أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رويدة سالم - نبش في تاريخ منسي - الكاهنة - رواية ج. الاخير















المزيد.....



نبش في تاريخ منسي - الكاهنة - رواية ج. الاخير


رويدة سالم
الحوار المتمدن-العدد: 4173 - 2013 / 8 / 3 - 07:03
المحور: الادب والفن
    


هل يوجد في كل التاريخ كاتب تمتع بنزر قليل من الحرية في سرد حقيقة الاحداث ؟
تجاهل كتبة التاريخ الملكة ديهيا ولم يمنحوها حيزا في صفحاتهم لأنهم كتبوا تحت السيف المشرع حاصرين كل كلماتهم في مفردات قواميس الحكام والملوك.
آمنت بها دوما وبأن الحب هو الأبقى. يصنع الحياة ويمنح المجد وعلى نغماته تكبر الحضارات وتقوى لكن التاريخ اثبت لي ان الدماء والعنف والاستبداد قادرين ايضا على صناعة دول.
انظري الى خرائطنا واقرئي كل قواميس العهر الملكي.
ابحثي عن كلمة حب.
قاموس حاكم دولة لغة القوة يحوي أمر، قَضَى ، حَكَم ، فَرَضَ ، قَرَّر، كَلَّفَ وطَلَبَ. يلوح بالحصار الاقتصادي والتواجد العسكري الاضطراري وبإغراق الخبز في البحار. يبتز مقابل منح حماية للمتذللين على ابوابه او مساعدة في تثبيت ملك. يصنع قنابل موقوتة يحطم بها كل من يفكر في الاستقلال او الانفصال او التحليق بأجنحة خاصة. يحسب كل امكانات الربح والخسارة ويدرس مصالح الشعب الذي اختاره ملتزما دوما بالقانون وخاضعا لمؤسساته.
قاموس حاكم دولة قوة اللغة تنحصر الكلمات فيه في تلون، اصطبغ ، داهن وكذب. يشهر السلاح ويفرض سلطة الخوف ثم يصنع بطانة من الكتاب ورجال الاعلام تختار له ابلغ الكلمات. متلحفا قداسة الالهة يقف على المنصات ويخطب لساعات انه منقذ القبيلة وحامي حمى البلاد. يتقن فنون التعالي والانبطاح، الاذلال والتذلل، التضخم حد الانفجار والتقلص حد الذوبان، الدوس بالنعال والانسحاق أمام الأسياد والبيع والشراء لملء ارصدة شخصية في بنوك غير وطنية.
قاموس حاكم دولة الدم والعدوان يتسع لأَبَادَ ، أَهْلَكَ ، قَضَى ، أَرْدَى ، أَوْدَى ، أزْهَقَ ، أَفْنَى ، أَمَاتَ... يقف في وسط الميادين، يزعق ويلعن. يرفع السيف ويقطع دون تفكير في جدوى ما يفعل. يسعى لبناء مجد لا يهم ان كان قصير الامد. يرصع كرسيه بجماجم ورقاب مهشمة ويزين سريره بآلاف الجواري والغلمان.
في كل قواميسهم لا يوجد لفظ "حب". هم لا يعرفونه ولا يتقنون مفرداته. عندما يكتبون للتأريخ لأنفسهم يضخمون الأنا ويمجدون منجزات وهمية لخدمة كرامة الانسان ينسبونها لذواتهم ويغرقون في كل اشكال البارانويا.
هل وجدتي مرسوما على وجههم او على شفافهم او في صفحات قواميسهم كلها على اختلافها كلمة "حب" ؟
الكتبة والملوك والتاريخ لا يعترفون بهذه القضية ورغم ذلك يخشون المحاربين المسكونين بالحب لأن بساطة كلماتهم وصدقها تكشف عريهم.
يعرفون ان ديهيا الحكاية ككل الابطال الحقيقيين على مر التاريخ البشري كانت محاربة، قبل خلق الاكوان كلها وُجد حبها مرسوما على وجه القدر.
كان المحاربون على مر التاريخ عشاقا محبين مخلصين.
يعلم المحارب أنه بدون حب لا يساوي شيئا. يبحث عن قضية حب تحقق يقينه وتمنحه أمانه وتحرره من الاغتراب الذي صار قدرنا. يخلق قضيته ويدرك حدودها ولا يطلب منها اكثر من طاقتها. بالنسبة اليه لا يوجد حب مستحيل كما ان الرفض او الصد او الصمت ما هو بالنهاية إلا قناع يخفي قلوبا يجرحها النسيم لهذا لا يجرح احدا مهما اثخنت الجراح قلبه. يسعى دوما بحثا عن حبه مهما تكن العراقيل لكن دون مبالغات او رغبات في التملك تقتل الحب. ان جرحه الحبيب أو تجاهله لا يغضب ولا ينتقم بل يبحث عن سبل تجديد الحب لأنه يعلم انه في تلك الحالة ربما يكون قد أساء التعبير عن حبه أو لم يحسن أسر قلب المعشوق أو لم يمنحه ما يستحق من اهتمام ومودة.

رحلت ديهيا الحكاية ولن تعود وحتى ان عادت لن تجد موطئ قدم لكن صدى مناجاتها لبني امها ولوطن سليب لا يزال يتردد في الفضاء.
أتقدرون على التقاط ذبذبات صوت المرأة الرقيقة العاشقة التي قتلها حبها وهل ستنجحون في فك شيفراتها ؟
قالت ذات تاريخ منسي اهمله كتاب السلاطين :
" - الحبيب لحن ابدي يسكننا، يأسرنا. نبحث عنه في كل الوجوه. حيثما مررنا، في كل ما يحيط بنا، تطالعنا ملامحه المشبعة بالنور والموسيقى والألوان لكننا نعجز عن الامساك بها او تلمسها لأنها لا تكتمل إلا به هو الغائب دوما المتواجد دوما والذي ينساب من بين اصابعنا كماء عذب، كشعاع يمر من وراء زجاج نافذة مشرعة على النور يدغدغنا يثير اشواقنا الدفينة يرسم بسمة ويستقر على أكفنا ثم يخاتلنا وفي غفلة ينسحب تاركا في اعماقنا لذة لا نقدر على تحديد معالمها نسعى وراءها لكن كلما بحثنا وشعرنا اننا أوشكنا على امتلاكها تتوارى بين مذاقات اخرى للحياة.
ألامس كل الجدران الندية المشبعة برطوبة السنين بحثا عن خط رسمه عاشق قبل ان تلتهم الحرائق بقايا وطني.
عاشقة ابدية انا
(...)
سموني كيفما شئتم. "دهي" او "ديهيا" او "دميا" او الكاهنة.
ماذا تعني الاسماء لمن قدرهم ان يعيشوا خارج اسوار التاريخ؟
الاسماء رمز لكائن له وجود لم اعد امتلكه ولم اهتم لامتلاكه ابدا ما لم يكن في سبيل حياة كريمة للحبيب.
اني اركع امام قداستك حبيبي.
حبيبي أيا حرية مغتصبة. الحرية التي اشتهاها الاشراف ومات لأجلها الاحرار وعجز المحاربون عن حمايتها. الحرية التي باعها بسطاء لم يفهموا لعبة السياسة والتلاعب بالانتخابات ووهم الديمقراطيات لذئاب شرسة. ذئاب وعدت من ينصرها سبل الكرامة والرخاء ثم في اول مفترق طرق رمت صحفهم وقالت :" والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه" ( تاريخ الخلفاء )
ذئاب ملتحفة جبة فقيه يدعى معرفة الالهة والأنبياء وفي جرابه المخفية أحلام سلبت من ابرياء وصِبْيَةٌ سرقوا من طفولتهم الاولى.
حبيبي يا حلما مسلوبا... يسكنني جرح عشقك الدامي كقدر. يأخذني اليك حد الذوبان حبا ويبعدني عنك حد الموت قهرا فأهرول نحو الجرف الصخري المطل على فضاء بلا قرار هربا منك وبحثا عن اتحاد ابدي معك.
جبال الأوراس الحزينة لآلامي أنظري كيف تجهض الاحلام وتسرق الحياة في وطني وأقف صامتة عاجزة عن الفعل والتغيير والتعبير عما يختلج بقلبي ويرتسم بأفق مخادع كسراب الصحارى.
حبيبي أيا جرح متجدد... اشعر بقسوة الفشل في التعبير عن حبي لك بانتصارات انا عاجزة عن تحقيقها أيها الوطن المرسوم بدمي المُعمد كل يوم بدماء طاهرة جديدة لبناء مجد زائف للعلق يغتصب السيادة ويمتص كل العصارة.
أنا المحاربة... امرأة بضعف كل النساء وبقوة كل ابيّ يعشق ارضا امتلكته قبل ان يعي كنه الحياة.
ان اللغة والكهانة والفراسة تخذلني انا المحاربة العاشقة يا جبال باغية.
لا اقدر ان انقذك حبيبي من تيهك ولا ان افتح ابواب الخلاص لشعبي او ارسم لحن حبك في وجعي أنا الملكة المغدورة في وطن آمنت به.
آن اوان الرحيل والعودة لظلمة الغياب لكن قبل رحيلي سأنهي بذر اسئلتي وحيرتي في عقول آن الاوان لتؤمن بضرورة الفعل وسيولد معها الربيع.
الربيع مهما توارى يعود ليبقى الأمل قائما في سلام دافئ يسعد غد اجمل تتحقق فيه الاماني والأحلام التي نعيش على وقعها وبها الى ان تتوقف كل صفارات المراكب الراحلة بعيدا عن الصدح بنغماتها.

****

آمنت دوما أن الانسان قادر على تغيير التاريخ وإعادة صياغة الحقائق من جديد لكن ما العمل عندما نكتشف ان كل توقنا لكشف الحقيقة كان تهورا وتحديا للمستحيل وأن كتبة التاريخ المزور كانوا أكثر براعة وإقناعا ؟
سمونا بربرا نكاية وصنعوا احاديث من قاموس المقدس استعلاء. تماهينا في ابجدياتهم واستعذبنا الذل وسخرنا من الاصول وتنكرنا لها. صيرونا مسوخا بهوية مستوردة فرضتها القوة والساسة والمصالح. اعدوا ترسانتهم السياسية والايديولوجية والدينية حتى قال العاقل من بين من ارخ لنا "أذل (عقبة بن نافع) الأمازيغ حتى بقي فيهم قليل من الناس" . داسوا بكم لا يحد من العدوان وانعدام الاخلاق حضارة ضلت تصارع الاطماع عبر العصور.
ماذا تبقى لنا اليوم ؟
مسلوبون. مهدورون. منبتون بلا ارض ولا زرع.
ماذا لو كانت نومنسا الحكاية وجها آخر للاوطان التي يسلبها منا شواذ الافاق باسم المقدس او الحق الالهي او الشرعية او القوة الغاشمة ثم على مسارح التاريخ وأمام انظار كل العالم يضعون بين فخذيها افعوان الشقيقات السبع والشركات متعددة الجنسيات العابرة للقارات ثم يضغطون... يضغطون بكل قوة... الى ان تتضخم الحقائب الجلدية حد الانفجار تخمة ويرتفع الرصيد كطود نحو السماء وينزف الجرح كل دمه... تغتصب الصبية العاجزة بوحشية لتضيع العذرية والشرف والأصالة والانتماء ونقف نحن ككل العشاق العاجزين المقهورين المهدورين نرقب مراسم ليلة العذرية بعين باكية ويد مغلولة ولا نجد من سبيل امامنا إلا الانتحار كمدا ؟
مرهق أنا أيتها الرفيقة فانجديني. خذي بيدي وأنقذيني من وجعي. تختنق الاحرف في حلقي. أتنازل لك على كل نصوصي. أرد اليك الكلمة التي اغتصبت. اشقتني وعجزت أن تبث تمردي على التاريخ المزيف. حاولت أن أنفض الغبار عن الحقائق المغيبة قصرا فصارت كل الأبجديات عصية لا تطاوعني.

يخشى القراء ما لم يعتادوه من أساليب فنية وبلاغية لأنها تصدمهم باختلافها وغرابتها وغموضها أحيانا فما بالك بحقائق لقنوهم اياها على مدى قرون متتالية بالحديد والنار.
اني أتنازل عن صفة الكاتب فهي لا تناسبني. كتاباتي تحمل الغاما سريعة الانفجار ومؤذية والكاتب الحقيقي في عرف النقاد والقراء هو من يقدر أن يغازل أحلام الناس بكلمة مباشرة اعتادوا معناها البسيط الواضح فيكسب تصفيقهم لأنه قدم لهم ما يتناسب وميولاتهم ومفاهيمهم وما يخدم قناعاتهم مهما تكون كاذبة أو وهمية.
من يصدق كاتبا يقول ان عبد الملك بن مروان مجرم في حق البشرية يجب ان يحاكم على مسارح التاريخ تحت نور الشمس لأنه سرق شعوبا مسالمة وانتهك كرامتها وإنسانيتها وطمس تاريخها وكتب مؤرخوه كذبا كلاما مزوقا نقرأه في الكتاتيب والمدارس : باسم الله ودعمه مكن له الله في الارض سبيلا فاعلى بحكمته التي تستقى من هدي الله وبقيادته التي تآزرها الملائكة راية أمته فاتسع مداها وذل اعداءها وتفرقوا في الارض كعهن منفوش ؟
من يصدق كاتبا يقول ان كل ملوك وحكام الزمان المبجلين الموقرين من اقصى الشرق الى اقصى المغرب في بؤرتنا السوداء العفنة مجرمون في حق شعوبهم يجب ان يحاكموا على مسارح الواقع وفي الساحات العامة وفي كل وسائل الاعلام السمعية والبصرية لأنهم خذلوا اوطانهم. باعوها لمن يدفع اكثر من بين الدول الكبرى وجعلوها ملكيات خاصة لهم يستنزفون كل خيراتها منتهكين كل كرامة وكل انسانية مغيبين كل مناهض او رافض لطغيانهم في سجون لا تعرف شمسا ولا رحمة ومتغنين بالدعم الرباني والاصطفاء القدسي الذي يقصر عن ادراكه اي مناد بديمقراطية او كرامة او حق المشاركة في تقرير المصير ؟
من سيصدق كاتبا يقول ان كل فقهاء وأئمة الامة التي تردد انها خير امة اخرجت للناس هم سبب خرابها وهوانها. وهل يمكن ان ننتظر الكثير من سقط المدارس –سقط المتاع – أولئك الذين لم يدركوا يوما علما ولم يحصلوا يوما معارف، تاهوا في الشوارع الى ان وجدوا في جبة وبعض ايات وعمامة وزبيبة تجهد ما ينالون به نصيبا من النزيف المتواصل. باعوا كل القضايا على ابواب الحكام وتاجروا بكل شيء بدا بالإلهة وانتهاء بكرامة الانسان. نشروا الكراهية والعداوات حتى بين مذاهب الدين الواحد. بذروا الرعب والموت حيثما حلوا. علماء بدون علم وأتقياء بدون تقوى لم يعرفوا للحب يوما سبيلا.
من سيصدق كاتبا يقول ان شعوبنا مقهورة مهدورة لم تمتلك يوما بوصلة ؟ تنعم بجهلها، تخشى التساؤلات الكبرى وتختفي كلما ارهقتها امراضها وراء ابواب المشعوذين وفي الزار والزوايا والمدافن. تنساق كقطيع اجرب وراء كل دعيّ يحمل مسبحة او آنية بخور او سيفا.
شعوب تستمرئ ذلها وهوانها. لم تؤمن بأنها قادرة ككل البشر منذ بدأ الخليقة على الابداع والقفزات الكبرى نحو مستقبل مشرف.
شعوب مفعول بها. تُثار لما تدغدغ مشاعرها دعوات من يرفع راية مقدس ضد مبدع او مغرد خارج السرب. تهتاج فتمارس عنفا غير منضبط قاذفة دون قدرة على بلوغ النشوة كل ما بأحشاءها ثم تعود لجحورها تغتسل من جنابتها وتنكفئ راكعة باكية ابتلاءها بالعيش في آخر الازمنة الموبوءة.

في عهد الايمان والتبتل والحضرات الصوفية والتهجد في جامع سيدي اللخمي بصفاقس لما كنت طالبا كنت اجلس في ركن قصي بعيدا عن الانظار واغرق في كتبي. اتملص من اسر واقعي وبؤس حياتي وأتماها مع المطلق. يتركني الجسد وشيئا شيئا أنسى وجوده الفعلي والجوع الذي ينحله والعري الذي يشقيه وتحلق روحي في فضاءات نورانية لا محدودة. أعانق محبة الله وحنو نبيه المصطفى ويغمرني الله بكرمه وارى الجنة واقعا ماثلا امام ناظري فتسري بعروقي رعدة وينتفض كل جسدي.
في احدى تلك الخلوات المبهجة تسلل لعقلي سؤال تداعت بعده اسئلة لا تنتهي : ماذا لو شهد محمد المكي صاحب "لكم دينكم ولي ديني" و "لا اكراه في الدين" فضاعات الحكام باسمه على مر التاريخ ؟
كان سيستجير بالله من غيهم وينكر الحق الذي يدعون ويجمع الشعوب المظلومة حوله في ثورة عارمة تعيد سبيل الحق وتنير السبل ككل الثوار الذين سجل التاريخ اسماءهم.
اذا لماذا لا يكون محمد المدني الذي ذُبح بأمره خلق كثير الى ان غمر الدم المراق الطرقات وصَبغ القلوب بعداء لا يستكين وقَتل وشَرد ومَثل بأجساد قُطعت اوصالها حية ترزق اضافة – مجرد إضافة بائسة- من ملوك ارادوا ان يصبغوا على تجاوزاتهم واستبدادهم صفة المقدس ؟
لماذا كتب مؤرخيهم أنه اسرف في حروبه مع الاخرين المختلفين ولعن النصارى وهجّرَ اليهود الذين والهم وأحسن لهم خليفته عمر حتى سموه الفاروق ؟
ألم ينسخ كل الكتب المقدسة والسير والبطولات نساخ خاضعون لسلطان الملوك ومصالحهم وأوامرهم المغرقة في الانا وعقد التمايز الاجوف عبر التاريخ ؟
هل كانوا اوفياء حقا للنصوص الطاهرة الاولى ايا يكن مصدرها نبي منسي او متصوف متبتل او اله من عالم آخر أم انهم بكل بساطة تلونوا بكل الالوان التي فرضها سادتهم وأولياء نعمهم فأضافوا ما شاءت قريحة النزعات الوحشية الكامنة في اعماق الانسان الذي لم تهذبه حضارة ولا قيم ؟
في ذاك العهد المنكفئ في اعماق ذاكرة مهدورة سكنتني حيرتي حتى لم يبقى بعقلي سوى الصورة المثلى التي رسمتها لعصر النبوة الطاهرة المخلصة لله الراكعة امام قداسة دم الانسان وصار كل الباقي حشوا.
في هذا العالم المتلاطم كموج غاضب من سيمنحني مساحة كافية في عقل انسان للمطالبة بإعادة قراءة التاريخ وإقناع البسطاء والمثقفين بنظريات المساواة والحرية الفكرية وحق تقرير المصير وقداسة الاوطان على حساب كل الافكار والأديان والحساسيات ؟

من أنا، الكاتب العمومي حكيم ولد منوبية الطرشة ؟
انا لست سوى صورة لما يرتسم في عقول وعيون الاخرين. عقول خلقتها انطباعات عصبية لدماغ مادي محض تطور حد التعقيد الذي صنع الانسان.
أنا وعي بذات مهزومة أراه منعكسا على مرآتهم في كل الترسيمات حولي.
في منطق العامة محموم مسكون بالجن يهذي كلما تشد به الحمى يعيش على اطرف الحياة بحثا عن معاني الاشياء البسيطة الغير مدركة.
في منطق المؤرخين مهوس بتاريخ لم يكتب. باحث عن حلقات كثيرة مفقودة تاه بين السطور ولم يعرف سبل العودة.
في منطق رجال الدين مارق كسر التابو واستهان بالمقدس وخرج من جبة الفقيه لأنه لم يقبل الها لاهيا ينصر فصيلا ويحمي القتلة.
في منطق العشاق خائن للعهود الابدية وقطرات الدم التي كتبت أولى حروف الحب أضاع خله الذي يعبد لأنه صمت لما كان يجب ان ينساب غزيرا كماء على جسد أعياه الشوق والرغبة.
في منطق العقلاء مجنون هده الطرق على ابواب مغلقة وحينما تكشفت له حقائق تفوق قدرته على الاستيعاب فقده عقله.
خذي كتابي هذا وأخفيه جيدا بين ثنايا ثوبك فحراس المغارة لن يسمحوا أن تتسرب الكلمات المنفية خارج مملكة التاريخ المعلوم لترى النور بعد طول اعتقال.
تقدمي سيدتي وخذي بيدي وأعيديني الى الفضاء الرحب.
قودي خطواتي فانا لم اعد قادرا على الرؤية.
احمليني برفق أم كبذرة في رحم لم يشوه بالزيف والأكاذيب والغضب فربما ذات فجر تولد حياة جديدة تمنح الكل الحق في الكرامة والأمل والمستقبل.
ضعي وشاحا على وجهك فحراس البوابات سيشوهونه لو قرؤوا بعيونك كل ما رأيته منذ حين.
لن يقبلوا ان تقض كلماتنا كراسي السلاطين وسلطان رجال الدين وأمان المحكومين المستسلمين المنقادين.
سجنوا انفسهم بين سطور التاريخ وعاشوا على أمل استعادته ونسوا أن يدرسوا الحاضر ويعالجوا هناته ثم يتعلقوا بالمستقبل ففقدوا الطريق وعاشوا اعمياء لا يدركون.
أنا أيضا لا أقل عنهم عمى لأني في بحثي عن الحقيقة ضعت في المتاهات. عشت في الحلم ونسيت الحياة. حتى الالفاظ لم امتلكها فتضاعف اغترابي اكثر. ظللت عبدا للتنظير والأحلام وأسير تاريخ مكتوب اريد كشفه فلم ارفع بصري نحو النور ولم اتمكن من اكون من صناع المستقبل. كبلني عجزي وترددي وميراث سنيني فتكسرت أشرعتي واحترقت مراكبي في الصحارى دون أن تحمي وطنا ولا تبذر املا. لم اتمكن من أن اكون رجل فعل والمستقبل لا يكون إلا للمقدمين الذين لا يخشون المغامرة والمجازفة والتحدي.
أتدركين سيدتي مأساتي ؟
عندما يتحول الخبز اليومي المتعفن لأسمى الغايات المنشودة للبشر في صراعهم الذي لا ينتهي وينسحب المتعففون من أمثالي عن المشاركة في اقتسام الوليمة البائسة من مشاغل الشأن اليومي والواجب العمومي والمدني ماذا يبقى سوى الفناء ؟
خذلنا الوطن دون أن نكف عن ترديد أهازيج التبتل في هواه. كل منا صنع وطنا على مقاساته.
وطن للسلب ووطن للتباكي ووطن للحلم المسلوب مسبقا ووطن وهمي بلا حدود لخصوصيات المكان مداه مملكة اله نصبناه حاميا نصيرا.
تشابكت المعاني وفقدت المفاهيم دقتها. المنتصر مهاب مطاع والمهزوم ملعون منفي في وطنه والشريف شريد في فضاءات التيه الخانقة صوته مكتوم.
قطعوا أوصال ديهيا ونصبوا حاكما دخيلا ومنذ ذاك الزمن الملعون توالى المنصبون باسم القوة من شرق أو غرب أو شركات عابرة للقارات يستنزفون ويصبغون بألوانهم الدامية روابي كللتها يوما كل ألوان الطيف.
كتم الثورة بقلوبنا سيف قائد معمم من الربع الخالي وجشع دموي لسلطان تركي محاط بحرير الحريم وبارود جنرال يرقص حول الحرائق الكبرى ويطرب لرائحة احتراق العندليب وقمح مسموم لأفعى حريرية الملمس بسبع روؤس تحكم العالم بأسره باسم البترودولار.
وضعونا في حاضنات الترهيب والرعب والخوف وأرضعونا يوم ولدنا العجز واللاجدوى والثقة المهزوزة فركعنا أمام كل الدخلاء مكبرين.
تكاثرت الذئاب وانتشرت في ارجاء الغابات التي اضحت خرابا فتبعثر القطيع وتلاعن وتشابكت الايدي حتى دميت القلوب وتمزقت الاوصال.
ترفقي بي سيدتي ولا تسحبيني بقوة. أشعر بالخوف الذي يعتريك لمشهد المكتبة خلفنا تتهاوى لتدفن كنوزها.
لا تجزعي، يوما ما سيأتي اركيولوجيون من زمن آخر وسيبحثون تحت الانقاض. سيكون التاريخ قد أتم دورته ومر الى عهد جديد حيث يسكب الدلو مياهه بسخاء فيروي الارض العطشى ويغسل الجراح. سيبحثون في ندوب عصرا طال اكثر مما يجب وأثخن بالجراح القلوب البريئة عن سر بلوانا. سيبتسمون اشفاقا ويكتبون في سجلاتهم أن انسان عصر الحوت القادم من اعماق الظلمات صنع الهة قاسية كالصخر ثم دون ان يدرك انه يهوى في أعمق نقطة في النفق المظلم صار عبدا لتماثيله. وضعها فوق سقوف المعابد ولما زحزحتها مصالح الأبناء وتوسيع دور العبادة سقطت على رؤوسهم فشجتها وأدمتها. اتهم كل واحد من بينهم أخاه. مع اتساع رقة المصالح وتضاربها تحولوا الى أعداء يدعون على أنغام ألحان متباينة مسرفة في الشذوذ والغرابة والتهافت الشرعية والتميز والاصطفاء الرباني. جمع كل منهم حوله مؤرخين وكهانا وفقهاء وأنصارا ومريدين ثم رفع بوجه اخيه السلاح وسال الدم هدرا.
سيدونون في سجلاتهم والاستغراب مرسوم على وجوههم أننا كنا أتباعا منصاعين فقدوا الادراك بحكم التعود.
العادة قتلت الحماس فينا وجعلتنا أسرى خيالاتنا. تنازلنا عن الحياة وعشنا في أخاديد الوجود الضيقة يقودنا رسن وسوط. استعذبنا القيد وتماهينا فيه وصادرنا كل ابداعات المبدعين وحاكمنا بقسوة الخائف العاجز تجديد المنشقين عن السرب.

سيدتي احملي شعلة بروميثيوس الطيَب وبعضا من ديهيا فربما تنير بعضا من السبيل الذي لا يزال طويلا.
لا تخشي الظلمات فالنسر الالهي نفق والصخرة الثقيلة تفتت وتهم العهر فقدت معناها في زمن امتهن العهر بكل صنوفه. النور سيلمع في نهاية النفق هناك حينما نصل الى اخر المطاف وسيصمت البوم الناعق ولن نسمع سوى صوت الكروان يغني.
حاذري فأحد الحراس يقترب. أشعر به يرفع خنجرا ملوحا مزمجرا. يتهمنا أننا انتهكنا أسرارا ما كان يجب أن تكشف. سأتلقى طعناته وأمنعه من الاقتراب منك. اهربي...
اجري بسرعة أكبر فالباب قريب. لا تكترثي لي وأحمي المخطوطة.
لا تعودي أرجوك...
لماذا سيدتي عدتي ؟ أألومك أم ألوم نفسي ؟ أبعد ان بلغتي النهاية تضحين بكنزنا وتعودين لإنقاذ بائس لا معنى ولا قيمة له ؟
جرحك غائر سيدتي. ينزف بشدة. سأقطبه. احتملي قليلا الالم. سامحيني لأني ورطتك.
ابتعد ايها الوحش القادم من اشد الكوابيس رعبا. ماذا تريد اكثر وقد استرجعت أشياءك ؟
يا الله...
انه يردني أن أصمت الى الابد.
يا الله...
انه يريد لساني.
لا... ارجوك.
لاااا...

****

أحرقتني اشعة الشمس ففتحت عيوني وفركتها طويلا بحثا عن المحاربين وعن المغارة والمكتبة والكاتب. تلمست حلقي ولساني. كطفل يتعلم النطق قلت :
أ... آ...
فرحت لسماع صوتي.
كنت في العراء وفي كل المكان حولي لم أرى سوى شجيرات الجبل وغابات متناثرة وصخور صماء.
رائحة النباتات البرية التي تملئ المكان عطرا طبيعيا جميلا انعشتني فغادرت المكان حيث كنت اختبئ تحت شُجيرة تصارع من اجل البقاء. لا اذكر متى وصلت الى هنا ومنذ متى اختفي بعد ان تبعت اثار حكيم بحثا عن بعض الاسرار في متون الحياة الى هذا المكان المنسي على الخرائط في وطني. الصخرة الملساء التي كانت تخفي باب المغارة لا يبدو انها زحزح من مكانها يوما. المكان هادئ كما عهدته في كل تتبعاتي السابقة للكاتب في جولاته التي اثارت حوله خرافات مثيرة.
شعرت رغم ان كل شيء كان على حاله المعتاد أن جسدي منهك وأطرافي تؤلمني وكان ذراعي يحمل جرحا لا يزال ينزف.
كيف جرحت وكيف غبت عن الوجود لفترة لا اعلم كم استمرت ؟
هل أثر بي الحشيش الذي رأيت الكاتب يتناوله في سهرته ام ان الجنية التي الصقتها بعض الاساطير به سكنتني وحملتني الى عوالم اشعر بمطعمها في حلقي لكني اعجز عن تحديد مذاق خاص لها ؟
مستحيل. لم اتناول حشيشا ولم اسكر ولا اؤمن بغير ما يمكن ان المسه واراه.
ما الذي حصل اذا ؟
لست ادري.
احيانا تكون الاجابات مهما تكن بسيطة صعبة المنال والبحث عن فهم ما يجري حولنا شاقا فنستسلم للعادة والرتابة تسيرنا.

اقتربت منه فلم يشعر بي. وقفت قريبا منه. كان نائما منكمشا على نفسه فوق لحافه حيث رايته جالسا يدخن الحشيش الليلة الفارطة ان كنا غبنا عن الوجود فعلا لليلة واحدة. سمعت تنفسه المضطرب ورأيت جسده ينتفض كمن يصارع اشباحا لا تريد ان تتركه ينام بسلام. حوله بقايا سجائر وخبزا وبقايا طعام عبثت به بعض الحيوانات المتسكعة في ظلمة الليل وسكون الكون. تقدمت منه وأيقظته. تمطى كطفل ثم لما اكتشف وجودي قفز بعيدا عني كما لو كنت وباء يهدده بالأسوأ. كانت عيونه باهتة بلا لون وصوته ضعيفا جدا.
تمكنت بعد جهد كبير من تهدئته وأقنعته بالعودة لعين الكرمة حيث دكانه وأصحابه. بدى لي ان صوتي لا يبلغه او انه لا يعي ما اقول لكنه فقط يعتاد وجودي الذي اثاره في البداية فيستسلم لي اقوده. ساعدته ليقف على قدميه لكنه سرعان ما فقد السيطرة وسقط. بكى فمسحت دموعه وساعدته ثانية.
اخيرا تمكن من التقدم خطوة ثم خطوتين وسار اخيرا مستندا دوما على كتفي. تركنا وراءنا كل اشياءه. لم نعبر الوادي بل سرنا نحو الطريق العام من الجهة الاخرى للجبل. هناك وجدت شاحنة نقل صغيرة عائدة للقرية. لم يبدو على السائق أنه يستغرب وجودنا في ذلك المكان. اخبرني انه كان في ساقية سيدي يوسف للتجارة. قال انه عائد للبيت وانه يقبل ان ينقلنا الى عين الكرمة مقابل بعض المال. ما ان انطلقت السيارة حتى اغرق حكيم في النعاس من جديد. سألت السائق عن التاريخ والوقت فضحك. لما سألته ما الذي يضحكه بذلك الشكل قال بشيء من السخرية انه ناقش بعض الاصحاب حول حال البلد وان كلمات صديق له لا تزال عالقة بعقله وان سؤلي اثارها. أمام الحاحي وضح لي ان صديقه يستغرب كيف يمكن ان يتغير حال البلاد ونصف ساكنيه يعجزون عن تحديد الزمن. أدركت حينها انه يرى أني مجرد رقم هامشي في سجلات الوطن. انتبهت حينها أن شعري كان مغبرا اشعثا وثوبي متسخا وغير مرتب. حكى دون ان اشاركه عن الوضع العام في البلاد ثم بزق وشرع يلعن غاضبا شعب تونس وما يحدث في تونس وسياسي تونس والشهادة الجامعية التي باعها في زمن ما من اجل مشروع فاشل في منطقة بائسة سحقت كل احلامه فاكتفى بالقليل برا بأبوين ضحيا بكل شيء من اجله.
ازاء حالة رفيقي المثيرة للشفقة تتطوع بان يوصلنا الى مدخل القرية. اثر بي كرمه كثيرا. عندما وصلنا، ادخلت يدي في جيبي لأقدم له المال المتفق عليه فوجدت حلية قديمة. مر طيف ديهيا بخيالي لكني طردته بسرعة. لا يمكن ان يكون ما عشته في ليلتي الفارطة حقيقة. كان وهما صنعه خيالي ورهبة المكان.
لكن الجرح بذراعي الذي تزداد حالته سوء من سببه وهذه القطعة من الحلي الامازيغي من اين أتت ؟
كلما نظرت اليها شعرت انها تزداد ثقلا في يدي. يجب ان يحفظها قلب حالم قادر على تحدي المستحيل أما أنا فلست مؤهلة لحمل الامانة. كانت أقراطا بحجم بيضة حمام من ذهب وعقيق وفيروز. قدمتها له على انها ذكرى من جدتي لأمي واني سأكون ممنونة لو اهداها نيابة عني لابنته المتميزة التي ستنتقل كل العائلة من اجلها الى مدينة الكاف لتتمكن من الدراسة بمعهد نموذجي.
بقيت أراقب الشاحنة التي تبتعد الى ان اختفت وراء غبار كثيف في المدى البعيد. امسكت ذراع رفيقي الذي كان يقف مائلا قليلا وعيونه الباهتة شاخصة في اللا شيء وبعض اللعاب يسيل من فمه كمرضى الزهايمر في مراحله المتقدم. دفعته بلطف وسرنا الى ان بلغنا الطريق الذي قادنا الى الساحة العامة.
لاحظت ان الحركة غير عادية. اغلب الاهالي كانوا في الطرقات وكان يرتفع في سماء القرية دخان كثيف. رأيت بعضهم يجري وسمعت اطفالا يصرخون بصخب. بعض الذين نمر بهم ويتعرفون على الكاتب ينظرون الينا ويتهامسون.
- ماذا يقولون يا ترى ؟ هل نحن عائدون من غياهب التاريخ لنبدو مثيرين الى هذا الحد ؟
اتضحت الرؤية عندما بلغنا الدكان. كان اعوان الحرس الوطني يكتبون تقريرهم لرفعه لمن يهمه الامر وموظفي المجلس القروي يتناقشون فتصدر عنهم اصوات آلية باهتة لم أتمكن من رصد كلماتها.
كان سقف محل الكاتب العمومي قد سوي بالأرضية. احدهم اشعل فيه النار ولم يتمكن الاهالي من اخمادها إلا لما اتت عليه كله.
رفيقي كان غائبا غير مدرك لما يحدث حوله.
ارتبكت ولم استطع ان أتخذ قرارا. بحثت عن وجوه مألوفة بين الناس المتجمهرة حولنا.
لمحت منصورا بين الفضوليين الذين غص بهم المكان لكن لم يبدو عليه أنه يعرف الكاتب. توارى بسرعة دون ان يقترب منا او يلقي التحية. - ربما في شطحات خيالي تخيلت انه صديقه الحميم وصنعت لهما تاريخا مشتركا أو ربما هو ضعف رجال الظل والقهر والذل لما يتجلى بكل بساطة الانسان الذي يخشى انكساراته المرسومة على وجوه سكنت ذاكرته المهزومة ردحا من الزمن فيهرب من انهيارها هربا من نفسه -
انتهت مهمتي ويجب ان اعود لمدينتي الصاخبة بالحياة وشقتي الدافئة العصرية وارتب اوراقي المتداخلة. أنا عنصر دخيل على كل هذا الاطار بكل تناقضاته. عالمي مختلف. يهمني النجاح والشهرة والتكريم والتصفيق ولا احتمل هذا الكم من التهميش والفقر واللاجدوى. لم يعد في المكان ما يشدني اليه بعد ان سرقت من الكاتب نصوصه ومخطوطاته وصغتها بكلماتي.
لم يعد اي شيء يغريني بالبقاء في قرية معدمة بعد ان حملت ما جئت من اجله من انكسارات شباب المناطق المنسية، المقهورون الذين نسيهم الساسة والتاريخ وسلبتهم حياتنا المترفة الانانية المتعالية المتمايزة في المدن الكبرى القدرة على الصراع.
قدره ان يعيش في الظلال لأنه اكثر حلما وأكثر طبيعية واقل تطلبا من أن يحتمل واقعا باردا كالذي الفت العيش فيها وطوعته لصناعة امجاد على جثث تثير الشفقة في معاناتها لكنها سرعان ما تركن في اول مصب للفضلات مع آخر سطر في جريدة او مجلة.
يجب ان ارحل قبل ان اتسمم بنسق العيش المستسلم للمهمشين على حدود الذاكرة والوطن لكن لمن سأسلم هذا الرجل المتداعي قبل ذلك ؟
لن تثقل ضميري السرقة الادبية والمعنوية للأحلام فكل المحظوظين في اوطاننا بنوا امجادهم على سرقات لكن اخشى ان يرافقني حمل ترك بريء يموت وحيدا.
فجأة كنور مباغت في حلكة الليل تقدم منا الاستاذ.
كان في حالة مزرية. في يديه بعض الحروق وثيابه متسخة الى حد بعيد. احتضن رفيقي. قبله وضم رأسه الى صدره. تراجعت الى الخلف. ابتعدت أكثر. اتجهت صوب سيارتي وامتطيتها وأغلقت كل الابواب بإحكام. قبل ان انطلق الى مدينتي القيت نظرة اخيرة على المحل الخرب والناس.
رأيت أم بلال تترك النسوة اللاتي على صخبهن وتسرع نحوهما. ضمت الكاتب بدورها وبكت. عندما هدأت نوبة العويل قالت :
- مسكين يا ولد منوبية الطرشة يا وليدي. ادخله الى داري يا استاذ يستر عرضك.
دفعاه الى الباب لكنه تملص منهم وأسرع نحو بقايا دكانه المشتعل ككومة قش تآكلت ولم يبقى منها إلا بعض اللهب وكوم من الرماد والهباء الذي رفعه الهواء في الفضاء. رفع يديه الى الاعلى وصاح :
- حيّ... حيّ... عقل برهاني او بياني ؟ سيف فقيه وشيخ قبيلة او مخدر تعويض رباني ؟ اختر يا ابن الانسان ... ايا تكن خياراتك ايها المسلوب المهدور كل سبلك في نهايتها مرارة ويأس ولا جدوى... حيّ... حيّ...
قال سي عبد القادر لبعض الرجال الواقفين قريبا من الحريق :
- اراد ان يهرب من زوجته الجنية فأحرقت المحل وانتقمت منه. كيد النساء لا مرد له حتى وان كن من الجان.
رد شيخ معقبا :
- ربنا يسترنا من الجن والنساء.
في حين على صوت من بين الجمع :
- بل هو شيخ على بركة عظيمة. كان يجب ان تحرق بنت الجن دكانه لتظهر بركاته.
قال عجوز اشيب الشعر مستند الى حائط ام بلال.
- بركاتك يا شيخ حكيم. صدقت نبوءتك والله. زوجتي منحتني الولد اخيرا.
أمن رجل يبدو انه راع قادم من الريف.
- الشيخ كله بركة. شفى ابني منذ اكثر من شهر بوصفة مباركة من داء قال الطبيب انه لا شفاء منه.
اضاف صوت لم اتبين ملامح صاحبه :
- بل هو دعي كاذب. كفر بالله ورسله فذاق بعضا من نار جهنم.
نظر اليهم الاستاذ حانقا ثم دفع صديقه نحو بيت ام بلال هامسا في اذنه :
- حانوتك حرقه وْلِدْ سي عبد القادر وجماعة معاه. يُقولوا عَدَّى (أمضى) برشة (عدة) شهور للتدريب على المتفجرات في جبال الشعانبي. النذل صار من لجان حماية الثورة ويخاف ربي يَاسِرْ (كثيرا) بعد ما كان يتعاطى في الزطلة (المخدرات) في البردال مع القحاب. قال آشْنُوَهْ انت كافر. عرفوا يدخلوا لحسابك الالكتروني ووصلوا لكتاباتك. آش لزك يا صاحبي على المر؟ وين باش تعيش وأنت كِمَا يقولوا عاش ما كسب مات ما خلى؟
آش بيك ساكت يا حكيم.
أمام صمته لم يعلم الاستاذ ان كان يعى كلامه او يفهم ما يحصل حوله. احتضن كتفيه ودفعه بلطف نحو باب ام بلال التي كانت تمسح وجهه المتعرق وتبكي. عند الباب وقف حكيم والقى نظرة اخيرة على المحل. رفع عينيه نحو السماء. تأمل نقطة غير معلومة طويلا ثم صاح بأعلى صوته :
- الوردة داسوها والأم جرحوها. الصبية تبكي والحلية باعوها. بَاشِي بَاشْ (بماذا ستتزين) تتزين ليلة فرحتها والروبة (الفستان) البيضاء قطعوها.
- آش قال ؟ سال احدهم.
- مجنون يعني إِيشْ باش يقول ؟
- بركاتك يا شيخ. انه ينطق حكمة. بركاتك.
ارتفعت الاصوات مرددة :
- بركاتك... بركاتك...
- يمثل عليكم في الهبال الكافر اللي ما يعرفشي ربي. رد أحدهم.
- حرمته بنت الجن من بيته لكن الله جعله على بركة عظيمة. علقت احدى النسوة
- بركاتك... رددت اخريات.
- اعمل روحك مجنون تعيش في هالبلاد الزفت. قال عبد القادر لرفاقه المتجمعين حوله وفي عيونه شرر كراهية وعدوانية لا تحد.
دمعت عيون الاستاذ. بعد برهة تنهد بحرقة وزفر بصوت منخفض :
- مسكين يا حكيم يا صاحبي. لا، انا اللي مسكين. انت ارتحت من شقاءك. عايش في دنيا اخرى بعيدة لا يهمك برد ولا جوع ولا حال بلد موجوع اما انا اش نعمل ؟ نلوج على جنية تنقذني من عقلي وإلا نسكت ونموت بغصتي وإلا نصيح ويذبحوني كي علوش العيد.
البلاد ناوين يهلكوها. غربوها زمان واليوم يشرقوها. متين توقف على ساقيها عروقها في اعماق الارض وفرعها يعانق السماء لا تحركها ريح ولا انواء؟





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,843,982,629
- نبش في تاريخ منسي - الكاهنة - رواية ج 4
- نبش في تاريخ منسي - الكاهنة - رواية ج 3
- نبش في تاريخ منسي - الكاهنة - رواية ج2
- نبش في تاريخ منسي ديهيا - رواية
- صلوات في هيكل حب - السجدة الثانية
- اسلاميون الافاضل تعالوا نتقصى ملابسات مقتل عثمان بن عفان بين ...
- صلوات في هيكل حب .. السجدة الاولى
- عثمان بن عفان حاكم ظالم ام سلف صالح
- حضور الغياب .. وقفة سياسية
- بحث في سيرة عثمان من منظور اسلامي
- الخلافة الراشدة عثمان وعلي والفتنة الكبرى - سياسة بلوس ديني
- صفحات من تونس- دخول الاسلام الى افريقية جزء 2
- صفحات من تونس- دخول الاسلام لافريقية
- صفحات من تونس- تاريخ شعب
- الخلافة الراشدة -- عمر بن الخطاب 2
- الخلافة الراشدة -- عمر بن الخطاب 1
- حضور الغياب.. صفحات مصرية
- حضور الغياب.. وريقات عراقية
- الخلافة الراشدة
- حظور الغياب: أنيس مرة أخرى


المزيد.....




- بمشاركة روسية... بيروت تقتبس شعاع -مهرجان كان- السينمائي
- اختيار فيلم عن نيل أرمسترونغ لافتتاح مهرجان البندقية السينما ...
- ديزني تفصل مخرج -حراس المجرة- لتغريداته -الشائنة-
- بعلبك تتذكر أم كلثوم في افتتاح مهرجاناتها الدولية
- بيلي كولينز: سبب آخر لعدم احتفاظي ببندقية في منزلي
- المالكي: المغرب يعتبر التعاون جنوب-جنوب خيارا استراتيجيا
- مهرجان فرنسي يعرض فيلما عن ولادة موسيقى الروك في الاتحاد الس ...
- نهاية مروعة للعبة -القذيفة البشرية- في السيرك (فيديو)
- الخارجية: تجديد اتفاق الصيد البحري يعزز مكانة المغرب كمحاور ...
- نجمة البوب تيلور سويفت ستلعب أكبر أدوارها السينمائية


المزيد.....

- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رويدة سالم - نبش في تاريخ منسي - الكاهنة - رواية ج. الاخير