أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رويدة سالم - نبش في تاريخ منسي ديهيا - رواية















المزيد.....



نبش في تاريخ منسي ديهيا - رواية


رويدة سالم
الحوار المتمدن-العدد: 4166 - 2013 / 7 / 27 - 22:55
المحور: الادب والفن
    


اهداء
يشرفني ان اقدم هذا العمل المتواضع عربون وفاء ومحبة وتقدير للأستاذ الفاضل العزيز دوما
سامي لبيب
راجية ان يتقبل الهدية التي هي بعض منه وان تنال اعجابه



"مع افتقارنا لأي فكرة عن المستقبل اصبحنا فاقدين لأي فكرة عن الحاضر. شان الحاضر بالنسبة لرجل الفعل ليس سوى مدخل للمستقبل. معنا ميتة ولدت طاقة الكفاح لأننا ولدنا محرومين من حماسة الصراع " فرناندو بيسو

"بعض من البشر يغرقون فى عالمهم المادى جريا وراء المزيد من الخبز وآخرون يتماهون فى قضية حب كبيرة لتتنوع الصور من المحبين إلى الإرهابيين. كل يسعى ليحقق يقينه وليجد أمانه وليتحرر من الاغتراب. جميل ان نخلق قضايانا ولكن يجب أن ندركها ولا نطلب منها اكثر من طاقتها " سامي لبيب

"وأما تخلقهم بالفضائل الإنسانية وتنافسهم في الخلال الحميدة وما جبلوا عليه من الخلق الكريم مرقاة الشرف والرفعة بين الأمم ومدعاة المدح والثناء من الخلق من عز الجوار وحماية النزيل ورعي الأذمة والوسائل والوفاء بالقول والعهد والصبر على المكاره والثبات في الشدائد‏.‏ وحسن الملكة والإغضاء عن العيوب والتجافي عن الانتقام ورحمة المسكين وبر الكبير وتوقير أهل العلم وحمل الكل وكسب المعدوم‏.‏ وقرى الضيف والإعانة على النوائب وعلو الهمة وإباية الضيم ومشاقة الدول ومقارعة الخطوب وغلاب الملك وبيع النفوس من الله في نصر دينه‏.‏ فلهم في ذلك آثار نقلها الخلف عن السلف لو كانت مسطورة لحفظ منها ما يكون أسوة لمتبعيه من الأمم وحسبك ما اكتسبوه من حميدها واتصفوا به من شريفها أن قادتهم إلى مراقي العز وأوفت بهم على ثنايا الملك حتى علت على الأيدي أيديهم ومضت في الخلق بالقبض والبسط أحكامهم" ابن خلدون

http://www.edu-maps.com/image3/16_1.jpg

****

- يا سي حكيم ينجيك ابعث لأمين هالأوراق فاكس واكتب له كل اللي قلته لك على ايميله المكتوب في هذه الورقة. يقرأ وينجح ويخليه من السياسة ووجع القلب. وآش ربحوا منها ياللي راحوا ؟ بالله قل له زادة يبعد بعد الارض عن السماء على ولد عمه المختار. اولاد اخر زمان. باش يهلكوا البلاد يا وليدي. هي آشنية حكاية هاليسار ربي ييسر علينا وهالأصول والامازيغ اللي نافح بهم المختار واش اللي دخلهم فينا احنا العرب المسلمين ؟ هو وليدي تعبت عليه وقريته باش يدور به هالكلب ولد عمه وينكره في اصله ودينه وإلا باش ينفع البلاد ؟
رفع حكيم رأسه. نظر الي الكهل الجالس قبالته مليا ثم غمغم :
- حاضر يا سي عبد القادر. امرك
لف عبد القادر برنسه حول رقبته. نظر في كل ارجاء الدكان. استقر بصره على الستارة المسدلة. تأملها طويلا ثم تساءل في اعماقه:
- هل هي جميلة كما يقولون ؟ اه لو ترفع الستارة واراها لمرة واحدة.
خُيِّل اليه انه سمع قرقعة صحون وبكاء طفل تحاول امه كتم صوته. تخيلها. جنية رائعة البهاء شعرها الاسود الحالك كظلمة الليل مسدل حتى خصرها. بيضاء كالثلج تعلو وجنتيها حمرة الرمان. ما اعذب حبات الرمان التي يتناولها الكاتب كل ليلة بشبق لا يضاهى. كم هي طرية وفاتنة ليجن الكاتب بحسنها ويعتزل السوق والرجال والنساء. رأى عيونها تتأمله من وراء الستار وتبتسم. انها تقرا افكاره وتضحك من بساطة بني البشر. خفض عيونه خجلا. ظلت صورتها تداعب باسمة صبيا نصف بشري يرضع ثديا ضخما مسيطرة على خياله. بدأ الثدي يزداد ضخامة حتى ملأ الجزء المخفي من الدكان. الطفل يتجشأ والحليب ينساب على وجنتيه الورديتين. سال كنهر لا ينضب. بدأ يتسرب من تحت الستارة. سيغرق الدكان حتما وستقوم لمسحه وسيراها كفجر مشرق. سيُحدِّثُ كل سكان القرية عنها وعن جمالها. سيسألونه وسيروي كل فضولهم. سيتأكد انها موجودة ومنصور لم يكذب لما قال انها راودته على نفسه لما سكر مع الكاتب الى ان فقد هذا الاخير الادراك تماما. لو كان مكانه ما كان ليفر رعبا من طراوتها وجمالها بل كان ليفعل (...)
فاجأه وهو غارق في افكاره صوت الكاتب العمومي:
- دينارين ونصف يا سي عبد القادر.
- إقرأ لي، يسترك، آش كتبت له قبل ما نمشي يعيش وليدي.
اشعل حكيم سيجارة. اخذ نفسا عميقا ورفع بصره الى السقف. اغمض عيونه متناسيا الكائن البائس الجالس قبالته. لقد كتب كل ما كان سيقوله لولده لو كان له ولد بالجامعة.
- عش زمانك واصنع مستقبلا جديدا. تأمل ماضيك بعين الناقد وانطلق من حاضرك لمعانقة المستقبل. تشبث به ولا تتركه يتوه منك في منحدرات الحياة المتشعبة. تحرر من قيود العجز. ثق بقواك الداخلية وكن محاربا من نور ينشر الضياء حيثما حل. كن البذرة التي تصنع الفارق في حياة شعب منهك تائه بين صفحات صفراء متهرئة واغتراب مضن. كن انت لا كما شاءت لك الظروف ان تكون. ارفع صوتك عاليا ناصعا حرا. لا تكن عبدا لفكرة ولا لبشر. لا تكن تابعا فتشقى في الضيم طول العمر. كن متبوعا وان كان تابعيك فقط مكسوري الاجنحة الحالمون بالمستقبل والمشردون المسكنون بالمستحيل والمنسيون المؤمنون بأوهام بناء سينجز على ضفاف الوطن فيوما ما سيكونون القوة التي تجعلك من صناع التاريخ.
- وين راك سرحت يا سي حكيم؟
ابتسم الكاتب وبمكر رد :
- سامحني يا سي عبد القادر المرا يلعنها بَهْذلِتْنِي وذَهّبِتْلِي شِيرْتِي.
- النساء يلزمهم راس من نحاس يا سي حكيم. ما نعطلكش لكن ما تنساش تكتب له ملحق خير انشاء الله : امك تقلك زينة بنت خالتك تسلم عليك وراهي كل يوم تجي تعاونها في غزل الصوف.
دق بسريعة على الجهاز أمامه ثم قال :
- حاضر. هاني بعثتها يا سيدي. راهو يقرا فيها تَوَّا. تصبح على خير.
- حيا الله العلم يا وليدي. وأنت من اهله.
قام مسرعا وقبل ان يغادر التفت مرة أخيرة الى الستارة المسدلة. لم يكن هناك اي شيء يدل على حياة خلفه. الأرضية نظيفة وجافة تماما كما كانت لما دخل الدكان. همهم:
- جنية يا لطيف. مسكين يا حكيم.
-أغلق الباب خلفك يا سي عبد القادر. بَاتْ الرزق اليوم.
لما خرج وقف قليلا امام الباب. لم يتجرأ ان ينظر الى الخلف لكنه لما التقى الرجال في صلاة العشاء أقسم انه سمع الكاتب يصيح غضبا من زوجته التي تحاول ان تهدأ أطفالا يبكون.

****

طُرقَ الباب ثلاث مرات. انهم في ميعادهم تماما - العاشرة ليلا بعد صلاة العشاء عندما يعود كل سكان القرية الى بيوتهم كما اتفقوا في الصباح –
السكون يلف البلدة القابعة عند اطراف الجبل. قام متثاقلا. سعل عاليا ثم بزق مادة خضراء في منديله. كوره وحشره في جيب بنطلونه. متى يذهب هذا الداء الذي يسكن صدره. تداعت الى عقله صور من الماضي. طفل شبه عار نحيف بشكل مرضي يسير في طريق مغبر نحو مدرسة متداعية في اطراف قرية نائية. في الشتاء كان يصل مبتلا حتى العظم. يرجف ويبكي.
كم رقص على صدى الوجع في ذلك الزمن الذي أفل تاركا أخاديد غائرة في الروح والعقل. ردد في صمت :
- يا رب.
فَتَحَ الباب. كان واقفين ملتفين في برانس بنية داكنة وفي يد منصور كيس اسود تُسْمَعُ داخله قرقعةُ علب السَلْتِيَا كلما حرك يده ليهش ناموسة عنيدة.
دلفا الى داخل الدكان في حين بقي واقفا عند عتبة الباب كمن ينتظر نورا طال غيابه. هل ستعود يوما الى حضنه وتملئ قلبه الكسير أملا ؟
الزمان يمر سريعا والأحوال تتغير وهو لا يزال واقفا مشدوها في مكانه. يتغير كل شيء حوله بسرعة مذهلة وهو ثابت على حاله بعناد مستميت كأشجار الصنوبر والسنديان حيث كانا يلتقيان في زمن آخر. تلك الاشجار المنفية وحيدة على الطريق المغبر الذي يعبر الوادي الجاف الغائر كجرح في عمق ذاكرة مهدورة.
تحت شجرة الصنوبر العتيقة التي سلمت من كل المحارق الكبرى في وطن الجرح والنزيف قال اجمل الاشعار وغنى لأحلام شباب سرعان ما وأدتها غطرسة حاكم وانتهازية مسئولين وضياع قيم.
- ماذا سأفعل بشهادة جامعية في الموسيقى وسوق العمل دونه رشاوى ووساطات لا تحد ؟ بارعة في الرقص والغناء فما الذي يمنعني من المشاركة في أحد برامج النجوم. افكر بستار اكاديمي. مَا رَأيُك ؟
- ...
- لما كل هذه السلبية حبيبي ؟ مللت الحاجة والفقر. أريد أن أسافر الى لبنان وأصنع مجدا ككل من نراهم على شاشة التلفاز. سأكون أسطورة.
منذ ان سكنتها هذه الفكرة بدأت عيونها تزداد لمعانا غريبا بشكل طردي. حولتها احلامها الى كائن لا يلامس الارض ان سار. شعر أنها صارت أخف من ورقة مصفرة في مهب ريح عاتية. ملأه خوف من ان تختطفها العاصفة ثم ترميها على صخور الجبل فتنكسر.
أمسك يديها وضمها اليه. داعب شعرها القمحي ونظر في عمق عيونها الفيروزية.
لمح فيهما اصرارا وتحد. ضمها اليه اكثر حتى يتماهى فيها وتذوب فيه. ربما لما سيتحدان في جسد واحد سيمنعها من القفز في مياه بحر متلاطم. رفعت اليه بصرها وابتسمت. امسك رأسها بين يديه ونظر اليها بكل ما يختزنه قلبه من حب. لن يقدر ان يستعيدها. لقد ازدادت بعدا. قرأ في تقاسيم وجهها الملائكي روحا تنساب من بين الاصابع كرمل الوادي وتتوه رويدا في الغياب.
انهما يسيران في خطين متوازين لا يلتقيان ابدا حتى وان ارادت ذلك كل الهة البشر. هو كان يحصي ازهار الوادي ويؤسس حالما نظريات كبرى، تائها دوما، غارقا في خلطاته الكيميائية العقيمة، باحثا عن اكسير يفتح ابوابا لفعل يعجز عن الإيتاء به أما هي فكانت تصبوا لقطف النجوم بشيء من اصرار على امتلاك الدنيا لم يخبو رغم الاحباط المتضخم مع كل سرقة للبلاد وللحياة ساهرة طارقة ابواب الممكن وعيونها معلقة بأبطال من ورق صنعهم الاعلام وأصحاب المشاريع الضخمة.
(...)
اقترحت ان يتسابقا كما كان يفعلان لما كان طفلين. نزلا الى وسط الوادي وانطلقا. ضحكا فرَنَّتْ الضحكات بريئة عفوية. انهكهما التعب فعادا الى الشجرة وسقطا تحتها. ارادت ان تقول شيئا لكنه منعها. سحق شفتيها في قبلة طويلة اختزلت كل ولهه بها وشوقه الذي لم يرتوي ولن يرتوي ابدا.
اعتلاها وغمرها بكله. أحتضن كل الجسد الممدد دون تمنع مصطنع على الحصباء تحته. غاص في اعماقها. اتحد فيها حد الذوبان. تلوت. تأوهت. ارتشف من نبع الحب والصفاء فازداد ظمأه اليها. ضمها الى صدره حتى كاد يسحق ضلوعها. همس :
-أحبك. لا ترحلي...
ردت :
-احببتك أكثر من الوجود بأسره رغم أننا منذ الطفولة الاولى كنا على طرفي نقيض. قضينا العمر في جدال لم ينتهي. أتَذَكَّرُ لما كنا نلعب في صحن الدار وأمي تغزل خيوط الصوف. كُنْتُ أَصنعُ عرائسَ أمتلكها حينا، أعيشُ عبرها أحاسيسا تتجاوز الوصف ثم أمزقها لأني احلم بعروس أكبر فابدأ النسيج من جديد وكنت تصنع من ذات الخيوط أوهاما تأسرك فتتوه الغرز وتبكي لأنك كنت تفتقد القدرة على تحقيقها فيك.
- ديهيا حبيبتي، من اروع المقولات التي احبها "ماذا سينفع الانسان لو ربح الدنيا وخسر نفسه". نحن نبحث عن معنى وقيمة للحياة لنصل لسلام داخلي. لا نبحث عمن يصفق لنا ان ابدعنا ويضحك من خيباتنا ويتركنا ساعة الهزيمة. حبيبتي القضايا لا تقاس بكبرها وتعقيدها بل بالقناعة والمعايشة والإحساس والرضا. لنعش بالنزر الذي منحته لنا الحياة على ضفاف هذا الوطن. يوما سيغر بطل عظيم ككل الذين قرءنا عنهم في الحكايات القديمة قدم الانسان ما بنا وستصر لنا حياة اجمل. ما قيمة كل كنوز الدنيا طالما علاقة حب جميل ترضينا وتقنعنا بجمال الكون وتجعلنا في نظر انفسنا اعظم من اي فنان او فيلسوف.
- ونترك نصيبنا من المجد والثروة والجمال يهدر ونحن قادرون على نيله في عالم يزداد بشاعة كل يوم ؟ ماذا فعلت ببحوثك في التاريخ وهل سيقبل اي ناشر نظرياتك ؟ أذلوك على ابواب الادارات والوزارات والمسئولين ثم منوا عليك بثمن ذاك الدكان المتداعي الذي لم تسدد اخر اقساطه بعد. تحلم ان تصنع بهذا الفتات حياة. جميل وماذا بعد ؟
انت متصوف مجذوب دون اية رغبة في خوض صراع حقيقي تستعذب عجزك حبيبي في دنيا لا ينال فيها مراده إلا الثائرون المتهورون. نعيش ملئ حواسنا او نموت. لا ألوان اخرى تقدر على الصمود.
نظر في عمق عَيْنَيْهَا اللَّتَيْنِ ازدادتا اتساعا وسحرا. لقد ابتعدت نهائيا وصار من المستحيل على راكع في معبد مهدم الجدران بلوغ ذلك الطرف المقابل للنفق حيث تتواجد.
رآها تطلق العنان للمراكب وتكسر كل الاسوار العالية المنيعة التي حمت في زمن منسي حلما والأشرعة مفتوحة للريح تحملها حيثما شاءت الاقدار : الى مجد او انحدار او انتحار. همهم بصوت غير مسموع :
- ماذا سينفع الانسان لو ربح الدنيا وخسر نفسه.

حاول ان يبقيها بقربه. دفعته. وقفت. تأملت الفراغ حولهما. كمن يسمع الحانا آتية من البعيد شرعت تتلوى. رقصت على نغم مبهم يرن في اعماقها. بقي ينظر اليها مشدوها. لم يتحرك. لا يزال رأسه مستندا الى الجذع وهو يتابع حركاتها التي تزداد جنونا. تتلوى حتى تلامس الارض ثم تقف فجأة معانقة السماء. دارت حول نفسها كراقص صوفي مخدر بما يسكنه من وجد. فردت يديها. مدتهما نحوه ثم رفعتها نحو الاعلى. دارت اكثر. ابتعدت اكثر. عادت بخطوات ثقيلة. في منتصف المسافة التي تفصلهما دارت من جديد حول نفسها. رفعت يديها نحو السماء. اقدامها تكاد لا تلامس الارض. حلقت كعصفور مبتدئ يغادر العش. انها تكاد تطير. انحنت نحوه ثم بقفزة هائلة استقامت وبدأ الجسد يتلوى متمايلا يخترقه انتفاض عنيف يماثل اضطراب رقص فراشة تعانق اللهب. دون ان تنظر الي المكان الذي كان موجودا فيه او تكف عن الرقص تقدمت ناحية القرية حيث بدأت الانوار تلمع. كانت تغني. رغم حزنه كان صوتها رخيما عذبا :
يا ناس... يا ناس ... ريتوش غزالي
غزالي في وسط الهوى ماشي
تفارقنا من بعد الحب
وبقيت وحدي براسي
منذ ذاك المساء الذي جمعهما لأخر مرة لا يزال يستشف في الفضاء كلما اطرق السمع صوتها يعلو قويا ثم يتلاشى رويدا ليبقي اللحن معلقا في عقله وقلبه الذي يرجف.
في ذاك المساء الذي يفصله عنه اليوم دهر طغى صوتها على صدى ثغاء الخرفان العائدة كسلى من المرعى. شده الى المكان فنام ليلته تحت الشجرة. لم يشعر بالبرد ولا بالوحدة. كان شيئا ما ينسل منه. يفارقه الى الابد. كانت كلمات ديهيا تتردد في الفضاء الرحب حوله :
- أنا سلوى فقط. حبيبتك ديهيا التي تسكنك قتلها ابناء امها رغم انها مثلك عاشت لقضية حب لأنها ساعة الحسم عجزت عن تحقيق فعل يغير وجه الخرائط. داستها نعال بني امها وصارت في عرف صناع التاريخ عاهرة. تخيل حكيم لو انها بدل ان تحرق البلاد باعت الرعية وقبضت الثمن. كانت كتب التاريخ لتجعلها قديسة رغم خيانة الوطن. التمسك بأمل الانتصار لما تكون الهزيمة مرسومة على وجه القدر غباء.

كل التونسيين تمسكوا بأمل الانتصار على التهميش والفقر واستغلال الحاكم المستبد الذي ضارب بالوطن في اسواق المال في اطار شراكة في المكسب مع الدول العظمى والشركات العملاقة.
لم يفكروا للحظة ان التخبط هي مآل انتفاضتهم لما تقدموا بخطوات ثابتة متساندين متآخين صارخين بصوت ونغم واحد : "عدالة حرية كرامة وطنية."
أغمض عيونه فرأى نفسه في احداث ثورة الياسمين... ثورة الجياع كما سماها البعض... ثوة الفقر والتهميش كما قال اخرون... شارك في كل المظاهرات وكل المسيرات وصاح بكل قواه الى ان تجرح حلقه. عانق الامل الحلم الذي وارته بأعماقه الخيبات المتتالية والفشل.
في تلك الفترة من الغليان الثوري رأى وطنا جميلا يولد من وسط الانقاض. ملأه نشوة. ابتسم لأول مرة من اعماقه وشعر ان الفرح يغمره كما لم يفرح منذ زمن بعيد نسي الان مداه. وقف وسط الحشود وردد النشيد الوطني.
الحماس طغى عن حقيقة لم يدركها او غيبها وعيه تماهيا في الحلم الذي تحول الى كابوس بغيض سرعان ما طوقه السياسيون والدعاة والانتهازيون وأصحاب رؤوس المال الذين ساندوا قديما حكما حمى مصالحهم وعادوا للعب نفس الدور مع الولادات الجديدة المتفسخة لحكام جدد مشوهين.
مع صعودهم على ركح المسرح ولدت دمامل متقيحة بدأت تفرز موادها العطنة المسممة بالتعصب والجهل والخوف من القفزات الكبيرى الحاسمة. توارى الحلم بوطن حر في مجلس هزلي الاداء وممثلين رديئين لا يتقنون ادوارهم. عادت عجلة الزمن الى الدوران بذات الوتيرة الثقيلة الساحقة لكل زهرة يانعة تصارع القيظ للبقاء.
تاه كل شيء ولم يبقى إلا التشتت وصدى باهتا يتردد مع كل ازمة تهز البلاد : "عدالة حرية كرامة وطنية"
- تبا لكم. كفوا عن الصراخ لقد أصمت كذباتكم الكبرى سمعي. اصمتوا أَيَا سقط المتاع وعودوا الى جحوركم واختبئوا. عودوا لذُلِكُم وتمتعوا بمشهد خنافس الفول النتنة التي بذرتم بيضها على رقعة الوطن. لقد فرخت وكبرت ديدانها وسيزداد جرحكم تعفنا.
بعد ثلاث سنوات كاملة، أنلتم أيها المهدورون ما جمعكم كلكم يوما قبل ان تفرقكم العصبيات والنعرات والانتماءات والعداوات الوليدة ؟
عدالتكم عرجاء معوقة تتخبط تائهة على ابواب المحاكم لا تعرف ايها الاكثر عدلا وأمانا
حريتكم مسلوبة أعاق انطلاقها التعصب وأجنحتكم كسرها قيد صناديق النقد والإقراض وأصحاب سيادة سحرة تعلموا دروس السرقة وأتقنوا فنون اللعبة.
كرامتكم الوطنية وهم فلا تخدعوا انفسكم أكثر أيها الموبوؤون, وطن الاقصاء والتمايز صار اوطانا بعدد الأحزاب والحركات والجمعيات الذين لا يعترفون بوطنية إلا افراد القطيع المنتمين للفصيل.

ماذا بقي بعد يا حكيم ولد منوبية الطرشة : الموت ام الجنون ؟
- يا مسلوب الروح تعالى. أدخل.
انتزعه صوت الاستاذ من خيالاته. اغلق الباب. دون ان يلتفت اليهما جلس مباشرة على الارض وتناول علبة فتحها بسرعة وأفرغها دفعة واحدة في جوفه ثم تجشأ.
- يوم السبت القادم حفل عرسي. بعد ستة ايام يا صاحبي. لا تنسى. يوم الجمعة سيكون للأصحاب المقربين فقط. سنسهر بعد ان ينصرف المدعوون وحدنا على السطح. ستأتي اليس كذلك ؟
- الف مبروك. بالهناء والذرية الصالحة لكني لا اقدر. نهاية الاسبوع عندي اشغال كثيرة في سليانة. لا اقدر ان اتخلف. يجب ان اسافر صباحا. لا تغضب يا صاحبي انت تعرف عاداتي.
لم ينجح منصور في اخفاء الحزن الذي على وجهه. أعد كل شيء لتكون سهرته الاخيرة كعازب مع أصحابه المقربين الى قلبه مميزة تلك الليلة. ماذا لو يُغيِّر حكيم عاداته مرة واحدة لأجله ؟ لكنه عنيد كبغل. هل يجب ان يترجاه ؟ لن يحرجه فهو يكن له حبا كبيرا. ناوله علبة باردة. عندما مد يده ليتناولها أمسك أصابعه وضغط عليها :
- اتمنى ان اعرف ما الذي يجعلك تسافر كل نهاية اسبوع الى سليانة. هل عندك هناك زوجة وأولاد أم ان جنيتك تختطفك كل نهاية اسبوع الى بلاد الواق واق حيث يسكن اهلها كما يقول أهل القرية ؟
ضحك الاستاذ. أصابتهما العدوى. اغرقوا في ضحك هستيري.

****

مع تباشير الصباح خرج من مغارته في الجبل واتجه صوب ساقية سيدي يوسف. سيقصد المدينة سيرا لأنه يجب ان يدخر ثمن تذكرة الحافلة لتكون هدية منصور اجمل. لا شيء يعادل فرحة منصور لهذا يجب ان يواصل ثم ماذا لو قضى يوما او أكثر في الذهاب والعودة. لن يخسر شيء. لا يوجد بحياته شيء أقل قيمة وجدوى من الوقت.
الجو جميل هذا الصباح. سمع زقزقة وصوت ركض حيوان هارب في الغابة. ربما كان خنزيرا يبحث عن طعام. انه لا يخشاه ثم ماذا لو اصطدم به وتحركت وحشيته وقتله ؟ لن يخسر العالم الكثير. واحد أكثر أو واحد أقل لن يؤثر.
لن يتغير شيء. الحياة ستستمر بنسقها الطبيعي. سيواصل الساسة الصراع من اجل امتيازات اكثر على حساب منافسيهم وسيستعملون كل الاسلحة البلاغية والخطابية والعقائدية والنارية ان لزم الامر.
النخبة ورؤوس المال ورجال الاعمال سيمولون من له حظوظ اكبر كما فعلوا دوما على مدى الزمن بحماية مصالح وتأمين صلاحيات.
الشعب سيزداد تشتتا وانقساما. يرقص ويغني البعض ويندد ويتباكى البعض الاخر ممن أحبطت اماله لكنهم جميعا سيخضعون للأمر الواقع ويرفعون الراية البيضاء راكعين في النهاية للمنتصر الذي سيتكلم باسم اله الكون ويهرول الى معابده شكرا حتى وان بدى فجوره.
ماتت الرغبة في الصراع تماما. ديهيا لن تعود ولن تستل سيفها لتعيد الثقة في الذات والعزيمة وإرادة الفعل - المجد الذي سرقه التاريخ -. لن تحرق المدينة لتنقذ الشعب الذي تنكر لها في الماضي وسيواصل جحوده بحثا عن الاستقرار مهما يكن حجم الاغتراب الذي يعيشه.

لقد صرت تهذي يا حكيم. ديهيا خضعت لدورة التاريخ الذي لا يرحم. دول سطع نورها وأفلت ولم يبقى لها اثر فما بالك بامرأة وحيدة واجهت الطوفان بإيمان وخسرت حربها ؟
- ربما كانت كاهنة ساحرة فاجرة بدون ايمان فعلي بالقضية وما يكفي من الارادة والرغبة في الصراع كما يقولون في المدارس في كل مغربنا الاشد ولاء للعرش من الملك ذاته او ربما اصابها الدوار لما رأت عدد أبناء امها ممن باعوا الوطن في صفوف الجحافل السائرة نحوها فأطاح بها المشهد المرعب من صهوة الحصان ودكت رقبتها.
- اتعتقد انها تألمت ؟
- لا اعتقد. ماتت بإباء فهل يهمها إن التاريخ أهان ذكراها ؟
- ماذا تفعل انت في هذا القفر وهل من جدوى لهدية سترمى في الركن في النهاية وتنسى ؟
- هي مهمة بالنسبة لي أنا حكيم ولد منوبية الطرشاء. ردد في اعماقه طويلا.

سار كل الصباح في الطرق الجبلية الوعرة. سطعت الشمس بكل قوتها وسار التقدم أكثر مشقة. شعر بالإعياء. تفصد جبينه عرقا فمسحه بكمه. بعد بضع خطوات نزع قميصه. ربطه الى اعواد التقطها من الطريق وصنع منه مظلة استظل بها.
مر بعقله كطيف هارب صورة لجندي مبتور الساق رآها في الفيسبوك وبعض مواقع الاخبار. عادت الصورة لترتسم في الفضاء امامه. تأملها فأبهرته ملامح الجندي. بدى له أشد شموخا من الجبال الراسية. رآه يتحمل بجلد ألمه ويقطب بنَفْسِهِ الجُرحَ النازف قبل بلوغ المستشفى. لم تؤثر الشمس الحارة بجديته ولم تهز ثقته وإيمانه بالوطن. سيعود للميدان حالما يتعافى.
- ماذا لو تدوس يا حكيم على لغم من تلك الالغام التي استهدفت الجنود منذ بعض الاشهر فيتفجر وتُبْتَرَ ساقك ؟
- لست خائفا. الالغام معدة للجنود وليس لي ولا لأي انسان اخر. لن تصيبني ابدا فمن وضعها له مخطط واضح لا يستهدف الناس العاديين فلا جدوى منهم. انها حرب سياسية داخلية : تصفية حسابات او تصفية رؤوس خطرة. من يعرف الحقيقة، أكيد انه سيقتل قبل ان ينطق بأي حرف.
رغم الانهاك واصل التقدم ومع الظهيرة لاحت له أخيرا المدينة. لم يبقى الكثير. كيلومتر تقريبا فقط ويصل الى السوق.
بعض البيوت المتناثرة عن الاطراف أثارت شجونه. الوحدة والعزلة والفقر.
الى متى أيها الوطن القاسي تهدر أبناءك ؟
تراءى له دكانه وصاحبيه. ابتسم لمرآهما. تناهى اليه صدى صوت الاستاذ :
- أنت يا منصور هل ستكف يوما عن وعد تلامذتك الصغار بمستقبل واعد ان تمسكوا بقداسة بالماضي التليد لأهل الصحراء الحجازية واخلصوا للعلم الابيض والأحمر للبلاد التونسية بكل خصوصياته الثقافية. ذاك العلم المرفرف فوق رؤوسهم الصغيرة والذي علمتهم النظر اليه بكل إكبار وإجلال في بلد يلتهمه الساسة والأحزاب وأهل الله في مصالح خاضعة للمشاريع الضخمة لشركات مجهولة الهوية والسياسات والغايات ؟
- لن اناقشك يا أستاذ.
التفت لحكيم فوجده كالعادة غارقا في افكار تبدو سوداء حالكة. سأله بعد دقيقة صمت :
- آشكون باش تنتخب يا حكيم يا صاحبي ؟
- اللي باش يرجع للورد حمرته وللياسمين عطره. اللي باش يسكت لما البقية توعد واللي يوفي لما البقية تخلف الوعد.
- كلامك صعب نفهمه يا صاحبي. انا نفهم اني لازم ننتخب اللي يخافوا من ربي ونحارب اليساريين الكفار بالكي ربي يرحمنا ويفرجها على عباده.
- بديت تخرف يا منصور. الكلمات فقدت معانيها وتشوهت كل الحقائق. اليمين واليسار منظومات اقتصادية موش(ليست) دينية ثم اللي باش تنتخبهم يخافوا من ربي وإلا يخبوا في عفنهم بكلام ربي.
- استغفر ربك يا استاذ. المفروض انت استاذ حضارة عربية وتعرف اكثر من الناس الكل ان العرب ما هلكهم كان كفرهم.
- وقتاش كانوا يعرفوا ربي ؟
- في العصر الذهبي لما كانوا متمسكين بالدين والدنيا كانت امتحانا لكن لما الدنيا صارت غاية ضاع المجد والعزة.
- قداش من عام على أربعتاشر قرن؟ يا سيدي يزينا من الاحلام الوردية وحل عينيك. قداش دم سال وبريء أبكاه الحاكم باسم ربه ؟ قداش من حقوق ضاعت والسلطان واقف في المحراب يبكي من التقوى ؟
- اللي فات فات. من عمل العيب خْذَا (أخذ) جزاءه عند ربه. لكني واثق ان دولة الاسلام الحقيقة ستأتي يوما وتحقق العدل. انا يمكن مثالي اكثر من اللازم لكني كأغلب التوانسة مؤمن بربي وبكل ما قال ومؤمن انه سينقذنا وسيعيد لنا مجدنا. العلمانيون والحداثيون وجمعية النساء العوانس الديمقراطيات اللي مش لاقين اشكون يلمهم هم اللي خاربين البلاد ومعطلين الناس اللي تحب تخدمها ؟ بربي قللي يا استاذ اشكون فيهم عنده برنامج واضح ومتكامل ؟ الكل يلعبون بنا كالنرد. يرمون البلاد في كل صوب. يبتعدون بها عن ثقافتها وأصولها. خلينا مع اللي يخاف ربي يمكن ينصلح حال البلاد والعباد. لو كان يأخذوا وقتهم وحقهم ويخطوهم أولاد الحرام تونس تكون مثال كما كانت في عهد مضى البدر المنير على كل الشرق والغرب. يلعن الكفر والكفار.
- لْمْتِينِ (الى متى) نْقِّيمُوا كبواتنا بالعيب والعار والخطيئة والحرام ونَنْسَى مفاهيم الغلط والصواب ثم - بالله قللي - ياللي بين يديك في اي خانة تحطه يا منصور يا صاحبي؟
- ربي يغفرلنا. النفس ضعيفة وهي مرحلة وتتعدى كي تتغير الظروف. يلعن دين رب المشاكل والهم. يشيب الرضيع في حضن امه.
شعر الاستاذ انه أحرج منصور الذي طفرت من عينه دمعة. ربت على كتفه مبتسما وقال له بنبرة الاخ الاكبر الحنون :
- لا تبتئس. تعرف اني ادعمك دوما وأشاركك كل همومك يا صاحبي. مأساتنا أننا نحلم لكن احلامنا لا تتجاوز فضاء غرفنا المغلقة. هدنا الخوف والصمت. أصواتنا مكتومة وحتى ان علت فالأذان صماء. الإحباط يتآكلنا كالسوس. أعلم جيدا انك تتألم بسبب وعود تمنحها لأبرياء تحبهم لأنك تثق انها لن تتحقق. ألا يمثل بالنهاية منح الامل وان كان وهما صدقة ؟
- ...
- حيّ... حيّ... قال حكيم فتررد صوته في المكان كصدى قادما من بعيد.
- من سيتذكر هذه الربوع المنسية حتى على خريطة الوطن ؟ قال الاستاذ وهو يدير العلبة في يده,
"القدر ؟
الله ؟
الساسة ؟
ثق ان لا أحدا سيفعل. كل الابواب موصدة يا صاحبي.
الله مستقيل تماما ولن يتدخل. اعتقد انه يقول لنفسه : هذه خيبات بشر ميزتهم عن الخليقة كلها لكنهم ظلوا عاجزين عن تغيير ما بهم. عرضت عليه مزيدا من العقل ليفهموا فقالوا عندنا ما يكفينا لا نحتاج المزيد فليجدوا الحلول بأنفسهم وإلا فليتعفنوا.
الساسة على أذانهم أصماغ لا يفلها الرصاص. يتذكروننا ايام الانتخابات ثم يمضون دون ان يلتفتوا خلفهم حتى لشكرنا. ما ان يبلغوا الكراسي حتى تتبخر الوعود ويبقى الصدى. لا يهمهم إلا مصالحهم وأرصدتهم التي تتضخم يوما بعد يوم. السلطة تمثل الغاية والمآل الذي في سبيله يمكن ان ينتهك كل شيء : الشعب ومعتقداته وحضاراته وموارد الوطن.
أتعتقد انهم سينشئون مؤسسات وهيئات واطر قانونية تخدم الكل مهما ابعدتهم الجغرافيا او طوح بهم الفقر والجهل ونقص الامكانيات وهم يعلمون ان مقابل ذلك سيكون تحديا صعبا عليهم مواجهته لأنهم يدركون انها ستحاصرهم ولن يقدروا على اثبات جدارتهم بمناصبهم ان التزموا بها ؟
ماداموا واثقين اننا اتباع خاضعون منذ الازل وأنهم يمثلون على اختلاف توجهاتهم المرجع الاصلي لنا نتلون بحسب الوانهم مهما تكن متناقضة ما ان يبلغوا سدة الحكم وما داموا يدركون أننا نرى فيهم دوما المحور الذي يصدر القوانين وتدور حوله المؤسسات الوطنية دون ان نشك انها انما تخدم مصالحهم واستدامة امبراطورياتهم وامتيازات انصارهم وأبواق تدعيم سلطانهم فلماذا يغيرون ما هو قائم وضامن لسؤددهم وهم يروننا واقفين كبلهاء ومهابيل في الصف الخلفي مرديين آمين ؟
أتابعت مهازل مجلسهم التأسيسي ؟ كل فصيل منهم يقدم نفسه على انه صاحب الرسالة النبيلة الوحيدة في الكون المنقذ الذي اختارته الالهة او الطبيعة، الارواح او المادة، القدر او الظروف (...) هو المركز والباقي علق تجب ازالته. يؤمن انه موجود فقط لحمايتنا من اختياراتنا الغلط او انضمامنا الغير عاقل وغير الواعي للفرقة المظلة التي تبعدنا بأساليب شيطانية عن المبادئ القويمة لعصبيته.
ألا تراهم يواصلون تصنفين الاخر المختلف عنهم في خانة الشر وكما فعل من سبقوهم يسعون لتحويل الوطن الى ملكية خاصة تنحسر فيها الحدود والثقافة والكيان في عصبيتهم وقناعاتها وحدها.
أرأيتهم يوما يعترفون بحق الاختلاف في اي فصل من فصول مسرحيتهم السمجة التي طالت كثيرا ؟
يبرعون لإثبات تميزهم الاجوف في نفيِّ اي دور للآخرين في تكوين البلاد وتشكيل ثقافتها. قدرنا ان نعيش دوما شعوبا تتقاتل على الخبز دون الكرامة، ممزقة بين انتماء لهذا الفكر او تلك العقيدة في بلدان لا يوجد ما هو اشد هوانا فيها من الوطن. الوطن الذي تدوسه بالنعال القذرة القديمة الافكار والأديان والحساسيات والجهويات."
كمن يُنتشل من بئر سحيق ليرمى كخرقة على صخور ناتئة زفر حكيم بحنق :
- عقل برهاني او بياني ؟ تسلط فقيه، سيف شيخ قبيلة او مخدر تعويض رباني ؟ اختر يا ابن الانسان ... ايا تكن خياراتك ايها المسلوب المهدور كل سبلك في نهايتها يأس ولا جدوى ومرارة... حيّ... حيّ...
اعتصر ألم مبهم قلب الاستاذ. دنا من حكيم الذي لا يزال مستندا للحائط منذ بداية السهرة في نفس المكان في طرف الحصيرة. وضع يده على رأسه. كان بداخل تلك العلبة التي بدأ الخمر يتلاعب بها مرجل يغلي. صدغيه ينبضان وعينه اليمنى المحمرة بشكل مثير ترف بسرعة. شعر ان كل حواس الكاتب متأهبة. انها اللحظات التي تسبق الانفجار. بأي لحظة سينطلق الى الغياب ليختفي كعادته كلما اشتدت مِحَنُهُ.
- أَتَهْرَبُ من نفسك أم من الكون ؟ أَتَهْرَبُ يا صاحبي لحبيبة تمسح دمعك او لعاهرة تحمل عنك خطاياك ؟
صمت الكاتب. بدى انه لم يعد قادرا على السمع. انغلق على ذاته وأخذته غيبوبة. ارتخى جسده فمدده منصور على الارض. سكنت حركته وهدأ اضطرابه. بدى كأنه غرق في نوم عميق. لم يعد يصدر عنه إلا انفاس متقطعة ثقيلة. أخذ منصور من فوق الطاولة وراء الستار لحافا غطاه به. وضع الاستاذ وسادة تحت رأسه ثم جمعا العلب الفارغة وأغلقا الباب وخرجا صامتين.
في الطريق قال منصور :
- لم اعد اريد ان اعود لدكان حكيم. اريد ان اهرب منه الى اقاصي الارض. اريد ان انسى وجوده. قدره يخيفني. سأجن يوما لولا رحمة ربي.
-حكيم عاقل يا صاحبي. اعقل منا جميعا. عجزه هو ما يقتله. كانت له احلام كبيرة ككل الناس تكسرت على حدود الوطن وابواب المرتشين وبائعي الوعود الكاذبة.
درس بهوس المعدم الذي يبغى معانقة النجوم. تميز دوما في كل المراحل وكان فخرا لأبويه ولمدرسيه. رحل الاب في السنة الاخيرة من دراسته الجامعية.
أتعلم انه قبل موته بشهر واحد باع برنسه - الثوب الوحيد المحترم الذي يملك ؟
نسجته من بقايا الصوف التي جمعتها من المراعي الخالة منوبية بدمعها ودمها هدية. باعه بأقل من نصف ثمنه ليرسل الحصيلة للطالب المتفوق في مدينة باردة الجدران لا ترحم.
هناك في صفاقس عمل بناءا وصبي اسكافي وحارسا في محطة الحافلات ليلا. كسب أقل القليل ليستمر. عاش في غرفة على سطح احدى البنايات بمنحة لا تكفي ثمنا للكراء وبصدقات بعض الزملاء.
يوم حصل على الشهادة الجامعية لم تسع الدنيا فرحه. زغردت الام كما لم تفعل من قبل. لقد اشرقت الشمس في كوخهم أخيرا. بأمل لا يحد اقترض بعض المال من عمدة القرية التي عاشوا فيها واتجه صوب العاصمة وانتظر في طوابير المجازين امام الوزارة. اخيرا تسلم ملفه احد الموظفين بروتينية قاتلة وأمره بالانتظار بعض الوقت. اقتصد بقدر الامكان. طوال تلك الفترة كان يقتات يوميا كسرة خبز جاف وكأس شاي يضيف اليه عددا كبيرا من قطع السكر ثم ينام في العراء تحت سور الوزارة ويحلم. تكرر تواجده في بهو الانتظار ومل الكل الحاحه فرموه خارجا. قيل له ان الخلاص قريب وان لا جدوى من البقاء وعليه ان يتمتع بقليل من الصبر. لم يعد الى قريته بل عاد الى صفاقس حيث عمل صبي بنَّاء من جديد بانتظار برقية من الوزارة لم تأت. مرت سنة وتلتها اخرى ولم تلمع في السماء اي بادرة امل.
في محاولة لزرع بسمة على ثغره باعت أمه كل ما تمتلكه في ريفهم التعس في اكثر المناطق فقرا بولاية القصرين. في ذات اليوم سافرت الى الكاف حيث ركعت تحت قدمي مسئول كبير المستوى من أقاربهم. سلمته كل ثورتها الصغيرة مقابل أن يتوسط له من أجل عمل في أي مدرسة او معهد او مؤسسة حكومية.
استقرت هنا في عين الكرمة عند اختها – لم يكن لها اي ملجأ أخر في الحقيقة – لأنه كان اقرب مكان تقدر ان تقوم منه بزيارتها المتوسلة. طرقت الباب الى ان تعب ساعدها. ماطلها كثيرا. امام الحاحها المتواصل حدد في النهاية موعدا للقاء في فيلاته.
رافقها حكيم لتلك الزيارة الحاسمة. وجد عالما مختلفا. اروقة رخامية جميلة وصالون فاخر بأرضية من السيرامك المغطاة بزرابي فارسية. تردد في الجلوس على احد الارائك خشية ان يلطخها ثوبه المغبر. بقي واقفا محتارا. غمره احساس أنه صغير جدا في عالم جشع سيبتلعه. جلست امه على أحدى الزربي في طرف الصالون فسحب ذراعها لتقف. دخلت الخادمة وقدمت لهما شايا أخضر في صينية فضية ودعتهما للجلوس بانتظار السيد والسيدة.
تأمل اللوحات المعلقة على الجدران الناصعة البياض. انعكست عليها مانحة ايها عمقا وسحرا اضاءة تنبعث من فوانيس ملونة مثبتة في سقف مغطى بأشكال هندسية رائعة. الستائر الحريرية المسدلة ذات الالوان المتدرجة من الابيض الى الكرمال منحت المكان دفأ وهدوء جعل امه تغط في النوم مكومة على نفسها كقط مشرد. في الاركان وضعت بذوق رفيع تماثيل برونزية وفي طرف الاريكة التي تنام عليها امه خزانة تحف بلورية, على الجدار المقابل ثبت تلفاز كبير جدا بدى له كلوحة مزينة الحواشي متغيرة الالوان.
غرق في الاحلام. الفردوس على وشك ان يفتح ابوابه ويوما ما سيكون له وديهيا حبيبته مكان جميل لن يكون بهذه الابهة والروعة لكنهما سيملآنه حبا ويرتع الاطفال في جنباته باعثين حياة لن تتوقف.
بعد ساعة دلف الى الصالون سي عدنان. كان رجلا ربع القامة كبير الكرش. رأسه اصلع ويديه طويلتين بشكل ملفت.
قال دون مقدمات كمراب اعتاد عقد الصفقات :
- تترك الوالدة في بيت اختها. تتزوج كريمتنا ثم ترحل معها الى فرنسا. اعتادت العيش هناك ولا تقدر على احتمال قرف البلاد.
- موافقون سي عدنان. همست الام دون ان تدرك فحوى الحديث.
- لا اريد اكثر من عمل سيدي. عمل بسيط في اي مؤسسة. لا انوي ترك البلاد واحتمل كل قرفها. يوما ما ستكون اجمل.
- فتحت امامك ابواب الجنة على مصراعيها. أترفض مقترحي ؟ كريمتنا تحتاج من يلجم طيشها وأنت قريب وابن بلد شهم ثم سترث كل هذه الارزاق وتكون الاكثر ثراء يوما.
- لست للبيع سيدي. اريد خدمة بسيطة مقابل ما تسلمته من مال وحسب.
- اي مال ايها الافاق القذر ؟
- لم يقصد شيئا سي عدنان. اعذر طيشه. سيغير رأيه اعدك. سيكون ما تريد.
- لا اريد اكثر من وساطة لأي عمل ايا يكن مقابل المال الذي اخذته.
احمر وجه السيد وتراقص كرشه وتتطاير الرذاذ من فمه. نادي احد الخدم وأمره ان يرمي هذه الحثالة خارجا. هذه القرادة. هذه العلقة التي تريد ان تمتص دمه متهمة اياه في شرفه. اعز ما يملك.
أذلهم ورماهم خدمه خارج فيلته الفخمة.
عندما عادا الى بيت ام بلال كان ثائرا حتى النخاع. لعن وبزق وضرب الجدار المخشوشن الى ان دميت يديه. في ثورة غضبه لم تتمكن توسلات امه ولا تدخل زوج خالته من منعه من احراق كل الشهادات الجامعية. بعد ان هدأ جلس قبالة كومة الرماد وبكى.
تهاوت امه فحملوها الى فراشها. ممدوها عليه. كانت حرارتها مرتفعة جدا. لم يفلح اي دواء في التخفيف منها. لم تتكلم منذ ذلك اليوم. ظلت عينها تنزف الى ان فقدت البصر وبعد شهر واحد ماتت.
بعد فترة من الزمن رحلت سلوى الحبيبة... ديهيا كما كان يسميها. احبها كثيرا منذ طفولتهما الاولى. فشلت في ايجاد شغل ككثيرين غيرها من اصحاب الشهادات في هذا الوطن الذي يأكل اولاده بمتعة فبحثت عن افاق اخرى (...)عالم الفن والشهرة مثلا افضل ملاذ. سطع نجمها وتلألأ في سماء سرعان ما ابتلعتها ولم يعثروا لها على اثر يذكر. قيل ان خليجيا اشتراها وقال اخرون انها ماتت بسبب تعاطي المخدرات.
آيييه يا دنيا. من يعرف الحقيقة على كل حال ؟
تلاشت في مجاهل النسيان. حتى امها نسيتها لكنه لم ينسى حرائقه الكبرى. الدخان لا يزال ينبع من داخله فيخنقه. انه يحتاجنا يا صاحبي أكثر من اي زمن.
-يلعن دين ربهم. الكلاب. يا ربي إمتى تفرجها ؟ يا رب مالناش غيرك.
- هل ستنتظر ككل هذا الشعب المغيب ان يغير اله من عوالم الغيب او حاكم عظيم من وراء البحر ما بنا ويمنحنا حقوقنا في الكرامة والاحترام وفي موارد البلاد التي تنهب من طرف حكومتنا مهما تغير لبوسها ونظمنا الاجتماعية والاقتصادية ؟
حكوماتنا يا صاحبي عتيدة لا يهز اركانها حتى الله في علياءه. أنظر الى وجوه من يترأسونها اليوم بعد ثورة الياسمين الذي ذوى عطشا : ثلة من بطانة حكام الامس المستعدة للحكم بالحديد والنار وفقيه الفصيل الذي يدعي ألشرعية ويحمل على الجبين زبيبة تقوى وتجهد وثلة من القتلة المأجورين لحماية ممالك اسطورية.
نحن بين المطرقة والسنديان فأين المفر ؟
ثعلب يعرف من اين يلج الى الزريبة المحصنة ليفتلك بالبلاد والعباد مانحا اياهم وهم ديمقراطية وفقيه من فرط خشية الله تواطأ مع الشركات العابرة للقارات في نظام شراكة في المكسب مادام يحكم العقول ويحرس النوايا ويحقق مخططات العولمة.

****

يتبع
دمتم بخير





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,921,413,378
- صلوات في هيكل حب - السجدة الثانية
- اسلاميون الافاضل تعالوا نتقصى ملابسات مقتل عثمان بن عفان بين ...
- صلوات في هيكل حب .. السجدة الاولى
- عثمان بن عفان حاكم ظالم ام سلف صالح
- حضور الغياب .. وقفة سياسية
- بحث في سيرة عثمان من منظور اسلامي
- الخلافة الراشدة عثمان وعلي والفتنة الكبرى - سياسة بلوس ديني
- صفحات من تونس- دخول الاسلام الى افريقية جزء 2
- صفحات من تونس- دخول الاسلام لافريقية
- صفحات من تونس- تاريخ شعب
- الخلافة الراشدة -- عمر بن الخطاب 2
- الخلافة الراشدة -- عمر بن الخطاب 1
- حضور الغياب.. صفحات مصرية
- حضور الغياب.. وريقات عراقية
- الخلافة الراشدة
- حظور الغياب: أنيس مرة أخرى
- السياسة المحمدية. جزء ثاني
- السياسة المحمدية : الزنا الحلال بين الدين والسياسة
- الزنا الحلال بين الدين والسياسة (الجزء الثالث)
- الزنا الحلال بين الدين والسياسة (الجزء الثاني)


المزيد.....




- بلوحة ضخمة على العشب.. فنان فرنسي يبتدع -رسالة أمل- للاجئين ...
- مخرج تونسي يتحدث لـ-سبوتنيك-عن تجربته في مهرجان الجونة السين ...
- فيلم يروي قصة لاجئ سوري يترشح إلى أوسكار 2019
- فيلم يروي قصة لاجئ سوري يترشح إلى أوسكار 2019
- منتج فيلم -يوم الدين- يكشف كيفية صناعة فيلم ناجح
- مهندس فقد ذراعيه فاصبح فنانا مشهورا
- رائدة الغناء النسوي العراقي “سليمة مراد”
- وفاة منتج ومؤلف مسرحيتي -مدرسة المشاغبين- و-العيال كبرت-
- أمير الشعراء يوقع أحدث أعماله مع دار -اكتب-
- مدير مهرجان الجونة: 75% من الأفلام المشاركة في المهرجان دولي ...


المزيد.....

- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رويدة سالم - نبش في تاريخ منسي ديهيا - رواية