أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد المجيد حمدان - من فتنة عثمان إلى فتنة مرسي






















المزيد.....

من فتنة عثمان إلى فتنة مرسي



عبد المجيد حمدان
الحوار المتمدن-العدد: 4160 - 2013 / 7 / 21 - 17:56
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


من فتنة "عثمان" إلى فتنة " مرسي "
قلت للأصدقاء الذين طالبوني بالتعليق على ثورة يونيو – حزيران في مصر : أنتم تعرفون منهجي . أتريث . أراقب . أتحرى الوقائع . أنتظر المعطيات . أجمع المعلومات . وفي كل الأحوال ، أقاوم المغريات ، ولا أتعجل التعليق . وتابعت : هناك سبب إضافي آخر ، تواصل حلقات الحوار . وأضفت : كما تشاهدون ، تسمعون وترون ، كل يوم هناك جديد . تتكشف أسرار . تتضح أدوار . تظهر معطيات ومعلومات . تنزاح حجب . وتزداد الصورة وضوحا كل ساعة . قال واحدهم : أما هذه فنتفهمها . ومعك سنتابع وسنراقب . لكنني ، وأظن أن هناك كثيرين مثلي ، أحتاج تفسيرا لمواقف ، لأقوال وأفعال الرئيس المعزول ، وجماعة الإخوان المسلمين ، قبل وبعد هذا الزلزال العظيم الذي أطاح بهم . لماذا أطلقوا مثل تلك التصريحات ؟ لماذا أخذوا تلك المواقف ؟ الرئيس المعزول مرسي تحدث كثيرا عن الشرعية . قال : نفسي فداء للشرعية . الإخوان ينكرون أخطاءهم . يتحدثون كثيرا عن شرعية الصناديق ، وعن المشروع الإسلامي . لا يرون الجماهير ولا يسمعون مطالبها . قلت : ولكن هذه موضوعات أشبعها المحللون الإستراتيجيون ، والسياسيون والمعلقون ، بحثا وتحليلا . قال بنبرة لا تخلو من ضيق : يا أخي ، كلما استمعت لهم أكثر ، كلما غمض علي الأمر أكثر . يتراجع ما أنشده من الوضوح ، ويستغلق علي الفهم أكثر . قلت : ولماذا يحدث هذا في رأيك ؟ قال : لا أدري ، ولكن أظن أنهم يتكلمون بلغة ليست لغة الإخوان ، ويعتمدون أفكارا ومنطلقات لا يعتمدها الإخوان ، وحتى لا يعترفون ولا يؤمنون بها . قلت : مثل ماذا ؟ قال : مثل الالتزام بالديموقراطية . مستلزمات العمل السياسي ، ومناهج الأحزاب ، خصوصا حزب الحرية والعدالة . ثم مثل موضوعات الديموقراطية : المشاركة والحوار الوطني . المواطنة والحقوق المتساوية للمواطنين . الحريات وحقوق الإنسان وغير ذلك الكثير . قلت معك حق . فالمحللون الاستراتيجيون ، وغيرهم من المعلقين ، هم أصحاب رؤية للمستقبل . وهم حين يتناولون مواقف الإخوان ، يطبقون عليها معايير الحاضر والمستقبل ، ومنها الإيمان بالديموقراطية بكل مكوناتها . ويضعون فرضياتهم ، ويقدمون نصائحهم للإخوان ، استنادا لهذه المعايير . وهم ربما يغيب عنهم ، أو يستغلق عليهم ، أنها ليست رؤى أو منطلقات ، ولا حتى معايير الإخوان وحلفائهم . قال وقد كست البهجة ملامحه : نعم هي هذه . هي ما أبحث له عن تفسير عندك . قلت : أنت تعرف أن الإخوان وحلفاءهم أصحاب مشروع للماضي . ليست لديهم رؤيا لا للحاضر ولا للمستقبل . مشروعهم لإحياء الخلافة ، لتطبيق الشريعة ، هو مشروع العودة بالمجتمع إلى الماضي ، القريب أو البعيد لا فرق . العثماني أو الراشدي سيان . فبأي رؤى ، بأية مفاهيم ، من أية منطلقات ، بأية معايير ، يمكنهم وضع مشروع كهذا موضع التطبيق ؟ قال : أظنك تتعمد تصعيب المسألة علي . لا أفهم قصدك . قلت : أنت تعرف أن قادة الإخوان ، ومثلهم حلفاؤهم من السلفيين ، يحملون درجات عليا في علوم مختلفة . طب ، هندسة ، قانون ، اقتصاد ، علوم سياسية ، علوم طبيعية ، علوم اجتماعية وإنسانية ....الخ . وأنت ربما سمعتهم وهم يتحدثون ويخطبون ، في مجلسي الشعب والشورى ، وفي مناسبات سياسية ووطنية . فهل لاحظت شيئا في تلك الخطابات أو الأحاديث ؟ قال : من جديد لا أفهم قصدك . قلت : ألم تلاحظ أن كل استشهاداتهم ، ملاحظاتهم ، عظاتهم ، عبرهم ، حكمهم ، مثلهم ، قيمهم ، رؤاهم ، مفاهيمهم ، معاييرهم ، منطلقة ومستمدة من ذلك الماضي ؟ قال : نعم لاحظت ذلك ، ولكن في رأيك هل له معنى خاص ؟ قلت : هل لاحظت انعكاس علمهم ، وهم من أصحاب الدرجات العلمية العليا ، دكتوراه وأكثر ، و[أي شكل أو صورة ، على مفاهيمهم ، على تعابيرهم ، على أدائهم ، أي على رؤيتهم للدولة التي ينشدون ؟ قال : في الحقيقة ذلك ما احترت في فهمه ، ولم يساعدني المعلقون والمحللون على فهمه . قلت : هم كما سبق وأشرنا أصحاب مشروع العودة للماضي . فهل في ظنك سيعتمدون لتحقيق مشروعهم هذا ، رؤى ، أفكارا ، مفاهيم ، طرائق وأساليب ، آليات وأدوات ، الحاضر والمستقبل ، أم نظيراتها الخاصة بالماضي ؟ قال : لكنهم يعيشون الحاضر ، ويتمتعون بمنجزاته ، ويطلبون المزيد ، أي ينظرون إلى أمام ، إلى المستقبل . قلت : مكمن الصعوبة أنهم يريدون جعل الماضي هو المستقبل ، أو المستقبل هو الماضي ، على أن يوفر لهم غيرهم ، ويمتعهم بخيرات ومنجزات المستقبل . قال : لا أفهم . إذ كيف سيكون الماضي مستقبلا أو المستقبل إعادة نسخ للماضي ؟ قلت : تعال نستعيد معا مواقف وتعهدات للرئيس مرسي . فأنت تتذكر ، لا بد ، خطاب مرسي الأول ، في ميدان التحرير ، بعد إعلان فوزه . ذلك الخطاب الذي فتح فيه صدره ، معلنا أنه لا يلبس واقيا من الرصاص . قال : نعم أذكر ذلك . قلت : في ذلك الخطاب قال ما هو عظيم الدلالة ، وهي ما لم ينتبه المحللون الاستراتيجيون لها . استرشد بأبي بكر ، أول خليفة للمسلمين ، حين أعلن أنه يستمد شرعيته من هذه الجماهير ، من رضاها عن عمله ، ومن ثقتها في إخلاصه . وطالبها ، اقتداء بأبي بكر ، بعدم طاعته إن لم يطع الله فيهم . وبأن يعينوه إن أحسن ، وأن يقوموه إن أخطأ . قال : نعم سمعت هذا وأعجبني . فعلى ماذا يدل ذلك في رأيك ؟ قلت : ليس المهم أن مرسي والإخوان يتصورون أن البشرية ، والمسلمون منها ، أصابها العقم من بعد أبي بكر ، وأن الديموقراطية وتجاربها وثرائها وتراثها الجامع ، ما زالت دون مستوى مقولة أبي بكر تلك . المهم كان الاستشهاد بذلك الماضي ، كما ظهرت وبانت علائمه فيما بعد ، بالغ الدلالة فيما أرى . قال : لا أفهم قصدك ، لأنني لم أر آنذاك ، وما زلت لا أرى عيبا في ذلك الاستشهاد . أليس اللجوء للتراث ، كما في هذه الحالة ، مطلبا لنا ؟ قلت : ذلك صحيح . ولكن مرسي بعدها ، رد في مقابلة تلفزيونية ، عما سيكون موقفه إذا خرج مليون متظاهر يطالبونه بالتنحي ، قائلا : إذا خرج عشرة وليس مليونا ، سأستجيب لطلبهم وأتنحى . ثم خرجت ملايين ، وفي كل ميادين مصر ، تطالبه بالرحيل ، فرد بما أسماه الدفاع عن الشرعية ، وأن نفسه فداء لهذه الشرعية . وأكثر حين طالبه مقربوه ، ومنهم قائد الجيش ، بالاستجابة لمطلب الجماهير ، رد : على جثتي . المحللون وصفوا ذلك بأنه تنكر لاستشهاده بأبي بكر . وبأنه تأثير وفعل الكرسي . فهل كان ذلك التحليل صحيحا ؟ قال : أظن ذلك . لكن لو أنني قبلته لزالت حيرتي ، ولما لجأت إليك . قلت : في الحقيقة لم يتنكر مرسي لأبي بكر ، ولا لتعهده ذاك أمام الجماهير . ولم يحنث بوعوده كما قيل . والذين قالوا بذلك لم يتابعوا ، على ما يبدو ، مسيرة قاعدة أبي بكر تلك . قال متنبها ومنتبها : وكيف ذلك ؟
فتنة عثمان :
قلت : لم يسعف الوقت أبا بكر لاختبار التزامه بقاعدته تلك . انخرط فور توليه في حروب الردة ، وحيث تطلب الحال حزما وشدة ، تمثلا في توجيهات حاسمة ، وأوامر حازمة ، قاطعة ، باترة لقادته . وجاء عمر ومهمات بناء الدولة ، التي تطلبت هي الأخرى ، إلى جانب العدل ، حزما وعزما وحسما غير معهود . وقد وصف عثمان حزم عمر ، في خطبة يعاتب فيها المحتجين عليه قائلا : "ألا فقد عِبتم علي ما أقررتم لابن الخطاب بمثله ، ولكنه وطئكم برجله ، وضربكم بيده ، وقمعكم بلسانه ، فدنتم له على ما أحببتم وكرهتم ، ولِنتُ لكم وأوطأتكم كتفي ، وكففت عنكم يدي ولساني فاجترأتم علي " . ثم وفي مقارنة بين عشيرته ، بني أمية ، وعشيرة عمر ، بني عدي ، والاحتماء بهما قال : " أما والله لأنا أعز نفرا وأقرب ناصرا ، وأكثر عددا وأحرى إن قلت هلم أُتي إلي " . عبقرية عثمان ، عباس العقاد ، ص71 .
ونحن نعرف أن عثمان تعهد ، حين تعادل مع علي / بصوتين لكل منهما ، من مجموع المصوتين الخمسة ، وهذا ما رجح كفته على علي ، باقتفاء سيرة سلفيه ، أبي بكر وعمر ، وبديهي بقاعدة أبي بكر . وفي النصف الأول من خلافته ، ست سنوات ، أوفى بعهده ذاك . لكنه في النصف الثاني أخذ يتحلل ، وتدريجيا ، من ذلك الالتزام ، وفي المقدمة من تلك القاعدة . والسؤال الآن : لماذا وكيف فعل ذلك ؟
إنه الملك :
سجل لنا التراث أن عثمان ، وعقب توليه الخلافة ، نصحه أبو سفيان بحصر الملك في قومه بني أمية . قال أبو سفيان : "والله ما أعرف ما جنة وما نار ، ولكنه الملك فأدره في قومك كما تدار الكرة". ويقال أن عثمان نهره . ومضت نصف الخلافة وعثمان يتجاهل هذه النصيحة . لكن النصف الثاني شهد تطبيقا حرفيا لها من خلال خطوتين . الأولى تمكين بني أمية من مفاصل الدولة – توليتهم قيادة الأمصار والجيوش - . والثانية من خلال الاستئثار بفوائض الخراج – أموال الدولة – وخص أقاربه بهذه الفوائض .
أثارت خطوات عثمان الصحابة . أخذوا في نقده ، ومحاولة تقويمه ، عملا بقاعدة أبي بكر . لكنه أخذ في المقابل يضيق ذرعا بهم وبها . وانتهى الحال إلى قمع معارضيه . بداية سحل الصحابي عبد الله بن مسعود ، وفي الشارع ، وأصابه بكسور ، بسبب اعتراضه على الطريقة التي تم بها جمع القرآن ، ورفضه تسليم نسخة قرآنه وحرقها . ومات ابن مسعود مخاصما لعثمان ، وموصيا بأن لا يصلي عثمان عليه ، وبأن لا يسير في جنازته . وعن منتقديه وصل به الحال حد الانتقال من عنف اللسان إلى العنف الجسدي . ضربهم في المسجد ، وإلى حد مشاركته شخصيا في ضرب الصحابي عمار بن ياسر وكسر ضلوعه ، ونفي أبي ذر الغفاري إلى الربذة - مكان منعزل ونائي على طريق القوافل إلى العراق -.
ولأن عثمان واصل سياسة تمكين أقاربه من الحكم ، والاستئثار بفوائض الخراج ، تصاعد النقد له ، رغم تصاعد وتائر العنف لقمعه . ووصل الحال حد وقوف بيت النبي ضده ، باستثناء أم المؤمنين ، أم حبيبة ، ابنة أبي سفيان ، ومخاصمة عبد الرحمن بن عوف ، صاحب خدعة تقديمه على علي ، وموت ابن عوف مخاصما له . وإلى حد أن دأبت عائشة على الظهور من نافذة حجرتها ، المطلة على منبر مسجد النبي ، تقاطع خطبته قائلة : " هذا قميص – وفي رواية نعل - محمد لم يبل بعد وأبليت سنته " . ثم لتتلو كل ذلك بالتحريض على قتله بقولها :" لعن الله نعثلا . اقتلوا نعثلا فقد كفر " . والنعثل هو الرجل الهرم الذي أصابه الخرف .
لكن عثمان لم يتراجع عن المضي في تطبيق سياسته ، القائمة على تمكين بني قومه ، ولتتسع حلقات المعترضين عليها يوما بعد يوم ، حتى غدت المدينة كلها ، بمهاجريها وأنصارها ، عدا بني قومه ، وحفنة من المستفيدين ، ضده . ولأنه شعر بضعف موقفه قبل بالتحاور ، والتفاوض مع منتقديه . وتعددت الحوارات ، والاعتراف بالأخطاء ، والتعهد بالتراجع عنها ، وبالتصحيح ، ثم بنقض العهود والاتفاقات . وحدث كل ذلك قبل انتقال التذمر إلى الأمصار ، وتصاعده حد إرسال البعثات ، مستغلة موسم الحج ، للعثور على حلول .
بوصول هذه البعثات – ثوار الأمصار – بدأ تصاعد الأزمة يأخذ منحى مختلفا . تصاعدت المواجهات داخل المسجد . وعجز عثمان عن مواصلة استخدام العنف . وكثرت الوساطات وإقرار عثمان بالأخطاء ، والوعود والتعهد بالإصلاح ، ثم نقض الوعود ، رغم تنازلات هنا وهناك – عزل والي الكوفة مثلا - . وكما في مثل هذه الحالات ، أخذ سقف المطالب في الارتفاع ، وإلى حد مطالبة الخليفة بالتنحي . وتمترس عثمان حول الرفض ، محتميا بالشرعية ، شرعية انتخابه التي عزاها إلى إرادة الله . ظل يرد : " لا والله لا أخلع قميصا قمصنيه الله " . ولإجباره على التنحي منعه الثائرون من إمامة الصلاة . أعقبوها ، حين لم تجدي بمنعه من مغادرة بيته ، ثم منع وصول الطعام ، وأخيرا الماء . وامتد الحصار وطال ، وعثمان ، بدعوى الحفاظ على الشرعية ، يواصل رفض الاستجابة لمطلب التنحي . وانتهى الأمر ، كما هو معروف بقتله ، المخرج الوحيد المتبقي كما رآه الثوار .
نصف الكأس الآخر :
قال ، وكان في متابعته للسرد بادي التيقظ ، وتعلو وجهه علائم الانبهار : كنت وأن أتابع السرد ، أقارن بين خطوات مرسي ، منذ بداية الأزمة ، وتلك التي اتبعها عثمان . وأصدقك القول ، لم تخطر هذه المقارنة على بالي ، رغم معرفتي بقصة عثمان ، ربما ليس بهذه التفاصيل . وما أدهشني ، بل وبهرني ، أن مرسي ، وكأنه قصد ذلك ، مشاها خطوة خطوة . وذلك ، وهو الذي ما زال يحيرني ، رغم معرفة مرسي بانتهاء القصة بمأساة قتل عثمان . قلت : كان ذلك نصف الكأس كما يقال . فما عرف بفتنة عثمان لم تنته بقتله . بل يمكن القول بأنها بدأت بقتله . وأوجه الشبه بين ما وقع بعد عزل مرسي ، وما سبق ووقع بعد مقتل عثمان ، كثيرا ما تبلغ حد التطابق . وهذا مؤشر آخر ، وأكثر وضوحا ، على أن مرسي وجماعة الإخوان ، لا علاقة لهم برؤى العصر ، بأفكاره ومفاهيمه وأساليبه وأدواته ، وإنما هم ملتصقون برؤى ومفاهيم وأفكار وأساليب وأدوات الماضي . اتسعت حدقتا صديقي ، وخرج صوته مدعما بكل حواسه : ولكن كيف ؟
قلت انتهت مأساة عثمان بمقتله . ولكن الفتنة تواصلت وتصاعدت . وتذكر أن الهدف ، فجوهر الصراع ، كان استعادة الحكم للأهل والعشيرة ، بني أمية . وأضفت : أجمع الصحابة والثوار على علي خليفة للمسلمين . إجماع لم يحظ به من سبقوه . وعلى نقيض سابقيه ، رفض علي الضغط على من لم يبايعوه . ترك لهم الحرية ما داموا لا يلجأون إلى السلاح . بالطبع رفض بنو أمية ، وغيرهم من الأهل والعشيرة المبايعة . رفعوا شعار الثأر لدم عثمان ، والقصاص من قتلته . شككوا في شرعية علي بادعاء أن علي هو من قاد الثورة ، ومن اعتدى على الشرعية ، وانقلب عليها بقتل عثمان . لم يرفعوا في البداية شعار استعادة الخلافة . مجموعة أم المؤمنين عائشة ، ومعها المبشرين بالجنة ، الزبير وطلحة ، هي من رفعت شعار المطالبة بالخلافة ، وبسببها انتقلت إلى العراق وإلى المعارضة المسلحة . اضطر علي للانتقال إلى العراق والمواجهة مع هذه الجماعة . وفي معارك البصرة والجمل سقط آلاف من الصحابة . الأمويون وقفوا منتظرين إنهاك الخصمين ، ثم بعد أن دانت الأمور لعلي في العراق ، انتقلوا من شعار الثأر لدم عثمان إلى مطالبة معاوية بن أبي سفيان باستعادة الخلافة ، التي ، حسب رأيهم ، اغتصبها علي بقتل عثمان . ودار صراع دموي طويل – ست سنوات - انتهى بقتل علي وبعودة الخلافة للاستقرار في بني أمية . صراع سقط فيه آلاف من الصحابة الذين انقسموا بين الطرفين ، وعشرات الآلاف من المسلمين ، مع توقف كامل للفتوحات ، ونشر الدعوة الإسلامية . واستقر ملك بني أمية في دمشق قرابة القرن ، وفي الأندلس قرون عدة . انتقل الملك بعدها إلى العباسيين ، ومن دمشق إلى بغداد . العباسيون الذين قامت ثورتهم على أساس استعادة الشرعية التي اغتصبها الأمويون من آل البيت . ويلفت الانتباه أن فتاوى شرعنة الصراع استندت إلى تكفير كل طرف فيه للطرف الآخر . وأكثر من ذلك وعلى مدار الخلافة الأموية ، واظب أئمة المساجد على لعن علي وآل بيته ، وترديد جموع المؤمنين آمين وراءهم . كما انبرى عدد من الصحابة والتابعين ، وأصحاب الفتيا ، بإيراد أحاديث عن النبي تبرر اغتصاب معاوية للخلافة .
فتنة مرسي :
قال الصديق : كنت ، وأنا أتابعك ، مشغولا بالمقارنة بين الخطوات التي تطبقها جماعة الإخوان ، ابتداء بتجمع رابعة العدوية ، وتلك التي وقعت بعد مقتل عثمان . وفي الحقيقة يذهلني هذا التطابق بين الحالتين . وأكاد لا أصدق وأنا أتساءل : هل معقول أن الإخوان يعتقدون بإمكانية استعادة ما يصفونه بالشرعية ، حتى لو طال الصراع سنينا ، وجرى الدم أنهارا ، كما حدث بعد فتنة عثمان ؟ قلت : ألم تقرأ تصريح مرسي بعد عزله ، التصريح الذي يقول فيه :" لن تتحرك الجماهير لنصرتي إلا إذا سال دمي "؟ قال : نعم قرأته ، وهو ما يدعوني أن لا أصدق ما يحدث أمامي ، وكأنه نقل حرفي لما وقع في الماضي . وهو أيضا ما يدعوني لأن أتساءل : هل معقول أن أناسا يعيشون في القرن الحادي والعشرين يفكرون بعقلية القرن السابع ، ويتبعون ما وقع فيه ، ويطبقونه بندا بندا وخطوة وراء خطوة ؟ قلت : وهل تعتقد أن أناسا يريدون العودة إلى القرن السابع ، سيستخدمون في هذه العودة أفكار ومناهج القرن الحادي والعشرين ؟ قال : ولكن هم في الواقع يعيشون في القرن الحادي والعشرين . فكيف يحدث لهم هذا الانفصال عن واقعهم ؟ قلت : دعك من مظهرهم الخارجي ، واستخدامهم لوسائل العيش الحديثة ، لأعيد عليك السؤال : هل تلمح من حديثهم ، خطابهم ، وهم حملة شهادات عليا ، أنهم يعيشون في القرن الحادي والعشرين ، ويتفاعلون مع أفكاره ومنجزاته ؟ قال : كما أجبتك سابقا ، لا، لا ألمح ذلك ، وهو ما يدهشني ويحيرني . إذ كيف يمكن لشخص سوي أن ينزع نفسه من واقعه ، ويصور لنفسه ، ويعيش فعلا في واقع مضى ولن يعود ؟ قلت : ها أنت قلتها ، شخص سوي ، جماعة سوية ، فهل مرسي والإخوان ، وجماعات السلفيين ، في الحقيقة هم أشخاص أسوياء ، أم مرضى يحتاجون إلى علاج ؟ علاج يخرجهم من عالم وهمي ، عالم الخرافة والأسطورة ، ويضعهم على أرض الواقع ؟ قال : ما زلت لا أصدق . ذلك ما لا يستوعبه عقلي ، صعب على فهمي ، ولأكرر السؤال المحير : هل ذلك معقول ؟ قلت : وكيف تفسر أن أهل السنة ، والإخوان على رأسهم الآن ، قدسوا كل هؤلاء الذين كفروا بعضهم ، وتقاتلوا من أجل الملك ، وتسببوا في كل سيول الدم تلك ، وأورثوا أجيالا وراء أجيال ، حتى وصلنا الأمر ، وسيصل غيرنا بعدنا ، كيف قدسوا كل هؤلاء وفي المقدمة منهم عثمان وعلي ؟ قال : في الحقيقة هذا أمر آخر محير ، ولكنني أستعيد قول ذلك الفيلسوف : حين يقع الحدث التاريخي أول مرة يقع على شكل مأساة ، ولكنه حين يعود ويتكرر يعود في صورة مهزلة . وحين يعود على يد الإخوان فيا لها من مهزلة . قلت : أظن أن كارل ماركس هو ذلك الفيلسوف .






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,387,622,393
- حوار أملاه الحاضر 16 خروج مؤقت آخر عن المسار
- عبد المجيد حمدان- كاتب وباحث واحد قادة اليسار الفلسطيني- في ...
- وبات لزاما عليتا التصرف كدولة
- حوار أملاه الحاضر 15 الشريعة وتطبيق الحدود 5 خروج مؤقت عن ال ...
- حوار أملاه الحاضر 14 الشريعة وتطبيق الحدود ...حد الجنايات 4 ...
- حوار أملاه الحاضر 13 الشريعة وتطبيق الحدود ...حد الجنايات 3 ...
- حوار أملاه الحاضر 12 الشريعة وتطبيق الحدود ....الجنايات 2 حد ...
- قراءة في ثورة الشباب المصري 18 الإخوان ودولة الخلافة
- حوار أملاه الحاضر 11 الشريعة وتطبيق الحدود حد الجنايات 1
- حوار أملاه الحاضر 10 الشريعة وتطبيق الحدود ملك اليمين والمجت ...
- حوار أملاه الحاضر 9 الشريعة وتطبيق الحدود ....زنا الإماء
- حوار أملاه الحاضر 8 النبي وتطبيق حد الزنا
- حوارأملاه الحاضر 7 الشريع وتطبيق الحدود حد الزنا 2
- حوار أملاه الحاضر 6 الشريعة وتطبيق الحدود ....الزنا (1)
- حوار أملاه الحاضر 5 الشريعة وتطبيق الحدود ....الخمر
- حوار أملاه الحاضر 4 العورات بين المجتمعي الإنساني والرباني
- حوار أملاه الحاضر 3
- حوار أملاه الحاضر 2
- حوار أملاه الحاضر
- عفوك يا سماحة المفتي 3


المزيد.....


- متى يشفى المسلمون من مرض - و أعدوا- ؟ / حميد زناز
- بين العالم و السياسي .. الثرى و الثريا ؟ / رعد حميد الجبوري
- محمد مهدي الجواهري الشاعر الكبير يجسد وحدة العراق / عربي الخميسي
- نقد الاعجاز القرآني / وسام قبلان
- خطر الدين على اللغة و الثقافة و الفكر / جمشيد ابراهيم
- مَنْ هُوّ الله حتى أُطيعه؟ (04) إثبات وجود الله - 2 / ليديا يؤانس
- الخرافات الإخوانية !! / حميد طولست
- الحرية نظرة الدين الحقيقية / عباس علي العلي
- خواطر شيخ علماني / احمد الطالبي
- القضية الإقتصادية في صياغة المعارضة الدستورية في الدولة الاس ... / خلدون طارق ياسين


المزيد.....

- رسالة من قديم الأيام
- خبراء: ترحيب السيسي بـ-الإخوان التائبين- يحد من عنف الجماعة ...
- حزب الله: كسرنا الإرادة التكفيرية وقطعنا الطريق على السيارات ...
- الفاتيكان يتهيأ لتطويب إثنين من زعمائه
- حملة السيسي: لا مصالحة مع الإخوان ولا عودة لنظام مبارك
- بريطانيون يتهمون كاميرون بتعزيز -الطائفية-
- القرضاوي في رسالة لملك السعودية : أكن لكم كل المودّة
- حادثة بائع الترمس
- رئيس المجلس الاعلى الاسلامي عمار الحكيم : لسنا دعاة اقصاء او ...
- 50 شخصية لكاميرون: بريطانيا ليست دولة مسيحية


المزيد.....

- مالك بارودي - خرافات إسلامية / مالك بارودي
- دية ما يتلفه الحيوان- الإسلام نسخة منتحلة من اليهودية 3 -10 / كامل النجار
- مشروع الورقة السياسيَّة المقدَّم للمؤتمر التأسيسيّ ل«اتِّحاد ... / اتحاد الشيوعيين الأردنيين
- الإسلام نسخة منتحلة من اليهودية / كامل النجار
- مالك بارودي - الإسلام دين شرك ووثنيّة / مالك بارودي
- حول مقولة كارل ماركس -الدين أفيون الشعوب- / مجيد البلوشي
- مدينة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام والعلم / برويز أمير علي بهائي بيود
- مشروع تثقيف القرية المصرية / سامح عسكر
- تأريض الإسلام ج2 الشيطان والإنسان / زاغروس آمدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد المجيد حمدان - من فتنة عثمان إلى فتنة مرسي