أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - فارس حميد أمانة - قوادون .. لصوص .. متسولون .. وخمارون من الزمن الجميل














المزيد.....

قوادون .. لصوص .. متسولون .. وخمارون من الزمن الجميل


فارس حميد أمانة

الحوار المتمدن-العدد: 4164 - 2013 / 7 / 25 - 11:10
المحور: كتابات ساخرة
    


ابتسمت كثيرا وأنا أقرأ رسالة لأحد أصدقائي عن حادثة طريفة مفادها ان شخصا ركب سيارة أجرة في بغداد أيام الخمسينيات أو ربما الأربعينيات وكانت السيارة تعمل بنظام الركاب الجماعي أي ان السائق يلتقط الركاب من الشوارع التي يمر بها خط السير وبذلك تكون السيارة لكل الراكبين وصادف ان كان الرجل بمفرده بعد نزول بقية الركاب ومر السائق بفتاتين واقفتين وأراد كالعادة التقاط المزيد من الركاب فطلب منه الراكب الوحيد الاستمرار في السير وعدم التوقف وبالطبع رفض السائق فعرض عليه الرجل أجرة السيارة كاملة مقابل عدم التقاط الفتاتين فقبل السائق لكن مستفسرا عن السر فأجابه الرجل بأنه يعمل قوادا ويعرف الكثير مهنته وان ركوب الفتاتين معه في نفس سيارة الأجرة قد يلطخ سمعتهما وهما تبدوان على حد تعبيره محترمتين ..
تنتهي هنا القصة .. وقد أجبت صديقي وأعتقد انه عبد الرحمن جدعان ان لم تخني الذاكرة بأن القوادة بالنسبة لهذا الرجل مجرد مهنة ومصدر عيش قد لا يجيد غيره وان عليه التزامات تجاه مهنته لكنها لا تتعارض مع التزاماته الآخرى تجاه الناس المحترمين .. وقد ذكرت له ايضا حادثة قرأتها في الجزء الأول من سداسية المؤرخ العراقي الكبير وعالم الاجتماع الدكتور علي الوردي الذي ذكر ان لصا عاش في بداية القرن سطا ليلا على بيت لأرملة وولدها الوحيد وطفق يجمع ما خف حمله وغلا ثمنه وهي تنظر اليه ساكتة ودون حراك وعندما أراد رفع حمولته الثقيلة من المتاع المسروق أيقضت ابنها قائلة : " قم وساعد خالك .. فحمله ثقيل " ولربما كانت العبارة مقصودة منها لفرض نفسها أختا على اللص ولا يجوز لأخ سرقة أخته .. فخجل اللص منها وأعتذر معيدا المسروقات ..
يا للزمن الجميل .. ويا للصوصه الشرفاء ..
وأذكر أيضا انني وفي نهاية الستينيات وأنا لا أزال يافعا جدا وقد تعودت أن أمسك بدكان أبي في سوق المشخاب أن أرى " أبو العيس " كل صباح ..وكان هذا متسولا ضريرا وكبيرا في السن يقوده ابنه الصغير ومعه أحيانا زوجته المخبولة وكنا نعرف انه مقطوع من شجرة ولا أحد يعيله لكنه كان أشرف متسول عرفته في حياتي .. لقد كان يحسب ما يكفيه من مال ليومه هذا فقط ويردد بصوته طالبا جمع الرقم المتواضع الذي كان غالبا نصف دينار وعندما يمنحه أحد نقودا ينزل بالرقم قدر ما يعطى وهكذا حتى يجمع المبلغ الذي يكفيه ثم يعود الى بيته رافضا أي مبلغ اضافي .. رحم الله متسولي الزمن الجميل .. لقد كان الخجل والأنفة والعفة ديدنهم .....
في نهاية السبعينيات وعندما كنت أؤدي الخدمة العسكرية في بغداد كانت أقداح الجعة وشطائر اللحم طقوسا مسائية لا غنى عنها سيما وبقية الصحب بمعيتي .. وعندما كنا نمر في شارع السعدون وعلى بوابة احدى دور العرض السينمائية كنت ألاحظ رجلا ضريرا في منتصف الأربعينيات من عمره وهو يجلس على كرسي صغير يبيع السجائر والعلكة وهما زاد من يدخن أو من لا يدخن قبل الولوج الى صالة العرض وقد تعودت أن أشتري منه العلكة كل يوم حتى وان كان جيبي لا يزال يحتفظ بعدد منها .. وكنت أرقب حركات يديه وهما تتحسسان أرضية صندوقه حيث أضع له النقود ثم يرجع لي الباقي بعد تلمسه للقطعة النقدية ومعرفته بقيمتها .. كان رجلا رائعا .. محترما .. ومرة تركت له درهما بعد أخذي لقطعة مفردة من العلكة قيمتها خمسة فلوس ثم انسللت بهدوء مبتعدا عنه لاتاحة الفرصة له لأخذ كامل الدرهم .. لم أكن أرغب بجرح كرامته مطلقا لكن يبدوا انني فعلت ذلك وبغباء شديد .. سمعت صوته يناديني للرجوع وأنا أبتعد لأخذ الباقي فلم أجبه .. فنادى مرة أخرى وبنبرة أقوى فأجبته بأنني تركت له قيمة قطعة العلكة وهي خمسة فلوس فرد بغضب بأنها درهم .. ثم أضاف بأنه بائع وليس متسولا !!! فاعتذرت منه بكونه سهوا غير مقصود واستعدت الباقي وأنا أنسحب متلعثما ..
كم احترمته وكم قدرته.. كان مكافحا من الزمن الجميل رغم فقده لعينيه.. كم يختلف هذا الرجل عن متسولي زمننا هذا وهم يلتصقون بسيارتك ماسحين جزءا بسيطا من زجاجة السيارة ناظرين اليك بغضب لكونك لم تمنحهم مالا؟
ومن الزمن الجميل أيضا رجل من بلدتي المشخاب توفي رحمه الله قبل سنوات طويلة .. كان " ميري " شخصية فريدة اذ كان شرسا ويخشى سطوته الجميع لكنه كان أيضا لطيفا ودمثا وشهما .. وكان متعودا أن يحتسي العرق كل ليلة .. ولكون المشخاب تخلوا من أية خمارة فقد كان يذهب مع بعض أصحابه بسيارته الأجرة الى أبو صخير التي تبعد أكثر قليلا من عشرة كيلومترات لاحتساء الخمر وصادف ان انقلبت سيارته يوما عند العودة لتسقط عند انحرافها في النهر ويقضي غرقا .. هل مات بسبب السكر أم بسبب عطل في سيارته أم ماذا؟ لا أحد يجزم ..لكن ما أستطيع الجزم به ان المشخاب قد خرجت عن بكرة ابيها عند تشييع جنازته وأذكر ان والدي قال وعيناه دامعتان عند تشييعه ان المشخاب خسرت رجلا شهما اذ لم يعرف عنه يوما انه تجاوز على أحد أو قسا عليه رغم قدرته البدنية بل على العكس كان يتصرف بنبل مع بنات بلدته عند عودتهن عند المساء من النجف حيث يدرسن بل ويعاملهن بشهامة وخلق منقطع النظير..
هل نضع " ميري " في خانة السكيرين اعتمادا على طريقة موته؟ أم نضعه في خانة الشهامة والرجولة حيث ان احتساء الخمر تصرف شخصي بحت ؟
هل سنرى نماذج مختلفة للقوادين والللصوص والمتسولين والفقراء والخمارين في زماننا هذا؟





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,428,174,923
- الجاسوسان
- أنا .. ومعي الآخرون


المزيد.....




- بعد أزمة الملاحة البحرية في الخليج.. بوريطة يكشف موقف المملك ...
- كودار يقاضي بنشماس ويطعن في قرار طرده من البام
- كواليس: جليل القيسي وتواضع الفنان!
- كاريكاتير العدد 4476
- ميكائيل عكار -بيكاسو الصغير- الذي أذهل الوسط الفني في ألماني ...
- شاهد.. بعد هوس فيس آب.. تطبيق جديد يرسم صورتك بريشة كبار الف ...
- الوداد يتعاقد مع مدافع الكوكب المراكشي
- الكتابة عن الحب والجنس.. هل كان الفقهاء أكثر حرية من الأدباء ...
- 5 أفلام حطمت مبيعات شبابيك التذاكر
- -رد قلبي-.. أيقونة ثورة 23 يوليو


المزيد.....

- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم
- التكوين المغترب الفاشل / فري دوم ايزابل
- رواية ساخرة عن التأقبط في مصر بعنوان - البابا / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع
- رواية ساخرة عن التأسلم بعنوان - ناس أسمهان عزيز السريين / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - فارس حميد أمانة - قوادون .. لصوص .. متسولون .. وخمارون من الزمن الجميل