أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيد الوجاني - - امرأة عند نقطة الصفر -















المزيد.....


- امرأة عند نقطة الصفر -


سعيد الوجاني
كاتب ، محلل سياسي ، شاعر

(Oujjani Said )


الحوار المتمدن-العدد: 4172 - 2013 / 8 / 2 - 18:55
المحور: الادب والفن
    


من خلال قراءتي المتعمقة للرواية لتمضية يوميات رمضان ، يمكن ان استنتج ان الروائية نوال تدعو وتشجع كل النساء ان يصبحن مومسات باسم الحداثة والثورة على التقليد ولا تدعو الى المساواة الحقة بين الرجل والمرأة ، وهذا ما سأحاول اثباته من مناقشة الرواية .
يتعرض الانسان في الوطن العربي لأخبث اضطهاد ايديولوجي حيث تروج الطبقة البرجوازية العربية وحليفتها الصهيونية الاخوانية المتخلفة تاريخيا ، لإيديولوجيات هدامة وغيبية وشوفينية ضيقة قصد تسمير وتجميد عقول الجماهير وإفراغها من طاقاتها الخلاقة المتجددة ، وقصد طمس اصل الصراع في المجتمع بين اقلية مالكة وأغلبية مملوكة ، وتمويه الهوة الطبقية الحقيقية التي تنخر المجمع عموديا وأفقيا ، مما زاد في اتساع الهوة الطبقية مع تفشي الفقر والحرمان والمرض والجوع والبطالة والخصاص بين الاغلبية الساحقة من المواطنين ، وبين قوى النهب والاستغلال والاستثمار ، وقوى الانتاج الطفيلية التي لا يمكن ان تزول إلا عن طريق تحطيم علاقات الانتاج الاستغلالية ، وعن طريق تحول جذري يشمل كافة التشكيلات الراكدة من اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية بالوطن العربي الذي رغم ( ربيعه ) لا يزال غارقا في شتائه المكفهر بفعل اجهاض حركته في منتصف الطريق من قوى الردة والرجعية والظلامية التي سرقت حلمه وأجهضته قبل ان يتم بلوغ التسعة اشهر عن مخاضه . وهنا فان الانتكاسة التي اصابت العمل العربي ستبرز اولى ملامحها التراجيدية في قضية المرأة عصب الصراع الايديولوجي بين الظلاميين وبين المستنيرين والانواريين والتي تعود الى الانحرافات البرجوازية الصغيرة التي تستغل وضع المرأة في تبرير ممارسات شوفينية او الانخراط المندفع في تحصين ثوابت باسم الليبرالية مرة ، وباسم المحافظة مرة اخرى . وهنا تدخل على الخط مواقف الروائية المصرية نوال السعداوي " امرأة عند نقطة الصفر " التي تناولت القضية بنوع من الابتذال والهزال الفكري . فهناك من يرى ان تحرر المرأة لا يتم إلا عن طريق تغيير الهياكل الاقتصادية والاجتماعية ، لكن هذه الاطروحة رغم تقدمها فإنها تعكس الرؤية التجزيئية لطبيعة المشكل ، لأنه ليست هناك امرأة مضطهدة ، بل هناك انسان مستلب امام العجلات المزنجرة للرأسمالية ، فليس تحرر المرأة هو الذي سيتم عن طريق هذا التغيير ، وإنما تحرر الانسان المستغل عموما . وهناك من يرى ان تحرر المرأة يتم عن طريق مساعدة الرجل وحمل السلاح معه لمواجهة العدو الطبقي الاخونجي والكمبرادوري الرئيسي في المجتمع العربي الراكد ، وبعد ذلك يمكن التفرغ لمواجهة العدو الثانوي الذي يتشكل في شخص المرأة . وتعكس هذه الاطروحة جهلا لإبعاد التغيير المنشود والمستشرف . فعندما يتحقق التغيير المطلوب بضرب البنيات التقليدية والماضوية ودحر فلولها الناشطة باسم الدين من اخوانية عدوانية وسلفية تكفيرية وأخرى حجرية ، لن يبق هناك لا عدو رئيسي ولا اخر ثانوي ، وسوف لن يبق لذلك التصنيف معنى ، وإنما ستطرح مهام جسيمة تتجسد في كيفية المحافظة على مكاسب التغيير الجدري او الثورة العنيفة وتطويرها والسير بها قدما الى الامام قصد تكثيف الجهود – لا تصفية الحسابات الثانوية -- من اجل اعطاء شعار التغيير مفهومه العملي والحقيقي . وهناك الحركة النسوية التي إعْتبر اثارتها في هذه الظروف الحاسمة من تاريخ الشعب العربي ، تضرب بشكل مباشر ومفضوح قضايا هذا الشعب المصيرية المتمثلة في تحرير الارض والإنسان من التسلط الصهيوني والرجعي والامبريالي العالمي عن طريق تحويل اجناس ينتمون الى نفس نمط الانتاج الاستغلالي ، وهنا تجدر بنا الذاكرة ان نسترجع تهريج ابواق البرجوازية للسنة الدولية للمرأة ، والمطالبة بالمساواة مع الرجل . وهنا دائما ألا يعتبر تخصيص سنة دولية للمرأة طمسا لحقيقة الصراع باعتبار الرجل ( ’محرّرا ) وتطالب المرأة بالمساواة معه ، حيث لسنا في حاجة الى سنة دولية للمرأة ، بل يجب اعتبار كل السنوات الدولية سنوات لكفاح الشعوب رجالا وأطفالا ونساء من اجل مواجهة الصهيونية والرجعية الاخوانية الاسلاموية والعشائرية والامبريالية ، وكل مظاهر الاستغلال والاستنزاف والاستعمار الجديد .
ونوال السعداوي التي تناصر الحركة النسائية بشدة سقطت في روايتها هاته في مطبات ومتاهات ما اتى بها الله في زمان ، وسنبدأ بالتساؤل : هل يعني هذا العنوان " امرأة عند نقطة الصفر " ان امرأة عند نقطة الصفر والرجل عند نقطة المائة ؟ وتتجلى نزعتها النسوائية وليست النسائية في الرواية بوضوح حيث تقول : " هذه المرأة حكم عليها بالإعدام لأنها قتلت رجلا ،،، فهي شخصية مختلفة وقد رفضت التوقيع على الالتماس لرئيس الدولة " . تتحدث نوال عن المرأة التي قتلت رجلا ورفضت التوقيع على الالتماس لرئيس الدولة ، واعتبرتها شخصية مختلفة ، وكأنها تتكلم عن انسانة مناضلة تحملت مهمة جسيمة قد تدخلها السجن ، لكن ايمانها القوي بمبادئها جعلها ترفض التوقيع على الالتماس . ألا يعتبر هذا التفسير نوعا من البطولة الفردية التي تجهل طبيعة المشكل في عوامله وأبعاده ؟ هل قتل رجل سينهي المشكل ليعيش كل النساء في راحة وهناء بعد قتل كل الرجال ؟ وتضيف " انها افضل الافضلية " . السؤال هنا : ما الذي قامت به المرأة في سبيل المحرومين والمنبوذين من طبقتها حتى يمكن ان نتحدث عنها بهذا الشكل ؟ وحتى في حالة كفاحها الى جانب طبقتها فلا يمكن ان نقول انها افضل من كل الرجال والنساء خصوصا اذا كنّا نؤمن بالنسبية والتطور . وتقول ايضا " انها لا ترفضني ولكنها ترفض العالم " ، فأي نوع من العالم ترفض ؟ خاصة وان هذا الرفض مجاني وغير هادف .
ان بطلة الرواية انسانة لا مبدئية وضعيفة في مواقفها ، وهروبية الى اقصى حد ممكن ، حيث تقول : " ان هذه الرحلة الى مكان مجهول يجهله كل الناس فوق الارض بما فيهم الملوك والامراء والحكام ورجال البوليس تملئني بالزهور ، شيء يجعلني احس انني افضل من جميع الناس .. " .
هل الموت او الرحلة الى مكان مجهول يملأ بالزهور انسانة تعتبرها نوال السعداوي نموذج المرأة ؟ ان هذا الهروب ليس له من تفسير غير الهروب من مواجهة الواقع المعاش مواجهة عملية ، وهو الواقع الذي تتجاوزه البطلة تجاوزا وهميا . وتضيف البطلة " فلست إلا امرأة واحدة ، ولا يمكن لامرأة واحدة مهما كانت ان تعرف كل الرجال ،،، فمهما كنت لم اكن إلا مومسا ناجحة ، ومهما نجحت المومس فلا يمكن ان تعرف كل الرجال ، ولأنني كنت امرأة فاني اخاف ان ارفع يدي ، ولأنني كنت مومسا فقد كنت اخفي خوفي بطبقة من المساحيق " .
تتحدث نوال السعداوي عن الرجل والمرأة فوق الصراع الطبقي ، وفوق طبيعة الظروف الموضوعية : فهذا رجل وهذه امرأة وهذه مومس ناجحة ترفع يدها لتهوي بها على كل وجه الرجال ؟ وكأن الرجال يكوّنون طبقة ’مستغِلة والنساء ’يكوّنن طبقة مستغلّة ، والمومسات يحتلنّ الموقع الطلائعي في هذا الصراع ، لأنهن ناجحات ’يخفين خوفهن بطبقة من المساحيق . فعوض فضح هذه الايديولوجية التي تنشرها البرجوازية من اجل الابقاء على المجتمع الحالي راكدا ومتخلفا وقروسطويا ، تلجأ نوال الى تزكية الصراع بين الاجناس ، عوض تزكية الصراع الطبقي من اجل بناء مجتمع ينتفي فيه الاستغلال بكل اشكاله وأبعاده . ان البطلة التي استهوت نوال بمواقفها تقول " كان يعاملها بأدب شديد النوع من الادب الخالي من الاحترام الذي يعامل به الرجال النساء " . ان ما تجهله الروائية نوال ان المشكل ليس اخلاقيا ، بل ان المشكل مشكل ايديولوجية هدامة تروج لها البرجوازية من اجل الانفراد بالثروات ووسائل الانتاج . وتضيف " اصبح المستقبل هو الشيء الوحيد الذي استطيع ان احكي عنه ، فالمستقبل لازال ملكي ارسمه بخيالي كما اريده وأغير فيه بحريتي واختياري " . تتحدث نوال هنا عن المستقبل لا كحتمية تاريخية ومتطورة ، وإنما كشيء مجرد خيالي ترسمه بطلتها بخيالها عن الحرية والاختيار كمقولتان ميتافيزيقيتان لا كمقولتان طبقيتين يمكن تحقيقهما عن طريق تزكية الصراع الطبقي من اجل انتشال الانسان الذي يبيع قوة عمله للعجلة الرأسمالية الضاغطة ، وتحقيق كرامته وماهيته كانسان . وتعود الروائية لتقول " كنت احس انني لست كالنساء ولست كالبنات ، فالبنات من حولي كلهن يتحدثن عن الحب ، وأنا لا اتحدث عن الحب ، والبنات كلهن يتحدثن عن الرجل وأنا لا اتحدث عن الرجل " . اي حب هذا وآي رجل هذا ؟ الحب مقولة اجتماعية فكرية ، والرجل انسان له موقعه في الانتاج وفي الصراع الطبقي . فلماذا اذن التحدث عن الحب والرجل بهذا التجريد والغموض ؟
تتكلم عن الحكام وكأنهم ككل الرجال جاهلة طبيعة العلاقات الاجتماعية التي يتفاعل فيها البشر حيث تقول " وأدركت انهم كلهم رجال ونفوسهم شرهة ومشوهة ، وشهواتهم للمال والجنس والسلطة " . كما لا تخلو الرواية مرات من نزعة فرويدية متطرفة حيث تشرح نوال الجنسية ( الجنس ) الطفيلية " محمدين كان يقرصني تحت الماء ويتبعني داخل الخص ،،، يجعلني ارقد وارفع جلبابي واشعر بلذة شديدة " .
تعود نوال لتقول " اي كلب منهم ؟ كلهم كلاب تحت اسماء مختلفة ؟ " . في هذه الفقرة تتجلى جيدا نزعة نوال السعداوي النسوائية المتطرفة بشكل سافر ومتطرف . فبعد التضحيات التي قدمها المناضلون العرب الذين اغتيلوا او اعتقلوا على امتداد الوطن العربي الجريح في سبيل قضايا وطنية وقومية ، تتهم نوال الرجال بالكلاب . فأي نوع من الرجال تعني ؟ واي كلاب ستكون غير مجموعة الاستغلاليين الناهبين لصوص وسارقي للمال العام ، اذيال الاستعمار والصهيونية والامبريالية . ان ابناء الطبقة المنتجة رجالا ونساء المعرضين للاضطهاد الطبقي والإيديولوجي ليسوا كلابا ، انهم طاقات زاخرة بالتنوير والتجديد ، انهم محركي وغوغل التاريخ ، انهم صانعي المستقبل . وتضيف الروائية " الرجل لا يعرف قيمة المرأة ولكن المرأة هي التي تحدد قيمتها ،،، كلما كان ثمنك غاليا ادرك الرجل قيمتك ودفع لك ما عنده " .
المرأة في المجتمع العربي بضاعة او سلعة معروضة للاستهلاك في نمط انتاج بضائعي استهلاكي تبعي ، والرجل هو كذلك معرض للاستهلاك ،وهو الذي يبيع قوة عمله لرب المعمل وجهده للإقطاعي . اليست قيمة الرجل والمرأة في الطبقة المستغلة هو تحمل مسؤوليتهما التاريخية ، وتحقيق الالتحام الطبقي من اجل مواجهة قوى النهب التي تنهب قطاعات واسعة من الرجال والنساء على حد سواء ؟ .
تضيف دائما نوال " العمل عمل لا تخلطني بين العمل والإحساس " . تفضح هذه الجملة الجنس الذي اصبح تجارة بالأجساد في مجتمع تجاري سوقي يبيع ثروات وجهود شعبه للأسواق والشركات الاحتكارية العالمية . ان المجتمع العربي الذي يتم فيه استغلال الانسان جسديا ومعنويا ابشع استغلال ، تنعدم فيه ابسط الشروط والقيم الانسانية حتى في العمل الجنسي الذي يعكس استلابا ليس إلا انعكاسا للاستلاب الحقيقي الاقتصادي والسياسي . فالجنس فعل اجتماعي ثقافي انساني يعكس حاجة الفرد الى ربط علاقات اجتماعية مع الاخرين والذي يضرب بشكل مباشر شعار الفردانية . تصرح بطلة الرواية " لم اعد اثق في اي رجل " . ان البديل الذي تطرحه نوال هنا هو عدم الثقة في الرجل . هل هذا بديل موضوعي يخرجنا من التخلف والهيمنة الاستعمارية والكمبرادورية ؟ هل البديل هو ان نعزل نصف مجتمعنا ، وان لا نثق بهم ؟ وفي من نثق اذن ؟ هل نثق في مستنزفي قدرات الدولة من ناهبي وسارقي المال العام ؟
ان الرجال ليسوا اجسادا يمتلكون اعضاء تناسلية يسعون الى تلبية غرائزهم الجنسية بجشع وحيوانية ، ومن ثم يجب عزلهم . ان الرجال يشكلون نصف المجتمع العربي المستغل في المعامل والحقول والمناجم ، لذا فالالتحام معهم ضروري ومبدئي من اجل تحقيق الكينونة الفعلية للإنسان العربي وتحريره من التبعية والاغتراب والاستعمار .
يلاحظ كذلك على نوال تأكيدها على انثوية الانثى في وقت اصبح هذا لا يتوافق مع مبادئ ومنطق العصر حيث تقول " كنت ارتعد من الصقيع وفستاني الخفيف المبلل بالمطر يلتصق بجسدي ويشف من تحته ثدياي ،،، وحلمة الثدي دائرة سوداء بارزة " . ان الانثوية تعكس الرؤية الجنسية في مجتمع مراتبي كما تعكس عملية العرض والطلب . العرض هو هذه الانثى المزركشة بالمساحيق والمنتفخة الثديين ، والطلب هو الرجل الذي يملك عضوا تناسليا ، والذي يعاني استلابا جنسيا ، حيث يجسد انحطاطه المعنوي في العمليات الجنسية الحيوانية ، ولا يمكن لهذا الاستلاب ان يزول إلا في اطار التحام طبقي من اجل بناء مجتمع عادل والخروج من مرحلة الاستغلال الى مرحلة الابداع في اطار شمولي متكامل هادف وخلاق .
وتضيف نوال " ارفض الرجل الذي انفر منه واختار من الرجال من هو نظيف الاخلاق والجسد " فهل هذه هي البطلة النموذج ؟ . تطرح نوال هذا وكأن المشكل المطروح في رفض الرجال واختيارهم حسب نظافة الاخلاق والأجساد ، والسؤال هنا : هل المهمة الموكولة لإنسانة منبثقة من طبقة الفلاحين هي اختيار رجل نظيف الاخلاق ؟ اي نظافة اخلاق التي يتضمنها هذا المجتمع المتعفن والوسخ والمعقد ؟ هل نظافة الجسد هي ان ’يرشّ بعطر غالي الثمن ؟ اليست نظافة هذا الجسد هي امتلاك هذا الجسد وإطلاق امكاناته وتحقيق كينونته وماهيته كجسد يملكه الانسان ولا يملكه الرأسمال ؟
تكرس نوال التعفن والتفسخ الجنسي في روايتها حيث تقول بطلتها " انني حظيت وأنا مومس باحترام اكثر وقيمة اكبر ،،، المومس الثمينة افضل من الموسم الرخيصة " . هنا تتحدث نوال عن مهنة المومس وكأنها وسيلة لنيل الشرف والاحترام ، في حين ان الشرف الفعلي لا تصنعه مومس تتاجر بجسدها ، بل الشرف تصنعه الجماهير الشعبية العريضة رجالا ونساء . وتعود لتقول " انني موظفة شريفة وأن احدا من الرجال لم ينجح في كسر كبريائي " . في يوم يزداد فيه اغتراب الانسان العربي في وطنه ، تتحدث نوال عن الكبرياء ، فهل الكبرياء هو كبت رغبات جنسية تعتبر افعالا اجتماعية عوّدت التربية المرأة على كبتها لكبت الصراع الطبقي ؟ ان الانسان العربي لا يزال يعاني من عقدة تستنزف طاقاته وتكبت ابداعاته في واقع تدحر فيه الايديولوجيات المتجاوزة علميا وعصريا . ان هذه العقد تطمس النضال الطبقي ولا يمكن ازالتها إلا بحسم النضال في وجهه الصحيح .
في مقطع آخر من الرواية نجد نوال تضيف " الحب جعلني انسانة اخرى وجعل الحياة في عيني جميلة " . لو كان الحب يجعل الانسان الكادح انسانا آخرا لانزوى الى الحب ، وهل الانسان المنهوب يرى الحياة جميلة بمجرد ما " يحب " ؟ لابد من تحليل الواقع بمجهر تفتيتي يبلور شتى العوامل والأبعاد العاملة في هذا الواقع من اجل تفكيكه وإعادة تركيبه من جديد ، تركبة جديدة تلبي مطامح اوسع الجماهير العريضة وليس فقط مطامح الاقلية الناهبة .
تضيف نوال " لكنني وأنا مومس كنت في حالة دفاع دائم عن نفسي احمي نفسي بان اسحبها من اعماقي وأعطي الرجل جسدا سلبيا فاقد الشعور " . ان نوال هنا لا تعطي ادنى اعتبار للصراع الطبقي ، بل تتجاوزه وتطمسه عن طريق نزعتها الفرويدية الضيقة ، بحيث تعطي الاولوية للجنس والأنثوية ، بل تعتبر المومس انسانة حققت مهمتها التاريخية في وقت تصبح فيه جسدا سلبيا فاقد الشعور . وتعود نوال لتؤكد نزعتها النسوائية وحقدها على الرجال " انني افضل ان اكون مومسا عن ان اكون قدسية مخدوعة ، كل النساء مخدوعات ، الرجال يفرضون عليك الخديعة ثم يعاقبونك لأنك مخدوعة ، والرجال يفرضون عليك ان تهبط الى الحضيض ثم يعاقبونك لأنك هبطت الى الحضيض ، الرجال يفرضون عليك الزواج ثم يعاقبونك بالضرب والشتيمة والخدمة المستمرة ، إلا ان اقل النساء انخداعا هن المومسات " . تناقش نوال هنا المشكل بنوع من الابتذال والسذاجة ، فهل النساء وحدهن مخدوعات ، ام ان قطاعات واسعة من الرجال والنساء مخدوعون ، تخدعهم البرجوازية بأخلاقها من اجل تكريس واقع الاستغلال والنهب وضمان استمرار السرقة لأوسع القطاعات الجماهيرية ؟
كما تعتبر نوال ان الرجل هو الذي فرض الزواج ، في حين ان المجتمع الطبقي هو الذي فرض الزواج كمؤسسة استغلالية مكلفة بإعادة انتاج علاقات الانتاج ، بتطويع الابن كل طاعة رب الاسرة ومن ثم رب المعمل والمصنع والمنجم والضيعات الكبرى ، وضمان استغلال البضائع الرأسمالية المفرغة من اية قيمة استعمالية وتلقين الايديولوجية السائدة الراكدة .
وتعود نوال لتقول " اصبحت واعية بأنني اكره الرجال ... ان رفضي لبطولتهم ونبلهم لإنقاذي وإصراري على ان اكون مومسا ، يؤكد لي على انني انا التي اخترت حياتي ... فالرجل لا يحتمل ان ترفضه امرأة ، لانه مرفوض من الداخل ولا يمكن لأحد ان يحتمل الرفضين معا " . البطلة هنا تكره الرجال كلهم رغم انها تتعامل معهم جنسيا وتعتمد عليهم في تحقيق شرفها ، ومن ثم ترفض بطولتهم . ان عملية الانقاذ لا تتم إلا عن طريق الالتحام الطبقي للرجال والنساء ، فليس الرجل هو المرفوض ، بل جماهير واسعة رجالا ونساء مرفوضة ، ولا تستفيد من الثروات ووسائل الانتاج . وتضيف " الرجال يفرضون على النساء ان يبعن اجسادهن مقالب شيء من المال ، وان ارخص النساء ثمنا هن الزوجات ، و لأنني ذكية واعية فقد فضلت ان اكون مومسا عبدة " . ان البديل في نظر نوال هو ان تصبح المرأة المضطهدة مومسا واعية ذكية ، ناسية ان كلا من المومس التي تعيش في تبعية اقتصادية وجنسية لمجموعة من الرجال ، والزوجة التي تعيش في تبعية اقتصادية وجنسية لرجل واحد ، تعكسان معا واقع التخلف والتعفن والاستغلال بوضوح . وتذهب نوال اكثر من ذلك لتقول " ادركت اني اكرهه بمقدار ما تكره المرأة الرجل ، بمقدار ما يكره العبد سيده " ، وتتجلى هنا ابعاد النزعة النسوائية الخطيرة ،بحيث تضرب النضال الطبقي بوضوح ، وتعود لتقول " لا يمكن لأي امرأة ان تكون مجرمة ، فالإجرام يحتاج الى ذكورة ... انتم المجرمون بما فيكم الاباء والأعمام والأخوال والأزواج والقوادون والمحامون والأطباء والصحفيون وكل الرجال من جميع المهن " . هنا ’يطرح السؤال : هل العامل الكادح مجرم ؟ هل الفلاح الفقير مجرم ؟ هل الرجال المستضعفون والمنهوبون مجرمون ؟ هل المناضل الذي يحمل بندقيته دفاعا عن الارض والشعب والتاريخ والهوية مجرم ؟ . ان مستغلي الشعوب ومستخدميها هم المجرمون الحقيقيون . ان الاجرام الحقيقي هو ان ’يستغل و’ينهب و’يذبح و’يشرد الانسان العربي فوق ارضه وان يصير غريبا عنها . وتضيف دائما نوال " اكتشفت وأنا اتقلب فوق الفراش ان الرجال الثوريون من ذوي المبادئ لا يختلفون كثيرا عن الرجال الآخرين ، انهم بذكائهم ومبادئهم يحصلون على ما يحصل عليه الآخرون بأموالهم . انهم ثوريين نعم مثلنا نحن المومسات ، والثورة عندهم كالجنس عندنا شيء يقدم ويمتهن ". وبخلاف ما ذهبت اليه نوال ، فان الرجال الثوريين حقا ليسوا انتهازيين ولا يكرسون التعفن والأوساخ والقاذورات والاستلاب ، ولا يساهمون في ترقيع الواقع المريض ، بل يفضحون واقع النهب والتبذير والاستنزاف وسرقة المال العام . ان الثوريين الحقيقيين لا يفصلون بين النضج السياسي والنضج الاجتماعي ، بل ينظرون الى كل شيء في اطار المسار التاريخي للمجتمع الطبقي ، فيربطون بين مواقفهم السياسية وبين ممارساتهم الاجتماعية قصد فضح كل المؤسسات الاجتماعية التي اوجدتها البرجوازية من اجل تغطية واقع الاستغلال ، وتعتبر نوال الثورة عند الثوري كالثورة عند المومس ، فهل المومس امرأة ثورية وهي التي تساهم في تكريس الوضع الاجتماعي المريض بالمجتمع ؟
تضرب نوال الثورية والثوريين بنوع من الابتذال والطمس ، فإذا كان الثوريون هم الحلفاء الطبيعيين للجماهير يقومون بتوعيتها ومساندة نضالاتها عن طريق سلك مسلكية ثورية نقية وعلمية سليمة ، فلا مجال بتاتا لمقارنة بين رجل ثوري ومومس ، وإلا اصبحنا نخلط في المفاهيم ونسقط في الحشو والهراء والتحريف ، ونتجاهل ابسط الابعاد لهذه المفاهيم . وفي الاخير تصرح نوال بنوع من الزهو " صوتها يرج اذني ويرج رأسي ويرج الزنزانة ويرج الشوارع والعالم كله ... وأدركت وأنا اوقف العربة فجأة قبل ان تصطدم بالعالم ان فردوسي كان اشجع مني " . هنا السؤال مجددا ، فهل صوت مومس تكرس واقع الاستغلال يرج الزنزانة والشوارع ويرج العالم كله الى درجة ان نوال تعترف ، ان البطلة كانت اشجع منها . هل تتجلى الشجاعة في الهروبية والوصولية والانزواء بالأجساد والمساحيق وقتل الرجل والدخول الى السجن ؟ ، وبكل شفافية وصراحة يمكن ان نستنتج هنا ان نوال تدعو كل النساء ان يصبحن مومسات .
ان تحرر المرأة القابعة في البيت او المرأة الفلاّحة او العاملة او المثقفة او المومس لا يتم إلا عن طريق الالتحام الطبيعي والتحالف الطبقي بين الرجال والنساء من اجل ضرب العدو الاخواني البرجوازي الذي خلق اخبث المؤسسات وأبشع الايديولوجيات من اجل التفريق بين صفوف المستغلين طبقيا ، واستنزاف طاقاتهم الايديولوجية الثورية الخلاقة ، لكي يستمر في استثمار عملهم بكامله لصالحه ولصالح حلفائه الامبرياليين . كما ان الثورة الجنسية تعرقل المسيرة العربية نحو الثورة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والوحدة القومية . ان المجتمع بدون طبقات ولا فوارق الذي تبنيه قوى الانتاج والتغيير الحقيقية هو الكفيل بتحقيق انسانية الانسان وسعادته وكرامته اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا وجنسيا ..





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,641,674,530
- الطب والامبريالية في المغرب
- حين يصبح الانقلاب والتزوير مشروعا
- منظمة -- حزب -- تيار
- ادوات اشتغال المخزن
- دراسة تحليلية لماهية المخزن -- المخزن عقيدة وليس مؤسسة .
- جدل عن غياب العاهل محمد السادس خارج المغرب
- الطريق الاستراتيجي الثوري للدولة الفلسطينية
- المسار الاعرج لمنظمة ( التحرير ) الفلسطينية
- بين جبهة وجبهة خمسة وثلاثون سنة مرت
- برنامج حركة 3 مارس
- كتمان العلم والحق في الاسلام ( علماء ) فقهاء السوء
- اساطير الاولين
- مشروعية الملكية اساس استمرارها
- الاتجار بالديمقراطية يضر القضايا الوطنية
- البطالة
- الجهة المتقدمة -- الحكم الذاتي
- سوق ترويج الوعود والآمال
- اللغة وفن التمويه والتضليل
- هل تخلت واشنطن عن تدعيم مقترح الحكم الذاتي باتجاه الاستفتاء ...
- الدولة والعنف في الدول العالم ثالثية


المزيد.....




- يصدر قريبًا رواية «الحنين إلى الماضي» للكاتبة شيماء حسن
- كاريكاتير -القدس- لليوم الاثنين
- كاظم الساهر يكشف عن نسخة جديدة لأغنية -سلام عليك-
- نوال الزغبي تسقط أرضا في السعودية
- لجنة النموذج التنموي تشرع في العمل الإثنين
- بووانو والطاهري.. جدال حول مشروع تأهيل المنطقة الصناعية سيد ...
- نوال الزغبي تتعرض للسقوط بسبب طفل... فيديو
- هل أفسدت تكنولوجيا هوليود جودة الكتابة في الأفلام العالمية؟ ...
- -قبلة- من الفنانة مروة السالم تثير الجدل في الرياض...فيديو
- مخرج سينمائي مصري: فنانة جعلتني أفكر في الانتحار


المزيد.....

- الفصول الأربعة / صلاح الدين محسن
- عرائش الياسمين / ليندا احمد سليمان
- ديوان الشيطان الصوفي / السعيد عبدالغني
- ديوان الذى حوى / السعيد عبدالغني
- مناجاة الاقلام / نجوة علي حسيني
- المراسيم الملكية إعلان الاستقلال البيان الملكي / أفنان القاسم
- في الأرض المسرة / آرام كربيت
- الخطاب الأيديولوجي في رواية سيرة بني بلوط / رياض كامل
- كيفما كنا فنحن ألوف المشاكل... / محمد الحنفي
- ديوان وجدانيات الكفر / السعيد عبدالغني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيد الوجاني - - امرأة عند نقطة الصفر -