في المدن في ذلك التاريخ(أغسطس1917) تراوحت بين1%و12%- حيث كان المتوسط بالنسبة للخمس وعشرين مدينة5.4% بالنسبة لحزب نشط منضبط.
كانت هذه نسبة عالية جدا. لقد عنت أنه في المراكز الصناعية الأساسية، وخاصة بتروجراد، كان للبلاشفة القيادة السياسية الكاملة للبروليتاريا. هكذا فقد كانت أول هيئة تمثيلية يحصل فيها البلاشفة على أغلبية هي مؤتمر لمندوبي مصانع بتروجراد في نهاية مايو .
وعندما دعت اللجنة التنفيذية للسوفيتات ، التي كانت تحت سيطرة المناشفة/ الاشتراكيين الثوريين، لمظاهرة جماهيرية في بتروجراد في 18 يونيو، سار في المظاهرة حوالي 400ألف وحملت90% من الرايات شعارات بلشفية. أما عن أكتوبر فقد كتب خصم لينين القديم مارتوف:
أفهموا أرجوكم أن ما هو أمامنا آخر الأمر انتفاضة منتصرة للبروليتاريا- البروليتاريا كلها تقريبا تؤيد لينين وتتوقع أن تحقق الانتفاضة تحررها الاجتماعي".
في تسعة أشهر صعد البلاشفة من مجموعة منشقة تبدو عديمة الأهمية إلى أقوى قوة سياسية في روسيا. ثانيا. برهنت الثورة على أنه لا غنى عن حزب ثوري ممركز من أجل استيلاء الطبقة العاملة على سلطة الدولة.
إن ثورة فبراير التي أسقطت القيصرية وأفرزت السوفيتات لم يقدها، بالطبع البلاشفة ولا أي حزب سياسي وكما يعلق تارة:
"كانت ثورة فبراير……
اندلاعات لجموع غفيرة ساخطة على الحرمان الناتج عن الحرب وعدم المساواة الظاهرة في توزيع الأعباء….
لم تلعب الأحزاب الثورية أي دور مباشر في صنع الثورة . إنهم لم يتوقعوها وقد أصابتهم في البداية ببعض الارتباك. كان إنشاء سوفيت بتروجراد في لحظة الثورة عملا عفويا لمجموعات من العمال بدون توجيه مركزي.
ولكن لهذا السبب بالتحديد، فإن الثورة المنتصرة التي صنعها العمال والجنود (فلاحون بالزي الرسمي).
لم تقدم السلطة طوعا للبرجوازية في صورة الحكومة المؤقتة. بالطبع لم يكن العمال والجنود سعداء بهذا التطور.
في وقت مبكر مثل 3 مارس، بدأت اجتماعات الجنود والعمال تطالب بأن يخلع السوفيت على الفور الحكومة المؤقتة للبرجوازية الليبرالية، وأن يأخذ السلطة في يديه".
ولكنهم، بسبب افتقادهم للتنظيم والقيادة السياسية، كانوا عاجزين عن فرض إرادتهم.
ولم تصبح أجنة سلطة الدولة العمالية هذه قادرة على تحقيق الإمكانية الكامنة فيها إلا مع نمو البلاشفة إلى حزب جماهيري ومع ظهور أغلبية بلشفية في السوفيتات.
لم يكن من الممكن صياغة برنامج سياسي واضح ومختصر-" الخبز، الأرض، السلام"،وكل السلطة للسوفيتات،- بحيث يكون قادرا على تجسيد مشاعر الجماهير وتوحيد مختلف قوى الثورة، العمال والفلاحين والجنود، إلا من خلال حزب.
كان الحزب شديد الأهمية أيضا في شن ونجاح الانتفاضة المسلحة الفعلية. أولا، كان بوسعه_ من خلال قدرته على تقدير الحالة في روسيا ككل، وانضباطه، وسلطته المعنوية بين العمال- أن يمنع انتفاضة غير ناضجة في" أيام يوليو" كان من الممكن أن تعزل عمال وجنود بتروجراد المندفعين عن بقية البلد. لو كان البلاشفة أقل انضباطا أو أقل تجذراً لكان من الممكن أن تجرفهم الأحداث بسهولة نحو انتفاضة يائسة كانت ستواجه مصير كوميونة باريس أو ثورة1919 الألمانية. وبعد ذلك، عقب هزيمة مؤامرة كورنيلوف، وعندما تحول مزاج البلد، وليس مجرد بتروجراد. لصالحهم وأصبح من الواضح أن البلاشفة سيحصلون على أغلبية في المؤتمر الثاني للسوفيتات، كان الحزب قادرا على الإمساك باللحظة الحرجة عندما كان بالإمكان كسب السلطة بسرعة وسلاسة. يكتب كار أنه" بالنسبة لتنظيم انتصار 25 اكتوبر - 7نوفمبر1917 الذي لم تسفك فيه دماء تقريبا. كان سوفييت بتروجراد ولجنته العسكرية الثورية مسئولين.
ولكن السوفيت كانت به أغلبية بلشفية واللجنة العسكرية الثورية احتوت على عضو واحد غير بلشفي (اشتراكي ثوري- يساري شاب). وفضلا عن ذلك فإن القرار الأصلي بشن الانتفاضة المسلحة والذي كان ينفذانه لم يتخذه السوفييت. وأفرزت اتخذته اللجنة المركزية للحزب في جلسة سرية ولم يكن من الممكن أن تسير الأمور بشكل مختلف حيث أن التوقيت والسرية كانا جوهريين ولو كان قد جرى جدال مفتوح في السوفييت لنبه ذلك الحكومة ودفعها للقيام بعمل وقائي .
لقد كانت السوفيتات بطبيعتها غير متجانسة .
لم يكن بوسع أحد سوى حزب منضبط ومتحد سياسيا أن يناقش المزايا والعيوب التكتيكية للتمرد المسلح وأن يخطط لتنفيذه.
وبعد الاستيلاء على السلطة مباشرة كان الحزب البلشفي يمتلك فقط وحده الهدف والإرادة للازمة لتشكيل حكومة قادرة على التعامل مع الفوضى والظرف البالغ الصعوبة الذي واجه الثورة.
الدور البارز للحزب البلشفي في انتفاضة أكتوبر المسلحة مضافا إلى العدد الصغير نسبيا للمشاركين في القتال وإنجاز العملية( على الأقل في العاصمة) دفع كل ذلك العديد من المعلقين إلى تصوير الثورة على أنها بالأساس انقلاب قامت به أقلية صغيرة ذات عزم عملت بشكل مستقل تماما عن الطبقة التي زعمت تمثيلها، ومما يجعل هذا الرأي يبدو أقوى إصرار لينين المتكرر على انه من الضروري محاربة الأوهام الدستورية والآمال المعقودة على مؤتمر السوفتيات ونبذ الفكرة المسبقة القائلة بان علينا بشكل قاطع أن ننتظر انعقاده.
ألم يناقض المجرى الفعلي للانتفاضة المسلحة تماما التمييز بين الحزب والدولة الذي ناقشناه قبل قليل، أولم يعن ذلك أن المفهوم اللينيني للحزب كأقلية طليعية أدى حتما من الناحية العملية إلى الاستيلاء على السلطة بواسطة هذه الأقلية؟
في الإجابة على هذه الأسئلة من الضروري ألا ننظر فقط إلى الفترة التي أعتمد مصير الثورة خلالها على أيام قليلة من القتال، وإنما إلى تطور سياسة لينين على مدى1917.
وضع لينين البلاشفة لأول مرة على طريق الاستيلاء على السلطة عندما كتب" أطروحات أبريل"، ولكنه حذر من البداية" من أي نوع من المغامرة البلانكية". لقد كتب لينين:
"في الأطروحات اختصرت المسألة بشكل محدد إلى صراع من أجل التأثير داخل سوفيتات مندوبي العمال والعمال الزراعيين والفلاحين والجنود. ولكي لا اترك ظلالا من الشك حول هذا الأمر أكدت مرتين في الأطروحات على الحاجة لعمل" توضيحي" صبور ودؤوب"مطوع للحاجات العملية للجماهير"
ظل" التوضيح الصبور "خط لينين والبلاشفة على مدى ربيع وصيف1917، وكان الصراع على السلطة مربوطا دائما بكسب السوفيتات، وحتى عندما اعتبر لينين في يوليو أن السوفيتات قد انتقلت بحسم إلى المعسكر المعادى للثورة. وبالتالي أراد أن يسحب شعار" كل السلطة للسوفيتات" فقد ظل حريصا، حيث قال محذرا:
لن يكون الصراع الحاسم ممكنا إلا في حالة صعود ثوري جديد في أعمق أعماق الجماهير "كما أنه لم يتخل وقتها عن الفكرة السوفيتية.
قد تظهر سوفيتات في هذه الثورة الجديدة بل من المحتم أن تظهر، ولكن ليس السوفيتات الحالية ليس الهيئات التي تمالئ البرجوازية، وإنما هيئات الصراع الثوري ضد البرجوازية. من الصحيح أن علينا حتى في ذلك الوقت أن نكون في صف بناء الدولة كلها وفقا لنموذج السوفيتات.
وفقط عندما حقق البلاشفة أغلبية في السوفيتات وضع لينين الانتفاضة المسلحة على جدول الأعمال.
إن قيام الحزب بالأساس - عاملا من خلال سوفييت بتروجراد- بتنفيذ الانتفاضة المسلحة لم يناقض هذا التصور الا أن هذه كانت عملية هدم.
كانت البنية الجديدة لسلطة الدولة قائمة بالفعل ومعترف بها بوصفها السلطة العليا من جانب كل من العمال والجيش. ما حدث في ليلة 24/25 أكتوبر ألغى فقط الحكومة المؤقتة تاركا السوفيتات بوصفها السلطة الوحيدة. وبالإضافة إلى ذلك فقد استند البلاشفة في تشكيلهم للحكومة على الأغلبية التي كانت لهم في السوفيتات وليس على حق الاستيلاء العسكري. في 5نوفمبر كتب لينين:
ينبغي ألا يكون في روسيا سوى حكومة سوفيتية. لقد انتصرت السلطة السوفيتية في روسيا.
ويمكن للحكومة أن تنتقل من أيدي حزب سوفيتي إلى أيدي حزب سوفيتي آخر بدون آية ثورة بمجرد قرار للسوفيتات هي فقط تلك التي يقوم ذلك الحزب بتشكيلها.
هكذا فبصفة عامة أكد الاختبار العملي المتمثل في الثورة الروسية صحة نظرية لينين حول الحزب . لقد بررت تماما اقتناعه بان الطليعة ذات المبادئ والمنضبطة ستلعب دورا حاسما في تحقيق الثورة الاشتراكية.
ولكن لا بد هنا أن ندق جرس الحذر حيث أن العملية التي لعب بواسطتها الحزب البلشفي هذا الدور فعليا لم تكن على الإطلاق أوتوماتيكية. قبل عودة لينين لروسيا انزلقت القيادة البلشفية نحو موقف تأييد مشروط للحكومة المؤقتة وأيضا للحرب وعندما أعلن لينين لأول مرة وقوفه في صف إسقاط الحكومة المؤقتة وكل السلطة للسوفييتات، لم يجد أي تأييد من داخل الدوائر القيادية للحزب أدانت هذه الدوائر موقف لينين معتبرة إياه "غير مقبول" .
في برافدا وذلك استناد إلى الصيغة البلشفية القديمة،"الديكتاتورية الديمقراطية للعمال والفلاحين ".
لم يكن بوسع حتى أكثر الأحزاب ثورية تدقيقا في استعداده أن يتوقع كل السمات الملوثة للثورة. وبالتالي كان عليه أن يتعلم من الواقع ومن العمال. داخل قيادة الحزب كان لينين هو محرك عملية التعلم هذه. النظرية يا صديقي، رمادية ولكن شجرة الحياة الخالدة خضراء هكذا كتب لينين مدينا هؤلاء "البلاشفة القدامى" الذين لعبوا اكثر من مرة بالفعل أدوارا مؤسفة جدا في تاريخ حزبنا عن طريق ترديد صياغات محفوظة عن ظهر قلب دون فهم، بدلا من دراسة السمات الخاصة للواقع الجديد ولحى وكون أن لينين بدا من موقع عزلة بادية، استطاع بسرعة شديدة أن يكسب الحزب لموقفه، يعود جزئيا إلى مكانته الشخصية العظيمة، ولكنه يعود أيضا إلى انه كان يعبر نظريا عن آراء العمال المتقدمين الذين يندفعون نحو الحزب كالسيل. لقد توافقت حملات لينين على البلاشفة القدامى مع الضغط القادم من مناطق المصانع.
على مدى1917، كرر لينين التعليق بأن على الحزب أن يتخلص من لجنته المركزية وعلى الجماهير أن تتخلص من الحزب وحتى عندما انتصر لينين من حيث المبدأ في مؤتمر إبريل فقد استمرت أقسام من الحزب في التأرجح.
وقد ظهر ذلك جليا فيما يتعلق بمسألة الانتفاضة المسلحة. شكل كامينييف وزينوفييف ونوجين وميليوتين وريهوف مجموعة داخل القيادة معارضة تماما للقيام بانتفاضة مسلحة كان كاميينف وزينوفييف، بعد لينين، أقوى قادة الحزب نفوذا ومع ذلك فقد ترددا في اللحظات الحاسمة احتاج الأمر لشهر من الطرق من جانب لينين، بما في ذلك التهديد بأنه سيستقيل ويقوم بحملة بين قواعد الحزب، لكي يتم التغلب على هذا الموقف وإخراج اللجنة المركزية من قصورها الذاتي.
وعندما طلبت مجموعة زينوفييف- كامينيف، بعد الاستيلاء على السلطة مباشرة.
أن يدخل البلاشفة ائتلافا مع المناشفة والاشتراكيين والثوريين، هدد لينين مرة أخرى بالانشقاق (الانشقاق النزيه والمفتوح أفضل كثيرا جدا من التخريب الداخلي وإحباط قراراتنا والإخلال بالنظام والإنهاك ) وأعلن انه إذا كانت المعارضة لها أغلبية في الحزب. فعليها أن تشكل حكومة ائتلافية. أما هو فسوف يذهب للمارة.
أن تأرجح أقسام من الحزب البلشفي، وفى بعض الأوقات ككل، بهذه الطريقة، لا يبطل بالطبع المبادئ التي بنى عليها فلم يحدث قبل ولا بعده أن تصرف حزب عمالي بطريقة افضل في ظل حالة ثورية .
ولكن هذا التارجح يعنى أن تنظيم الحزب على أسس لينينية ليس في حد ذاته ضمانه للنجاح إنه ليس مفتاحا تنظيميا يفتح جميع أبواب التاريخ .
لا يوجد غنى عن الحزب الثوري ولكن حتى أكثر الأحزاب ثورية يكون عرضة لعناصر روتينية محافظة ببساطة لان عليه أن يكون منظمة مستقرة دائما.
وبالمثل فان مجرد خلق الحزب كهيئة متميزة يتضمن خطر أن يعزل الحزب نفسه عن الطبقة.
أن ميزة الحزب اللينيني كانت قدرته على تخفيض هذه المخاطر إلى الحد الأدنى، إن لم يستطع أن يلغيها تماما كانت عظمة لينين في الثورة الروسية هي انه رجل الحزب بامتياز- تجاوز حزبه في التحليل الأخير لقد كان قادرا، إذا جاز القول، أن يصل من فوق الحزب إلى جماهير العمال والجنود الروس، ليس مخاطبا إياهم بقدر ما كان مستجيبا لهم، وبذلك كان قادرا على إجبار الحزب على الاستجابة أيضا. إذا شئنا التعبير عن هذه الفكرة في صورة تعميم نظري فيستطيع المرء أن يقول أن بالنسبة للينين، رغم أن الحزب كثيرا ما كان عليه أن يحافظ على درجة عالية من الاستقلالية إزاء الطبقة العاملة ككل.
ورغم قوة ادعاءات الحزب وانضباطه، إلا أن الحزب ظل في التحليل الأخير خاضعا ومعتمدا عليها .
لا تتضمن النظرية اللينينية بأي حال من الأحوال فيتشية الولاء الحزبي التي اتسمت بها الاشتراكية الديمقراطية ثم اتخذت بعد ذلك اكثر الأشكال والأبعاد شذوذا في الأحزاب الشيوعية الرسمية في الاتحاد السوفييتي والعالم.
6- الحزب العالمي الواحد
لقد جادلنا بان نظرية لينين حول الحزب اكتملت تماما.
في سياساتها مع بداية1917. والآن ومع برهنه ثورة أكتوبر على صحة النظرية، أمتلك لينين النفوذ والتأثير السياسي اللازمين لخلق الاستنتاج المنطقي لهذه النظرية أي الأممية الشيوعية.
افتتح المؤتمر الأول للأممية الشيوعية في موسكو فى2مارس1919. إلا أن ذلك في الواقع لم يكن سوى غرسا لراية وإعلانا لنية لم يحضر سوى 35مندوبا وكان أغلبهم من الأمم الصغيرة التي كانت رسميا جزءا من الإمبراطورية الروسية ولم تتخذ الأممية الجديدة شكلا محددا كمنظمة نضالية جماهيرية، إلا في المؤتمر الثاني في يوليو1920، والذي حضر 2175 مندوبا كانت قيادة الأممية الشيوعية.
بالطبع عمل أشخاص كثيرون. وكثيرا ما اتخذ لينين مقعدا خلفيا كان زينوفييف رئيسها وتولى تروتسكي كتابه العديد من أهم بياناتها ومع ذلك فمن المشروع تماما تناول عمل الأممية الشيوعية في دراسة لنظرية لينين حول الحزب.
حيث انه كان في الوقت ذاته المبادر بإنشائها واكثر أنصارها حماسة (في بعض الأحيان في مواجهة مؤيديه) كما انه يقينا الهم أو وافق على جميع قراراتها الاستراتيجية الأكثر أهمية.
ستكون المناقشة هنا شديدة الاختصار والنقص. ويعود ذلك لسببين:
أولا:
أن التناول الملائم لجميع مسائل الاستراتيجية والتكتيكات والتنظيم التي تناولتها الأممية في سنواتها الأولى القليلة يقتضي كتابا على الأقل؛ وثانيا: إننا معنيون أساسا بتطور نظرية لينين حول الحزب. وقد اشتمل عمل الأممية بالأساس على تطبيق أفكار ناقشناها بالفعل. وبالتالي، فالخطوة العامة الأساسية فقط سيشار إليها هنا مع التركيز على تلك الجوانب من الكومنترن التي مثلت بطريقة ما انعطافات جديدة.
الفارق الأكثر لفتا للنظر بين الأمميتين الثانية والثالثة، كمنظمات. تمثل في كون الأولى اتحاد فضفاض لأحزاب وطنية مستقلة، في حين أن الأخيرة كان مقدرا أن تكون ممركزة بشكل صارم. وكما جاء في القوانين التي اقرها المؤتمر الثاني:
ينبغي أن تكون الأممية الشيوعية،في الواقع وبالفعل، حزبا شيوعيا واحدا للعالم كله.
الأحزاب العاملة في البلاد المتخلفة ليست سوى الأقسام المنفصلة لهذا الحزب.
أعطيت السلطة العليا للمؤتمر العالمي الذي يلتقي دوريا مرة كل سنة، أما بين المؤتمرات فتتولى قيادة الأممية لجنتها التنفيذية المنتخبة، والتي منحت سلطات واسعة تتولى اللجنة التنفيذية إجمالي عمل الأممية الشيوعية بين مؤتمر وآخر…
وتصدر تعليمات إجبارية على جميع الأحزاب والمنظمات المنتمية للأممية الشيوعية. على اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية أن تطرد المجموعات والأشخاص الذين يسيئون إلى الانضباط الأممي؛ كما أن لها أيضا الحق في طرد تلك الأحزاب التي تنتهك قرارات المؤتمر العالمي.
مثل هذا الفهم للأممية كحزب عالمي ممركز يمثل تقدما كبيرا. جزئيا، كان مصمما لمنع أي تكرار للتجزؤ الوطني الذي دمر الأممية الثانية في 1914.
وبشكل أكثر إيجابية، كان يستهدف خلق هيئة أركان عامة لما افترض انه هناك ثورة عالمية وشيكة. لقد لخص تروتسكي بدقة التفكير الكامن وراء هذا الشكل التنظيمي.
أممية لينين ليست صيغة فارغة لتحقيق التجانس بين المصالح الوطنية والأممية ،إنها تعتبر كوكبنا، الذي يسكنه ما يسمى بالإنسانية المتحضرة، ساحة معركة واحدة تتنازع فيها أمم وطبقات اجتماعية عديدة لقد اقتضت ساحة المعركة الواحدة جيشا واحدا وقيادة عالمية واحدة. لقد كان مقدرا للأممية الشيوعية أن تكون، بكلمات لوكاش" الحزب البلشفي-مفهوم لينين عن الحزب على نطاق عالمي .
ولتحقيق هذا الهدف، كان من الضروري رعاية النمو السريع لأحزاب ثورية أصيلة في جميع البلاد الرأسمالية الأساسية.
ولكي يفعل ذلك، عمل الكومنترن على تجميع المجموعات والتيارات الشيوعية القائمة وتوحيدها في أحزاب مستقرة.
كما عمل على كسب أكبر نسبة ممكنة من قواعد الأحزاب الاشتراكية الأوروبية (خاصة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني المستقل والحزب الاشتراكي الإيطالي والحزب الاشتراكي الفرنسي). في هذه العملية كان العدو الأساسي هو "الوسطية" حيث كان يتعين القضاء على مصداقية الزعماء الوسطيين من أجل التمكن من كسب مؤيديهم.
كما كان يتعين منعهم من دخول الأممية ونقل العدوى إليها لقد كان الضغط الذي مارسته القواعد لصالح الأممية هو ما جذب الإصلاحيين إليها وخلق هذا الخطر الأخير.
في المؤتمر الثاني.
حذر لينين من أن الأممية الشيوعية أصبحت إلى حد ما الموضة…
وقد تواجه خطر التميع من خلال تدفق المجموعات المتذبذبة وغير الحاسمة التي لم تمارس بعد قطعا مع أيديولوجية الأممية الثانية،.
وكما أصر لينين في 1903 على الفقرة 1 من أحكام الحزب كسلاح ضد الانتهازية فقد وضع الآن 21 شرطا للقبول في الأممية الشيوعية. كانت هذه الشروط شديدة الصرامة نص الشرط الثاني على أن أية منظمة تريد الانضمام إلى الأممية الشيوعية عليها أن تعزل بشكل ثابت ومنتظم الإصلاحيين والوسطيين عن مواقع المسئولية في حركة الطبقة العاملة.، وأصر الشرط الرابع على الدعاية والتحريض المنتظمين…..
في القوات المسلحة، كما طالب الشرط الرابع عشر بان تجرى الأحزاب الشيوعية في البلاد التي يستطيع فيها الشيوعيون أن يعملوا بشكل شرعي تطهير دوري لعضويتها (إعادة تسجيل) بهدف تخليص الحزب بانتظام من العناصر البرجوازية الصغيرة التي تتسرب إليه حتما،.
تلخيصا للشروطالـ21، أعلن زينوفييف "بمثل ما انه ليس سهلا على الجمل أن يمر خلال ثقب الإبرة فإنني آمل ألا يكون من السهل على أنصار الوسط أن يمروا خلال الشروط الـ21". لقد حضر المؤتمر قادة بارزون من الوسط، كريسبيان وديتمان من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني المستقل وسيراتى من الحزب الاشتراكي الإيطالي. إلا أن لينين دحض اعتراضاتهم بقوة بوصفها" كاوتسيكية الأساس….
ومتشربة بروح برجوازية .
بموازاة الصراع مع الوسطية، كان هناك جدال مع عدة تيارات ثورية ولكن يسارية متطرفة أو نقابوية. وقد جرت هذه الجدالات بطريقة ودية أكثر كثيرا. لقد تم رد أخطاء اليسار بالأساس إلى شبابهم وقلة خبرتهم كان بعض اليساريين، وخاصة بستانيا من النقابويين الأسبان وتانر من الحركة النقابية القاعدية البريطانية، ساخطين على انتهازية الأحزاب الاشتراكية الديموقراطية إلى درجة انهم رفضوا بالكامل الحاجة لحزب بروليتاري.في ردهم على ذلك، شرح لينين وتروتسكي وزينوفييف بصبر ألف باء النظرية اللينينية حول الحزب، مؤكدين على الاختلاف بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي والحزب الشيوعي.
ومما يجدر ملاحظته انه لم تكن هناك حملات ضد الاقتصادوية ولا ذكر لإدخال الاشتراكية إلى الطبقة العاملة من الخارج جاء في الأطروحات التي تبناها المؤتمر أن:
النقابويين الثوريين كثيرا ما يتحدثون عن الدور الكبير الذي يمكن أن تلعبه أقلية عازمة ولكن هذا هو الحزب الشيوعي- أقلية عازمة فعلا من الطبقة العاملة ، أقلية شيوعية، تريد أن تعمل ولديها برنامج، وتسعى لتنظيم صراع الجماهير .
أما الجدال الأكثر صعوبة والأكثر إفادة فكان مع أولئك الذين قبلوا بالحاجة لحزب ثوري ولكنهم رغبوا في انتهاج سياسة نقية تتمثل في عدم المساومة، وعدم إجراء المناورات،وعدم الاشتراك في البرلمانات البرجوازية أو النقابات الرجعية- كان هذا هو خط مجموعة منشقة عن الحزب الشيوعي الألماني، وبورديجا في إيطاليا، وجورتر وبانيكوك في هولندا، وجلاشر وسلفيا بانخورست في بريطانيا .
بالنسبة للينين، كان كل ذلك هراءً قديماً ومعروفاً، إلا أن رده "الشيوعية اليسارية انحراف طفولي" المكتوب خصيصا للمؤتمر الثاني، كان واحدا من اشمل وأوضح عروضه لاستراتيجية وتكتيكات الحزب الثوري.
روى لينين بعض القصص غير المعروفة جيدا في تاريخ البلشفية .
مجادلا بأنه من الضروري البقاء في النقابات مع القيام بعمل شيوعي داخلها بأي ثمن "وبأنه مادمت تفتقد القوة اللازمة للتخلص من البرلمانات البرجوازية وسائر أنواع المؤسسات الرجعية، فعليك أن تعمل داخلها.
لقد كتب أن المهمة الملقاة على عائق الشيوعيين في إقناع العناصر المتأخرة والعمل بين هذه العناصر وعدم عزل أنفسهم عنها بشعارات يسارية مصطنعة وطفولية.
كان لينين معنى بالا يعتبر الشيوعيون أن ما هو عديم الجدوى بالنسبة لنا هو شئ عديم الفائدة بالنسبة للطبقة وبالنسبة للجماهير.
الصورة التي قدمها لينين للحزب في الشيوعية اليسارية صورة عصابة من الدوجمائيين محدودي الأفق السائرين في اتجاه واحد فقط-إلى الأمام- وإنما صورة منظمة شديدة الوعي والحنكة السياسية قادرة على المناورة وفى بعض الأحيان على المساومة والتراجع.بحيث لا تفقد أبدا الصلة بالطبقة التي تسعى لقيادتها.
ومع ذلك فهي قادرة" خلال جميع المحطات الوسيطة وجميع المساومات….
أن ترى بوضوح الهدف النهائي وتسعى على الدوام لتحقيقه" بالطبع لن يكون من السهل دائما التمييز بين المساومات الضرورية وتلك الخائنة ولكن سيكون من العبث صياغة وصفة أو قاعدة عامة(لا مساومات) تناسب جميع الحالات.
جدال لينين بان المطلوب هو تحليل الوضع الملموس:
إنها في الواقع إحدى وظائف التنظيم الحزبي والقادة الحزبيين الذين يستحقون هذا الاسم أن يكتسبوا من خلال الجهود الممتدة والدورية والمتنوعة والشاملة لجميع ممثلي الطبقة الذين يستخدمون عقولهم أن يكتسبوا المعرفة والخبرة وبالإضافة إلى المعرفة والخبرة- الحس السياسي الضروري للحل السريع والسليم للمشكلات السياسية المعقدة" أثناء 1919و1920.كان التركيز الأساسي داخل الكومنترن على الصراع ضد الانتهازية في حين ينظر إلى اليسارية المتطرفة على أنها انحراف اقل خطورة كثيرا ولكن في 1921 تغير ذلك على امتداد أوروب
ا. حدث شقاق داخل حركة الطبقة العاملة وطرد الانتهازيون والوسطيون من الأممية - والآن تحول التركيز إلى مواجهة اليسارية كان السبب الأساسي في ذلك هو تغير الوضع الموضوعي فقد شهدت فترة ما بعد الحرب مباشرة موجة دولية من الصراعات الثورية المباشرة وأصيبت البرجوازية بالذعر كان منظور الأممية هو ثورة عالمية آنية ولكن في بلد بعد آخر انهزمت الطبقة العاملة واستعادت البرجوازية الثقة في جميع الحالات فشلت الأحزاب الشيوعية الجديدة بشكل لافت للنظر في كسب تأييد غالبية الطبقة العاملة.
كان المحفز المباشر لإعادة توجيه استراتيجية الكومنترن هو العمل المأساوي للحزب الشيوعي الألماني في مارس 1921.ففي مواجهة العمل المستفز بشكل معتمد المتمثل في احتلال البوليس لمناجم فحم مانسفيلد، بالغ الحزب الشيوعي الألماني في رد فعله حيث حاول قادته.
بدون استعداد ودون تأييد الأغلبية، أن يدعوا لإضراب عام وان يحولوه إلى انتفاضة وعندما لم يستجب العمال، أمره أعضاء الحزب بإجبارهم على النزول إلى الشارع وتم استخدام العاطلين عن العمل، الذين كان للحزب قاعدة كبيرة بينهم، في احتلال المصانع ضد إرادة العمال.
كانت النتيجة هي صراع شديد بين العمال الشيوعيين وغير الشيوعيين، وهزيمة نكراء للشيوعيين في هذا الصراع، هلاك الكثير من أعضاء الحزب(انخفضت العضوية بحوالي الثلثين) وحيث أنها لم تكتف بذلك، فإن القيادة اليسارية" للحزب الشيوعي الألماني حاولت تعميم هذه المغامرة السخيفة في نظام يحمل اسم " نظرية الهجوم".
كان واضحا أن الوقت مناسب لطلب وقفة.أعلن لينين أنه إذا كان " منظرو الهجوم" يشكلون تيارا محددا .
فمن اللازم شن صراع لا هوادة فيه ضد التيار، فبدون ذلك لا توجد أممية شيوعية.
تبنى المؤتمر الثالث للأممية في يونيو- يوليو 1921 شعارا "للجماهير" وأعلن أن المشكلة الأكثر أهمية أمام الأممية الشيوعية اليوم هي كسب تأثير مهيمن على غالبية الطبقة العاملة" أصبحت تعطى عناية خاصة الآن للصراعات الجزئية والمطالب الجزئية .
إن مهمة الأحزاب الشيوعية هي توسيع وتعميق وتوحيد هذا الصراع من أجل مطالب ملموسة …
إن هذه المطالب الجزئية المتشكلة في ضوء حاجات أوسع الجماهير، يجب أن ترفعها الأحزاب الشيوعية بطريقة لا تقود الجماهير للصراع فقط، وإنما بحكم طبيعتها ذاتها تنظيم أيضا.
كانت النتيجة المنطقية لهذا الخط الجديد هي سياسة الجبهة المتحدة.
التي أقرتها اللجنة التنفيذية للأممية في ديسمبر 1921 وصدق عليها المؤتمر الرابع 1922.
كانت فكرة الجبهة المتحدة هي انه يجب أن يقترح على زعماء الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية إقامة جبهة متحدة على أساس برنامج مشترك يتضمن مطالب اقتصادية وسياسية أساسية تنبع من الحاجات المباشرة للطبقة العاملة إذا قبل الاشتراكيون الديمقراطيون.
فستتوفر للأحزاب الشيوعية فرصة أن يظهروا عمليا تفوقهم بوصفهم المدافعين عن البروليتاريا.
وإذا رفض الاشتراكيون الديمقراطيون الاقتراحات .
فستقع عليهم اللوم فيما يتعلق بأي في صفوف العمال ولكن إلى جانب كونها سلاحا غير مباشر ضد الاشتراكيين الديمقراطيين.
فقد كان مقصودا من الجبهات المتحدة أيضا التوفيق بين وجود أحزاب شيوعية منفصلة وحاجة الطبقة العاملة للوحدة في صراعها اليومي ضد الصناعيين والدولة .
ولكي تكون أحزاب الأممية قادرة بشكل أكثر فاعلية على القيام بهذا التحريض اليومي حول مطالب مباشرة وعلى إعطائه طابعا ثوريا. ولكي تكون أفضل استعدادا للفرص الثورية في المستقبل.
فقد ساد الظن بأن من الضروري عليها أن س ليس فقط أيديولوجيتها واستراتيجيتها وتكتيكاتها.
وإنما أيضا تفاصيل تنظيمها ووسائل عملها.
لقد ناقشنا في وقت سابق الفروق بين تنظيم الحزب البلشفي قبل الثورة وذلك التنظيم الذي كان سائدا في الأحزاب الاشتراكية الديموقراطية الأوروبية فى1921 .
كانت أحزاب الشيوعية كثيرة لا تزال تعمل على أساس النموذج الاشتراكي - الديمقراطي ولكي يتم إصلاح ذلك تبنى المؤتمر الثالث أطروحات حول تنظيم وبناء الأحزاب الشيوعية "كان على كل قسم وطني أن ينفذها إلى جانب الملاحظات العامة حول المركزية الديموقراطية.
أكدت الأطروحات على ضرورة أن يعمل جميع الأعضاء وعلى الدور الرئيسي لخلايا المصانع والنقابات وعلى أهمية كتابة تقارير عن جميع الأنشطة وعلى ضرورة وجود شبكة اتصالات،كما أعطت الأطروحات تعليمات عن كيفية الاستعداد للاجتماعات والعمل في فروع النقابات.
إن تنظيم ملايين العمال في حزب عالمي واحد، الأممية الشيوعية أثناء سنواته الأولى القليلة يمثل من نواحي كثيرة أعلى نقطة وصلت إليها الحركة الثورية الماركسية ومع ذلك فقد كان هذا فشلا أيضا ليس فقط من حيث انه لم يثمر ثورة عالمية فورية. وإنما أيضا من حيث أن الكومنترن توقف عن أن يكون قوة ثورية على الإطلاق خلال سنوات قليلة من إنشائه واصبح أداة خاضعة للسياسة الخارجية الروسية .
كانت السيطرة الروسية هي الصخرة التي تحطمت عليها الأممية الشيوعية لقد كان بالطبع حتميا أن يتم بالاستماع باحترام لزعماء أول ثورة عمالية ناجحة وفضلا عن ذلك فقد كان هذا في البداية عاملا إيجابيا حيث أن الزعماء الروس وخاصة لينين وتروتسكي كانوا متفوقين بوضوح في النظرية والخبرة العملية على أي شخص في الأحزاب الأوروبية الجديدة اعترف لينين صراحة بواقع القيادة الروسية ولكنه افترض أنها ستكون مؤقتة فقط أن القيادة في الأممية البروليتارية الثورية ذهبت لفترة ليست قصيرة بلا شك للروس كما كانت في فترات عديدة من القرن التاسع عشر في أيدي البريطانيين ثم الفرنسيين ثم الألمان طالما أن الثورة الفرنسية ربطت مصيرها بنجاح الثورة دوليا ،فإن سيطرة الزعماء الروس ساعدت الأممية ولكن متى تم التخلي عن هذا التوجه تحطمت الأممية .
هنالك عاملان يفسران الخضوع السلبي المستمر للأحزاب الشيوعية الأجنبية للتوجه الروسي الأول هو سلسة الهزائم التي تعرضت لها حركة الطبقة العاملة الدولية.
احتفظ الروس فقط بالمكانة المرموقة التي كفلها النجاح وعلى أساس لاشيء سوى النكسات لم يطور أي حزب آخر الثقة أو النفوذ للازمين لتحديهم والسبب الثاني هو فشل البلاشفة في التوصيل أو بمعنى آخر فشل الأحزاب الأجنبية في التعلم لقد وجد شيوعيو ألمانيا وإيطاليا وفرنسا …الخ .
أنفسهم دائمي التعرض للنقد والتصحيح أولا من اليسار ومن اليمين خلال هذه العملية يبدو انهم لم يستوعبوا المنهج اللينيني ككل والذي كانت التصحيحات تقوم عليه وإنما استوعبوا فقط فكرة أن موسكو كانت دائما على حق وبالتالي. فلم يطوروا أبدا القدرة على التحليل الملموس المستقل التي اعتبر لينين من وظائف الحزب غرسها في قادته في خطابه الأخير أمام الأممية الشيوعية في نوفمبر 1922. بدا أن لينين بدأ التصارع مع هذه المعضلة وان كانت الفرصة لم تتح له لتطوير أفكاره:
في المؤتمر الثالث في 1921.
تبنينا قرار حول البنية التنظيمية للأحزاب الشيوعية وحول وسائل ومضمون نشاطها القرار ممتاز ولكنه روسي تماما تقريبا. أي كل شئ فيه يقوم على أساس الظروف الروسية هذه النقطة الجيدة في القرار ولكنها أيضا سر فشله إنها سر فشله لأنني واثق أن الأجنبي لا يستطيع قراءته…..
وإذا استطاع أجنبي بشكل استثنائي أن يفهمه فانه لا يستطيع تنفيذه…
إننا لم نتعلم كيف نعرض خبرتنا الروسية للأجانب…
أن أكثر الأشياء أهمية بالنسبة لنا الرفان الروس والأجانب كذلك هو أن نجلس وندرس…
أننا بالمعنى العام أما هم فعليهم أن يدرسوا بالمعنى الخاص.لكي يتمكنوا من أن يفهموا حقا البنية التنظيمية للعمل الثوري ووسائله ومضمونه.
إن فشل الأممية وتحولها إلى أداة لبيروقراطية الدولة الروسية الصاعدة لا يحط من شأن مفهوم الحزب العالمي المركز حيث أن ذلك المفهوم كان انعكاسا للطابع الدولي للصراع الطبقي.
ولكن هذا الفشل يظهر أن خلق أممية لا يكثف فقط المزايا وإنما أيضا المخاطر الكامنة في خلق أي حزب .
كان من شأن وجود أممية صحية أن يوازن بقوة عملية الانحطاط الجارية في روسيا لقد أثبتت الأممية أن في الواقع كانت سندا ودعامة للبيروقراطية الستالينية.
إن ما تبقى من السنوات الأولى للأممية الشيوعية كان بكلمات تروتسكي.
ميراثا برنامجياً لا يقدر بثمن ويستطيع المرء أن يضيف إلى ذلك أن وثائقها وأطروحاتها وجدالاتها ومن بعض النواحي ممارساتها تعطينا الصورة الأكثر اكتمالا لتطبيق النظرية اللينينية حول الحزب في قمة تطورها.
7- جوهر نظرية لينين
من النقاش السابق يتضح أن نظرية لينين حول الحزب كانت شديدة التعقيد ومتعددة الأوجه وقد جادلنا بان الفهم الكامل لهذه النظرية يقتضى تعقب تطورها بالمشاكل العملية والنظرية التى أفرزتها لقد حاولت أن نفعل ذلك وعلى هذا الأساس من الممكن أن نجازف بتخليص موجز لجوهر النظرية.
هناك تيمتان أساسيتان فى نظرية لينين حول الحزب: أولا؛ التنظيم المستقل تماما للعمال المتقدميين والذى يتمسك بصلابة بالمصالح الكلية للطبقة العاملة وجميع المستغلين وبالهدف النهائى المتمثل فى الثورة الاشتراكية العالمية وثانيا:
أوثق علاقة ممكنة مع جماهير العمال والتى يتم الحفاظ عليها من خلال توفير قيادة عملية فى كل صراع يشارك فيه العمال أو يؤثر على مصالحهم يعنى العنصر الأول التمسك الثابت بالمبدأ، للقبول لفترة بوضع الأقلية الصغيرة والتى تبدو منعزلة وشن صراع لا بهذا داخل الطبقة العاملة ضد جميع مظاهر الانتهازية ويعنى العنصر الثانى المرونة التكتيكية القصوى والقدرة على استغلال كل الطرق للحفاظ على الصلة بالجماهير.
هذان العاملان ليسا منفصلين بل انهما مرتبطان جدليا وبينهما اعتماد متبادل بدون مبادئ صارمة وتنظيم فاما أن الحزب سيكون غير قادر على تنفيذ التحولات التكتيكية المفاجئة الضرورية .
أو أن هذه التحولات ستخرجه عن خطة وبدون مشاركة عميقة فى صراعات الطبقة العاملة.
سيكون الحزب غير قادر على تشكيل انضباطه والحفاظ عليه وسيصبح عرضة للضغط من الطبقات الغربية إذا لم يكن الصراع اليومى للطبقة العاملة مرتبطا بالهدف النهائى المتمثل فى الإحاطة بالرأسمالية فانه فى تحقيق هدفه وإذا لم يستطيع الحزب أن يربط الهدف النهائى بالصراعات الآتية فانه سيحط إلى طائفة غير مفيدة كلما كان النشاط العفوى للعمال متطورا .
كلما احتاج إلى تنظيم ثورى واعى تجنبا للهزيمة الكارثية.
إلا انه يمكن الحفاظ على التنظيم الثورى وتجديده إلا إذا حصل على إمداد بالدم الجديد من الثورة العفوية للجماهير.
أن جميع الأشكال التنظيمية التى تتسم بها البلشفية ..
الرقابة الوثيقة على حدود الحزب التزام جميع الأعضاء بالنشاط الانضباط الصارم.
الديموقراطية الداخلية الكاملة الدور الأساسي لخلية مكان العمل.
الجمع بين العمل الشرعى وغير الشرعى .
مستقرة من الحاجة للجمع بين هذين العنصرين الحزب اللينينى هو التعبير الملموس عن التوليف المارهى للحتمية والإرادية فى الممارسة الثورية:
على امتداد حياة لينين الثورية كان الجابنان المشار إليهما هنا موجودين .
ولكن فى الفترات المختلفة كان أحد الجانبين يميل إلى أن يزداد أهمية على الآخر فى اهتماماته فى 1903 و1914 وفى المؤتمرين الأولين للأممية الشيوعية كان استقلال الحزب هو المسيطر وفى 1905 وفى المؤتمرين الثالث والرابع للأممية دان الجانب المسيطر هو العلاقة بالجماهير في 1917. اندمج العاملين تماما بالتحديد لان الثورة عبرت عن اندماج المطالب الآتية للطبقة العاملة مع مصالحها التاريخية أن جزءا من عبقرية لينين الفريدة كان قدرته على الحكم على الجانب الذى ينبغى التأكيد عليه وأماله" العصا نحوه فى وقت محدد.
لقد كتب لينين:
لا ينبغى × من بين جميع الماركسيين لا شك أن لينين صنع الإسهام الأكبر والأكثر أهمية فى تطور نظرية الحزب لقد عبرت أفكاره تنظيم استراتيجية وتكتيكات حركة الطبقة العاملة الروسية أولا ثم العالمية تمثل هذه الأفكار المعيار الذى يمكن بواسطة تقديم جميع باقى الإسهامات فى نظرية الحزب بما فى ذلك إسهام ماركس كما أنها تمثل إلى حد كبير الإطار الذى تدرس داخله هذه الإسهامات.

 

 

الفصل الرابع:
وجهة النظر البديلة لروزا لوكسمبورج
لقد كان هناك الكثير من المنتقدين لنظرية لينين للحزب من خارج وداخل حركة الطبقة العاملة ولكن كانت أهم هذه الانتقادات هى انتقادات رور الوكسمبورج الاشتراكية الثورية التى دافعت بعمق عن وجهة نظر بديلة للحزب.
1- المجادلات ضد لينين - عفوية الجماهير
كانت روزا لوكسمبورج ثورية بولندية أمضت أعوام حياتها القائدة النظرية لاقصى يسار الاشتراكية الديموقراطية الألمانية.
وظهرت فى1899، بكتيبها إصلاح اجتماعى أم ثورة كالمعارضة الرئيسية للتحريفية البرنشتينية ومنذ تلك اللحظة اكتشفت بشكل متزايد وحاربت جمود ومحافظية الوسط الكاوتسكى .
ولكن كان اهتمامها الشديد بتطور الحركة الاشتراكية الروسية السبب فى أنها كونت وجهة نظرها المميزة عن دور الحزب الثورى وعلاقته بالطبقة العاملة فلما أزعجها انقسام 1903فى الحزب الروسى وما اعتبرته"الوسطية المتطرفى للينين قررت أن ترد على لينين فى كتيبها الشهير المكتوب فى1904 مشاكل تنظيمية للاشتراكية الديموقراطية الروسية.
فى هذا العمل بدأت. كما ينبغى أن يفعل الماركسى بوضع مسألة تنظيم الحزب بقوة فى إطار المهمات الخاصة والمشاكل التى تواجه الحركة البروليتاريا ككل فى روسيا. لأنه تجادل روزا.
روسيا لم تحقق ثورة برجوازية بعد وما تزال تعانى من سيطرة ملكية مطلقة فان البروليتاريا لم تنتفع بعد بالتعليم والتنظيم السياسى الذين يأتيان حتميا مع الديموقراطية البرجوازية لذا ففى روسيا لكتب روزا:
يجب أن تصنع الاشتراكية الديموقراطية بجهودها فترة تاريخية كاملة يجب أن تقود البروليتاريا الروس من حالهم البحر الأحمر الذى ××× الاتوقراطى.
إلى تنظيم طبقى يساعدهم على أن يصبحوا واعين بأهدافهم التاريخية ويحضرهم للنضال لتحقيق عدة الأهداف يجب أن يخرجوا هذا التنظيم من العدم .
مثل الآلة الجبار لو جاز التعبير.
فى هذا الإطار من النضال ضد النوادى المنفصلة والمجموعات المحلية التى ميزت الفترة السابقة فى روسيا تجد هى انه من المفهوم لماذا يجب أن يكون شعار الأشخاص الذين يريدون أن يروا منظمة قوية هو المركزية ولكنها تذكر أن المركزية لا تغطى تماما مسألة التنظيم بالنسبة للاشتراكية الديموقراطية الروسية لأنه رغم انه لا يمكن إنكار أن هناك ميل عضوى نحو المركزية فى الحركة الاشتراكية الديموقراطية مصدره التكوين الاقتصادى للرأسمالية . فانه يمكن مدها لنقطة تعيق فيها التطور غير المكبل ومبادرة الطبقة العاملة ذاتها.
أن الحركة الاشتراكية الديموقراطية هى الأولى فى التاريخ التى تقوم فى كل مراحلها ومن خلال ×× تحويلها على التنظيم × للجماهير لهذا السبب تخلق الاشتراكية الديموقراطية نوعا من التنظيم مختلف تماما عن المعروف فى كل انحرافات الثورية السابقة من حركات اليعقوبين والبلانكيين.
فلأن البروليتاريا تتعلم وتطور كلا من وعيها الطبقى وتنظيمها فى مسار النضال ذاته:
تجادل ورزا لوكسمبورج بان لينين قد نسى أو انه لا يقدر هذا الفرق الرئيسى بين تنظيم الاشتراكية الديموقراطية وبين تنظيم اليعقوبية أو البلانكية وتكتب روزا ضد رأى لينين بان الثورى الاشتراكى الديموقراطى ما هو إلا يعقوبى مندمج تماما فى تنظيم البروليتاريا التى أصبحت واعية بمصالحها الطبقية أن الحقيقية هى أن الاشتراكية الديموقراطية ليست ملحقة بتنظيم البروليتاريا أنها البروليتاريا ذاتها لذلك لا يجب بأى ثمن تقيدها بشكل تنظيمى متطرف - المركزية وتأديبى بل يجب السماح لها بالحرية التامة بالتطور فالخطوة الكبرى للأمام من حيث التكتيك ووسائل النضال لا يخترعها القادة واللجنة المركزية ولكنها الناتج العمومى للحركة التى تحتمر.
فبالنسبة للوكمسمبورج كان فشل لينين فى تقدير هذا الميل المحافظ خطرا خصوصا فى ظروف روسيا حيث كانت الحركة البروليتارية شابة غير مكتملة النضج بعد فى تعديلها السياسى .
بالإضافة إلى هذه التحذيرات العاملة من مخاطر المركزية - المتطرفة للينين تتعامل لوكسمبورج مع قواعد الحزب والانتهازية مرددة مقولات تروتسكى ( انظر الفصل الثانى) فهى ترفض فكرة أن طريق الانتهازية يمكن أن يسد بواسطة فقرات فى دستور الحزب فالانتهازية هى نتاج تاريخى ومرحلة حتمية فى الحركة وتعتقد لوكسمبورج:
أنه من السذاجة تمنى إيقاف هذا التيار بواسطة معادلة موجودة فى دستور .
وفى استخلاصاتها لنقدها الأطروحات لينين التنظيمية تعود لو كسمبورج للنقطة الأولى . واضعة الخلاف فى مجمل تطور الصراع الطبقى فى روسيا وذلك فى فقرة بليغة خالدة.
وهكذا اعتبرت لوكسمبورج كل خطة لينين التنظيمية انحراف ذاتوى أو أدارى بلغة فلسفية مثالى) عن التوجه التاريخى المادى أنتجه خليط من حركة بروليتاريا غير ناضجة مع المهام الضخمة التى تواجهها وفى مواجهة تشديد لينين على دور الحزب وقيادته شددت هى على الدور المحافظ الكامن فى مثل هذا الجسم وباينت بينه وبين العفوية الثورية للجماهير فى نضالها.
طورت روزا هذه الأطروحات اكثر الإضراب الجماهيرى ..
الحزب السياسى والنقابات العمالية" المكتوب في 1906 ليشرح للطبقة العاملة الألمانية دلالة وأهمية أحداث 1905 فى روسيا يوضح الكتيب كيف أصبحت الأفكار التى طرحت فى المسائل التنظيمية للاشتراكية الديموقراطية الروسية واقعا حقيقيا فى روسيا الانتفاضة الثورية 1905 فوق كل شئ يعتبر الكتيب تقديرا لمبادرة وشجاعة الطبقة العاملة فى أيجاد حلول لمشاكل استعصت على المنظرين لمدة عقود من الزمن.
أوضحت لوكسمبورج أن 1905 كانت مجرد أعلى نقطة فى خمس سنوات من الغليان قصتها روسيا مشتعلة بالإضرابات الجماهيرية كانت هذه الإضرابات هى التعبير الخارجى عن النضج الداخلى للثورة ذاتها كثيرا ما بدأت تلك الإضرابات بدون تحضير أو حتى مجرد صناديق إضراب بل وعلى عكس كل السيناريوهات السابقة بدلا من تعقب الإضرابات وجود تنظيم نقابى سبقتها أعطتها دفعة قوية كثيرا أيضا ما كان السبب المباشر مشكلة بسيطة فالإضراب الجماهيرى فى يناير 1905 بسانت بطرسبورج والذى أدى إلى المسيرة لقصر الشتاء بدا بسبب الاستغناء عن عاملين فى مصنع أعمال بوتيلوف وجد كل تلك الأفعال عفويتها لم يكن لديها أى خطة معدة مسبقا ولم يدع لها أي حزب أو مجموعة من القادة كانت هذه الإضرابات ممكنة لان الثورة أطلقت مبادرة وشجاعة وتضحية ذاتية من فى الجماهير بدرجة لم يكن يحلم بها من قبل وذكرت لوكسمبورج أن محاولة اللجنة المركزية للحزب الاشتراكى الديموقراطى لروسي قرابة سياسة الحركة الدعوة إلى إضراب جماهيرى فشلت بشكل مطلق أيضا كان من المركزى فى نقد لوكسمبورج للمفاهيم المسبقة المتفق عليها عن الصراع الطبقى هجومها على الفصل الميكانيكى بين النضالات الاقتصادية والسياسية وهى ازدواجية موجودة بوضوح فى كتاب ما العمل؟!
ولم يمتثل العمال الروس لهذه التبويبات أيضا:
ولكن أن الحركة لا تتقدم من النضال الاقتصادى للسياسة ولا حتى العكس، أن كل فعل جماهيرى سياسى ××××× يصل إلى أعلى نقطة سياسية له. إلى عدد كبير من الإضرابات الاقتصادية وهذا لا ينطبق فقط على كل الإضرابات الجماهيرية العظيمة ××××××× ووضح وتعقد النظام السياسى لا يحدث فقط أن النضال الاقتصادى لا يتراجع بل يتسع وينتظم ويصبح مشتركاً على قدم المساواة بين ××××.
تتحول كل بداية جديدة للنضال السياسى وكل انتصار طازج له إلى قوة دفع هائلة للنضال الاقتصادى والعكس صحيح، فظروف نضال العمال الاقتصادى المستمر ضد الرأسماليين تحافظ على طاقتهم القتالية فى كل فترة نضال سياسى.
بالاختصار أن النضال الاقتصادى هو التحول من مركز سياسى إلى آخر. النضال السياسى هو الإخصاب الثورى لمعركة النضال الاقتصادى السبب والنتيجة يتبادلان الأماكن هنا باستمرار.
وهكذا يشكل العامل الاقتصادى والسياسى فى فترة الإضراب الجماهيرى للنضال الطبقى للبروليتاريا في روسيا.
كما نرى فان كتيب الإضراب الجماهيرى جزء من الجدل ضد ليني فبالضبط كما كانت خطة لينين لتنظيمية ×× يعتبر ذاتوايين هؤلاء الذين يحاولون التخطيط للإضراب الجماهيرى أن الأطروحة الأساسية للكسمبورج فى عمليها المذكورين هى التحذير ضد المبالغة فى تقدير إمكانيات الحزب وبالتحديد قيادة الحزب:
2- دور الحزب
ما هى الاستنتاجات التى استخلصتها روزا لوكسمبورج حول دور وطبيعة الحزب الثورى بناء على هذا التسديد القوى على الفعل الذاتى والمبادرة الخاصة بالطبقة العاملة هذا التشديد الذى سيطر على كل فكرها وفعلها الثورى؟ للإجابة على هذا السؤال يجب أولا أن تكون الاستنتاجات التى لم تستخلصها روزا واضحة لأنه كثيرا ما أساء من أدعوا تأييدها أو منتقدوها تصوير موقيت فى هذا الموضوع.
لم تطرح لوكسمبورج كما أكد البعض كثيرا نظرية عن الثورة عفوية نقية ليس الحزب الثورى ولقيادة السياسية مهمين فيها من السهل إثبات هذا لان كل تاريخها السياسى وما كتبته بالفعل يشهدان ضد هذا التأكيد فقد انضمت إلى حزب البروليتاريا البولندى وهى مازالت طالبة بالمدرسة وظلت طوال المتبقى من عمرها عضوا بحزب سياسى بالفعل كان الحزب الاشتراكى الديموقراطى البولندى الذى قاده أقرب رفاق لوكسمبورج ليو جوشية(leo Jogiches) فى ظروف مشابهة لتلك فى روسيا حزبا غير مرة مركزى وتامرى كتبت فى مسائل تنظيمية للاشتراكية الديموقراطية الروسية أن الاشتراكية الديموقراطية كقانون مضادة لأي مظاهر للمحلية والفيدرالية. أنها تسعى لتوحيد كل العمال وكل المنظمات العمالية فى حزب واحد
خصصت روزا لوكسمبورج فصلا من كتيبها الإضراب الجماهيرى للدفاع عن الحاجة لفعل متحد بين النقابات العمالية والحزب الاشتراكى الديموقراطى فى ظل السيطرة العامة للحزب وبعد 1914 وانهيار الأممية الثانية دافعت لوكسمبورج
.مثل فعل لينين عن بناء أممية مركزية ضد فكرة الأممية الالفيدرالية وفى نهاية كتيب جونيوس كتبت فى الملحق أطروحتها حول مهام الاشتراكية الديموقراطية الأممية:
3-أن مركز الجذب فى تنظيم البروليتاريا كطبقة هو الأممية فى وقت السلم التكتيكات التى تتخذها الأقسام القومية فى مسائل العسكرة.
سياسة المستعمرات السياسة التجارية الاحتفال بأول مايو وأخيرا التكتيك الجماعى الذى يجب اتباعه فى حالة الحرب.
4- يجب أن يكون لفرض تنفيذ قرارات الأممية الأولوية على كل شئ آخر الأقسام القومية التى لا تلتزم تضع نفسها بنفسها خارج الأممية.
من هذا يتضح أن روزا لوكسمبورج تنبهت للحاجة لان يقود حزب ثورى الطبقة العاملة فى كل شئ بالضبط كما تنبه لينين أما الخلافات مع لينين فقد كانت فى المفهوم حول طبيعة هذا الحزب وماهية مهامه.
لقد رأت لوكسمبورج بسبب ثقتها المطلقة فى قدرات العمال فى النضال، أن المهام الأساسية للحزب هى القيادة السياسية وليس إصدار الدعوات للفعل والتنظيم الفعلى لهذا النضال.
بدلا من أن يحير الاشتراكيون الديموقراطيون أنفسهم بالجانب التقنى أو ميكانيزمات الإضراب الجماهيرى. فهم مدعون لتولى القيادة السياسية فى خضم الفترة الثورية.
هذه أساسا، رؤية دعاوية لمهام الحزب ولها تداعياتها على درجة المركزة والنظام الذى يتطلبه التنظيم الحزبى. فالنظام الصارم الذى طالب به لينين كان فوق كل شئ لتحقيق الوحدة فى الفعل.
أن حزبا يحدد نفسه عموما بالدعاية ليس به حاجة لمثل ذلك النظام الصارم؛ يصبح هنا التفاعل الحر للأفكار أكثر أهمية واحد من افضل الأمثلة على الاختلاف بين لوكسمبورج ولينين فى هذا الموضوع هو الفرق بين رأيهم فى الروتين والإدارة الحزبيين. كان لينين دائما مشتركا بشكل مكثف فى كل صغائر التنظيم الحزبى.
تمويل وأعداد المؤتمرات. ولكن لم تلعب لوكسمبورج أى دور، تقريبا، في هذه الأمور لا فى الحزب البولندى ولا الألماني يكتب مؤرخ حياتها، نيتل. يقول:
عند نقطة معينة تم التوصل لقرار حزبى رسمى فى الحزب الاشتراكى الديموقراطى انه يجب إلا تشغل لوكسمبورج نفسها بالمسائل التنظيمية أبدا. وبأنه يجب إلا تشترك فى أي من المؤتمرات والاجتماعات الرسمية.
أيضا، ولان عقلها كان منصبا على مهمة الدعاية، لم يهمها على الإطلاق مسألة التفريق بين عضو الحزب الخاضع لنظام تنظيم وبين المؤيدين والمتعاطفين مع الحزب، تلك هى المسألة التى كانت حيوية جدا بالنسبة للينين ويتضح عدم اهتمامها هذا من تحذيرها ضد "إقامة تقسيم في الهواء" بين أعضاء الحزب و"مجالهم الجماهيري المباشر".
هكذا، في رأى لوكسمبورج.
يجب أن يمارس تأثير الحزب فوق الروليتاريا أساسا من خلال أفكاره، برنامجه وشعاراته وليس من خلال سلطة تنظيمية أو مبادرته بالفعل. بينما كان هذان العنصران أكثر توازيا عند لينين.
من المهم أن نبقى الخلافات بين لوكسمبورج ولينين، على الرغم من أهميتها، فى حدود معينة فقد وقعت محاولة لاقتراح أن ابتعاد لوكسمبورج عن لينن فى مسألة طبيعة الحزب جعلها بطريقة ما منفصلة عن التيار الرئيسى للماركسية الثورية فى القرن العشرين - أنها مثلت نموذج ديموقراطى يكاد يكون ليبرالى من الماركسية معاكس لنموذج لينين الديكتاتورى.
يكتب برترام د.وولف، أحد المدافعين الأساسيين عن هذه الرؤية، فى مقدمه كتاب الثورة الروسية والماركسية واللينينية:
رغم انه يطلق على كليهما (لينين ولوكسمبورج) ثورى اشتراكى إلا أن مزاجيها المختلفين وارائهما المتباينة حول طبيعة القيادة الاشتراكية والفعل الذاتى للطبقة العاملة، كل هذا جعلهما قطبين منفصلين.
المراد قوله هنا هو أن اعتراضات لوكسمبورج على الوسيطة - المتطرفة للينين كانت جوهرية بينما كان اتفاقهما كاشتراكيين ثوريين شئ سطحى وعرضى إلا أن هذه مغالطة ضخمة يروح لها من اجل قيد روزا لوكسمبورج فى المعركة الأيديولوجية للحرب الباردة أن هذه مغالطة تجد نفيها التام فى ذات الوثيقة التى يستخدمها وولف كدليل الإثبات الرئيسى، الثورة الروسية.
لقد اثبت البلاشفة انهم قادرون على كل شئ يمكن أن يقدمه حزب ثورى ضمن حدود الإمكانيات التاريخية…
أن الأمر ليس هذه أو تلك المسألة الثانوية التكتيكية.
بل هو قدرة البروليتاريا على الفعل. قوتها على الفعل هو إرادة الوصول للاشتراكية فى هذا الأمر كان لينين وتروتسكى وأصدقاؤها فى المقدمة.
هؤلاء هم أصحاب السبق فى تقديم المثل لبروليتارية العالم .
وما يزالوا هم الوحيدون حتى الآن الذين يستطيعون أن يصرخوا بأعلى صوت لقد جرؤنا على الفعل .
هذه هى السياسة البلشفية الجوهرية والباقية وبهذا المعنى خدمتهم الخدمة التاريخية الأبدية هى السير على راس البروليتاريا العالمية بالاستيلاء على السلطة السياسية والإحلال العملى لمسألة تحقيق الاشتراكية وفى المبادرة بجلال على تصفية حساب راس المال والعمل المأجور فى العالم كله يمكن فقط طرح المسألة فى روسيا ولكن لا يمكن حلها فى روسيا وبهذا المعنى يكون المستقبل فى كل مكان للبلشفية.
الأكثر من ذلك انه فى غضون شهور من كتابة هذه السطور كانت لوكسمبورج منخرطة فى اكثر شكل ملموس للتضامن مع لينين باشتراكها فى تأسيس الحزب الشيوعى الألماني كانت روزا لوكسمبورج مفكرة ذات شأن واستقلال عظيمين لهذا اختلفت مع لينين فى الكثير من نقاط النظرية والتطبيق؛ إلا أن اشتركت فيه مع لينين- الإخلاص التام للماركسية الثورية والصراع الطبقى العاملى للبروليتاريا -كان أكثر جوهرية.
لقد تجادلا بعنف، أجل ولكن داخل إطار مشترك. وليس أبدا بنفس الطريقة التى حاربا بها برنشتاين وكاوتسكى المخضرم.
يمكن فقط على أساس فهم هذا الإطار المشترك، نقطة انطلاقهما الواحدة استيعاب وتقدير خلافاتهما طبيعة ودور الحزب بشكل سليم.
3-خلفية أفكار لوكسمبورج لو كان لينين ولوكسمبورج، كما جادلنا، قد انطلقا من نفس المقدمات الجوهرية. فكيف أذن تفسر خلافاتهما حول مسألة الحزب؟ أن التفسيرات المبينة على مزاج لوكسمبورج لن تفيدنا في شئ. فأيا كانت اختلافاتها المزاجية التي شعرت بها تجاه أساليب لينين فقد كانت ثورية منضبطة بالقدر الكافي للتغلب على مشاعرها الشخصية لو وجدت في ذلك ضرورة سياسية، بالضبط كما فعل تروتسكى في 1917.
والأضعف من التفسيرات المزاجية هو إرجاع اختلافها مع لينين إلى أي ضعف نظرى عانت منه لأنه لم يكن هناك أي مبالغة حين وصفها فرانزميهرنج بأنها "أكثر العقليات عبقرية من بين كل الورثة العلميين لماركس وإنجلز.
تكمن الجذور الحقيقية لاختلافات لوكسمبورج مع لينين بالتحديد فى الظروف التاريخية المختلفة جدا التى كان الاثنان يعملان فى إطارها.
فعلى الرغم من أن المسائل التنظيمية للاشتراكية الديموقراطية الروسية والإضراب الجماهيرى قد عالجا الحركة العمالية الروسية كموضوعهما إلا أنه من الواضح أن لوكسمبورج كانت تكتب وهى تضع نصب عينها الظروف الألمانية والتجربة الألمانية. هذا التوجه فى الكتابة صريح فى الإضراب الجماهيرى، ولكن حتى فى العمل الأول نجد أنها عندما تريد مثل ملموس على مخاطر المركزية المفرطة والاتجاهات المحافظة للقيادة فأنها تستشهد بمثل الاشتراكية الديموقراطية الألمانية وتكيفها مع البرلمانية ففوق كل شئ كانت الظروف الألمانية هى التى شكلت مفهومها عن الحزب؛ ولم يكن بالإمكان أن تكون شروط تواجد الحركتين العماليتين الألمانية والروسية أكثر تباينا مما كانتا عليه.
فى المقام الأول: عند وصولها لألمانيا انضمت لوكسمبورج لحزب جماهيرى موجود بالفعل - أكبر وانجح اشتراكى عرفه العالم حتى ذلك الوقت - يضم مئات الألوف من الأعضاء، الآلاف من المنظمات الإقليمية، حوالى80 جريدة يومية وعدة عقود من النضال كتاريخ.
كان على لينين، على العكس، أن يبنى حزبا من لا شئ.هكذا بينما كان على لينين التعامل بمنتهى الجدية مع كل المسائل العملية(وبالتالى النظرية) للتنظيم والكفاءة والاحتراف، تعاملت لوكسمبورج مع تلك المسائل كامر مفروغ منه فلم يكن موضوع كيفية تنظيم الحزب بالضبط أمرا مطروحا فى الحزب الاشتراكى الديموقراطى أبدا .
ولا يوجد دليل مطلقا على روزا فكرت بجدية فى تفاصيل التنظيم من هذه الزاوية لم يمكن أبدا أن يكون التباين مع لينين أكثر اكتمالا.
فى المقام الثانى نجد حقيقة أن الحزب الاشتراكى الديموقراطى الألماني والنقابات العمالية المرتبطة به كان قد وصلا إلى مرحلة متقدمة من البقرطة فى ما كان وطن البيروقراطية والنظام كما أشرنا من قبل فى هذه الدراسة فقد حافظت الحركة العمالية الألمانية على شريحة ضخمة من الموظفين الثابتين أصحاب الامتيازات يخدم تنظيم بوجوده كحجة مستديمة من أجل تجنب الفعل. إما أن التنظيم لم يصل بعد للقوة الكافية للفعل أو أن الفعل سيعرض التنظيم للخطر. أكتشفت روزا لوكسمبورج هذه الحقيقة بوضوح وقبل أى ماركسى آخر. وبالتأكيد قبل أن يراها لينين بزمن. وتعاملت برد فعل عنيف ضدها لقد حثت بقوة على ضرورة الإبداع العفوى للجماهير من أجل إيجاد مخرج من مملكة الموظفين المحافظة.
الأكثر من ذلك العفوية والنضال كانا هما بالتحديد الناقصين فى الحركة العمالية الألمانية. لقد كان مستوى الإضراب عند الطبقة العاملة الألمانية فى الأعوام الأولى من هذا القرن منخفضا جدا.
فى السنوات الست بين1900و1905 كان هناك1171 إضراب فى السنة تضمنت 122606 مضرب في السنة (مما يجعل معدل رقم العمال فى الإضراب الواحد 104 عامل فقط). قارن هذا المعدل بأرقام روسيا حيث كان هناك 870000 مضرب في 1903 مع الأخذ فى الاعتبار أن قوة العمل الروسية كانت اصغر بكثير. وكان هناك2863000 مضرب في 1905 (1843000 منهم اشتركوا في إضرابات سياسية و550000 مضرب سياسي فى 1912 من هذا يمكن رؤية أن الحركة العمالية الألمانية، رغم حزبها الاشتراكى العظيم وتنظيماتها الرائعة، كانت ضعيفة وغير فاعلة نسبيا فى الصراع الطبقى البسيط ضد الرأسمالية.
بينما حارب العمال فى روسيا، حيث لم يكن هناك حزب جماهيرى وحيث كان التنظيم النقابى غير موجود فعليا. معارك عظيمة ضد كل من الرأسماليين والدولة.
لقد كان من طبيعة ثورية مثل روزا لوكسمبورج،بالضبط كما كان من طبيعة لينين، أن تركز على ما كان يبدو انه العنصر الغائب فى الوضع- والذى كان بالنسبة لها العفوية والفعل الجماهيرى من أسفل هكذا أمكن للينين، الذى انطلق من وجود العفوية بالفعل، أن يكتب:"أعطونا عفوية الجماهير وسيكون عندنا ثورة".
بالإضافة لهذه العوامل العامة كانت لوكسمبورج متأثرة أيضا بالوضع المحدد داخل الحزب الاشتراكى الديموقراطى الألماني. كانت الخطوة الأولى المنطقية نحو بناء حزب ثورى حقيقى فى ألمانيا هى تكوين تكتل داخل الحزب الألماني.
إلا أن هذا كان صعباً جدا لأنها كانت ستجد تأييد قليل جدا لأراءها - حتى لينين لم يكن ليؤيد مثل هذه الخطوة قبل أغسطس 1914.
فالسلطة الأدبية لأعظم قائدين للحزب، كاوتسكى كمنظر وبيبل كمنظم عملى كانت هائلة - أعظم بكثير من سلطة بليخانوف.
الشخصية الوحيدة التى يمكن مقارنتها بهما فى روسيا- فالتأثير الذى حظيت به روزا فى الحركة الألمانية كان يرجع، على الأقل جزئيا، إلى احتمال كاوتسكى كان يستمع إلى آراءها حتى 1910.
بالإضافة إلى كل ذلك كانت تحتاج لحلف مع وسط الحزب لمحاربة خطر البرنشتاينية.
أخيرا، كانت هناك حقيقة أن تكوين تكتل سيطرح بالتأكيد مسألة الانفصال الأمر الذي عارضته تماما لوكسمبورج، من المحتمل أنها كانت متأثرة في رأيها هذا بالقدر الذي حاق بالحزب الاشتراكي المستقل وهو كبيرة نسبيا من الثوريين انفصلوا عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني في 1891 متهمينه بالإصلاحية . عاش هذا الحزب حياة قصيرة جدا قبل أن يختفى تماما.حتى يناير 1917 كانت لوكسمبورج ما تزال تجادل ضد فكرة الانفصال:
رغم وجاهة ومعقولية نفاذ الصبر والمرارة التى تدفع الكثير جدا من افضل العناصر إلى ترك الحزب اليوم فان الهروب يظل هروب انه خيانة للجماهير التى بيعت للبرجوازية وتختنق من السيطرة المحكمة لشيدمان وليجبن يمكن للفرد أن ينسحب من الفرق الصغيرة حينما تكف عن مناسبة حتى يؤسس فرقا جديدة أنها محض فارنتازيا غير ناضجة حين يريد البعض تحرير جماهير البروليتاريا من القبضة الثقيلة والفظيعة للبرجوازية بانسحاب بسيط معتبرا هذا مثل شجاع. أن التخلص من بطاقات العضوية كوهم التحرر هو محض توهم مقلوب أن القوة تكمن فى بطاقة عضوية الموقفان هما قطبان مختلفان للوسيطة التنظيمية. المرض الدستورى للاشتراكية الديموقراطية الألمانية القديمة.
4- نقاط القوة والضعف فى موقفها لقد أوضحنا كيف أن تركيز لوكسمبورج على العفوية ومفهومها لدور الحزب كانا مشروطين بوضعها التاريخى المحدد.
ولكن التفسير ليس تبرير من الضرورى أيضا أن نقوم بتحليل آرائها حيث أنها قد استبعدت كثيرا من الماركسيين ببساطة بناءا على سلطة ما العمل؟
كانت روزا العمال أنفسهم فى خضم المعركة لقد اثبت هذا مرة بعد الأخرى على النطاق التاريخى مع الخلق العفوى لنوع جديد من الدولة(كوميونة باريس؛السوفيتات الروسية ؛ وبطريقة مماثلة فى احتلالات المصانع واختراع وسيلى الـflying picket (عمال المناجم وعمال البناء الإنجليز في1972).
كانت محقة في أن الصراع الطبقي في أقصى قوة دفعة لا يسمح بالفصل الميكانيكى بين الاقتصادي والسياسي، وبعض النقاط التي تطرحها لوكسمبورج حول هذه المسألة في الإضراب الجماهيري اكثر جدلية من بعض الأطروحات المجردة في ما العمل؟
ومرة أخرى توضح لنا الإضرابات الحديثة للطبقة العاملة الإنجليزية هذا بشكل رائع. لقد كان وجود قانون العلاقات الصناعية (الذي أصدره حزب المحافظين) مع تجميد الأجور في أوائل السبعينات يعنى النزاعات النقابية، الاقتصادية الخالصة مثل نضال عمال التفريغ ضد نظام ميكنة التفريغ في 1972، الإضراب من أجل الاعتراف بالنقابة في مصنع كون- ميخ في 1973 وإضراب عمال المناجم في 1974 أن تحول نفسها إلى معارك سياسية جماهيرية ضد القانون والحكومة بالفعل نظرا لان الحكومات الرأسمالية الحديثة مدفوعة اليوم أكثر وأكثر للتدخل في الصناعة ولجعل تقييد الأجور هو محور كل استراتيجيتها فان النضال السياسي والاقتصادي للطبقة العاملة هو أكثر اختلاطا من أي وقت مضى وهذا الوجه من فكر روزا لوكسمبورج قد أصبح مهما بشكل متصاعد. كانت لوكسمبورج محقة في تحذيرها من الميل المحافظ الكامن في قيادات الأحزاب الاشتراكية وحتى في الأحزاب عموما، هذا الميل الذي ينتج عن الانعزال عن القوة الدينامية التي تعمل دون أن تلاحظ في أعماق حركة الطبقة العاملة.
لقد جرب لينين نفسه مثل هذا الموقف في 1905و 1917.
ويشرح ماركسي معاصر دنكان هالاس، بوضوح كيف يمكن أن يحدث هذا في داخل الموقع ذاته:
يحدث أحيانا أن يجد حتى افضل المناضلين أنفسهم مسبوقين بالأحداث ومحتلين موقعا على يمين العمال الذين كانوا خاملين في الماضي وذلك لفترة تطول أو تقصر.
أن مثل هذه التجربة معروفة جيدا لدى النقابيين القاعدين النشطين فالشعارات والمطلب التي كانت بالأمس مقبولة فقط لدى الأشخاص الأكثر وعيا يمكن أن تغدو فجأة محدودة جدا بالنسبة للأغلبية عندما يتطور نضال ما ويتعدى نقطة متوقعة حتميا تولد التجربة والمعرفة الأكبر لدى النشطين حذرا معينا، هو عموما مناسب .
ولكنه أن يصبح أحيانا في ظرف يتغير بسرعة إلى عائق حقيقي للتقدم.
لقد كانت محقة أيضا في معارضة مفهوم لينين عن تقديم الاشتراكية إلى الطبقة العاملة "من الخارج" بمفهومها عن الدور والإنجازات الرائعة للعفوية.
الحزب ليس نبع كل حكمة ولا المدير المعصى من الخطأ للصراع الطبقي، وهناك عنصر من الحقيقة في الاتهام بان لينين كان يلوى العصا أكثر من اللازم وفى اتجاه الإرادوية (إلا أنه كما أوضحنا أن هذا أيضا وبمعنى ما كان إنجازه العظيم).
هكذا ففي عدة نقاط كانت روزا لوكسمبورج أقرب إلى تحليل ماركسي سليم من لينين 1901-1904 ولسوء الحظ عانت رؤاها من نقاط ضعف حاسمة وضحت من خلال مجرى التاريخ.
من السهل وضع أيدينا على أحادية آراءها حول عفوية الإضرابات الجماهيرية. فبينما يمكن أن تحدث مثل هذه الإضرابات بشكل عفوي ، وهذا يحدث كثيرا ، فليس هذا هو الحال بالضرورة كما انه ليس ميزة دائما ويوضح الإضراب العام الإنجليزي في 1926 هذا بشكل جيد.
فلقد جاءت كل القوى والطاقة والمبادرة للإضراب من أسفل، ولكن كان الإضراب مخططا له ومدعوا إليه بواسطة قيادة المجلس العام لاتحاد نقابات بريطانيا .
الأكثر أهمية هو أن نفس القيادة هي التي أفشلت الإضراب في اللحظات الحرجة في الشهور التي سبقت الإضراب أعدت الطبقة الحاكمة البريطانية نفسها سياسيا وعسكريا بعناية كبيرة من أجل المواجهة .
الأكيد انه في تلك الحالة لم يوجد النقد الماركسي لفكرة انه يمكن التخطيط للإضراب بل ضد المجلس المركزي لفشله في التخطيط والإعداد بشكل كافي عندما كان معروفا أن العدو يفعل ذلك ألا أن هذا كان خطأ صغيرا نسبيا.
أمكن للوكسمبورج بسهولة أن تصححه الأكثر من هذا الخطأ هو أن استراتيجيتها فشلت في الاختبار الأكثر أهمية على الإطلاق - الثورة الألمانية ذاتها.
في الثورة الألمانية 1918- 1919. والتي طال انتظارها.
أثبتت عصبة سبارتاكوس (التي كونت أساس كتكتل داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني في 1916) أنها القوة الوحيدة الثورية بثبات في ألمانيا.
رغم ذلك كانت اضعف في العدد والخبرة والتماسك التنظيمي من أن تؤثر بحسم في الأحداث.
لذا مضت العصبة في العاصفة الثورية مثل الريشة تطيح بها الرياح في كل الاتجاهات. غير قادرة على صياغة استراتيجية منسجمة إلا الدعوة المتكررة من اجل الفعل الجماهيري وكل السلطة للجان العمال والجنود لقد كتب راديك، والذي يعمل كمبعوث للدولة السوفيتية.
في تقريره انه عند بدء الثورة لم يكن هناك إلا عضوا منظما لعصبة سبارتاكوس في برلين، وحتى في المؤتمر الذي أسست فيه عصبة سبارتاكوس الحزب الشيوعي الألماني شعر راديك انه مضطر للتعليق:
"ولكنى لم اشعر أنني كنت في حضور حزب".
حتى اعنف مؤيدي روزا لوكسمبورج واقلهم نقدا لها، بول فروليخ.
يؤكد على هذه الصورة من الضعف(رغم انه لا يعترف بآثارها الضارة على الاستراتيجية):
عندما أتت الثورة كانت عصبة سبارتاكوس عبارة عن تجميعه للمجموعات الإقليمية موجودة في كل المدن الكبيرة.
ولم تتحول بعد إلى حزب سياسي بالإضافة إلى ذلك فقد عانت العصبة من كل المشاكل البدائية التي تعانى منها أي منظمة شابة وجدت روزا وبقية اللجنة التنفيذية في أقلية ضئيلة في المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي الألماني عند التصويت على مسألة الاشتراك في انتخابا ت الجمعية الوطنية(لقد تخلص البلاشفة من مثل هذا التطرف اليساري عشر سنوات قبل ثورة 1917).
ومع عدم قدرتها على إحداث أي تغيير يذكر داخل اللجان العمالية اضطرت عصبة سبارتاكوس إلى الدخول في تحالف غير مستقر مع الاشتراكيين الديمقراطيين المستقلين (انشقاق عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي عام 1917) وعمال العنابر الثوريين ثم تخلص نفسها من هذا التحالف عندما بدأت هذه العناصر في التأرجح في النهاية، وعلى الرغم من انه جاء ببرنامجها:
"إن عصبة سبارتاكوس لن تحاول الوصول للسلطة السياسية أبدا إلا عندما يتماشى ذلك مع الإرادة الواضحة والبينة للغالبية العظمى من الجماهير البروليتارية بألمانيا فقد أربكتها الأحداث ودفعت للقيام بانتفاضة مسلحة يائسة غير ناضجة أسفرت عن تحطيم الثورة ومقتل لوكسمبورج وليبنخت. كانت لوكسمبورج واعية بدون شك انه كانت هناك أخطاء ترتكب إلا أنها كانت عاجزة عن منعها. هكذا كلفها فشلها في صهر العمال المتقدمين في حزب طليعي مستقل منضبط حياتها في نهاية الأمر.
ربما جاء عدم بدئها تنفيذ هذه المهمة كما فعل لينين في 1903 نتيجة لعوامل تاريخية لم يكن بالإمكان تجنبها. ولكن عدم القيام بها فيما بعد جاء نتيجة جزئيا نتيجة قرار واعي.
يسجل نيتل أن: قادة سبارتاكوس قرروا عن وعى عدم القيام بأي محاولة جادة لخلق تنظيم في 1918.
لقد كانوا مقتنعين بان الإمكانيات الثورية جعلت هذا إضاعة غير ضرورية للمجهود.
الخلل الآخر الرهيب في استراتيجية لوكسمبورج كان تقليلها من قدرة القادة الإصلاحيين على لجم وتضليل الطبقة العاملة.
رغم أنها كانت الأولى التي استوعبت الدلالات النظرية للبرنشتاينية وخمول الوسط الكاوتسكي إلا أنها. على كل حال. فشلت في رؤية الأثر المثل التقسيمي الذي يمكن أن تحدثه هذه الاتجاهات في الطبقة العاملة حتى في غمار الفعل الجماهيري الذي طالما انتظرته. كتبت في 1913:
القادة الذين سيتخلفون للوراء ستزيحهم جانبا الجماهير العاصفة .
ولكن. لم يثبت الواقع أن الأمر بهذه السهولة فبدلا من حدوث ذلك.
استطاع الاشتراكيون الديمقراطيون استغلال الارتباط التاريخي لملايين العمال بهم لتخريب الثورة وبسبب فشلها في استيعاب هذه المشكلة في وقت مبكر لم تر لوكسمبورج الحاجة لمحاربة الانتهازية تنظيميا- أي من خلال النصوص في دستور الحزب. من خلال الانشقاق….
الخ- إلى جانب الجدال السياسي.
5- الجذور النظرية لأخطائها
لقد أبرزنا الخلفية التاريخية لأفكار روزا لوكسمبورج ويستطيع المرء أن يرى كيف أن كلا من نقاط قوتها وضعفها كانا مشروطين تاريخيا. ولكن ماذا عن الجذور التاريخية لأخطائها؟
يجب أن نلجأ في بحثنا عن مصدر تلك الأخطاء في موقعين متشابكين مع بعضهما البعض في فكرة :
تحليلها للعملية التي تطور بواسطتها البروليتاريا وعيها الثوري.
ومفهومها عن دينامية الثورة ذاتها.
بالنسبة للتيار الأساسي في الاشتراكية الديمقراطية يتطور الوعي من خلال عملية منسجمة من التراكم التدريجي بدون تناقضات وبدون نقلات نوعية.
تركيز لوكسمبورج على عفوية الجماهير وضعها ابعد من كل الماركسيين الغربيين عن هذه الرؤية.
إلا أنها لم تكسر تلك الحلقة تماما. لم يكن الأمر هو أنها بالغت في تقدير المستويات التي قد يصل إليها العمال عفويا ولكن أنها بالغت في تقدير التكافؤ الذي تحدث به هذه العملية.من المؤكد أنها كانت تعرف أن بعض العمال اقدر وأشجع من البعض الآخر وان لديهم مستوى أعلى من الوعي الاشتراكي من البعض الآخر ،الذي لم تستوعبه بشكل كامل هو انه يوجد تناقض ما بين العامل الثوري الذي يريد التخلص من الرأسمالية وبين العامل الأقل تقدما الذي يريد تحسين ظروفه في ظل الرأسمالية(وهو ليس تناقض لا يمكن حله).
وانه على أساس هذا التناقض تنشأ أحزاب تدعى أنها أحزاب طبقة عاملة، ولكنها في الحقيقة تعمل كعملاء للبرجوازية داخل الحركة العمالية.
بسبب هذه الفجوة في نظريتها فشلت أن ترى ضرورة تنظيم العمال الثوريين المتقدمين منفصلين ومستقلين من اجل زيادة تأثيرهم داخل الطبقة ككل.
ولتسليحهم من اجل النضال ضد التأثيرات الانتهازية والإصلاحية على الطبقة أن تقليلها من شأن التأثيرات السلبية للقادة السيئين ينبع أيضا من هذا المصدر.
لأنه إذا تثورت الطبقة العاملة ليس فقط بعفوية ولكن أيضا بتكافؤ إذن بالفعل فان القادة الذين سيتخلفون للوراء سيزيحهم جانبا الجماهير العاصفة .
أما بالنسبة لمفهوم لوكسمبورج عن الثورة فهنا يصلح تعليق توني كليف كنقطة بداية لنا:
إن السبب الرئيسي وراء مبالغة لوكسمبورج في تقدير عامل العفوية وتقليلها من شأن عامل التنظيم يكمن تقريبا في الحاجة للتركيز على العفوية كخطوة أولى في كل الثورات وذلك في النضال المباشر ضد الإصلاحية ومن هذه المرحلة في النضال البروليتاري عممت لوكسمبورج اكثر من اللازم لتتضمن النضال ككل.
يمكننا أن نطور هذا بالقول أن لوكسمبورج مالت لمساواة الإضراب الجماهيري (والذي كثيرا ما يصاحب الانفجار العفوي للثورات)بذروة الثورة ذاتها في الإضراب الجماهيري كتبت التالي:
اليوم عندما تتعرف الطبقات العاملة على هدف النضالات الثورية، عندما يجب أن يجمعوا قواهم ويقودوا أنفسهم، عندما تتوجه الثورة ضد الاستغلال الرأسمالي مثلما ضد سلطة الدولة القديمة يبدو الإضراب الجماهيري كالأداة الطبيعية لتجنيد أوسع الشرائح البروليتارية من اجل النضال.
كما أنه يبدو في نفس الوقت كأداة لتقليص وللتخلص من سلطة الدولة القديمة واستئصال الاستغلال الرأسمالي….
إن الشكل الأساسي للثورات البرجوازية السابقة حرب المتاريس، الصراع المفتوح مع القوة العسكرية للدولة هي، في ثورة اليوم مجرد نقطة بلوغ النهاية(هنا بمعنى تحصيل حاصل) مجرد لحظة في عملية نضال طبقة البروليتاريا.
ولكن في الواقع، فان الإضراب الجماهيري، أيا كان حجمه أو قوته أو راديكاليته - يطرح فقط مسألة السلطة - انه لا يحل هذه المسألة ولا يمكن أن يحلها.
يمكن تحطيم سلطة الدولة من خلال الانتفاضة أن تحل هذه المسألة والانتفاضة لا بد أن تكون بسبب طبيعتها منظمة:
لابد أن تكون فعل موحد ومتوازي للأجزاء الحاسمة من البروليتاريا. معد لها مقدما وفى سرية ومحدد لها موعد معين .
إن تنفيذها إذن يتطلب حلقة مؤسسة بعناية من القيادة ذات التأثير والسلطة بعرض الطبقة كلها بعبارة أخرى يمكن أن تنظم الانتفاضة كما وضح من تحليلنا لثورة أكتوبر في الفصل الثالث.
فقط بواسطة الحزب - وليس أي نوع من الحزب بل حزب محارب منضبط قادر على التحرك كوحدة واحدة.
ليس صحيحا القول بان روزا لوكسمبورج لم تتعامل أبدا مع مسألة الانتفاضة ( فقد كتبت كتيبا عنها في يناير 1906) ولكن تذكر هذه المسألة فقط بشكل عرضي في الإضراب الجماهيري ولا يوجد أي دليل على أنها تعاملت مع المسألة بشكل متكامل أو أنها فكرت بعناية في دلالتها بالنسبة لطبيعة الحزب.
لو كانت فعلت ذلك لكانت اضطرت لمراجعة رؤيتها الدعائية لدور الحزب (لأنه بالتحديد عندما يتم التعامل مع مسألة الانتفاضة يتحول التوازن بين الدعاية والفعل في عمل الحزب بحسم لصالح الأخير) وأيضا لمراجعة آرائها عن الانضباط والمركزية.
ترتبط مسألة الانتفاضة والحزب أيضا بعدم التكافؤ في وعى البروليتاريا بطريقة تتعلق بالذات بمصير روزا لوكسمبورج في الصورة الألمانية.
الوجه الآخر لنفس العملة التي تسبب تأخر بعض أجزاء الطبقة خلف أجزاء أخرى ( واستمرار ارتباطها بأحزاب إصلاحية)، هو قوة الدفع التي تعطيها الثورة للعمال المتقدمين لكي يحاولوا الاستيلاء على السلطة بتسرع هذا ما حدث بالضبط في الثورة الروسية في أيام يوليو وفى الثورة الألمانية مع انتفاضة يناير.
في روسيا كما ذكرنا في الفصل الثالث، استطاع البلاشفة أن يعارضوا بوضوح المغامرة، أن يمنعوا أن تحدث تدميرا ذا شأن أن يحافظوا على تنظيمهم ويعدوا للجولة التالية في المعركة ،في ألمانيا أطاحت الأحداث بعصبة سبارتاكوس إلى الكارثة.
يكمن الفارق ليس في ذكاء أو واقعية لينين المعاكسين للـ الثورية الرومانسية لروزا لوكسمبورج، بل في وجود حزب في روسيا صقلته التجربة وأكسبته السلطة بين العمال المتقدمين وغياب مثل هذا الحزب في ألمانيا.
ماركس، لينين، ولوكسمبورج
يجب بالضرورة أن يكون ماركس ولينين هما المرجعين الذين نستخدمهما لأي حكم عام على نظرية روزا لوكسمبورج حول الحزب في أوجه كثيرة كانت روزا لوكسمبورج اقرب من ماركس عن لينين تميزت بنقاط القوة عند ماركس، معارضته للانفصالية وتركيزه على الفعل الجماهيري للطبقة العاملة. تميزت أيضا بنقاط الضعف عند ماركس: رؤية مبالغة في التفاؤل وقصيرة النظر عن العملية التي تتحول من خلالها الطبقة من طبقة في ذاتها إلى لذاتها - الافتراض بان الوحدة الاقتصادية الموضوعية للطبقة العاملة تؤدى عفويا إلى وحدتها السياسية كمنتهى. بالتالي شاركت روزا ماركس في ميله إلى القدرية في مجال التنظيم .
لقد سبق أن ذكرنا أنها لم تكن مخطئة تماما في جدالها مع لينين في 1904، ولكن استطاع لينين، من خلال تجربة 1905، أن يصحح أحادية صياغاته المبكرة وبالتالي يحقق تفوقه الحاسم على ماركس، بينما لم تستطع لوكسمبورج أن تفعل ذلك لو عاشت لتستوعب وتتفهم تجربة الثورة الألمانية، ربما كان ممكنا، بل محتملا جدا، أن تحقق هذا التصحيح.
كما هي تظل نظرية روزا لوكسمبورج عن الحزب وعلاقته بالطبقة العاملة سلاحا مفيدا في حركة عمالية عانت لعقود من السيطرة البيروقراطية للاشتراكية الديموقراطية والستالينية على حد سواء إلا أنها فوق كل شئ سلاح مفيد فقط بالقدر الذي تدمج في إطار اللينينية .
كبديل لينينية يجب أن نحكم على اللوكسمبورجية بأنها غير صحيحة.


الفصل الخامس :
الإرث المزدوج لتروتسكي
هناك وجهان لإضافة تروتسكي للنظرية الماركسية عن الحزب الثوري .
أولا . يوجد، دفاعه أساسا من خلال المعارضة، عن الرؤية اللينينية للحزب ضد الهجوم النظري والعملي الذي شقه عليه ستالين والبيروقراطية الستالينية .
ثانيا : هناك محاولته التي انتهت بتأسيس الأممية الرابعة .
لإيجاد بديل ماركسي أصيل للأممية الشيوعية التي انحطت .
على الرغم بالطبع من الاستمرارية بين هذين الوجهين من حيث أن الأخير نتج منطقها من الأول .
إلا أن هناك فارقا نوعيا بينهما.
في فترة المعارضة اليسارية واجه تروتسكي سياسة ستالين الانتهازية بسياسة ثورية متماسكة . مع مجهود بناء أممية رابعة .أصبح تروتسكي مضطرا الآن لاحتواء سياسته في منظمة خاصة به .
بسبب هذا الفارق يبدو منطقيا أن نتبع دراستنا لنظرية تروتسكي عن الحزب إلى جزأين : الدفاع عن اللينينية، والأممية الرابعة .
أ-الدفاع
عن اللينينية افترق تروتسكي مع ستالين والغالبية الرسمية للحزب الشيوعي السوفيتي حول مسألتين أساسيتين :
الانحطاط البيروقراطي للدولة الروسية والنظرية الستالينية " الاشتراكية في بلد واحد " كانت المسألتان، بالطبيعة .
مرتبطتين ببعضهما البعض .
لقد صعدت البيروقراطية من خلال إنهاك وتشتت البروليتاريا الثورية كنتيجة للمعاناة المتراكمة للحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية .
والانهيار الاقتصادي والمجاعة وفقدان 4 مليون روسي في كل هذا . أرادت هذه البيروقراطية المتكونة في معظمها من طموحين . إداريين موروثين من النظام القديم .
مناشفه سابقين وعمال فقدوا الصلة بطبقتهم منذ أمد طويل .
فوق كل شئ إنهاء الاضطرابات . وتسيير الأمور بشكل طبيعي .
لم يكن لهم أي مصلحة فيما كان يبدو لهم أنه المغامرة الرومانسية والخطرة للثورة العالمية .
هكذا لم تكن نظرية الاشتراكية في بلد واحد مجرد اختراع ستاليني على العكس، " لقد عبرت بدقة عن مزاج البيروقراطية "عندما تحدثوا عن انتصار الاشتراكية كانوا يعنون انتصارهم هم".
كان هذا إذن خلاف حول أساسيات .
في نفس الانقسام بين الشيوعية والاشتراكية الديمقراطية .
خلاف احتوى على رؤيتين مختلفتين ومتعارضتين تماما عن الاشتراكية .
في رأى تروتسكي . مثل ماركس ولينين .
كانت الاشتراكية هي مجتمع لاطبقي. بدون دولة يحكم ذاته بذاته .
مؤسس على التوفر برخاء لسلع المادية .
مجتمع يكون فيه " التطور الحر لكل فرد هو شرط التطور الحر للجميع" كانت الديكتاتورية، تخطيط الدولة، النمو الاقتصادي والكفاءة، الانضباط الحديدي .. الخ
، هي الوسائل لهذه الغاية، وسائل لم يتخلى عنها تروتسكي أبدا) . ولكنها لم تكن غايات في حد ذاتها، في رأى ستالين، كانت مهمة بالنسبة للبيروقراطية والتي كان ممثلها الرئيسي . كانت الاشتراكية تعرف بالتحديد على أنها التأميم، تحكم الدولة والنمو الاقتصادي والعسكري لروسيا لتصبح قوة عالمية من الدرجة الأولى، من وجهة نظر تروتسكي، لم يكن من الممكن تجنب درجة ما من البقرطة، ولكنها ظلت خطرا عظيما يجب مراقبته عن قرب والتخلص منه بأسرع ما يمكن، من وجهة نظر ستالين، كانت هذه هي جوهر الأساس لنظام جديد، لذا اعتبرت إمكانية تحقق رؤية تروتسكي في بلد واحد - في روسيا المتخلفة بالتحديد - يوتوبيا رجعية، واعتبرت رؤية ستالين الوحيدة العملية والواقعية .
ولأنه كان خلافا حول الأمور الجوهرية، اتسع هذا الصراع بالضرورة حتى وصل إلى الحد الذي أصبح يؤثر فيهما على كل حدث وكل سياسة في حياة حركة الطبقة العاملة، متضمنا بالطبع طبيعة ودور واستراتيجية وتكتيك الحزب الثوري والأممية الثورية، ويمثل التعامل مع خلافات تروتسكي مع ستالين حول النظرية اللينينية للحزب، من أجل الوضوح تحت عنوانين : الديمقراطية الحزبية في الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي، واستراتيجية الأحزاب الشيوعية العالمية .
1- الديمقراطية الحزبية
طرحت البقرطة التدريجية للدولة السوفيتية في غياب طبقة عاملة نشطة و فعالة سياسيا، بالضرورة مسالة بقرطة الحزب الشيوعي وتحطيم الديمقراطية الحزبية الداخلية .
لأنه على الرغم من وجود فصل شكلي بين الدولة (السوفيتية ) و أجهزة الحزب شكل البلاشفة في حقيقة الأمر حزب الدولة .
بعد الحرب الأهلية حافظ الحزب على احتكار سياسي و سيطرة كاملة على كل المناصب الهامة .
بالتالي فإذا كان جهاز الدولة في طريقه للتبقرط لحتم ذلك أن يكون له أثر على الحزب . الذي جعل هذا خطيرا جدا هو أن الحزب .
طليعة البروليتاريا المتضمنة للبلاشفة القدامى الذي لا يمكن إفسادهم . بتراثه الثوري .
بمكاسب حكمه الضخمة و انضباطه الشديد . كان يعتبر عموما الدرع الأساسي ضد البيروقراطية .لو هوى الحزب أو استسلم .
في ظل غياب فاعلية العمال . لما تبقى هناك أي خط دفاع آخر .
كان الوقت هو 1923 عندما شعر تروتسكي بان الموقف أصبح خطيرا جدا .
و يتطلب شن نضال علني من أجل الديمقراطية داخل الحزب بدأه بمجموعة من المقالات في برافدا أسماها " الطريق الجديد " .
إن نبرة الطريق الجديد حذرة وبعض الصياغات مترددة .
و لكن من زوايا عديدة هي عرض يستحوذ على الإعجاب دفاعا عن الديمقراطية داخل الحزب الثوري .
لا يعرض تروتسكي مسالة الديمقراطية كحق مجرد بل يحدد ضرورتها لتطور الحزب و المرحلة التاريخية الجديدة التي كانت على الأعتاب .
فهو أولا .
يختبر العلاقات بين الجيل القديم و الجديد ( ما قبل و ما بعد أكتوبر ) من أعضاء الحزب .
" لقد أعقب الاستيلاء على السلطة نمو سريع . حتى غير طبيعي للحزب " .
"انضمت للحزب أعداد غفيرة من العمال غير المتمرسين ذوى القليل فقط من الوعي و عناصر غريبة من الطبقة العاملة .
و موظفين و متسلقين . " وفى هذه الفترة الفوضوية استطاع ( الحزب ) أن يحافظ على طبيعته البلشفية فقط بفضل الديكتاتورية الداخلية للحرس القديم الذي اختبر من قبل في أكتوبر .
و لكن منذ ذلك الحين تغير الوضع .
الآن يجب جذب الجيل الجديد بفاعلية في الحياة السياسية و عملية صنع القرار داخل الحزب. من اجل مصلحة تطور الجيل الجديد ذاته و من أجل مستقبل الحزب ككل . بعد ذلك ينظر تروتسكي للتركيب الاجتماعي للحزب موضحا كيف أدت الحاجة لملء الوظائف الإدارية بالعمال إلى إضعاف "الخلايا الرئيسية للحزب "نواته في المصنع" وكيف كان هذا مصدرا مهما للبقرطة .
يجادل تروتسكي من أجل تقوية القاعدة البروليتارية للحزب ومن اجل استخدام الطلبة و الشباب كقوة ضد البيروقراطية عن ضرورة الديمقراطية يكتب تروتسكي :
تمثل الميزة الجوهرية لحزبنا .و التي لا نجد لها مثيل في قدرته في كل لحظة على النظر للصناعة بأعين الشيوعي و المدير الشيوعي و البائع الشيوعي . على تجميع تجربة كل هؤلاء العمال الذين يكملون بعضهم البعض .
استخلاص نتائج منهم و بالتالي تحديد خطة في إدارة الاقتصاد عموما وكل مصنع خاصة انه من الواضح أن مثل هذه القيادة يمكن الاعتماد عليها فقط على أساس ديمقراطية قوية و فاعله داخل الحزب .
هذه الملاحظات موجهه لحزب في السلطة و في موقف محدد .
و لكن المبدأ الذي تتضمنه ضرورة الديمقراطية من اجل القيادة السليمة هو صحيح عموما .
تمثل الهم الثقيل لدى القيادة في ردها على نقد تروتسكي في دفاع بعنف عن التقاليد العظيمة للحرس القديم مع تركيز على الحاجة الملحة للوحدة الحزبية و على مخاطر التكتلات .
ويثير رد تروتسكي إلى أن "التقاليد" لها وجه سلبي مثلما أن لها وجه إيجابي في الحركة الثورية .
معددا الأمثلة ومن ضمنها موقف البلاشفة القدامى ضد كتيب لينين "أطروحة إبريل" يجادل تروتسكي أن اكثر صفة تكتيكية جوهرية للبلشفية هي قدرتها التي لا تساويها قدرة على تكييف ذاتها بسرعة .
و على تغير التكتيك بسرعة . على تحديث أسلحتها و استخدام و سائل جديدة .
بعبارة : قدرتها على اتخاذ تغيرات مفاجئة .
و انه لا يوجد تقليد يقدم في حد ذاته ضمانات أكيدة عبر تاريخه ضد الانحطاط .
و حول مسالة التكتلات يعترف تروتسكي بالخطر الكبير للتكتلية في مثل ذلك الموقف . وبإمكانية أن تعكس الاختلافات التكتلية بسرعة ضغوط القوى الاجتماعية و الطبقية المعادية للبروليتاريا . و لكن يؤمن تروتسكي بان نظاما حزبيا غير ديمقراطي هو في حد ذاته سبب للتكتلية .
يجب أن تصغي الأجهزة القيادية في الحزب لصوت جماهير الحزب العريضة .
لا أن تعتبر كل القضاء تغير . و بالتالي يدفع الشيوعيين نحو الحفاظ على سكوت دائم أو تدفعهم أن يكونوا من أنفسهم تكتلا.
إن جوهر طرح تروتسكي في الطريق الجديد هو أن :
تطور الرأي العام للحزب في الوقت ذاته ظلت ادعاءات السلطة عن الموقف الموضوعي البالغ الصعوبة تمارس أثرا قويا على تروتسكي .
فرغم أنه طالب بديمقراطية حزبية داخلية بقى موافقا على أننا الحزب الوحيد في البلد .
و في فترة الديكتاتورية لا يمكن أن يكون هناك ترتيب آخر .
و بفعله شارك تروتسكي في الممارسة السارية حينذاك في إضفاء صفة مبدأ عام على ما كان معتبرا في البداية مجرد ترتيب مؤقت نتج عن الظروف غير العادية للحرب الأهلية.
يرى ماكس شاختمان و هو أحد رفاق تروتسكي لفترة طويلة . في هذا الموقف تناقضا جوهريا .
لم يعط تروتسكي …
أي دليل على انه استوعب أن حرمان من في خارج الحزب من الحقوق الديمقراطية لا يمكن أن ينفذ إلا من خلال حرمان أعضاء ذات الحزب .
إن عاجلا أم آجلا من نفس الحقوق هذا قانون ثابت في السياسة . كل خلاف جاد في الرأي داخل حزب سياسي يسفر عن دعوة مباشرة أو غير مباشرة صريحة أو ضمنية .
مقصودة أو غير مقصودة لجزء أو لآخر خارج الحزب .
هذه نقطة مهمة و لكنها لم تقلل حقيقة من موقف تروتسكي في كليته . لا يوجد شك انه على المدى الطويل إن عاجلا أم آجلا ستؤدى ديكتاتورية حزب واحد إلى ديكتاتورية داخل الحزب .
و لكن كما قال تروتسكي كثيرا . الوقت هو عامل مهم في السياسة من وجهة نظر تروتسكي كان البلاشفة مشتبكين في عملية حفاظ غير عادية الصعوبة و الحساسية :

فبين " عاجلا" أو " آجلا" كانت هناك فرصة وصول الغوث من الثورة العالمية .
فكلما مد ستالين تحكمه الاستبدادي على الحزب و البلد وكلما افترقت سياسته اكثر عن الماركسية الثورية .
كلما زاد إصرار الدعوات من اجل الديمقراطية الحزبية و كلما أصبحت المعارضة لأساليب ستالين التنظيمية اكثر استحالة في الحل .
يتضمن بيان منبر المعارضة الموحدة لعام 1927 الذي وقعته تروتسكي وزينوفييف و 11 عضوا آخر في اللجنة المركزية تحذيرا من نظام الحزب :
شهدت الأعوام القليلة الماضية إلغاء منظم للديمقراطية الداخلية الحزبية في مخالفة لكل تراث الحزب البلشفي في مخالفة القرارات المباشرة لسلسة من مؤتمرات الحزب أن الانتخاب الحقيقي للمسئولين هو في واقع الأمر مسالة تغنى و تختفي .
يتم قلب المبادئ التنظيمية فى كل خطوة تتخذ . يتم بشكل منظم تغيير لائحة الحزب لزيادة حجم الحقوق في القمة و تقليل حقوق الآخرين في السفح .
تعتبر قيادة اللجان الإقليمية ، اللجان التنفيذية الإقليمية . المجالس الإقليمية للنقابات الخ قيادات في واقع الأمر ، لا يمكن استبعادها ..
يعتبر حق كل عضو في الحزب كل مجموعة من أعضاء الحزب في طرح اختلافاتها أمام محكمة كل الحزب .
(لينين ) أمرا في الواقع تم إلغاؤه. يتم دعوة المؤتمرات والندوات دون نقاش حر مسبق (كما كان الحال بواسطة كل الحزب) .
وطلب مثل هذه المناقشة يعتبر خرق للانضباط الحزبي 00000000
إن فناء الديمقراطية الحزبية الداخلية يؤدى إلى فناء الديمقراطية العمالية عموما ، في النقابات . وفى كل المنظمات الجماهيرية الحزبية .
في بيان المنبر تبلور التحليل و التحذيرات و الاقتراحات التي جاءت في سلسلة مقالات الطريق الجديد .
وأصبحت مطالب برنامجيه :
الإعداد للمؤتمر الخامس عشر على أساس ديمقراطية داخلية حزبية حقيقة .
أن يكون لدي كل رفيق أو مجموعة من الرفاق الفرصة للدفاع عن وجهة نظرهم أمام الحزب . تحسين التكوين الاجتماعي للحزب بالسماح فقط للعمال من المصانع والأراضي بالانضمام للحزب .بلترة ( نسبة إلى البروليتاريا ) وتقليص هيكل وأجهزة الحزب .
الإعادة الفورية للمعرضين المطردين .
إعادة بناء لجنة التحكيم المركزية باستقلالية عن هيكل الحزب . و لكن عن هذه المرحلة مازالت تعمل الإدانة و المطالب داخل إطار من الولاء الكامل للحزب الشيوعي الروسي و قبول لاحتكاريته السياسية .
سنناضل بكل قوتنا ضد تكوين حزبين .
فمن اجل ديكتاتورية البروليتاريا تتطلب كجوهرها الأساس حزب بروليتاري واحد.
بحلول 1933، بعد شلل الكومنترن في مواجهة هتلر (انظر ما يأتي) و التصفية ومعلنا أن الحزب البلشفي للينين تم تحطيمه بواسطة الستالينية دعا تروتسكي لبناء أحزاب ثورية من جديد و التخلص من البيروقراطية بالثورة السياسية . وفي 1936 في عمله الضخم الثورة المغدورة استطاع تروتسكي أن يوضح بجلاء آراءه عن الديمقراطية الحزبية .
كان النظام الداخلي للحزب البلشفي يتصف بوسيلة الديمقراطية المركزية .
لا يوجد به أدنى تناقض .
لقد كان الحزب متيقظا جدا ليس فقط لكي تبقى حدوده معرفة بدقة ولكن أيضا أن يستمتع كل من يدخل هذه الحدود بالحقوق الفعلية لتعريف توجه سياسة الحزب .
كانت حرية النقد والنضال الفكري مضمون لا يمكن التراجع عنه للديمقراطية الحزبية. إن المقولة الحالية هي أن البلشفية لا تسمح بالتكتلات هي خرافة من خرافات حقبة التدهور .
في الحقيقة أن تاريخ البلشفية هو تاريخ نضال التكتلات .
و بالفعل كيف يمكن لمنظمة ثورية حقيقية تضع على عاتقها مهمة تغير العالم .
وأن توحد تحت رايتها اكثر الناس جرأة والمحاربين والثوريين أن تحيا وتتطور بدون صراعات فكرية، وبدون تجمعات و تشكيلات تكتيكية مؤقتة، لقد جعل بعد نظر البلاشفة من الممكن تخفيف حدة الصراعات و تقصير زمن النضال التكتلي، و ليس اكثر من ذلك .
اعتمدت اللجنة المركزية هذا التأييد الديمقراطي الغالي. من هذا استمدت الجرأة لاتخاذ القرارات وإعطاء الأوامر.
أعطت الصحة الواضحة للقيادة في كل المراحل الحرجة السلطة العليا والتي تعتبر راس المال الأخلاقي الذي لا يقدر بثمن المركزية .
وقف نظام الحزب البلشفي، خاصة قبل وصوله للسلطة، في تناقض تام مع نظام الأجزاء الحالية للأممية الشيوعية .بقيادتها الذين يعينون من أعلى، ويقومون بإجراء تغيرات كاملة في السياسة بكلمة واحدة من القيادة، بهياكلها التي يتحكمون فيها، المتعجرفين في تعاملهم مع القاعدة، الخانعين في تعاملهم مع الكريملين .
لا يعيد تروتسكي فقط الموقف البلشفي الأصلي من مسالة التكتلات بل يقطع من مقولة دولة الحزب الواحد .
في البداية تمنى الحزب أن يحافظ على حرية النضال السياسي داخل إطار السوفيتات . أدخلت الحرب الأهلية تعديلات شديدة على هذه الحسابات .
تم تحريم إضراب المعارضة واحد بعد الآخر .
اعتبر القادة البلاشفة هذا الأسلوب، الواضح تعارضه مع روح الديمقراطية السوفيتية .
ليس كمبدأ و لكن كفعل دفاعي عن الذات مؤقت .
يرفض تروتسكي المساواة بين ديكتاتورية الطبقة وديكتاتورية الحزب .
بما أن للطبقة "أجزاء" كثيرة بعضها ينظر للأمام وبعضها ينظر للوراء يمكن أن يعتمد حزبا ما في وجوده على أجزاء من طبقات مختلفة .
لا يوجد مثل لحزب مرتبط بطبقة واحدة في كل مجرى التاريخ السياسي - و يتوقف هذا بالتأكيد على أن لا تساوى بين المظهر البوليسي و الواقع .
و يقول برنامج الأممية الرابعة 1938 أن مقرطة السوفيتات مستحيلة بدون إعطاء قانونية للأحزاب السوفيتية .
سيصل العمال و الفلاحين بأنفسهم من خلال اختيارهم الحر إلى أي الأحزاب التي يعترفون بها كأحزاب سوفيتية .
عندما يراجع المرء سجلات نضال تروتسكي من اجل ديمقراطية العمالية داخل الحزب الشيوعي الروسي و الدولة الروسية، يجد انه من الواضح انه ارتكب أخطاء كثيرة .
بفضل التدقيق يمكن للمرء أن يقول انه كان يجب على تروتسكي أن يبدأ مقاومته مبكرا . انه كانت هناك أوقات جعل فيها تروتسكي من الضرورة فضيلة، انه كان عليه أن يحارب بنشاط اكثر وتماسك اكثر في 1923-1924، انه كان يجب عليه أن يلجا مبكرا لقاعدة الحزب ولجماهير العمال أنفسهم، يمكن أن يكون مثل هذه الانتقادات سليمة نوعا ما ولكنها أيضا أحادية النظرة لأنها تتجاهل المصاعب الجمة للموقف الذي واجهه تروتسكي، بالذات الخمول العميق للعمال الروس .
ويتضمن ذلك جماهير أعضاء الحزب خلال تلك الفترة .
أيضا اعتبر تروتسكي بقوة أن من واجب الثوريين . في ظل غياب أي بديل موجود .
أن يظلوا مخلصين لحزب الثورة حتى اللحظة الأخيرة الممكنة .لقد كان هذا اعتبارا موزونا .يسهل اكثر التخلي عنه في خضم النضال .
يتحتم على أي رؤية متوازنة الاعتراف بالإنجازات الضخمة لتروتسكي في الدفاع و الحفاظ على التقليد الماركسي و اللينيني للديمقراطية الحزبية . و الحزب كجسم جماعي وحي. ضد صعوبات و عواقب هائلة . دون السقوط كما فعل آخرون كثيرون . في رفض اشتراكي ديمقراطي أو فوضوي للديمقراطية المركزية و الحزب الطليعي .
2- استراتيجية أحزاب الأممية الشيوعية
أعلنت نظرية ستالين الاشتراكية في بلد واحد لأول مرة في خريف 1924 في خرق تام لكل تراث الماركسية .
و جاءت معظم آثارها المباشرة ليس على روسيا ذاتها بل على الأممية الشيوعية و استراتيجية الأحزاب الشيوعية في جميع أنحاء العالم . فطالما بقيت مسالة نجاة الثورة الروسية مرتبطة بتحقيق الثورة العالمية .
بقيت اكثر أشكال التضامن من روسيا ملموسة و الواجب الأول لكل حزب "أجنبي" هي تحقيق الثورة في بلده .
و لكن متى زعم انه يمكن بناء الاشتراكية في روسيا وحدها، أصبحت الثورة العالمية أمرا اختياريا زائدا وليس ضرورة .
و اصبح دور الكومنترن في أعين موسكو .
هو التأكد انه لم يعوق أي شئ لعملية البناء "الاشتراكي". بهذه الطريقة تحولت الأحزاب الشيوعية من عوامل مساعدة لثورة الطبقة العاملة إلى وكلاء للسياسة الخارجية للبيروقراطية الروسية .
حتم هذا التحول حدوث سلسلة من الابتعادات والتحريفات للتقاليد اللينينية للسياسة الثورية . كان المدافع الرئيسي عن ذلك التقاليد هو ليون تروتسكي . من المستحيل أن نتناول هنا كل مسائل استراتيجية الحزب التي اصطدم عندها تروتسكي مع ستالين ، ولكن ستكفى أربعة أمثلة لتوضيح إسهامات تروتسكي لنظرية الحزب في هذا المجال .
عارض تروتسكي من البداية سياسة ستالين في أن يخضع الحزب الشيوعي الصيني نفسه لحزب الكومينتانج البرجوازي الوطني، الأمر الذي أدى للهزيمة الدموية للثورة الصينية في 1927 .
أصر تروتسكي على طول الخط على المبدأ اللينيني في الاستقلال التنظيمي السياسي الكامل للحزب الثوري.
كما عارض تروتسكي التعاون مع قيادات اتحاد نقابات عمال إيطاليا من خلال اللجنة النقابية الإنجليزية السوفيتية، الأمر الذي ضرب في مقتل استقلال الحزب الشيوعي البريطاني وتركه في موقف غير نقدي للقيادات " اليسارية " للنقابات العمالية الذين خانوا الإضراب العام في 1926 .
أيضا شن تروتسكي نقدا عبقريا و تنبئيا على السياسة الستالينية في ألمانيا بين 1929 - 1933 .
اعتبر الحزب الشيوعي الألماني، منطلقا من نظرية ستالين "الفاشية الاجتماعية" الاشتراكيين الديمقراطيين كالعدو الأساسي قلل من خطر الفاشية .
و ضد هذه الاستراتيجية الكارثة أصر تروتسكي على الحاجة الملحة لجبهة متحدة من أحزاب الطبقة العاملة ضد هتلر .
أخيرا أوضح تروتسكي الضعف القاتل لاستراتيجية الجبهة الشعبية التي تم تبنيها في 1934 و التي ربطت الطبقة العاملة و حزبها بالبرجوازية وأدت المزيد من الهزائم في فرنسا وأسبانيا .
هذا النقد يعتبر مهما جدا في الحاضر لأن طرازا ما من سياسة الجبهة الشعبية هو سياسة معظم الأحزاب الشيوعية تقريبا في جميع أنحاء العالم .
ولقد رأينا مؤخرا كيف تكررت نتائجها التراجيدية كاملة في شيلى 1970 - 1973 .
لو نظرنا إليها في كليتها ،فان الفترة الستالينية شكلت عملية قلب و تشويه منظمين لنظرية لينين حول الحزب إلى درجة تحولت فيها تلك النظرية إلى نقيضها . من نظرية فرز و تنظيم للطليعة الثورية للبروليتاريا أصبحت أسطورة معصومة تستخدم لتبرير كل شكل للتلاعب البيروقراطي و الخيانة السافرة .
نجحت هذه العملية لدرجة أن تساوت النظريتان اللينينية والستالينية للحزب، المختلفان جدا في الممارسة .
واصبح ينظر لها عموما على انهما نفس الشيء .
و بدون العمل الشاق لتروتسكي مرت تلك المساواة بدون تحدى في الحركة الماركسية .
ولدفنت اللينينية الأصيلة تحت جبل من الأكاذيب.
ب-الأممية الرابعة
كان دفاع تروتسكي عن النظرية اللينينية للحزب .
كجزء لا يتجزأ عن الماركسية و اللينينية ككل إنجاز ضخم. ولكن لم يكن هذا الإنجاز كافيا لينام تروتسكي مرتاح البال .
فمنذ مطلع القرن وتروتسكي يتطلع للثورة البروليتارية العالمية . وعندما اقتنع أن الأممية الشيوعية التي غيرتها و حولته الستالينية لم يعد بإمكانها تحقيق هذه الغاية .
لم يكن لديه اختيار إلا محاولة بناء منظمة جديدة بنفسه .
كان الانهيار التام للحزب الشيوعي الألماني أمام هتلر و فشل مجرد واحدة من أجزاء الكومنترن في الاعتراض على الخط الرسمي هما الأمران اللذان جعلا تروتسكي ينحى ذلك المنحى .
أن المنظمة لم تهتز بعاصفة الفاشية . منظمة تخضع بخنوع للأفعال الغاية في الفجاجة للبيروقراطية تعلن إذن أنها ميتة ولا يمكن إحياؤها من جديد .
بالضبط كما أعلن لينين مباشرة بعد تسليم الأممية الثانية في 4 أغسطس 1914 دعوته لبناء الأممية الثالثة .
أطلق تروتسكي الدعوة في 1933 لبناء الأممية الرابعة .
1- النضال من اجل الأممية الرابعة
كان حجم التأييد لتروتسكي في 1933 محدودا جدا .
و لم يكن مطروحا على الإطلاق مسالة الشروع فورا في بناء الأممية الجديدة .
بدلا من ذلك كان مفترضا أن تبنى بالتدريج .
لسوء الحظ كانت الظروف الموضوعية لفعل ذلك غير مناسبة بشكل رهيب .
فرغم أن لينين كان معزولا بشدة عند بداية الحرب العالمية الأولى فعلى الأقل كانت لديه قاعدة روسية صلبه في شكل الحزب البلشفي .
رغم ذلك فقد استغرق الأمر عامين بعد انتصار الثورة الروسية ليتم تأسيس الأممية الثالثة .
لم يكن لتروتسكي مثل هذه القاعدة .
كما لم يكن مقدرا له أن يشهد انتصارا ثانيا للثورة البروليتارية أثناء حياته، على العكس، جاءت الثلاثينيات فترة هزائم ثقيلة للطبقة العاملة .
بدأت بتهشيم البروليتاريا الألمانية (أقصى واشبع هزيمة لطبقة عاملة شجاعة وواعية سياسيا في التاريخ).
تحكمت أنظمة فاشية وشبيهه بالفاشية في مجرى الأمور في وسط أوروبا ثم أعقب ذلك انتصار فرانكو في أسبانيا.
في الوقت ذاته وخلال الثلاثينيات، أنهك الركود والبطالة المزمنة قوة قتال العمال و منظماتهم في كل مكان .
بالإضافة لهذه الصورة العامة للثورة المضادة السوداء كانت هناك عوامل محددة حالت دون نمو التروتسكية .
فالخطر الفظيع للفاشية خلق ضغطا ضخما في صفوف العمال لتقريب الصفوف، للتوحد في مواجهة العدو، و ضد انقسامات جديدة .
و اختلط بهذا الضغط من اجل التوحد شعور بالحاجة لحليف ما .
قوة عسكرية عظيمة تقف ضد هتلر، و هذه بالطبع كانت روسيا السوفيتية .
لذا كان التخلي عن جبروت ستالين من اجل القوة الشديدة الضالة كانت ضربا من المستحيل . بهذه الطريقة ساعد هتلر ستالين و الستالينية داخل الحركة العمالية.
تأتى بعد ذلك حقيقة أن تروتسكي تعرض لقذف وسب لم يسبق لهما مثيلا في التاريخ داخل الحركة العمالية. إن الاتهام الذي وجهه لتروتسكي و المتهمين الآخرين في محاكمات موسكو على انهم عملاء لهتلر والميكادو الياباني هو بالطبع اتهام عبثي، و لكن كانت قوة الكذبة الكبرى بالدرجة التي صدقها بها الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم .
لم يكن الأمر فقط أن الشيوعيين المتحجرين قد وافقوا على اتهام تروتسكي بالتعاون مع الفاشية .
بل الكثير من الفنانين و المثقفين الغربيين مثل رومان رولاند أضافوا أصواتهم لهذا الاتهام آخرون مثل برنارد شو وأندريه مالرو.
الشاعرين بضغط سياسة الجبهة الشعبية .
وافقوا أو ظلوا صامتين .
هكذا كانت تلفيقة ستالين الكبرى ناجحة جدا في المدى القصير .
في المقام الأول صمنت تلك التلفيقة أن الأشخاص ذوى القدرة الشخصية العالية على تحمل الإدانة والسب المستمرين .
هم فقط الذين تمسكوا بالتروتسكية .
ثانيا . خلقت مانعا هائلا بين التروتسكيين متضمنين أصحاب اكثر السجلات الثورية نصاعة .
و بين العمال الواعين سياسيا حارمة إياهم من عرض صادق لرؤيتهم فالنقد بغض النظر عن مدى حسن تقديمه .
يصعب أن يجد من يستمع إليه لو اعتقد انه يأتي من عميل للفاشية .
أخيرا كانت هناك الحقيقة البسيطة انه كان من الصعب جدا إقناع الناس انه من الضروري البدء من جديد مرة أخرى البدء من لاشيء بعد فترة قصيرة جدا من تأسيس الأممية الثالثة عبر تروتسكي عن الوضع كما يلي:
نحن لا نتقدم سياسيا . نعم إنها حقيقة تعبر عن التحلل العام للحركة العمالية في الخص عشرة سنة الماضية …
إن وضعنا الآن اصعب كثيرا بشكل لا يقارن بوضع أي منظمة أخرى في أي وقت مضى بسبب الخيانة العظيمة للأممية الثانية .
و تطور انحطاط الأممية الثالثة بسرعة وبشكل غير متوقع لدرجة أن نفس الجيل الذي سمع عن تأسيسها يسمعنا الآن ويقولون و لكن "لقد سمعنا هذا من قبل".
كان تأثير هذا الوضع المتفاقم الصعوبة هو وصف الحركة التروتسكية بثلاث صفات: أولا كانت صغيرة جدا . تتكون من العديد من البلدان من عدد يحصى على أصابع اليدين .
ثانيا . كانت في معظمها برجوازية صغيرة في تكوينها الاجتماعي.
ثالثا . كانت على الأقل في صفوفها العليا -منظمة مبعدين- ليس بالضرورة مبعدين عن بلادهم رغم أن هذه كانت حالة البعض، و لكن مبعدين عن وطنهم الذي تبنوه الحركة العمالية الجماهيرية .
ونعرف أن المجموعات الصغيرة دائما تنقسم بسهولة اكثر وبوتيرة أسرع من الأحزاب الكبيرة، لأنه هناك القليل الممكن خسارته من هذا الانقسام . المثقفون البرجوازيين الصغار هم اكثر عرضة و قابلية للتكتلية و الانقسامية عن العمال .
"كل الناس من هذه النوعية" كتب الزعيم التروتسكاوي الأمريكي ج ب كانون لديهم صفة مشتركة واحدة :
انهم يحبون مناقشة الأشياء بدون حد أو نهاية .
و العمل السياسي للمبعدين معروف بالفضيحة.
في الواقع هذه الظواهر الانعزال عن القوة الانضباطية العظيمة للصراع الطبقي وحركة الأممية الرابعة عانت بشدة من كل تلك الأمور.
منذ البداية أصابت التروتسكية بداء الانقسامية، بالانشقاقات والانفصالية الشديدة.
حارب تروتسكي بأفضل ما يملك ليكسر هذا المناخ الميئوس منه وليجد طريقة حتى تصل هذه الحركة للعمال . في البداية وجه اتباعه نحو مختلف فئات اليسار، المجموعات الاشتراكية الديمقراطية والوسطية (مثل حزب العمال الأممي البريطاني وحزب العمال الاشتراكي الألماني) المستقلة عن الأمميتين الثانية والثالثة على أمل أن يسفر ذلك عن زيمر فالد جديدة.
ثم وجههم نحو دخولية القصيرة المدى في الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الجماهيرية، و خرج بهم مرة أخرى في 1939 اقترح تروتسكي على حزب العمال الاشتراكي الأمريكي طرد الأعضاء البرجوازيين الصغار الذين فشلوا في اجتذاب عمال للحزب .
ولكن لم يسفر كل ذلك عن أي شيء .
تسبب كل تكتيك جديد في انقسامات جديدة و فشلت كل منها في تحقيق هدفها .
لم تنجح الحركة التروتسكية أبدا في استقطاب عدد معقول من العمال أو في أن تصبح جزءا من الحركة العمالية .
السؤال الذي يجب أن نسأله الآن هو:
ماذا كان اثر تلك الظروف على نظرية تروتسكي للحزب؟
فرغم انه من الممكن للمنظر أن يقاوم الأثر المحيط للظروف الصعبة بالتمسك بقوة للمكتسبات النظرية للماضي وللنقاط العالية السابقة للحركة مثلما فعل لينين أثناء رجعيه مستولين بعد 1905، ومثلما فعل تروتسكي فيما بعد إلا انه من المستحيل أن تبقى النظرية غير متأثرة على الإطلاق بالممارسة. كان هذا هو الحال مع تروتسكي .
أدت الفجوة الكبيرة بين المتطلبات الضخمة للموقف وبين القوة الضعيفة جدا التي كان من الممكن أن يوظفها تروتسكي لمقابلة تلك المتطلبات فقط إلى المبالغة في فاعلية وقوة منظمته الصغيرة جدا بل أخطأ أيضا في تقديره النظري المبالغ فيه للدور الذي يمكن أن تلعبه قيادة أممية منفصلة عن الجماهير، وفى إحلال برنامج الحزب، الذي كتب من هامش الصراع الطبقي، محل الحزب ذاته كتجسيد للطليعة الحقيقية للبروليتاريا كالمعمم لتجارب الطبقة العاملة في خضم الأحداث الكبرى، يمكن توضيح هذه النقاط بجلاء من خلال اختبار القرار الذي اتخذه في 1938 ليؤسس فعليا الأممية الرابعة والآفاق التي صاحبت هذا القرار.
2- الأسس النظرية للأممية الرابعة
نجد الصفة المباشرة الوضوح للأممية الرابعة هي الاختلاف بينهما وبين الأمميات الثلاثة الأولى .
جاء المؤتمر التأسيسي اجتماعا هزيلا مقارنة بالاجتماعات التأسيسية للسابقين .
عقد سرا في بيت صديق تروتسكي القديم ألفريد روزن في فرنسا واستمر مدة يوم واحد فقط وحضره 21 مندوب فقط .
أدعى هؤلاء المندوبون تمثيل 11 منظمة في 11 بلد .
إلا أن معظم هذه المنظمات كانت من أصغر الحلقات، بل أن "القسم الروسي" لم يكن إلا مجرد وهم مثله عميل للمخابرات الروسية يدعى ايتان، فقط جاء " ماكس شاختمان " المندوب الأمريكي من قسم ضم أكثر من 200 عضو، في 1935 أدان تروتسكي فكرة أن التروتسكيين يريدون الأممية الرابعة " يوم الخميس القادم " وأطلق على تلك الفكرة " نميمة غبية " إذن لماذا، رغم عدم حدوث تطور معتبر في الحركة .
مضى تروتسكي على أية حال وأطلق الإعلان؟
تقع الإجابة في نظرية تروتسكي " أزمة قيادة " البروليتاريا . اقتنع تروتسكي أن كلا من الرأسمالية والستالينية وصلنا لطريق مسدود مستحيل .
واعتمد النجاح على هذه الأزمة على بروز قيادة ثورية جديدة . ففي المواقف الثورية التي تقترب بحتمية اعتبر العامل الحاسم هو نوعية القيادة الثورية، وهكذا يصبح بالإمكان في تلك المواقف أن تكسب منظمات صغيرة بسرعة جماهير واسعة وتمارس أثرا حاسما على الأحداث .
ويفتتح البرنامج الذى تم تبنيه فى المؤتمر التأسيسى، الرأسمالية ومهمات الأممية الرابعة كالتالي:
يتصف الموقف السياسى العالى ككل أساسا بأزمة تاريخية فى قيادة البروليتاريا …
لم " تنضج " فقط الشروط المسبقة الضرورية للثورة بل لقد بدأت بشكل ما تتعفن .
بدون ثورة اشتراكية، فى الفترة التاريخية القادمة، تهدد كارثة كل ثقافة الإنسان وحضارته .
الدور الآن على البروليتاريا أى على طليعتها الثورية أساسا .
لقد غدت الأزمة التاريخية للإنسانية أزمة القيادة الثورية .
كانت نظرية " أزمة القيادة " تقطيرا للتجربة الثورية لحقبة بأكملها، من المثل الايجابى لأكتوبر 1917 إلى الأمثلة السلبية للمجر 1919، إيطاليا 1920، ألمانيا 1923 - 1933، الصين 1925 - 1927، أسبانيا 1931 - 1937 .
ولكن هذه "الصحة" العامة للنظرية لا تغطى المشكلة كلها. لم يدع تروتسكي ولو للحظة أن القيادة تخلق أو "تصنع" الثورة (كما يقترح، على سبيل المثال، بعض الجيفاريين)، بل إنها مجرد وصلة حاسمة في سلسلة الأحداث، حيث المكونات الأساسية الأخرى للسلسلة هي الأزمة الاقتصادية والسياسية الموضوعية للرأسمالية، الانتفاض الجماهيري للطبقة العاملة " وجود حزب ثوري معد بشكل جيد .
ولكن بدون هذه الحلقة ستكون "القيادة" معزولة، معلقة فى فراغ وعاجزة نسبيا، وموقفها سيكون أسوأ طالما عندها صورة خاطئة عن قدراتها الذاتية وأهميتها .
كانت المشكلة بالنسبة لتروتسكى هى أنه عندما أسس الأممية الرابعة فى سبتمبر 1938 ( الحزب العالمي للثورة الاشتراكية ) .
لم تكن توجد وصلات رئيسية فى الحلقة. لم يوجد لا انتفاض للطبقة العاملة ولا حزب ثورى مؤسس بصلابة داخل الطبقة فى أى مكان بالعالم.
من الطبيعي أن تروتسكى كان واعيا بشدة بهذا ."حل" تروتسكي المشكلة بسلسلة من التنبؤات توقع فيها البروز الحتمي للوصلات المختلفة فى السلسلة الثورية فى المستقبل القريب .
أولا، كان تروتسكى مقتنعا أن الرأسمالية كانت قد دخلت أزمتها الأخيرة .
" لقد حقق الشرط المسبق الاقتصادى للثورة البروليتارية عموما أعلى درجة فى النضج يمكن الوصول إليها فى ظل الرأسمالية .
لقد ركدت قوة إنتاج البشرية " . لم يكن الموقف يحتمل الحديث عن إصلاحات اجتماعية منظمة ورفع مستويات معيشة الجماهير .
ونتيجة ذلك فان الاشتراكية الديمقراطية ستهاجم فى مقتل .
ثانيا، اعتبر تروتسكى الحرب العالمية التى كانت تقترب كسابقتها، بل أكثر، موجة ثورية ضخمة :
عادة ما يكون الميلاد الثانى أسهل من الأول .
فى الحرب الجديدة لن يكون من الضرورى الانتظار عامين كاملين حتى الانتفاضة الأولى. ثالثا كان تروتسكى مقتنعا بشدة اهتراء النظام الستالينى فى روسيا -مثل الهرم المثبت على قمته- غير قادر على تحمل هذه الحرب . "لو لم تشله الثورة فى الغرب، ستكنس الإمبريالية النظام الذى خرج من ثورة أكتوبر".
وبينما أيد تروتسكى الدفاع عن الاتحاد السوفيتي، لم يفشل تروتسكي في التعامل مع حقيقة أن التخلص من مثل هذا النظام سيوجه ضربة قاتلة لما اعتبره القوة المضادة للثورة الرئيسية فى الحركة العمالية.
رابعا بالانسجام مع رؤية لينين فى الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية ومع نظريته هو عن الدائمة اعتقد تروتسكى أن المستعمرات لن تتمكن من الحصول على استقلالها بدون صراع مباشر متصل ضد الإمبريالية وبما أن البرجوازية الوطنية ستعجز عن خوض هذا الصراع، فسيكون على حركات التحرر الوطني الصاعدة اتخاذ طريق الثورة الاشتراكية. "بالفعل صارت راية النضال من أجل تحرر الشعوب المستعمرة وشبه المستعمرة، أى حوالى نصف البشرية، فى أيدى الأممية الرابعة".
وشكل هذا كله لدى تروتسكى منظور يبدو فيه:
"إن الحقبة …
التى تشرف على البدء بالنسبة للبشرية الأوروبية لن تترك أثرا فى الحركة العمالية لكل ما هو مبهم ومتعفن …
ستترك أقسام الأمميتين الثانية والثالثة المسرح بدون أحداث صوت، واحدة تلو الأخرى. من المحتم حدوث إعادة تجميع جديدة وضخمة لصفوف العمال وستحصل الكوادر الثورية الشابة على لحم ودم" .
كانت هناك أدلة كافية على احتمالية وقوع كل التنبؤات المكونة لهذا الأفق، ولكن بقيت حقيقة أن التاريخ أثبت عدم صحة كل واحدة منها.
بدأت الاستعدادات للحرب تخرج الرأسمالية من الركود، وتحولت الأزمة الأخيرة للرأسمالية، كما شخصها تروتسكى، إلى أكثر انتعاشات النظام قوة وعظمة. لم يسقط نظام ستالين فى الحرب بل خرج منتصرا وأقوى مما سبق، وبسط سيطرته على كل أوروبا الشرقية.
وبدلا من أن "تترك المسرح بدون إحداث صوت " اكتسبت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية والشيوعية، على أساس هذه التطورات، صك حياة جديد فى جميع أنحاء أوروب
ا. استطاعت الإمبريالية عموما، أن تمنح الاستقلال للمستعمرات من خلال صفقة مع برجوازيات المستعمرات، وهكذا قطعت الربط بين التحرر الوطنى والثورة البروليتارية .
وهكذا الأممية الرابعة معلقة فى السماء .
لقد تنبأ تروتسكى :
"خلال العشر سنوات القادمة سيصبح برنامج الأممية الرابعة مرشدا للملايين .
وستعرف هذه الملايين الثورية كيف تدك السماء والأرض".
ولكن، عندما انعقد المؤتمر العالى الثانى للأممية الرابعة بعد عشر سنين فى 1948 كانت الأممية الرابعة مازالت تمثل مجموعات صغيرة جدا.
أن ثبوت خطأ تنبوءات تروتسكى جعلت من نظريته السليمة فى المجرد، " أزمة القيادة " غير ذات أهمية للأغراض العملية :
ولكن لنفترض أن الرؤية، في أساسياتها، كانت قد أثبتت صحتها، هل كان كل شئ سيكون على ما يرام؟
هل كان سيكون بمقدور الأممية الرابعة الصغيرة الوصول لقيادة العملية الثورية العالمية المنبثقة بثقة وترشدها نحو الانتصار؟
بالطبع لا يمكن الإجابة بالقطع على مثل هذا السؤال، كما هو الحال بالنسبة لكل أسئلة "كان يمكن أن يحدث".
إلا أن الواضح هو أنه كانت تبرز مشكلتان كبيرتان من قرار تأسيس الأممية أولا، كانت المجموعات التروتسكية صغيرة، ضعيفة جدا ( أضعف بكثير، مثلا، من البلاشفة فى 1903، أو السبارتكوسيين فى 1914، أو مجموعة تروتسكى، ميزرا يونتس، فى 1917 ) بحيث يصبح من الصعب جدا عليها أن تجعل أحدا يشعر بها وسط انتفاضة ثورية عظيمة. أجل يمكن لحزب صغير أن ينمو بشكل رائع فى وقت ثورة. ولكن يجب أن يمتلك فى البداية حجما وفاعلية معقولة على الأقل وإلا عصفت به الأحداث .
هذه هى نقطة أهم مسألة عملية بناء الحزب الطويلة المرهقة فى فترة قبل الثورة .
آمل تروتسكى فى التغلب على هذه الصعوبة بواسطة نظام من المطالب الانتقالية يمكن المجموعة الصغيرة من الارتباط وقيادة الجماهير .
كتب : تتكون المهمة الاستراتيجية للفترة القادمة …
فى التغلب على التناقض بين الشروط الموضوعية وعدم نضج البروليتاريا وطليعتها …
من الضرورى مساعدة الجماهير فى عملية النضال اليومى لخلق الجسر بين المطالب الحالية وبين البرنامج الاشتراكى للثورة يجب أن يتضمن هذا الجسر نظاما من المطالب الانتقالية ينبع من ظروف اليوم والوعى الحالى للشرائح الواسعة من الطبقة العاملة .
نظام يؤدى بوضوح ودقة نحو استنتاج نهائى وحيد استيلاء البروليتاريا على السلطة .
ولكن لأن تروتسكى قرر إعلان الأممية بدون أن يكون لديه قاعدة الطبقة العاملة مدفوعا لاقتراح هذه المطالب الانتقالية صياغتها فى نظام ثابت بمعزل عن وبشكل يتقدم النضالات الجماهيرية . كان هذا أسلوبا خاطئا .
لا يمكن ببساطة أن تستخلص المطالب التى تنبع حقيقة من "الوعي الحالي" وتؤدى فعليا إلى الاستيلاء على السلطة من رأس منظر . مهما كانت عبقريته، ولكنها يجب أن تكون تعبير وترجمة لنضالات الجماهير .
لهذا الغرض يجب أن يوجد حزب ذو جذور ليعمل كهمزة اتصال وتفاعل بين العمال والقيادة . ولكن كانت الأممية الرابعة أضعف كثيرا من أن تستطيع لعب هذا الدور . لقد تم قبول برنامج تروتسكى الانتقالى .
"الرأسمالية ومهمات الأممية الرابعة" .
بدون تعديلات وتقريبا بدون نقاش، ولكن لم يحدث أبدا أن تبنى العمال مطالب البرنامج - من أجل سلم متصاعد للأجور، من أجل فتح ملفات الشركات الكبيرة. من أجل تأميم البنوك، من أجل ميليثيا عمالية.
كما أنه ليس من الممكن، مثلما ظن تروتسكى، التوقع بدقة والتخطيط المسبق لبرنامج الثورة - من الممكن رؤية الخطوط العريضة لمعركة، ولكن ليس الأشكال الخاصة للنضال، وعلى هذه الأشكال الخاصة يتم تحديد المطالب المعينة .
فلكى يقودوا الثورة الروسية كان على البلاشفة أن يراجعوا كلية برنامجهم، وحتى شعارات أساسية مثل "فلتسقط الحكومة المؤقتة" وكل السلطة للسوفييتات كان لابد من سحبها فى أوقات وإعادة طرحها بعد ذلك.
المشكلة الثانية كانت ستتكون أن رؤية تروتسكى تضمنت "إعادة" تجميع جديدة وضخمة لصوف العمال . لم يكن من الممكن حدوث ذلك إلا من خلال انشقاقات فى الأحزاب الاشتراكية الديموقراطية ومن خلال ظهور الكثير من المنظمات الثورية وشبه الثورية .
إلا أن تروتسكى، بتأسيسه للأممية قبل حدوث أى من هذه التطورات أو حتى بدء حدوثها، كان يحاول أن يقرر مسبقا وبشكل محدد الشكل التنظيمى الذى ستأخذه عملية إعادة التجميع . فى هذه الظروف كان الوجود المسبق لأممية تتكون من مجموعات صغيرة جدا .
ذات عادات حلقية، والتى كان سيجب على المنظمات والحركات الجديدة أن تنضم إليها، سيشكل فى الغالب عقبة صعبة أمام خلق أممية حقيقية لجماهير العمال .
فى فحصنا لمسألة الأممية الرابعة ونظرية تروتسكى عن الحزب يكون من المفيد الإشارة إلى كلمات كتبها هو فى 1928 (وجهها ضد السياسة الستالينية فى اللجنة النقابية الإنجليزية-الروسية) :
انه أسوأ وأخطر شئ لو اتخذت مبادرة من الرغبة الانتهازية نافذة الصبر للقفز فوق تطور الحزب ولتخطى المراحل الضرورية فى تطوره ( انه هنا بالتحديد حيث يجب عدم تخطى أو القفز فوق أى مرحلة).
من المحتمل أن إعلان الأممية لم يكن انتهازية .
إلا أنه كان بالقطع محاولة للقفز على تطور الحزب. في الأساس كانت خطوة ضخمة رفعت فيها راية ثورية عالية فى فراغ. أدت هذه الخطوة، إلى جانب بقية عمل تروتسكى، دورها فى الإبقاء على شعلة الماركسية غير المشوهة فى وقت كادت تنطفئ، فيه هذه الشعلة تماما .
إلا أن هذه الخطوة أعطت، أيضا، لحركة التروتسكية رؤية خاطئة عن دور وطبيعة القيادة الثورية، أعطتها عددا من الرؤى الخاطئة عن البرنامج والمطالب الانتقالية وكم من الأوهام حول مدى قوتها وأهميتها .
3- انحطاط الأممية الرابعة
يجب هنا أن نتطرق باختصار لما حدث للأممية الرابعة بعد موت تروتسكى .
لأنه حينذاك ظهرت أخطاء السنوات الأخيرة من حياة تروتسكى بوضوح كامل . كان تروتسكى قد كتب فى 1938 :
لو كانت أمميتنا مازالت ضعيفة من حيث العدد . فهى قوية فى الفكر . البرنامج .
التراث فى الصلابة التى لا تقارن لكوادرها ومن لا يعتقد ذلك اليوم فلندعه ينتحى جانبا فى الوقت الحاضر .
غدا . سيصبح الأمر أكثر تأكيدا ووضوحا .
أثبتت بقية " القيادة الأممية " والتى لم يكن لديها أى خبرة حقيقية فى الحركة العمالية وبدون أى إنجازات نظرية مستقلة .
أنها غير قادرة على تكييف ذاتها فى عالم متغير . انه لأحد عيوب أممية بدون قاعدة أنه يمكن لرؤيتها " العالمية " أن تبتعد أكثر فأكثر عن الواقع بدون أن تخضع لاختبار ودروس الممارسة، وهذا بالضبط ما حدث .
على الرغم من كل الأدلة المعاكسة، تمسكت قيادة الأممية الرابعة ببرنامجها وأعلنت تحقق رؤاها وتوقعاتها .
فى أوقات صارت هذه العملية " كوميديا " . مثلما كتب جيمس ب.كانون. زعيم حزب العمال الاشتراكى الأمريكي بعد ستة أشهر من نهاية الحرب العالمية الثانية :
توقع تروتسكى بأن مستقبل الاتحاد السوفيتي سيتحدد فى الحرب يظل هذا هو اقتناعنا الراسخ فقط نحن نختلف مع هؤلاء الذين يعتقدون، بدون تفكير، أن الحرب قد انتهت …
الحرب لم تنته، والثورة التى قلنا أنها ستخرج من الحرب فى أوروبا مازالت على الأجندة .
فى مناسبات أخرى كان العمى عن رؤية الواقع أكثر خطورة .
مثلا عندما كتب أرنست ماندل فى 1946: لا يوجد أى سبب على الإطلاق يدعونا أن نعتقد أننا نشهد حقبة جديدة من الاستقرار والتطور الرأسمالى، على العكس .
لقد عمقت الحرب من عدم التوازن بين زيادة إنتاجية الاقتصاد الرأسمالى وبين قدرة السوق العالمية على استيعابها .
فى مثل تلك الحالة كان من المحتم حدوث انشقاقات وانقسامات فى الحركة . المسألة التى أحدثت هذه الانقسامات ودمرت الأممية كانت "المسألة الروسية" وبالتالي مسألة أوروبا الشرقية .
من وجهة نظر تروتسكى بقيت روسيا دولة عمالية بسبب علاقات ملكيتها المؤممة، ولكن دور البيروقراطية الستالينية رجعيا فى الداخل ومضاد للثورة على الصعيد العالمى .
هذا الافتراض الأخير كان فى الحقيقة التبرير التاريخى لوجود الأممية الرابعة .
لم يكن هناك وجود على الإطلاق للاستيلاء الشيوعى على أوربا الشرقية فى هذا التحليل، ولكن متى حدث هذا الاستيلاء ظهرت مسألة لم يكن ممكنا تجاهلها ولا الإجابة عليها بالإشارة ل " البرنامج "
ما هو الطابع الطبقى للدول الأوربية الشرقية الشيوعية ؟
هنا وجدت الحركة التروتسكية ذاتها في وسط أمر محير للغاية .
فلو كانت أوروبا الشرقية دولا عمالية لما أبطلت وسخفت هذه الحقيقة فقط من الرأي القائل بأن الستالينية كانت مضادة للثورة، بل ولكانت ناقضت أيضا النظرية الماركسية عن الثورة الاشتراكية لأنه تقريبا في كل الحالات لم تلعب الطبقات العامل لأوربا الشرقية أي دور في تحررها .
لو بقيت دول الشرقية رأسمالية أذن كيف يتم تفسير التطابق والتماثل التام بين بنيتها الاقتصادية والسياسية مع بنية الاتحاد السوفيتي؟
كان المنطق الوحيد المتماشى والمنسجم مع الماركسية الثورية هو التخلى عن توصيف روسيا كدولة عمالية، ولكن هذا سيعنى مراجعة صريحة للبرنامج المقدس .
بدلا من ذلك راوغت الأممية الرابعة وانقسمت. في البداية حاولت المحافظة على موقف اعتبار هذه الدول دول فصل ما تزال رأسمالية، ثم بعد ذلك وتحت تأثير انفصال ستالين - تيتو فى 1948 ذهبت الأممية الرابعة لوجهة النظر المؤيدة للستالينية ضمنيا …
خلق الجيش الأحمر، خلق سلسلة من الدول العمالية المشوهة .
صاحب ذلك التحول محاولة انتهازية لمغازلة المارشال تيتو، ثم بعد ذلك، وتحت قيادة ميشيل بابلو، تحول ضخم نحو الستالينية بلغ ذروته فى نظرية أن هناك حربا عالمية أخرى تقترب ستضطر فيها الأحزاب الستالينية أن تجذر من مواقفها .
من هذا استخلص بابلو النتيجة المنطقية أن الأحزاب التروتسكية يجب أن تحل نفسها وتستأنف اتخاذ مواقف يسار الأحزاب الشيوعية. صاحب كل تلك العملية عدد لا يحصى من الانقسامات والطرد، ولكن حدث هنا انقسام ضخم .
اعترضت أجزاء كبيرة من الأممية تحت قيادة حزب العمال الاشتراكى الأمريكي على هذه السياسة التصفوية وقاطعت القيادة :
لكن لم ترفض هذه الأجزاء إلا استنتاجات بابلو وليس مقدمات وتحليل بابلو .
صارت الحركة الأممية التى أسسها تروتسكى حطام - نظريا وسياسيا وتنظيميا .
أن نتيجة هذه القصة الحزينة هى أنه توجد اليوم أربعة منظمات تدعى أنها الأممية الرابعة والعديد من المنظمات التى تحاول إعادة بناء الأممية الرابعة .
يوجد الآن فى بريطانيا أكثر من عشر مجموعات تروتسكية " أرثوذكسية " تدعى كلها الالتزام بـ"أسفار" برنامج 1938 .
بالطبع لم تنج النظرية اللينينية فى التنظيم، والتى دافع عنها تروتسكى طويلا، من آثار انحطاط التروتسكية .
فبينما تلتزم كل المجموعات التروتسكية بكلمات النظرية حرفيا، تعرضت "روح" النظرية لنوعين من التحريف.
يمكن وصف النوع الأول بالحلقية الدوجماتية المتطرفة .
فى هذا النوع تعلن المنظمة وتطلب حق قيادة الطبقة العاملة، مهما كان صغر حجم المنظمة وعدم أهميتها .
تعرف نفسها أنها الحزب الثورى ليس على أساس دورها فى الصراع الطبقى بل على أساس امتلاكها "النظرية السليمة" و"الخط السليم" .
أساسا ينظر للحزب على أنه منفصل ليس فقط عن الطبقة العاملة ككل بل أيضا عن العمال الطليعيين .
ولو كان الحزب بالنسبة للينين هو معلم وتلميذ فى ذات الوقت، ففى هذه النسخة من التروتسكية يحاول الحزب لعب دور ناظر المدرسة على الطبقة العاملة . داخليا تميل تلك المنظمات للشمولية والعقابية بل وأحيانا لعبادة القائد.
خارجيا تعيش تلك المنظمات أوهام خاطئة عن العظمة والأهمية وتتصف بالبارانويا وعدم القدرة على النظر فى وجه الحقيقية.
النوع الثاني من تلك المنظمات يمكن وصفه بالانتهازية البرجوازية الصغيرة .
فعلى الرغم من أنها تؤدى طقوس الطاعة فى المناسبات لـ"دور الطبقة العاملة" إلا أن الفشل في تحقيق قاعدة في الطبقة العاملة، في الممارسة، تقبل كأمر واقع طبيعى ويتم البحث عن بدلاء .
يتراوح هؤلاء البدلاء من الحركات المتضامنة مع العالم الثالث، للطلبة الثائرين، للراديكاليين السود (سلطة السود)، لتحرر المرأة.
ولكن هذا النوع من المنظمات التروتسكية يتميز بالآتي:
أ- البقاء داخل والتكيف مع مناخ برجوازى صغير، ب- التأجيل للمستقبل غير المحدد للمهمة المركزية لاختراق وتنظيم الطبقة العاملة الصناعية. هكذا تصبح المجموعة الصغيرة تشبه مجموعة نقاش أكاديمية تهتم بالحذاقة النظرية، وهو الجو الذى لا يمكن أن يستريح فيه العمال.
يعتمد كل من هذين النوعين من "التروتسكية" بثقل في نظريتهما عن الحزب على نظرية لينين قبل 1905 وهي أن الاشتراكية يجب تقديمها إلى الطبقة العاملة من الخارج، أن كلا من هذين النوعين يستخدمان هذه الفكرة كعذر وتبرير لعزلتهما عن الطبقة العاملة .
فى واقع الأمر، وباسم لينين وتروتسكى، وصلت تلك المنظمات إلى صنع كاريكاتير تام من النظرية اللينينية التروتسكية عن الحزب .
بالطبع أنه من غير المعقول تحميل تروتسكى مسئولية كل الحماقات التى ارتكبها ويرتكبها متبعوه ولكن على الرغم من ذلك، يوجد نوع ما من الاستمرارية بين الأخطاء فى رؤاه عن الأممية الرابعة وتطورها اللاحق وإذا استخدمنا صورة بلاغية لتروتسكى ذاته يمكن القول بأن الخدش فى نظريته عن الحزب، الذى نتج عن الظروف اليائسة فى الثلاثينات، قد تلوث وتضخم وأدى فى النهاية لغرغرينة التخلى عن رؤية الحزب الثورى كتنظيم العمال المتقدمين.

 

 

الفصل السادس :
جرامشي والأمير الحديث
في الوقت الذي ناضل فيه تروتسكى لتطبيق نظرية التنظيم اللينينية قضى أنطونيو جرامشى إحدى عشر عاما فى سجن فاشى طور فيهما أفكارا جديدة وأصيلة فى الإستراتيجية الثورية .
كان نتاج هذا المجهود الضخم مفهوم جديد عن دور ومهام الحزب الثورى ويعتبر هذا المفهوم محور الاستراتيجية الجرامشية والإضافة الجوهرية الوحيدة لنظرية التنظيم الماركسية منذ لينين .
استطاع جرامشى تحقيق هذه الإضافة النظرية أساسا بسبب منظوره الفلسفى الفريد الذى تناول من خلاله مسألة الحزب وبالتالى فان أى تحليل لنظرية الحزب عند جرامشى لبد أن يبدأ بتناول الأسس الفلسفية التى بنيت عليها .
1- فلسفة الممارسة
وصل جرامشى إلى الماركسية، كما فعل جورج لوكاتش ( الفيلسوف الماركسى البارز الآخر فى فترة ما بعد الحربين )، عن طريق هيجل . أى طريق الفلسفة .
كان لبنديتو كروس وأنطونيو لابريولا التأثير فى تكوين جرامشى الثقافى .
كان كروس فيلسوفا مثاليا يرى أن الهدف الأساسى للفلسفة هو فهم التاريخ ولذا أطلق على نفسه تسمية مؤرخ مطلق .
اعتبره جرامشى أعلى تمثيل للثقافة البرجوازية الإيطالية واحد أبرز المتحدثين باسم الليبرالية فى العالم .
كان كروس ناقدا للماركسية وعلى الرغم من ذلك كان جرامشى يرى أن أعماله كانت على مستوى ثقافى أرقى من الأعمال الماركسية الفجة والوضعية المنتشرة فى إيطاليا ما قبل 1914، لذا تماثل علاقة جرامشى بكروس تلك العلاقة بين ماركس وهيجل .
فى البداية وقع تحت تأثيره ثم اعتبره بعد ذلك فأكثر كشخصية أساسية لابد من تحديها وتخطيها من خلال مزيج نظرى جديد . أن ما أخذه جرامشى من كروس وطوروه هو رفض الحتمية الاقتصادية والوضعية كما أخذ منه أهمية القوى الأخلاقية السياسية أو الأيديولوجية فى التاريخ .
قدم انطونيو لابريولا الجسر بين الماركسية والمثالية الكروسية حيث يعد مؤسسس الماركسية الإيطالية فى أواخر القرن التاسع عشر . كان لابريولا أستاذ فلسفة فى جامعة روما، جاء إلى الماركسية فى فترة متأخرة فى حياته بعد أن كان أبرز قيادات المدرسة الهيجلية الإيطالية .
كان لابريولا أول من قدم مصطلح فلسفة الممارسة والذى استخدمه جرامشى كمصطلح بديل للماركسية فى " مذكرات السجن " لتخطى رقابة السجن .
كان جرامشى يكن له احتراما كبيرا وقدر بالذات تركيزه على الوحدة بين النظرية والتطبيق واستقلال الماركسية عن كل الاتجاهات الفلسفية الأخرى .
فى مذكرات السجن وصفه جرامشى بأنه " الرجل الوحيد الذى حاول بناء فلسفة الممارسة عمليا " .
وضح الاتجاه الذى تسير فيه أفكار جرامشى فى المقال الذى استقبل به الثورة الروسية، الثورة ضد رأس المال والذى مدح فيه البلاشفة لرفضهم أن يتقيدوا بالقوانين التاريخية الحيدية .
وعندما أصبح جرامشى بعد الحرب العالمية ماركسيا ناضجا وشيوعيا، كانت ماركسيته مختلفة تمام عن المادية العلمية التقليدية التى كانت تميز الأممية الثانية وتهيمن بدرجة كبيرة على الأممية الثالثة أيضا باستثناء لينين الذى كان قد غير موقفه الفلسفى فى 1914 .
بالنسبة لجرامشى الناضج فى مذكرات السجن كانت فلسفة الممارسة هى التأريخ التام والعلمية التامة والمادية التامة للفكر والإنسانية التامة للتأريخ .
هذه الفلسفة تتعارض كليا مع جميع أشكال الميتافيزيقا سواء كانت ميتافيزيقا لطبيعة إنسانية مجردة أم الإنسان بشكل عام التى نجدها فى الدين والفلسفات المثالية المشتقة من الدين أم كانت ميتافيزيقا تؤسس نفسها على أساس قوانسن موضوعية .
يميز جرامشى نفسه، من خلال تعريفه للماركسية بشكل تاريخى / أنساني ليس فقط عن بوخارين وكاوتسكى والكانطيين الجدد .
بل أيضا عن بليخانوف المعلم الفلسفى لكل الماركسيين الروس .
يؤدى به هذا إلى نقد التصور السائد لمسائل فى غاية الأهمية لنظرية الحزب " الحتمية التنبؤ العلمى، الحتمية الاقتصادية .
تؤدى التحليلات الحتمية للماركسية، كما أشرنا كثيرا من قبل .
إلى عرقلة فهم الحزب ولذا يعتبر أعظم إنجازات لينين هو فصل نفسه عن الفهم الحتمى للتنظيم فى الأممية الثانية .
ولكن ما يميز جرامشى عن لينين وتروتسكى ومعارضين آخرين للحتمية أن هؤلاء لم يواجهوا الحتمية أبدا على هذا المستوى الفلسفى . فقد تجنبوا المسألة الأساسية وتناولوا الحتمية كعنصر زمن .
فيقولون أنه بالطبع على المدى الطويل تكون وحدة البروليتاريا وانتصار الاشتراكية …
الخ أمورا حتمية، ولكن السؤال هو كيف نسرع هذه العملية، ما العمل الآن ؟ وبهذه الطريقة يتم الالتفاف حول الآثار السلبية للحتمية ولكن بسبب التنازل للحتمية فى النهاية لم يتم نبذها بشكل كلى . أما بالنسبة لجرامشى فعلى الرغم من فهمه لدور المفيد تاريخيا الذى تلعبه الحتمية لكنه لم يقع فى هذا اللبس : " لابد من ملاحظة كيف أن العنصر القدرى والحتمى والميكانيكى هو بمثابة عطر يخرج من فلسفة الممارسة شبيه بالدين والمخدرات . ( فى تأثيره السلبى ) .
فى فترات الهزيمة تكون الفكرة الحتمية أن التاريخ على جانبنا مصدر للقوة والمقاومة ولكن تكون البروليتاريا تلعب الدور الرئيسى فى التوجيه الفعلى للأحداث ( فى الثورة مثلا ) تصبح الميكانيكية فى لحظة معينة خطر وشيك .
أن القوة الكبيرة التى تمتلكها الماركسية بالنسبة للماركسى الحتمى أمام الأيديولوجيا البرجوازية هى قدرتها على قراءة المستقبل بسبب كشفها لقوانين التاريخ .
أما جرامشى فيرى:
فى الواقع لا يمكن التنبؤ إلا بالصراع وليس الظروف الملموسة للصراع والتى لا يمكنه أن تكون إلا نتاج لقوى متناقضة فى حركة مستمرة لا تقلل أبدا إلى كميات محدودة، ففيها يتحول باستمرار الكم إلى كيف فى الواقع نستطيع التنبؤ بالدرجة التى نمارسها أى بالدرجة التى نبذل بها جهد تطوعى .
وبذلك نشارك بشكل ملموس فى خلق النتائج المتنبأ بها .
يكشف التنبؤ نفسه ليس كعملية معرفة علمية ولكن كالتعبير المجرد للجهد المبذول .
الوسيلة العملية لخلق إرادة جماعية .
إذا كانت القدرية بالنسبة لجرامشى شبيهة بالدين فان الحتمية للاقتصادية كانت بالنسبة له ليست أفضل كثيرا من الخرافة و تشويه فج للماركسية ولمواجهة هذه الحتمية الاقتصادية كمنهج تاريخى يرجع جرامشى إلى الشهادة الأصلية لماركس .
مؤلف أعمال سياسية وتاريخية ملموسة .
يرى جرامشى الاقتصادوية أو النقابية كاتجاه فى حركة الطبقة العاملة يجد أصوله فى الليبرالية البرجوازية ( الحركة الحرة للقوى الاقتصادية ) وليس فى الماركسية والتى تهدف إلى تطويع القوى الاقتصادية لإرادة الإنسان من خلال السياسة . النقابية هى نظرية طبقة مضطهدة "وتمنعها هذه النظرية من أن تصبح طبقة مسيطرة".
يربط جرامشى بين الامتناع اليسارى المتطرف فى الانتخابات والرفض المطلق للتنازلات والعداء للتحالفات وبين الاقتصادية فى أنها كلها مبنية على اقتناع بأن القوانين الاقتصادية ( خاصة فى وقت الأزمة الرأسمالية ) ستؤدى فى حد ذاتها إلى الاشتراكية .
كانت هذه الرؤية لدور الأزمات الاقتصادية بالنسبة لجرامشى "روحانية تاريخية" انتظار معجزة مضيئة من نوع ما.
على العكس من ذلك لا تؤدى الأزمات الاقتصادية المباشرة فى حد ذاتها إلى أحداث تاريخية جوهرية :
بل تحدث بيئة أكثر ملائمة لنشر أفكار معينة ووسائل معينة لطرح وحل مسائل متعلقة بالتطور اللاحق للحياة القومية ككل .
أن التحليل الماركسى الأصيل لموقف ما بالنسبة لجرامشى ربد أن يكون دراسة ملموسة لعلاقات القوى بالنظر إلى تغييرها . أن تحليل مثل هذا لابد أن يشتمل على الأقل المستويات الثلاثة التالية :
1- علاقات القوى الاجتماعية وثيقة الارتباط بالبنية الموضوعية المستقلة عن الإرادة الإنسانية والتى يمكن أن تقاس بأساليب العلوم الطبيعية .
على هذا الأساس نستطيع أن نكتشف إذا كان يوجد فى مجتمع معين الظروف الضرورية والكافية لتحويل هذا المجتمع .
2- علاقات القوى السياسية، تقييم لدرجة التجانس والوعى الذاتى والتنظيم التى وصلت إليها الطبقات الاجتماعية المختلفة.
3- علاقات القوى العسكرية.
كتب جرامشى "أن التطور التاريخى يتأرجح بشكل مستمر بين المستوى الأول والثالث بواسطة المستوى الثاني" يهتم جرامشى بشكل خاص بهذا المستوى الثانى الوسيط أى المستوى السياسى .
يعطى جرامشى أذن للفلسفات والتصورات عن العالم وللأفكار التى يتبناها الناس دور مهم وفعال فى خلق التاريخ . بالطبع يفتح هذا عليه باب الاتهامات بالإرادية والمثالية ( كانت هذه الاتهامات توجه إليه بشكل متكرر فى الصراعات الداخلية للحزب ) فى الواقع لا يهتم جرامشى بالفلسفة فى المجرد ولكن بالتطور التاريخى الملموس لفلسفات معينة وخاصة تأثيرها على التفكير اليومى والوعى الدارج للجماهير .
أن يستطيع جمهور من الناس التفكير بانسجام وبشكل وحدوى فى الواقع الحاضر هو حدث فلسفى أكثر أهمية وأصالة من عثور عبقرية فلسفية ما على حقيقة جديدة تبقى ملكا لمجموعات صغيرة من المثقفين .
يصر جرامشى على أن كل شخص فيلسوف ولكن بطريقته الخاصة وبشكل غير واعى . ولكن من الضرورى تحويل ما هو ضمنى ومتناقض ومفك فى الجماهير إلى وعى منظم ونقدى من الممكن أن ينتج عنه تكوين إرادة فعل جماهيرية جماعية . ولكن النظرة الكونية هذه لا يمكن أن تنمو بشكل عفوى فى أفراد منعزلين .
أن تكوين إرادة جماعية يستلزم نقطة انطلاق ونقطة انتشار .
لابد أن توجد قوة تعمل على تطو يره من الناحية النظرية والعملية .
لذا أدت فلسفة الممارسة عند جرامشى بتركيزها على الفاعل الإنساني الواعى فى التاريخ ونبذها للحتمية الميكانيكية والجامدة بشكل مباشر إلى مسألة الحزب الثورى وجعلته متمكنا لدرجة كبيرة فى التعامل مع هذه المسألة ولكن بالتعمق الفلسفى وحده لم يكن جرامشى ليستطيع تطوير نظرية الحزب بشكل ملموس . كان هناك شرط آخر لظهور نظرية الحزب عند جرامشى وهو الاشتراك بشكل متعمق فى الفعل السياسى فى حركة الطبقة العاملة والتحليل الملموس لها.
2- التجربة الإيطالية - الثورة والهزيمة
كانت التجربة السياسية الفاصلة فى تكوين فكر جرامشى هى انتفاضة عمال إيطاليا بقيادة بروليتاريا تورينو فى 1919 و1920 . أن تدخل جرامشى فى هذه الأحداث من خلال المجلة الأسبوعية "النظام الجديد" جعلته قريبا جدا من عمال تورينو .
يتذكر جرامشى أنه :
فى ذلك الوقت لم نتخذ أى مباشرة لم تكن قد اختبرت فى الواقع …
وأخذ رأى العمال بشكل كامل فى الموضوع .
لهذا لا سبب ظهرت مبادرتنا كتفسير لحاجة ملموسة وليس أبدا كتطبيق بارد لنموذج ثقافى .
كان إنجاز جرامشى العظيم فى " النظام الجديد " هو ترجمة فكرة السوفييتات الروسية إلى إيطاليا وذلك من خلال تطوير اللجان الداخلية للمصانع كأساس لدولة جديدة .
فى نص مهم كتب فى 1920 لخص جرامشى تصوره للشيوعية كالتالى :
تؤكد لذلك على التالى :
أن الثورة ليست بالضرورة بروليتارية وشيوعية إذا طرحت ونفذت عملية الإطاحة بالدولة البرجوازية، ولا تكون بروليتارية وشيوعية إذا طرحت ونفذت عملية تدمير المؤسسات التمثيلية والجهاز الإداري الذى تمارس من خلالها الحكومة المركزية السلطة السياسية للبرجوازية، لم ولن تكون بروليتارية وشيوعية حتى إذا وضعت موجة الانتفاضة الشعبية السلطة فى أيدى أشخاص يسمون أنفسهم ( ويكونوا بصدق ) شيوعيين .
تكون الثورة بروليتارية وشيوعية فقط بالدرجة التى تحرر بها قوى الإنتاج البروليتارية والشيوعية، قوى كانت تتطور بداخل المجتمع المحكوم بالطبقة الرأسمالية .
تكون بروليتارية وشيوعية بالدرجة التى تدفع إليها وتشجع نمو وتنظيم القوى والبروليتارية والشيوعية القادرة على بدء العمل الصبور والمنهجى الضرورى لبناء نظام جديد فى علاقات الإنتاج والتوزيع .
أن هذا التأكيد على الجانب الخلاق والبناء للثورة العمالية وليس على الجانب التدميرى . الإطاحة بالرأسمالية ظل كخيط أساسى فى فكر جرامشى .
كانت هذه التجربة أيضا سلبية فى أنها فضحت الضعف الشديد للحزب الاشتراكى الإيطالي ولتراث الاشتراكية الإيطالي ككل .
فشلت التيارات الرئيسية للاشتراكية الإيطالية تماما فى تقدير أهمية مجالس المصانع واعتبرتها تهديدا لنظام النقابات القائم وتركت البروليتاريا .
فى تورينو لتناضل وحدها .
وفى اللحظة الحاسمة، ظل الحزب الاشتراكى الإيطالي مثلولا بالبيروقراطية غير قادرا أو راغب فى تقديم قيادة واضحة للحركة الثورية الصاعدة، وكنتيجة لذلك فقدت المبادرة وفتح الطريق أمام الثورة المضادة الشرسة والتى وصلت إلى قمتها فى تقدم موسولينى إلى روما .
كان رد فعل جرامشى لهذه الخيانة هو نقد مدمر بعنوان " نحو تجديد الحزب الاشتراكى " والذى أدان فيه قيادة الحزب لفشلها فى خلق حزب نضالى متجانس مطهر من العناصر الإصلاحية وغير الشيوعية وفشلها فى اشتراك الحزب فى نشاط الأممية الثالثة ونقص المعارضة الثورية فى الاتحاد العام للعمل وارتباطها بالديموقراطية البرلمانية وامتناعها عن شن هجوم على السلطة .
توصلت هذه الأطروحات، والتى نالت تأييد لينين، إلى أن: وجود حزب شيوعى على درجة عالية من الانضباط والتماسك وله خلايا فى المصانع والنقابات والجمعيات ويستطيع من خلال لجنته المركزية التنفيذية تركيز وتنسيق الفعل الثورى البروليتارى كله .
هو الشرط الجوهرى والذى ل يمكن الاستغناء عنه لأى تجربة سوفييتات .
لذا لم يكن موقف جرامشى الفلسفى فقط ولكن أيضا تجربته العملية هو الذى أدى به إلى مسألة الحزب .
ولكن فى البداية لم يكن إبداعه ظاهرا ولم يكن يستطيع تبنى سياسة مستقلة .
تسبب فى هذا جزئيا ضغوط الأحداث اليومية والقمع الفاشى وأيضا الموقف الذى وجد نفسه فيه بداخل الحزب الشيوعى الإيطالي حديث التأسيس .
كان الحزب منقسما بين الشخصية المهيمنة لاماديو بورديجا اليسارى المتطرف وجناح يمينى انتهازى بقيادة انجليلو تاسكا .
اختلف جرامشى بعمق مع بورديجا ولكنه كان يقدر قيمة وجوده فى قيادة الحزب ولم يرغب فى تحديه خوفا من أن يقع الحزب تحت سيطرة تاسكا .
لم تكن الفرصة متاحة لجرامشى لتطوير وإيضاح أفكاره حتى اعتقاله فى 1926 .
وفى ذلك الوقت كانت الأحداث على المسرح العالمى تشكل جزءا كبيرا من اهتمامه .
أراد جرامشى أن يتعلم دروس هزيمة الموجة الثورية التى أعقبت الحرب ليس فقط فى إيطاليا ولكن فى جميع أنحاء أوربا .
ورأى جرامشى فى نمو الدولة الفاشية وظهور الفوردية فى أمريكا تطورات حديثة فى الرأسمالية تطرح مسائل استراتيجية جديدة أمام الحركة العمالية.
كانت هذه الخلفية التاريخية التى كون أثناءها جرامشى فى كتابات السجن مفاهيمه عن الحزب الثورى.
3- الأمير الحديث والمنظور المزدوج
تناول جرامشى مسألة فى مذكرات الحزب فى مذكرات السجن من خلال دراسة لكتاب الأمير لمكيافيللى .
كانت أهمية مكيافيللى بالنسبة لجرامشى تكمن فى أنه يمثل تجربة رائدة فى إيطاليا فى إيضاح كيفية خلق إرادة قومية جماعية من أجل تأسيس دولة جديدة ( إيطاليا برجوازية موحدة ) .
كان مكيافيللى " يعقوبى النزعة " وطرح من خلال الشخصية الأسطورية " الأمير " القيادة السياسية، الإستراتيجية والتكتيك الضرورين لتحقيق هذا الهدف .
أن تأسيس دولة عمالية جديدة يتطلب مثل هذه القيادة السياسية - أمير حديث - ولكن يقول جرامشى :
أن الأمير الحديث ..
لا يمكن أن يكون شخصية حقيقية أو فرد ملموس .
لا يمكن أن يكون الأكائن عضوى، عنصر مركب فى المجتمع بإرادة جماعية قد ظهرت من قبل واستطاعت لدرجة ما أن تثبت نفسها فعليا وبدأت تأخذ شكلا ملموسا .
لقد قدم لنا التاريخ هذا الكائن وهو الحزب السياسى - أولى الخلايا التى يتجمع فيها بذور إرادة جماعية تتجه نحو الكونية والكلية.
وكما يوضح مكيافيللى الخواص الضرورية لأمير ناجح، يمضى جرامشى، مستندا على أساس الموقف الفلسفى الموضح أعلاه، لتناول الخواص الضرورية للحزب الثورى ولكن للأسف لا يفعل ذلك بشكل منظم بل من خلال سلسلة من الملاحظات الغنية جدا والمعقدة جدا، فيها درجة ما من التفكك والتى تتداخل فيها مواصفات الحزب الثورى مع نقاط تحليلية عن الأحزاب بوجه عام .
ولذا سيكون أي عرض مختصر نسبيا لهذه الأفكار، كما هو الحال فى هذه الدراسة مضطرا إلى محاولة انتقاء الخيوط الرئيسية وإدخالها فى بنية ليست موجودة (على الأقل ظاهرياً) فى الأصل.
لابد أن يكون فى هذه العملية بعض التعسف ولن تكون مرضية بشكل كامل، ولكن لن يمكننا تجنب هذا.
يعارض جرامشى أي فصل ميكانيكي للمستويين وأي محاولة لعرضهما كمراحل متتالية، منفصلة زمنياً. أن عنصر القبول دائما موجود فى تطبيق القوة وعنصر القوة موجود دائما فى كسب القبول .
يلاحظ محرروا كتاب مذكرات السجن أن :
من الممكن أن نرى هنا محاولة لتنظير الصراع الذى خاضه جرامشى فى الحزب الشيوعى الإيطالي ضد بورديجا من جهة وتاسكا من الجهة الأخرى . يمثل بورديجا فى هذا النموذج العزل غير الجدلى للقوة والسيطرة ويمثل تاسكا عزلا متوازيا للقبول والهيمنة .
حول جرامشى أن ينظر وحده هذين المنظورين . ولكن كما هو صحيح أن فى الجدلية الثورية للهدم / إعادة البناء يركز جرامشى على جانب البناء ومع أنه لم يتغافل أبدا عن لحظة القوة فان اهتمامه الأساسى هو بمسألة القبول الجماهيرى وطور أبحاثه التالية على هذا الأساس .
يعتبر السجال ( الصراع ضد البورديجية ) سببا جزئيا لهذا الاهتمام . ولكن السبب الرئيسى هو إعادة النظر العميقة التى قام بها جرامشى للمهام التى تواجه الأحزاب الثورية بعد هزيمة الحركة الثورية بعد الحرب وتطورات الرأسمالية الحديثة .
إذا كان لابد على الحزب الثورى تبنى المنظور المزدوج فهذا لأن الطبقة الحاكمة تبقى على نفسها بنفس الأسلوب أى بمزيج من الديكتاتورية والهيمنة والذين يتم تجسيدهم فى سلطة الدولة السياسية والمجتمع المدنى .
ولكن سلطة الدولة القمعية ومؤسسات المجتمع المدنى لا يتطوران بشكل متكافئ ولا يقفان فى نفس المواقع بالنسبة لبعضهما فى كل الأوقات وفى كل البلدان . لابد على الحزب الثورى أن يقوم بتحليل ملموس لهذه العلاقة بين سلطة الدولة ومؤسسات المجتمع المدنى وأن يشكل استراتيجية على هذا الأساس .
وقد اعتقد جرامشى أن فشل ما بعد الحرب فى الغرب كان نتيجة لاختلاف أساسى بين روسيا والغرب من هذه الناحية :
فى روسيا كانت الدولة كل شئ، وكان المجتمع المدنى متخلفا وغير متماسك .
أما فى الغرب كانت العلاقة بين الدولة والمجتمع المدنى متوازنة فلما اهتزت الدولة ظهر فى الحال بناء صلب للمجتمع المدنى .
وأيضا :
فى حالة أكثر الدول تقدما …
يصبح المجتمع المدنى بناء شديد التعقيد ويقاوم كارثة الهجوم المفاجئ للعنصر الاقتصادى المباشر ( الأزمات . الكساد، … الخ ) .
لذلك وقفت الدولة الرأسمالية فى روسيا معزولة فى وظيفتها القمعية غير قادرة على مواجهة هجوم أمامى سريع . ولكن فى الغرب حيث الرأسمالية أقدم ولها جذور أعمق كثيرا فى المجتمع هناك احتياج لاستراتيجية مختلفة، يستخدم جرامشى مصطلحات من الاستراتيجية العسكرية ليعرف الاتجاهين :
حرب المواقع وحرب المناورات .
حرب المواقع هى الصراع طويل الأمد على الهيمنة الاستراتيجية التى يجب اتباعها فى الغرب .
حرب المناورات هى إستراتيجية الهجوم الأملمى المباشر والتى استخدمت فى الثورة الروسية . فى أماكن أخرى من المذكرات يطرح جرامشى مسألة الانتقال من حرب المناورات إلى حرب المواقع بشكل مختلف .
ليس فى المقارنة بين روسيا والغرب ولكن فى المقارنة الزمنية .
" فى العصر الحالى نفذت حرب المناورات سياسيا بين مارس 1917 ومارس 1921، أعقب ذلك حرب المواقع " .
على عكس حرب المناورات والتى تقدم إمكانية انتصار سريع، تعنى حرب المواقع عملية حصار متبادل طويلة المدى وتحتاج إلى تركيز غير مسبوق للهيمنة .
يجب على الحزب الثورى أن يناضل من أجل تقويض القبول الذى تناله سلطة الطبقة الحاكمة من الجماهير ( والذى يتم من خلال ألف قناة مؤسسية وجماعية تخترق الفكر الدارج للجماهير ) وأن يخل هيمنة جديدة وهذا على ثلاثة مستويات .
أول هذه المستويات يتعلق بمسالة التحالفات :
تستطيع البروليتاريا أن تصبح الطبقة القائدة والحاكمة فقط للدرجة التى تنجح فيها فى خلق نظام للتحالفات الطبقية يمكن من خلالها تعبئة غالبية الجماهير العاملة ضد الرأسمالية والدولة البرجوازية .
يوضح جرامشى أن مثل هذا التحالفات ستتضمن بالضرورة عنصر التنازلات .
إذا كان اتحاد قوتين ضرورى لهزيمة قوة ثالثة. تكون الإمكانية العملية الوحيدة هى التنازلات التكتيكية .
يزعم جرامشى أن رفض اليساريين المتطرفيين المبدأ للتنازلات هو نتاج للحتمية الاقتصادية :
إذا كانت الظروف المناسبة ستظهر بشكل حتمى …
فمن الواضح أن أى مبادرة لتوجيه وتخطيط هذه الظروف لن يكون غير مفيد فقط بل أيضا مضر .
أما جرامشى فقد وضع أهمية خاصة لاستراتيجية التحالفات لأن فى إيطاليا لم تكن الثورة ممكنة إلا على أساس تحالف بروليتاريا الشمال مع فلاحى الجنوب .
كان تاريخ الاشتراكية الإيطالية فى هذه المسالة سئ جدا . أن التغلب على كل الاتجاهات الحلقية فى الحزب هو شرط اساسى لتحقيق الهيمنه لذا فليس من المستغرب أن جرامشى كان معاديا تماما للتكتيك الستالينى فى الفترة الثالثة . و لكن لم يكن هذا معروفا فى ذلك الوقت .
أما المستوى الثانى للنضال من اجل الهيمنه فهو عملية تثقيف ففى حرب المواقع لا يمكن الاعتماد فقط على تعبئة الجماهير العمال وراء مطالب مباشرة و شعارات .
لابد أن يكتسبوا درجة من الوعى برؤيتهم الكونية و يندمجوا إلى قوة منظمة بشكل دائم و مستعدة على المدى الطويل لان توضع فى ساحة القتال فى اللحظة المناسبة .
لإنجاز هذا لابد على الحزب :
إلا يتعب أبدا من إعادة طرح أفكاره (من خلال تقديم أشكال أدبية متعددة) فالإعادة هى افضل الوسائل التعليمية للعمل على العقلية الجماهيرية و لابد من العمل بشكل دائم لرفع المستوى الثقافى لشرائح متنامية باستمرار من الجماهير .
يتطلب هذا تعديل التوازن بين التحريض و الدعاية لصالح الدعاية فعلى الحزب إلا يكون فقط تعبيرا عن الطبقة بل أن يتفاعل بشكل نشيط معها ليطورها و يقويها و يوحدها أن الدوجمائية الحلقية فى النظرية خطيرة جدا لمثل هذا العمل من اجل التغيير الثقافى و الاخلاقى .
و كان جرامشى دائما يعارض ظهور مثلا معاداة الدين الفجة فى الدعاية الاشتراكية .
ولا يمكن رفع المستوى الثقافى للجماهير من خلال فرض دوجما، بل يجب أن يأتي هذا من خلال فصل العناصر الصحيحة فى الفكر الدارج للجماهير عن عناصر التعصب المرتبك .
يحتاج هذا إلى منهج ماركسر عميق و غير اقتصادي.
أما المستوى الثالث و الذى يشترط تواجده لانجاح العنصرين الآخرين فيمكن أن يسمى بالصراع من اجل المثقفين، ولهذا الصراع جانبان :
الولا، من الضرورى خلق شريحة من المثقفين العضوين للطبقة العاملة . و يستخدم جرامشى مصطلح المثقفين هنا ليس للإشارة للكاتب أو الفيلسوف أو المفكر التجريدي … الخ.
وإنما للعامل الذى يمتلك رؤية واضحة للعالم ولأهدافه ويشارك بشكل فعال فى الحياة العملية، مقنع دائم يشكل العنصر الموجه في الطبقة العاملة.
وبكلمات أخرى، الجانب البروليتارى لمثقفى البرجوازية العضوين - المهندسون الصناعيون، الاقتصاديون السياسيون، القضاة، المحامون،… الخ .
أن تشكيل نخبة من المثقفين من نوع جديد يخرجون بشكل مباشر من الجماهير و لكن يظلون متصلين بهم …
هو بالفعل ما سيعادل من الصورة الأيديولوجية للعصر. ولكن جرامشى ليس طوبوياً فى هذا الموضوع.
فهو يدرك من تجربته الشخصية صعوبة العمل الثقافى و الدراسة المنتظمة خاصة للعمال و يدرك أن تشكيل العمال المثقفين عملية طويلة و بطيئة لا يمكن إتمامها إلا بعد الاستيلاء على سلطة الدولة.
من الضرورى أيضا العمل مع المثقفين غير البروليتاريين، ولكن هنا أيضا جرامشى واضحا حول حدود هذا العمل :
يتطور المثقفون ببطء، ابطأ بكثير من أي جماعة أخرى . وهذا بسبب طبيعتهم و دورهم التاريخي …
من العبث الظن بأنه من الممكن لهذه النوعية أن تنفصل ككتلة عن الماضى كله من اجل أن تتضع نفسها بشكل كامل على جانب أيديولوجية جديدة . من العبث المثقفين ككتله و ربما من العبث لكثير من الأفراد على الرغم من الجهود التى يقومون بها أو يريدون القيام بها الآن، يهمنا المثقفين ككتلة و ليس فقط كأفراد .
من المهم و المفيد طبعا للبروليتاريا أن يقوم مثقف أو عدد من المثقفين الفرادى يتبنى برنامجها و مبادئها و أن يدمجوا أنفسهم مع البروليتاريا و يصبحوا جزء لا يتجزأ منها …
و لكن من المهم ولا مفيد أيضا أن يحدث انقسام من النوع العضوى، بشكل تاريخي، داخل المثقفين ككل:
أي أن يشكل، بشكل تكتلى جماعى تيار يساري، بالمعنى الحديث للكلمة، موجها نحو البروليتاريا الثورية.
أن ضرورة هذا لا تأتى فقط من اجل تقويض الهيمنه البرجوازية بشكل عام و لكن أيضا لان جرمشى يرى أن المثقفين يلعبون دورا هاما فى إبقاء نظام التحالفات التى تبنيها الطبقة الحاكمة مع الشرائح المقهورة و لذا بإمكانهم أن يلعبوا دورا مشابها فى نظام التحالفات و لابد أن يبنيها حزب البروليتاريا.
يحلل جرامشى، بالنسبة لإيطاليا، دور المثقفين فى الكتلة الزراعية الجنوبية والتي قاموا فيها بدور الوسطاء بين الفلاحين وكبار مالكي الأرض ويزعم أن خلق تيار يساري بين هؤلاء المثقفين هو شرط مسبق لكسر هذه الكتلة وتأمين التحالف بين الفلاحين و البروليتاريا.
في هذا الشأن يعلق جرامشي أنه كلما ازداد تطور الشريحة المثقفين العضويين للبروليتاريا زادت قدرة الحزب الثورى على جذب المثقفين بشكل عام وأن مثل هؤلاء المثقفين سينفروا إذا قدم لهم نموذج مادي فج للنظرية الماركسية.
4- العفوية و القيادة
أن الأساس الذى تبنى عليه نظرية الحزب عند جرامشى هو تصوره للعلاقة بين العفوية و القيادة الواعية و التى يمكن اعتبارها على الأقل جزئيا مساويا لتلك العلاقة بين الحزب و الطبقة و التى تشكل المسالة الأساسية فى نظرية الحزب الماركسية .
أن ما يعرضه فى هذه المسالة فيه تقدم واضح عما حققته روزا لوكسمبورج أو ما حققه لينين فى البدايات و أيضا لوكاتش، ويطابق لدرجة كبيرة الموقف الناضج للينين. يبدأ جرامشى بنقد مفهوم العفوية النقية فى حد ذاتها .
لابد من التأكد على أن العفوية النقية لا وجود لها فى التاريخ فهي لن تختلف كثيرا عن الميكانيكية النقية. في أكثر الحركات عفوية تكون المسالة ببساطة أن عناصر القيادة الواعية لا يمكن حصرها. ولا تترك وثائق يمكن الاعتماد عليها. يمكن القول أن العفوية إذا سمة الطبقات المقهورة و بالفعل لأكثر عناصرها هامشية …
لذا يكون فى مثل هذه الحركات عناصر متعددة من القيادة الواعية و لكن لا يهيمن أحد منهم أو يتخطى مستوى العلم الشعبى لشريحة اجتماعية معينه و عيها الدارج أو تصورها التقليدى للعالم .
يعارض جرامشى هؤلاء الذين يواجهون الماركسية بهذه العفوية و يعتبرونها منهجا سياسيا . أن أساس هذا الخطأ فى النظرية والتطبيق فى تناقض فج يفضح أسبابه الأصلية أي الرغبة المباشرة فى استبدال قيادة ما بقيادة مختلفة.
و لكنه يعارض بنفس القوة الموقف المتعالي تجاه العفوية الجماهيرية:
أن إهمال أو احتقار الحركات المسماة بالعفوية . أي الفشل فى إعطائهم قيادة واعية أو رفعهم إلى مستوى أعلى من خلال إدخالهم فى السياسة، كثير ما يكون له عواقب وخيمة .
كلما قامت حركة عفوية يصاحبها، في كل الأحوال تقريبا، حركة رجعية للجناح اليمنيى للطبقة الحاكمة ولأسباب مماثلة تؤدى الأزمة الاقتصادية، مثلا، إلى سخط الطبقات المقهورة وإلى الحركات الجماهيرية العفوية من ناحية أو من ناحية أخرى إلى تآمر الجماعات الرجعية المضادة للثورة التى تستغل فرصة الضعف الموضوعى للحكومة لمحاولة تنفيذ انقلابات .
ومن الأسباب الهامة لهذه الانقلابات فشل الجماعات المسئولة فى إعطاء قيادة واعية للهبات العفوية أو تحويلها إلى عنصر سياسى إيجابي.
على الرغم من أن جرامشى يتبع هذا الإشارة إلى انتفاضة صقلية عام 1282 غالبا ليخدع رقيب السجن، من الواضح انه كان يقصد موقف الحزب الاشتراكى الإيطالي و البورديجيين من أحداث 1919-1920 كعامل من العوامل التى ساعدت على انتصار موسولينى . استشهد جرامشي، كمثال للعلاقة الصحيحة بين العفوية و القيادة الواعية بعمل مجموعة النظام الجديد:
اتهمت حركة تورينو بأنها عفوية وارادويه فى نفس الوقت .
هذا الاتهام المتناقض، إذا حللناه يبرهن على أن القيادة الحركة كانت خلاقة وصائبة.
لم تكن هذه القيادة مجرد، لم تردد معادلات علمية ونظرية ولم تخلط بين السياسة، الفعل الحقيقي والخطاب النظري. لقد اتجهت نحو أناس حقيقين، تشكلوا في علاقة تاريخية، لهم مشاعر محددة و تصورات جزئية للعالم… الخ .
و التى تكونت كنتاج لتركيبات عفوية لوضع معين للإنتاج المادى مع التجمعات العرضية لعناصر اجتماعية متباينة .
لم يتم إهمال أو احتقار عنصر العفوية بل تم تثقيفه و توجيهه و تطهيره من التلوثات الداخلية، كان الهدف هو تطويرها نحو ممارسة النظرية الحديثة الماركسية و لكن بأسلوب حيوى و فعال تاريخيا .
و قد تحدثت القيادات نفسها عن العفوية الحركة و كانوا محقين فى ذلك، كان هذا التأكيد منشطا كعنصر توحيدى فى العمق، وفوق كل شىء فقد نقت أن الحركة كانت اعتباطية أو مغامرة مطبوخة على ضرورتها التاريخية .
و قد أعطت الجماهير وعيا نظريا لكونهم خالقى و مؤسسى قيم تاريخية، لكونهم مؤسسى دولة. هذه الوحدة بين العفوية و القيادة الواعية أو الانضباط تعبر عن دقة العمل السياسى الحقيقى للطبقات المقهورة، طالما أن هذا العمل سياسي جماهيري وليس مجرد مغامرة تقوم بها مجموعة تزعم أنها تمثل الجماهير. يطرح جرامشى، كنتاج لهذا التحليل :
ما يسميه بالمسالة النظرية الجوهرية و التى تتعلق، من زاوية مختلفة بمنظور لينين في ما العمل والذي يقضي بأن الاشتراكية لابد وأن تقدم إلى الطبقة العاملة من خارجها. يتسائل جرامشي:
هل يمكن للنظرية الحديثة ( الماركسية ) أن تكون متعارضة مع الحس المعنوى للجماهير (العفوي هنا بمعنى انه ليس نتاج لأي نشاط تثقيفى تقوم به مجموعة قيادية وعية .
بل تشكلت من خلال التجربة اليومية ينبرها الوعى الدارج أي التصور الشعبى للعالم) .
يجيب جرامشي: لا يمكن أن تكون معارضه لها فالاختلاف بين الاثنين هو اختلاف فى الكم و ليس فى الكيف . و لابد أن يكون التحويل المتبادل .
أي الانتقال من هذا إلى ذاك و العكس ممكنا .
أن التباين بين رؤية جرامشى و تلك التى تبناها لينين ( فى البدايات ) و لوكاتش .
لابد و أن يكون واضحا .
يكشف جرامشى عن الارتباط و العلاقة المتبادلة ( والتى ينفيها " ما العمل " و " التاريخ و الوعى الطبقى " ) بين الوعى و التجربة و الممارسة الفعليين للطبقة العاملة و الوعى الطبقى الاشتراكى الكامن .
و يفعل جرامشى هذا بدون السقوط فى الخطأ العفوية .
لا يتناول جرامشى فقط المهام الاستراتيجية للحزب و كيف يجب أن تكون علاقته بجماهير الطبقة العاملة .
تتضمن مذكرات السجن عدد من الملاحظات حول التنظيم و الحياة الداخلية الضرورية لتمكن الحزب من القيام بدوره .
يذهب جرامشى إلى حد القول بان الطريقة التى يؤدى بها الحزب عمله تعطينا معيار دقيق للحكم على الحزب ككل، عندما يكون الحزب تقدميا يعمل بشكل ديموقراطى ( المركزية الديمقراطية ) و عندما يكون رجعيا بشكل بيروقراطى ( المركزية البيروقراطية ) .
لا يوجد أيضا أي طوبوية فى تصور جرامشى عن الحزب و عضويته .
فهو يبدأ بالتأكيد على انه بالرغم من أن التقسيم إلى قيادات و تابعين يجد اصله التاريخى فى التقسيم الطبقى، فهو موجود أيضا فى المجموعات المتجانسة اجتماعيا .
و على هذا الأساس يقسم عضوية الحزب إلى ثلاث عناصر :
1- عنصر جماهيرى، يتكون من أناس عاديين تأخذهم مشاركتهم شكل الانضباط و الولاء اكثر من أي روح إبداعيه أو إمكانيات تنظيمية .
من الصحيح انه بدون هؤلاء لا يمكن للحزب أن يوجد و لكنه أن يوجد أيضا بهم وحدهم .
فهم قوة طالما كان هناك من ينظمهم و يمركز جهودهم .
2- العنصر الرابط الأساسي، و الذى يمركز و يعطى كفاءة و قوة لتركيبة معقدة من القوى لم تكن لتساوى شيئا أن تركت وحدها .
هذا العنصر يتمتع بقدرات كبيرة فى التنظيم و الانضباط و أيضا من الممكن أن يكون هذا هو أساس القدرات الأخرى - يتمتع بقدرة على الإبداع .
3- عنصر وسيط يصل بين العنصرين الأول و الثانى و يحافظ على العلاقة بينهما ليس جسديا فقط بل أيضا أخلاقيا و ثقافيا .
يرى جرامشى أن العنصر الثانى، القيادة، هو اكثر العناصر الثلاثة أهمية :
من الصحيح أيضا أن هذا العنصر لا يستطيع تشكيل الحزب وحده و لكنه اكثر قدرة على ذلك من العنصر الأول . فنحن نتحدث عن جنرالات بلا جيوش و لكن فى الواقع أن تكوين جيش اسهل من تكوين جنرالات . يوازن هذه الواقعية مبدأ آخر على نفس درجة الأهمية :
فى تشكيل القيادات …
هل المقصود هو أن يكون هناك دائما حاكمين و محكومين، أن الهدف هو خلق الظروف التى يصبح فيها هذا التقسيم غير الضرورى .
و بما أن هدف جرامشى هو بالطبع هو الأخير فأن سلطة القيادة و الانضباط لابد أن يكون على أساس :
قبول سلبى للأوامر أو تنفيذ ميكانيكى للتكليفات ( و التى ستكون ضرورية فى مناسبات بعينها ) و لكن على أساس استيعاب وضح وواعى للتوجهات التى يجب تنفيذها .
ما يجب تحقيقه فى الحزب هو إذا المركزية فى الحركة - اى تكيف دائم لمنظمة مع الحركة الحقيقة و توافق بين الدفع من اسفل و التوجهات من أعلى و إدخال مستمر لعناصر من عمق القاعدة إلى إطار الجهاز القيادى .
يقول جرامشى " أن إحداهم المسائل المتعلقة بالحزب السياسى هى قدرة الحزب على مواجهة قوة تأثير العادة " .
تخلق الأحزاب من اجل التحضر لمواقف الأزمة و لتكون قادرة على الفعل فى لحظات التحول التاريخية و لكنها كثيرا ما تصبح روتينية و غير قادرة على التكيف مع المهام الجديدة و فى هذا المضمار يكون العدو الرئيسى هو البيروقراطية :
أن البيروقراطية هى اعند و اخطر القوى المحافظة، وإذا استطاعت تشكيل جسم متماسك يقف وحده و يشعر باستقلاليته عن جمهور الأعضاء، يصبح الحزب منفصلا عن دوره التاريخى و فى لحظات الأزمة الحادة يخلو من مضمونه الاجتماعى و يصبح كأنه معلق فى الهواء .
يجب على الرغم من ذلك إلا ننظر لهذه القضية من جانب واحد لا غير . فمع وجود مشكلة العادة و الروتين فان هناك حاجة للحفاظ على استمرارية العمل و خلق تراث :
من الصحيح أن هناك خطر البقرطة و لكن هذا الخطر موجود فى كل استمرارية عضوية و لابد أن يراقب و لكن خطر الانقطاعات و الارتجال يكون اكبر لذا ففى الحياة الداخلية للحزب كما هو الحال فى المنظور المزدوج و العلاقة بين الحزب و الطبقة يرى جرامشى و حده جدلية بين الانضباط و المبادرة و بين الاستمرارية و التغيير .
5-التقييم
ماذا الزعم القائل بأن جرامشي هو منظر الثورة فى الغرب؟
أن اللينينية أثبتت نفسها فى روسيا و بذلك فتحت آفاقا جديدة ذات أهمية عالمية. كان جرامشي .
من خلال تحليله لتطور المجتمع المدنى و للجذور العميقة للهيمنة البرجوازية .
هو الذى رأى بوضوح اكثر من الكل الفرق الأساسي بين روسيا والرأسمالية المتقدمة و الذى يتطلب بذلك توسيع الإطار اللينيى .
بدا لينين و تروتسكى بحلول 1921 يلاحظون هذه المشكلة و كان جرامشى على علم بذلك و لكن لينين كان منشغلا بروسيا ومات بعدها بقليل، وتروتسكي كان يواجه صعوبات أخرى و لم يستطيع أن يطور أفكاره حول هذا الموضوع إلا على المستوى التكتيك .
أما جرامشى فقد طور أفكاره واستتباعات تحليله لأقصى درجة من الدقة والوضوح الممكن في ظروف انعزاله فى السجن.
وفضلا عن ذلك فقد اثبت التاريخ بأنه على جانب جرامشي في هذه المسالة فقد وضح أن الرأسمالية الغربية تمتلك قدرات على المقاومة و البقاء لم تكن في حسبان ماركسي الكومنترن الأوائل، ويكشف تحليل جرامشي لتوسيع السيطرة الاجتماعية للبرجوازية في دراسته "المنهج الأمريكي والفوردية" .
عن قدراته العظيمة فى التنبؤ بالاتجاهات الجديدة فى الرأسمالية .
فقد اثبت التاريخ أيضا صحة فلسفة جرامشى بعد نشر أعمال ماركس الأولية و الجروندريس و الدراسات الحديثة العديدة فى الفكر الماركسى .
هل يستطيع اى ماركسى جاد اليوم أن يشكك فى الآثار السلبية للقدرية و الحتمية الاقتصادية على الحركة الثورية ؟
يتميز جرامشى عن الماركسيين اللاحقين الذين تناولوا بشكل اقل إبداعا مسالة بنية المجتمع الرأسمالي و الفلسفة الماركسية .
فى انه الوحيد الذى استطاع صياغة أفكاره فى استراتيجية ثورية واضحة على أساس تطوير نظرية الحزب . لذا يعتبر جرامشى الماركسى الوحيد الذى أضاف إضافات أساسية لنظرية لينين فى الحزب .
على الرغم من ذلك تظل هناك علامة استفهام حول مساهمات جرامشى .
فلم تطبق أفكاره فى الواقع فى اى وقت .
فهو لم يكن فى وضع، كما لم يكن ميكافيللى من قبله، يسمح له بتغيير الواقع .
لم يتسع إلا إظهار بشكل ملموس ما كان يجب على القوى التاريخية أن تفعله لتكون مؤثرة .
لم تجد أفكار جرامشى من يتبناها و يطبقها و فى الواقع لم يكن هذا ممكنا أصلا فاستراتيجية جرامشى تحتاج إلى وجود حزب لينينى كنقطة انطلاق .
ولكن الآثار المشتركة للازدهار الرأسمالي الاقتصادى ما بعد الحرب و الخراب الذى تسببت فيه الستالينية أدت إلى عدم ظهور مثل هذه الأحزاب .
فمن الممكن فى حدود ضيقة جدا، للمبادئ الأساسية للبششلفة أن ترشد نشاط منظمة أو مجموعة صغيرة و لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة لأفكار جرامشى .
من الممكن أن تشن حرب المناورات بقوات قليلة نسبيا و لكن حرب المواقع تحتاج إلى جيش جماهيرى .
فبدون حزب جماهيرى تصبح التحالفات تعاونا مؤقتا بين مجموعات و ليس تحالفا بين طبقات و كثيرا ما يؤدى هذا إلى إبهام الخلافات النظرية و البرنامجية . بدون قاعدة البروليتارية واسعة لن يؤدى تشكيل المثقفين العضويين و كسب المثقفين التقلديين إلى تقوية الهيمنة البروليتارية بل سيؤدى إلى الانحطاط إلى الثقافة المدرسية و الأكاديمية .
لابد و أن نتذكر أن جرامشي كتب فى وقت كانت فيه الأفكار الاشتراكية واسعة فى صفوف الطبقة العاملة و تأسيس الحزب الشيوعى الإيطالي بعضوية 40000 منهم 98% عمال و اقل من نصف فى المائة مثقفى ( 245 مثقف ) .
أن التصور بإمكانية نقل هذه الأفكار إلى وضع فيه الحركات الثورية محملة بالطلاب والبرجوازية الصغيرة و ليس لها إلاجذور هزيلة فى الطبقة العاملة لابد و أن يكون تصورا خاطئا للغاية .
نحن لا نعرف كيف تكون حرب المواقع فى تفاصيلها العملية لذا سيكون اى حكم على نظرية جرامشى من الحزب حكما مبدئيا بالضرورة و إذا كنا مبهورين و مقتنعين بعمق و وضوح وحدة أفكار جرامشى فعلينا التمسك بأن اختيارها الحقيقى الحاسم سيكون فى المستقبل عندما تواجه الرأسمالية الغربية المتقدمة من جديد بأحزاب عمالية ثورية جماهيرية.

 

الفصل السابع :
الحزب الثوري اليوم
1- نظرية الحزب منذ الحرب
لقد تعقبنا تطور النظرية الماركسية حول الحزب منذ إدخال ماركس لفكرة حزب الطبقة العاملة، مرورا بمفهوم لينين عن الحزب الطليعى . و تأكيد روزا لوكسمبورج على إبداع الجماهير .
ودفاع تروتسكى المنفرد عن اللينينية .
وحتى تحليل جرامشى للصراع على الهيمنة .
أصبحت الآن مناقشتنا مكتملة بالأساس، فمنذ تروتسكى و جرامشى لم يظهر إسهام كبير فى نظرية الحزب.
ليس من الصعب العثور على سبب هذا الركود .
لقد سيطر على فترة ما بعد الحرب أطول انتعاش فى تاريخ الرأسمالية. مما أسفر بوجه عام عن الاندماج الاصلاحى للطبقة العاملة . وحيث أن الماركسية الأصيلة كانت مسحوقة بين السلبية النسبية لطبقة العاملة و اليد الميتة للارثوذكية الستالينية .
فقد أجبرت، إذا جاز القول، على العمل تحت الأرض أولئك القليلون الذين ظلوا ملتزمين بهدف الثورة البروليتارية العالمية .
كانوا بالضرورة مشغولين بالدفاع عن الأساسيات الماركسية (دور الطبقة العاملة، نظرية العمل فى القيمة، تناقضات الرأسمالية) كما كانوا مشغولين بالتغيرات الكبرى الجارية فى العالم (ظاهرة رأسمالية الدولة، اقتصاد السلاح الدائم، التغيرات فى الإمبريالية). لقد افتقدوا الخبرة العملية بالصراع الثورى و اللازمة لجعل تطوير الماركسية حول الحزب ممكنا أو ملحا.
كانت تظهر مع ذلك عدة بدائل غير ماركسية للحزب العمالى الثورى، كوسائل لتحقيق الإطاحة بالرأسمالية .
شهدت فترة ما بعد الحرب صحوة لأشكال عديدة من الإرادية، و العفوية، و الجبهوية الشعبية .
إلا إنها فشلت جميعا فى الاختبار العملى . حصلت الارادوية على اقصى و أهم تعبير عنها فى النظرية القائلة بان الثورة يمكن أن تقوم بها مجموعة صغيرة و لكن عازمة من الفدائيين الريفيين، دون انتظار نضج الطبقة العاملة .
ولكن بعد نجاحها الهائل الأولى فى كوبا، فشلت استراتيجية حرب العصابات فى تحقيق تقدم فى أمريكا اللاتينية و تحطمت فى النهاية أدغال بوليفيا مع مصرع شى جيفارا فى 1967 .
كما أن محاولة الحفاظ على الوسيلة نفسها مع نقلها إلى المدن، والتى مثلها ال " توباماروس " فى اروجواى ، لم تلاق سوى نجاح مؤقت .
أما العفوية - رفض التنظيم، والسلطة، و قبل كل شىء الحزب السياسى - فقد كانت إلى حد كبير نتاجا للثورة الطلابية التى انتشرت على امتداد العالم فى الستينات .
إلا أن اكبر إنجازات هذه الفترة من الحركة أحداث مايو 1968 فى فرنسا، كانت أيضا اكثر الأدلة إقناعا على عدم ملائمة هذه الاستراتيجية .
فبالتحديد بسبب غياب حزب عمالى ثورى جماهيرى، كان الحزب الشيوعى الفرنسى قادر على تخفيف نضالية العام العظيم، و تدبير تسوية ضعيفة مع ديجول، وبذلك بدد الأزمة الاجتماعية الحادة بنفس السرعة تقريبا التى ظهرت بها .
وأخيرا، فان استراتيجية الجبهة الشعبية و الانتقال السلمى إلى الاشتراكية تم اختبارهما مرة أخرى فى شكل حكومة الوحدة الشعبية لسلفادور الليندى فى شيلى، و هو اختبار كانت له نتائج مأساوية يعرفها الجميع .
أن هذا التدليل على إفلاس تلك البدائل ( و الحالات المذكورة هنا ليست سوى الأوضح بين أمثلة كثيرة ) مضافا إلى الزيادة السريعة فى عمق أزمة الرأسمالية العالمية و الصعود الناتج عن ذلك فى صراع الطبقة العاملة خلال العقد الأخير قد أدى إلى إعادة توجيه الأنظار إلى النظرية الماركسية حول الحزب . كانت النتيجة، من ناحية، ظهور عدد من الدراسات المخصصة لنبش التراث الماركسى حول مسالة الحزب و تحديد أفاقة بالنسبة للحاضر، و من ناحية أخرى، ظهرت فى بلاد عديدة منظمات كبيرة نوعا ما ( ليست أحزاب جماهيرية و إنما منظمات كبيرة بما يكفى لتشكيل بداية جادة ) تستهدف بناء الحزب الثورى .
وقد جاء هذا الكتاب كاستمرار و منهجه للمشروع الأول و كمساعد للثانى ما يتبقى، إذا، هو تلخيص المبادئ للنظرية الماركسية حول الحزب، وتحديد النقاط الأساسية الخاصة بتطبيقها اليوم .
السمات والملهم الرئيسية للحزب الثورى أن دور الحزب ومهامه وأشكاله التنظيمية ليست ثابتة لكل زمان و مكان، ولابد من اشتقاقها من الوضع الملموس الذى يعمل الحزب فى إطاره . وتكيفها مع هذا الوضع .
ومع ذلك، فعلى أساس اكثر من قرن وربع من الصراع، نستطيع أن نخرج بالتعميمات التالية :
الطبيعة الطبقية للحزب
لابد أن يكون الحزب الثورى حزبا عماليا . يحتاج هذا المبدأ الأولى و الجوهرى، الذى و ضعه ماركس :
إلى التكرار مرة أخرى لأنه اكثر ما تعرض للنسيان أو التجاهل فى السنوات الأخيرة . ينبغى أن يكون الحزب بروليتاريا، ليس فقط بمعنى أن برنامجه هو تعبير عن الطموحات الاشتراكية للطبقة العاملة، وإنما ينبغى أيضا أن يكون بروليتاريا فى تكوينه الاجتماعى و فى حقل نشاطاته اليومية .
لا يمكن لعصابة الفدائيين، أو حركة فلاحية، أو حركة طلابية، أو مجموعة مثقفين، مهما كان برنامجها ممتازا، أن تكون بديلا لحزب جذوره فى البروليتاريا الصناعية .
أن المنظمة الشابة التى تجد نفسها، كما يحدث كثيرا، برجوازية صغيرة بالأساس فى تكوينها الاجتماعى، عليها أن تقوم بجهد مضنى من النقد الذاتى و التحول الذاتى لكى تحقق الانتقال إلى حزب عمالى .
الحزب كطليعة
تأتى الحاجة للحزب من التطور اللا متكافىء للطبقة العاملة، ولا يستهدف الحزب أن يشمل الطبقة كلها ( التى تسيطر عليها الأيديولوجيا البرجوازية فى الأوقات العادية ) و إنما طليعتها ذات الوعى الطبقى .
كثيرا ما تعرض هذا المبدأ، الذى وضعه لينين، للتشويه وإساءة التفسير، ولذا فهو يحتاج إلى التوضيح التالى :
الحزب طليعة، و لكن الطليعة ليست نخبة صغيرة تقف خارج الجسم الأساسي للطبقة، إنها مئات الآلاف من العمال الذين يقودون فعلا الطبقة فى معاركها اليومية فى المصانع و المناجم و العقارات السكنية و الشوارع .
الحزب يقود الطبقة و لا يتذيلها، و لكنه من الداخل و ليس من الخارج .
الحزب منظمة قتالية
هذا له جانبان أولا :
لا يدعى الحزب قيادته للطبقة كحق مكفول له، وإنما عليه أن يقاتل لكسبها عن طريق إصدار اقتراحات ملموسة للعمل حول كل قضية تواجه الطبقة العاملة، من اصغر مسائل الأوضاع المصنعية إلى اكبر مسائل السياسة الدولية .
لابد أن يثبت الحزب عمليا، خلال الصراع، انه افضل مدافع عن مصالح الطبقة العاملة و جميع المستغلين . ثانيا، لابد أن يكيف الحزب نفسه فى آخر المطاف، مع الصراع الطبقى فى اكثر أشكاله حدة، الانتفاضة الجماهيرية المسلحة .
لا يعنى ذلك اتخاذ بنية عسكرية قبل الأوان بطريقة تهدد شرعية الحزب فى البلاد التى بها ديموقراطية برجوازية و تمنعه من القيام بمهامه الأساسية اكثر فى الصراع اليومى، و لكنه يعنى عند نقطة معينه، القيام باستعدادت جادة و بناء تلك المنظمة التى تستطيع أن تتحول سريعا إلى و ضع مسلح .
لان الحزب بهذيين المعنيين منظمة قتالية، فلا مكان فيه لشريحة من حملة بطاقات العضوية السلبيين، أو البيروقراطيين المتميزين الآمنين . لابد أن تكون عضويته نشطة و أن تتسم بالتضحية بالذات .
ويغلب بالتالى أن تكون شابة .
المركزية الديمقراطية
لا يمكن التوصل إلى تعميمات نافعة بخصوص بنى تنظيمية محددة - فينبغى لهذه البنى أن تكون شديدة المرونة - ولكن جمع النظام الحزبى بين الديمقراطية و المركزية ليس مجرد صيغة تنظيمية، بل ينبع مباشرة من مهام الحزب و طبيعة الصراع الطبقى . الديمقراطية ضرورية لان الحزب ليس سيد الطبقة العاملة، وإنما هو أداة لتحررها الذاتى .
بدون ديموقراطية و مناقشة حرة، لا يمكن للحزب أن لا يصيغ سياسات تتفق فعلا مع حاجات الطبقة العاملة و تلائم الوضع الملموس .
والمركزية ضرورية لان الحزب عليه يشن صراعا مريرا ضد عدو شديد المركزية -الدولة الرأسمالية .
بدون وحدة فى العمل، كما يعرف كل نقابى، تكون الهزيمة حتمية .
فيما يتعلق بالمركزية الديموقراطية، هناك فخان من الممكن أن تقع فيهما بشكل خاص المنظمات الجديدة والصغيرة من ذلك النوع الذى على الأغلب داخل اليسار الثوري على امتداد عالم اليوم الأول وهو خطر اتخاذ مجموعة صغيرة .
فى أفضل الأحوال نواة لحزب .
الدرع بل من البنى الإدارية الملائمة لحزب جماهيري . وبذلك تصبح المجموعة ثقيلة الرأس بشكل يدعو للاستهزاء.
والثاني، خاصة عند انتقال المنظمة من الدعاية إلى التحريض .
هو التطرف فى الديموقراطية ومناقشة جميع المسائل بلا نهاية. الحزب جمعية للمناقشة - أنه يناقش لكى يصل إلى قرار .
ثم ينفذ بعد ذلك القرار بطريقة متحدة.
استقلالية الحزب
يتخذ الحزب موقفه المبدأ الماركسى بوصفه ممثل المصالح التاريخية للطبقة العاملة - وعليه ألا يتنازل عن استقلاله لصالح أى قوة أخرى، سواء كانت برجوازية بوضوح أو إصلاحية أو وسطية .
لا يستبعد ذلك على الإطلاق أى عدد من التحالفات أو التسويات، أو المؤقتة، الخ، مع منظمات أخرى، ولكنه يستبعد التنازل عن الحق فى النقد الحر، والخط السياسى المنفصل، والمنظمة المنفصلة .
ينطبق الآتى على الحالة القصوى المتمثلة فى الانضمام إلى حزب أكبر أو الالتحاق به ( حزب العمال البريطانى، على سبيل المثال ) .
وينبغى أن التبعية ليست بالضرورة مسألة اتفاقات أو قيود رسمية . فالحزب الشيوعى البريطانى، على سبيل المثال، منظمة مستقلة من الناحية، ولكنه مرتبط سياسيا بالقادة النقابيين اليساريين لحزب العمال . على الحزب الماركسى ألا يسمح لنفسه أبدا بالارتباط بشكل غير بأى ديماجوجى شعبوى أو اصلاحى يسارى بارز، مهما كان راديكاليا .
الحزب ووحدة الطبقة العاملة
هو طليعة الطبقة ويجب أن يحتفظ باستقلاليته، ولكن هدفه هو الطبقة العاملة .
تنبع من ذلك ثلاثة أمور :
أولا، يجب أن يصارع بلا هوادة وبمبدأية صارمة ضد جميع تلك الانقسامات داخل الطبقة العاملة التى ترعاها الطبقة الحاكمة بمثابرة وتحافظ بواسطتها سلطتها ( مثل انقسامات العنصر، والجنسية، والانقسامات بين الرجال والنساء، والعمال المهرة وغير المهرة، والمشتغلين، الخ ) .
ثانيا، لا ينبغى أن يسمح الحزب لوجوده كمنظمة مستقلة أن يخل بالوحدة التى تحتاجها الطبقة فى صراعها اليومى ضد العمل والدولة . من هنا تأتى استراتيجية الجبهة المتحدة مع المنظمات الإصلاحية .
ألا أن هذه الاستراتيجية ( القابلة للتطبيق فى ظروف ولكن ليس فى كل الظروف ) ليست سوى تعبير واحد عن المبدأ العام الذى يحكم علاقة الحزب بجميع التيارات السياسية الأخرى داخل العاملة - نسير منفصلين، ونضرب معا . وثالثا، رغم أن على الحزب أن يحمى نفسه من تميع برنامجه أو سياساته تحت ضغط العمال، فلا ينبغى له على الإطلاق أن يعزل نفسه عن هؤلاء العمال، وعليه أن يستغل كل طريق للوصول إليهم . هكذا، فحيث يظل ملايين فى نقابات رجعية، يكون على الحزب أن يعمل فى هذه النقابات مهما كانت قياداتها خائنة وفاسدة .
وحيث تحتفظ جماهير العمال حول الأحزاب الاشتراكية الديموقراطية، يكون على الحزب أن يدعو لتأييد هذه الأحزاب ضد الأحزاب البرجوازية الواضحة، بحيث هذه الأوهام من خلال الخبرة .
وحيث تضع غالبية الطبقة أيمانها فى الديموقراطية البرلمانية، يكون على الحزب أن يشارك فى الانتخابات، وأن يستخدمها فى القيام بدعاية ثورية وفى أضعاف النظام البرلمانى من الداخل .
المهام التعليمية للحزب
على الحزب أن يقوم بعمل تعليمى دائم ومركب . عليه أن يعد قادة ثوريين منغمسين فى التراث الماركسى، ولكن قادرين فى الوقت على أجراء تحليلات ملموسة وإصدار أحكام مستقلة .
عليه أن يخرج شريحة واسعة من المثقفين العضويين .
إذا ما استخدمنا تعبير، وهم عمال لديهم فهم واضح للطبيعة الكلية للصراع ولوسائل شنه.
عليه أن يعمل على تحقيق أوسع انتشار ممكن للمبادئ .
الماركسية والاشتراكية الأساسية بين صفوف الطبقة العاملة عن طريق الترجمة التى لا تتوقف لنظريته إلى أمثلة وعروض ملموسة الفهم فى صحافته وفى كل دعايته.
فيما يتعلق بالتعليم، هناك نقطتان يجب أن نضعهما نصب أعيننا: أولا، لابد لعملية التعليم أن تكون بالأساس ذات طابع عمل وليس أكاديمى (حيث أن الطابع الأكاديمى يؤدى بالضرورة، إلى سيادة العناصر البرجوازية الصغيرة ) .
ثانيا، وكما أكدت روزا لوكسمبرج، على الحزب أن يكون قادرا على التعلم من العمال وتعليمهم فى الوقت نفسه .
الحزب هو الذاكرة والعقل الجماعيان للطبقة العاملة، ولكنه عقل يحتاج للتجديد المستمر.
الصراع على الهيمنة
على الحزب أن يعمل على جمع جميع القوى المضطهدة فى صراع مشترك ضد الرأسمالية، تحت قيادة البروليتارية .
تاريخيا وعلى النطاق العالمى، فان ذلك كان يعنى بالأساس تحقيق تحالف بين البروليتاريا والفلاحين، وعلى كل حزب عمالى أن يتأكد من تضمن برنامجه الدفاع عن مصالح الفلاحين الفقراء .
بالإضافة إلى ذلك، فقد شهد العقد الأخير ظهور سلسلة من القوى الجديدة - أهمها حركة السود والحركة النسائية والحركة الطلابية - التى تمتلك إمكانية ثورية عظيمة ولكنها تطرح على الحزب بعض المشاكل الاستراتيجية.
فمن ناحية، وينطبق هذا بصفة خاصة على المنظمات الصغيرة التى ليست لديها قاعدة بروليتارية قوية، يمكن للحزب أن يلقى بنفسه فى أحضان هذه الحركات بلا نقد وبحماسة بحيث يخضع لطابعها المفكك بالضرورة ويهمل عمله الأساسى داخل الطبقة العاملة الصناعية .
ومن ناحية أخرى، يمكن للحزب أن يطرح جانبا برجماتية المشاكل والدعاوى الخاصة لمختلف الشرائح المضطهدة، ويتقدم لحركاتها بإنذار طالبا أن تقبل مسبقا بقيادة الحزب البروليتارى، مما يؤدى لا إلى الوحدة وإنما إلى الاغتراب .
أن ما نحتاجه، أذن هو التأييد غير المشروط للمطالب المبررة للشرائح المضطهدة، مصحوبا بالإصرار المبدأ والصبور فى نفس الوقت على الحاجة للوحدة فى الصراع ضد العدو المشترك، وعلى الطابع الطبقى لذلك الصراع، وعلى الدور القيادى للطبقة العاملة.
وقبل كل شئ، فان الصراع الشامل على الهيمنة، والذى يتضمن تحقيق سيادة الثقافة الثورية فى جميع مجالات الحياة الاجتماعية للشعب، لا يمكن القيام به ألا بواسطة حزب حقق بالفعل قاعدة كبيرة داخل الطبقة العاملة.
الأممية البروليتاريا طبقة عالمية والثورة الاشتراكية عملية عالمية.
وبالتالي فان جميع سمات الحزب الثورى التى عرضناها هنا، لابد أن تحقق على نطاق عالمى فى حزب عالمى واحد .
فى الوقت الحالى لا توجد مثل هذه الأممية، كما أن بنائها لا يمكن أن يتم فى يوم .
أن الحزب العالمى الذى يتكون، مثل الأممية الرابعة، من حقنة من الطوائف المتماثلة فى الفكر، هو أسطورة لا يمكن أن تنتج قيادة عالمية لها أية سلطة حقيقية . ومن ناحية أخرى، فان اتحاد فيدراليا لمنظمات غير متجانسة بالأساس، مثل الأممية الأولى، سينهار فى اللحظة الحاسمة.
لقد تم تكوين الأممية الثالثة على أساس مكانة الثورة الروسية المنتصرة، ولكننا لا نستطيع أن ننتظر بسلبية تكرار هذا التسلسل للأحداث .
كيف أذن يمكن بناء الأممية؟
في الوقت الحاضر، المسار الوحيد الواقعى هو أن تشرع المنظمات العمالية الثورية القائمة فى التعاون العملى متى كان ذلك ممكنا وفى التبادل المستمر للمواقف النظرية، بحيث يصبح من الممكن- تدريجيا، وعلى أساس هذا العمل المشترك، وتحت تأثير الأحداث - تحقيق روابط أوثق وتجانس سياسى أكبر .
ولكن هذا العمل ينبغى القيام به مع وجود أفق بأن هدفه هو خلق أممية عمالية ثورية جديدة.
فبناء الأحزاب الثورية وتوحيدها الأممى هو الآن المهمة الاستراتيجية الأساسية والأكثر إلحاحا التى تواجه الثوريين على امتداد العالم.
فما لم يتحقق ذلك، ستكون الطبقة العاملة غير قادرة أن تحسم لصالحها أزمة الرأسمالية التى تزداد حدتها كل يوم.
وأخيرا، فان الخيط الذى يربط جميع السمات والمهام الرئيسية للحزب هو السعى لتوحيد النظرية والممارسة.
يوجد الحزب لكي يترجم الأهداف العامة للاشتراكية إلى أنشطة عملية ملموسة ولكى يربط كل صراع مباشر بالهدف النهائى المتمثل فى الاشتراكية من خلال الحزب.
فإن النظرية - التفسير المادى للتاريخ، وتحليل الرأسمالية وتناقضاتها، وفهم الدور التاريخى للطبقة العاملة - ترشد الممارسة، ومن خلال الحزب، فان الممارسة - الصراع من أجل تغيير العالم - تحفز وتوجه وتختبر وفى النهاية تحقق النظرية.
عندما تكون الرأسمالية مستقرة وعندما لا تمثل الطبقة العاملة تحديا صريحا للنظام، فان النظرية والممارسة تنلان بالضرورة .
فى ظروف كهذه، يمكن الأعداد للحزب الثورى ولكن ليس بنائه. انه يظل ضرورة مجردة .
أما عندما تضنى الأزمة النظام، كما هو الحال الآن، فان النظرية والممارسة تسيران معا، ولا يظل بناء الحزب أمنية مجردة، بل يصبح ضرورة عملية وإمكانية حقيقية فى نفس الوقت.
ملحوظة :
هدا الكتاب يحتاج إلى مراجعة مع تواجد الأصل الانجليزى وهو ما قطع فيه شوط أحد الزملاء فرجاء متابعة هده المرحلة وشكرا

 





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,840,508,495





- الكنيست الإسرائيلي يمنع جماعات حقوقية يسارية من دخول المدارس ...
- الكنيست الإسرائيلي يمنع جماعات حقوقية يسارية من دخول المدارس ...
- قطاع الأطباء في -الشيوعي-: إلى الإسراع في إخراج النقابة من أ ...
- مرسيل خليفة من النبطية: يا جنوب علمني حبك كل الصدق
- اصحاب الخيم البحرية السياحية في صور طالبوا بوقف الاشاعات حول ...
- العاملون في الإعلام استنكروا الاعتداء على فريق تلفزيون لبنان ...
- حراك المتعاقدين: سنحدد ساعة الصفر بعد حين للانتفاضة
- استمرار الاحتجاجات في مختلف المدن.. وانتقادات واسعة لاستخدام ...
- اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي : ندعم مطالب شعبنا الع ...
- الشعبية بالقطاع تنظم ندوة سياسية وثقافية بالذكرى الـ 46 لاست ...


المزيد.....

- الفكر السياسي العلماني ومناهضة فكر الهوية الفرعية / لطفي حاتم
- الدستور، واحتكار العنف ، وموازين القوى الطبقية فرديناند لاسا ... / سعيد العليمى
- «الإشتراكية ذات الخصائص الصينية» / فتحي كليب
- ملاحظات حول الحركة الاجتماعية الاحتجاجية في تونس / علي الجلولي
- كروبوسكايا: كيف درس لينينن ماركس / عالية محمد الروسان
- في إمكانية ومعنى أن يصير المرء شيوعيًا اليوم / أنطونيو نيجري
- الطابع الطبقي لإسرائيل / موشيه ماتشوفر، وأكيفا أور
- لينين تعامل مع الإسلام بصفته دين أمة مضطهدة / ماتيو رونو
- بحث فى أسباب إنهيار الإتحاد السوفيتى والأحزاب الشيوعية / سامى لبيب
- نحو نظرية علمية للثورات الشعبية / خليل كلفت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - جون مولينو - كتاب - الماركسية والحزب