أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أم الزين بنشيخة المسكيني - العنف و الهوية






















المزيد.....

العنف و الهوية



أم الزين بنشيخة المسكيني
الحوار المتمدن-العدد: 4139 - 2013 / 6 / 30 - 13:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


العنف والهوية




"يمكن للهويّة أن تقتل ، و أن يكون قتلها ذريعا ..." أمارتيا سين .

" انّ كلمة ثورة لا تنطبق الاّ على الثورات التي يكون هدفها الحرية"..........كوندرسييه
مقدمة:
ثمّة مفاهيم تفكّر فيها عقولنا ، و ثمّة مفاهيم تستهوينا و تنعش قلوبنا لكن ثمّة مفاهيم لا تفكّر فيها غير الشرايين .الى الصنف الأوّل تنتمي مفاهيم العدالة و الخير و الفضيلة ، الى الصنف الثاني تنتمي مفاهيم الرغبة و الجمال و المتعة .أمّا مفهوم العنف فهو من الصنف الثالث لأنّه أكثر المفاهيم عداوة للتعقّل و الطمأنينة و السلم الدائمة . يقول الفيلسوف الفرنسي الكبير جيل دولوز عن التفكير :" ضربات المقرعة التي تدوّي كأنّها شرايين " وهو في ذلك يذكّرنا بكلمة لنيتشه :" كلماتي ليست كلمات، بل هي ديناميت فلسفي ".
على وقع الديناميت نعيش هذه الأيّام في بلاد الربيع العربي .نحن الذين اعتقدنا أنّنا نسير نحو أحلامنا فاذا بنا نسقط في الكوابيس ..ربيع سرعان ما تحوّل الى لغم عربي بكلّ أسماء المكان : حيثما ولّيت وجهك ترى المجزرة .و حيثما خطوت تكاد تفجّر لغما تحت ساقيك .تمهّل أيّها الربيعي المسلم و العربي الوهّابي أحيانا الشيعي أحيانا أخرى ..تمهّل هذه الأرض ستمور قريبا من بين يديك ..و سيفزع الزمان من جلبابك الأسود الذي لم يعد يحمل الله ..بل صار وكرا للتعاويذ و لتأثيم الأعضاء و تحويلها الى عورة . في زمان خرج عن طوره يسود العنف المعمّم على ركحنا كأجمل ركح يصلح للتجريب ..تجريب الاستعمار تارة و تجريب التحديث العنيف تارة أخرى ، و تجريب الاسلام السياسي كآخر مخابر ينتجها الغرب كي يتسلّى .و الشعوب العربية تتحوّل كل مرّة الى نوع الفئران المطلوبة لنجاح التجربة ..و سرعان ما تتأقلم مع الكارثة ..فتستلف نهارا قليلا من الوجود المؤقّت ثمّ تصلّي ليلا الى الله كآخر مساند للفقراء ، ثمّ تنام على أمل موت رحيم و جنّة سوف تأتي .
حنّا آرندت في كتابها في العنف الذي كتبته في ظلّ عالم منهوك خارج لتوّه من حربين عالمتين تقول :" لا يملك أحد اليوم جوابا عن السؤال المتعلّق بالكيفية التي سيمكننا بها أن ننتزع أنفسنا من العبثية الكلّية لمثل هذا الوضع "..و هي تنبّه بذلك أنّ السؤال عن ماهية العنف انّما ينتمي الى ميدان اللامتوقّع . ثمّة ضرورة للتمييز ههنا بين أسئلة تنتمي الى حقل الممكن و أخرى الى باحة المستحيل و ثالثة الى أفق اللامتوقّع ..فنحن نفعل الممكن كي نتأقلم مع الواقع و نطلب المستحيل كي نغيّر العالم لكنّنا لا نملك أيّ شيء ازاء اللامتوقّع غير الانبهار به أو الرعب منه .. ثمّة أسئلة حمقاء و أخرى مغلوطة و ثمّة أيضا أسئلة لا تؤدّي ..و ربّما يمكننا الحديث عن أسئلة من أمر آلهة جُدد .علينا اذن حسب عبارات حنّا آرندت ألاّ نغفل عن " عنصر اللامتوقّع الذي نلتقيه في اللحظة التي نقترب فيها من ميدان العنف .و لئن كانت الحرب ماثلة على الدوام في دواخلنا فانّ مثولها ليس ناتجا لا عن رغبة قتل دفينة موجودة لدى النوع البشري و لا عن غريزة عدواني لا يمكن قمعها "..ما هوأصل العنف اذن لو لم يكن يتأصّل في الطبيعة البشرية كما يذهب الى ذلك كل التصور السياسي التقليدي من أرسطو الى هوبز ؟ و من كاليغولا الى كتاب الأمير لمكيافيلي .
هل يمكن للعنف أن يكون آداة للانتقال الديمقراطي في مدن لم تعرف من الانتقال و النقل الى حدّ الآن غير ركوب الحافلات العمومية و لا تعرف من الديمقراطية غير أبواق التكفير و غسل الأدمغة و دعوة الناس الى القتال ؟ .
ينتمي مفهوم العنف الى عائلة من المفاهيم المثيرة للرعب من قبيل : الحرب و الموت و الجريمة و الارهاب و الاغتيال و الاغتصاب و الاحتراق و الرشّ و الشنق و القمع و الهيمنة و السطو و الطغيان و الظلم و الفقر...
و تتراوح درجات العنف بين ثلاث درجات :
أوّلا- عنف مخفّف : كالعنف اللفظي ( الشتم و الثلب و التجريح ) و العنف الرمزي (التكفير و التخوين و التأثيم ) و العنف الاجتماعي ( الفقر و التجويع و التهميش ).
2- عنف مكثّف ( الحرب و الاغتصاب و القمع و الظلم ) .
3-عنف مطلق ( الذي يشمل كل أشكال القتل ).و ينتمي الاغتيال السياسي الى هذه الدرجة القصوى من العنف حيث يصل العنف الى الاعتداء على حرمة الحياة نفسها. و علينا أن نلاحظ هنا بأنّ الاغتيال عنف لا يمكن أن نبرره بأي شكل من الأشكال ، في حين يمكننا الحديث أحيانا عن عنف مبرّر(الحرب ) أو عن عنف ثوري ( الثورة لدى ماركس ) أو عنف مشروع ( الدولة لدى ماكس فيبير).
تقول حنّا آرندت : " انّ العنف لا يكفي لوصف ظاهرة الثورة ، و انّما التغيير هو الوصف الأجدر بها ، و لا يمكننا الحديث عن الثورة الاّ حين يحدث التغيير و يكون بمعنى بداية جديدة ،و الاّ حين يستخدم العنف لتكوين شكل مختلف للحكومة لتأليف كيان سياسي جديد ، و الاّ حين يهدف التحرّر من الاضطهاد الى تكوين حريّة " .(ص47 من كتاب في الثورة ).
كل الثورات ارتبطت بالعنف كشرط امكان لتأسيس بداية جديدة و كيان سياسي جديد يحرر من الاضطهاد و الطغيان و يضمن الحرية و العيش الكريم .لكنّ ما يحدث اليوم في المسارات الثورية التي نعيشها في البلاد العربية هو واقع مغاير : حدثت انتفاضات و وقع القضاء على طغاة لكن لا شيء ينبىء ببداية جديدة .ما يحدث هو عودة قوية مدجّجة بأوهام لاهوتية الى نمط من الطغيان القديم تحت راية تأهيل نموذج رعوي للكيان السياسي وذلك الأمر أدّى الى تحول الركح السياسي الحالي في بلداننا الى ركح لممارسة العنف ضدّ الشعوب : عنف على العقول بأدلجتها و تحويلها الى غرف نوم على تمائم الدعاة و دخان البخور.. و عنف على القلوب بنشر الرعب فيها من عذابات القبور ..و عنف على الأجساد بتحويلها الى أجهزة أخلاقية للحرام و للتحريم و للتأثيم ..و في الخريطة الخبيثة لهذا العنف ثمّة مكان أيضا لاغتيال الأرواح و قتلها غيلة .
هذا المقال سوف يكتفي بالوقوف عند دلالة العنف في علاقته بالكيان السياسي من جهة و في علاقته بالهويّة من جهة ثانية .العنف ههنا يتأرجح بين جهازين : جهاز الدولة و جهاز الهويّة ..هل يمكن أن يلتقيا هذان الجهازين ؟ و ما نتائج العودة الى دولة الهويّة بعد انتفاضات الحريّة؟ سوف تقودنا في هذا المقال خطوط استكشافية نختبرها من خلال الاسئلة التالية : هل يكون العنف شرطا ملازما لكل مسار ثوري ؟ و أيّ نوع من العنف تستوجبه الثورات ؟ هل ثمّة عنف ثوري و عنف ارهابي ؟ ألا يكون العنف نتاجا لعدم قدرة مشروع سياسي ما على تحمّل كمّية الحرية الثاوية في مسار ثوري ما ؟

1_ الانسان ذئب للانسان:
ثمّة جيل كامل من المفكّرين في التصوّر السياسي الحديث للدولة قد انخرط في ربط وثيق بين العنف و الطبيعة البشرية من أجل أن يبرّر أصل العنف في كل سلطة. لقد ذهب هوبز الى أنّ "الانسان ذئب للانسان" و أنّ العنف رغبة عدوانية غريزية في طبيعة البشر .و هي طبيعة قائمة في جوهرها على الشرّ و غريزة القتل و الخوف الدائم من الموت . تقول حنّا آرندت في كتابها حول العنف :"انّ هوبز هو فيلسوف السياسة الوحيد الذي يلعب لديه الموت دورا محوريا على شكل خوف من الموت العنيف .لكنّ المساواة أمام العنف لم تكن العامل الحاسم لدى هوبز .فالعامل الرئيسي لديه هو المساواة في الخوف الناتج عن قدرة متساوية بين البشر على القتل ، و هذه المساواة هي ما يقنع الناس الذين يعيشون في مجتمع طبيعي ، بأن يتجمّعوا في جماعة ذات مصالح مشتركة ".
و على عكس هوبز يذهب روسو الى أنّ الانسان من طبيعة خيّرة لذلك لا يكون الهدف من العقد الاجتماعي هو السيطرة على الأهواء و الانفعالات العنيفة في الانسان، بل هو ضمان الحريات الطبيعية في شكل حريات مدنية .فالعنف لا يبدأ وفقا لهذه الرؤية الاّ متى وقع تهديد هذه الحريات الطبيعية .انّ الدولة التعاقدية تقوم على ارادة الشعب التي هي في قوامها قرار كل عضو من أعضائه التنازل عن حرياته الطبيعية لفائدة حريات مدنية تنظّمها القوانين من أجل التعايش داخل مجتمع مدني يكفل حقوق الجميع . روسو يقول : " كلّما انتهت سلطة القوانين كلّما صار العنف مشروعا ".فالعنف لا ينتج الا حين تنهزم دولة ما في ضمان أمن مواطنيها بسلطة القانون .لذلك يقول هوبز : " انّ المواثيق في غياب السيف ليست سوى كلمات لا معنى لها و لا قدرة على ضمان أمن البشر"
و علينا أن نذكّر هنا بأنّ روسو هو أوّل من حارب هذا التأصيل للعنف في الطبيعة البشرية . و ذلك في الفصل الثالث من العقد الاجتماعي الذي يفنّد فيه روسو " حقّ الأقوى ". يقول روسو : " لا يملك الأقوى قطّ من القوّة ما يكفي ليبقى السيّد على الدوام ، ما يحوّل قوّته الى حقّ و الطاعة الى واجب ......لننظر لحظة الى هذا الحقّ المزعوم –أقول انّه لا ينتج عنه سوى هراء يستعصي على الفهم ...".
تلك هي أطروحة العقد الاجتماعي الذي كتبه روسو من أجل دحض نظرية الانسان ذئب للانسان .وهي نظرية تجد أصولها مثلما رسمها دريدا ( في كتاب الوحش و السيّد ) في كوميديا بلوت، و جمهورية أفلاطون (الكتاب الثامن ) و نظرية كاليغولا الذي يعتبر أنّ " الملوك كانوا آلهة ، و أنّ الشعوب كانوا حيوانات ".
بين تصوّر هوبز و تصور روسو يتنزّل تصور كانط : ففي الفصل الأول من كتاب الدين في حدود مجرّد العقل يذهب كانط الى أنّ الانسان مسكون بصراع طبيعي بين الخير و الشرّ .لكنّ الارادة الطيّبة في الانسان بوسعها أن تنتصر على الشرّ الجذري بقوّة مبدأ الخير الأصلي و هذا ما يمكن للأخلاق أن تأمله من الانسان و ما يمكن للدين العقلي أن يعد به .انّ الطريف في مقاربة كانط هو تساوي الفرضيّتين : فرضية هوبز عن الشرّ الجذري و فرضية روسو عن الخير الأصلي .لذلك وحدها الحريّة كتعريف وحيد للطبيعة الانسانية بوسعها أن تفسّر أفعال البشر .فكلّ ما ينبع عن البشر هو نتاج حريّتهم و ليس نتاج أصل الاهي دنّسوه بالخطيئة و لا أصل ملائكي عليهم المحافظة عليه بالعقود المدنية .
يقول كانط في الفصل الأوّل من كتابه الدين في حدود مجرّد العقل (1793)ما يلي : " أنّ العالم خبيث و لا يُطمأنّ اليه : هي شكوى قديمة قدم أقدم فنون الشعر ، بل قديمة قدم الأقدم من بين كل الأشعار ، قدم دين الكهّان .كلّها أيضا تجعل العالم يبدأ بالخير : بالعصر الذهبي و الحياة في الفردوس أو بحياة أكثر سعادة ، صحبة جماعة من الكائنات السماوية .الاّ أنّها سرعان ما تبدّد هذه السعادة مثل حلم ، و هاهي تعجّل لنا بالسقوط في الشرّ ..نكدا و أذيّة لنا في سقطة متهاوية ........انّ الانسان في جنسه لا هو بالخيّر و لا هو بالشرّير ، أو هو قد يمكن أن يكون أيضا ..أحدهما بقدر ما هو الآخر ، خيّر في شطر منه ، شرّير في شطره الآخر ......و لكن حتّى لا يصطدم المرء من أوّل وهلة بعبارة طبيعة و يستهجنها ..فانّه ينبغي أن نلاحظ : أنّ ما يُفهم هنا تحت طبيعة الانسان هو فقط الأساس الذاتي لاستعمال حريّته بعامّة ......."
و رغم ذلك يمكننا القول أنّ كلّ هؤلاء المفكّرين هوبز و روسو و كانط ، ينتمون الى براديغم الطبيعة البشرية الذي يقوم على أنّ الانسان له طبيعة سابقة على وجوده التاريخي.و هي أطروحة سيقع تجاوزها مع كلّ هيغل و ماركس انطلاقا من اكتشاف هيغل لمملكة التاريخ بوصفها شرط امكان وجود الانسان نفسه .فالانسان كائن تاريخي و هو ابن عصره و لا يمكن لأيّ كان أن يخرج عن عصره كما لا يمكنه أن يخرج عن جلدته . انّ هيغل يطابق بين الدولة و العقل في سلوك فلسفي خاص به قائم على تبرير الواقع بوصفه دوما و اقعا عقليا ،ذلك أن " لاشيء ،وفق عبارته ، سوف ينتج غير ما هو قائم بالفعل ".و بذلك كلّ ما يقع ، يمكن تبريره بالعقل حتى العنف نفسه . لكن انطلاقا من ماركس لن تكون الدولة عقلية و لن تكون السلطة غير أداة قمع للصراع الطبقي المحرّك للتاريخ .لا ينبغي أن نبرّر العالم بل ينبغي أن نغيّره .و ليست الدولة غير آداة عنف تملكها الطبقة المالكة لوسائل الانتاج لقمع الطبقة المالكة لقوّة العمل .
انّ هذا التصور للعنف على أنّه ينتج عن سلطة الدولة تقاسمه الماركسيون و ردّدوه مع ماركس .يقول انغلز : " في كلّ مكان تتناقض فيه بنية السلطة لبلد ما مع النموّ الاقتصادي لهذا البلد ،تكون الهزيمة من نصيب السلطة السياسية و أدوات العنف التي تلجأ لها ".و يقول ماوتسيتونغ : " انّ السلطة تنبع من فوهة البندقية ".
يمكننا أن نجمع نتائج هذا العنصر الأوّل من البحث في ماهية العنف في النقاط التالية:
أوّلا :يشترك كلّ من هوبز و روسو و ماركس أي أقطاب الحداثة السياسية الكلاسيكية في الربط بين الدولة و العنف .و هو ما سيردّده بعدهم ماكس فيبيير قائلا : "انّ الدولة هي سلطة الناس على الناس قائمة على أساس العنف المشروع ".و رايت ميلز يقول :"كل سياسة انّما هي صراع من أجل السلطة و العنف هو أقصى درجات السلطة ".
ثانيا : انّ هذا القول باقتران حميم بين السلطة و العنف يؤدّي الى مأزقين خطيرين : *أنّ كل دولة هي بالضرورة دولة عنيفة ، و بالتالي أنّه بامكاننا أن نبرّر الاستبداد .* من أجل ذلك ينبغي تحرير الناس من الدولة اذا ما أردنا تحريرهم من العنف و القمع و الاضطهاد .و بالتالي : امّا الطغيان أو الفوضى أو مجتمع اللادولة ..
2) ليس ثمّة عنف مشروع :
للخروج من هذا المأزق النظري تقترح علينا حنّا آرندت ضرورة تجاوز الأطروحة السياسية الكلاسيكية التي تجعل من العنف واقعة ملازمة للسلطة .تقول حنّا آرندت : "انّ السلطة و العنف يتعارضان فحين يحكم أحدهما حكما مطلقا يكون الآخر غائبا .و العنف يظهر حين تكون السلطة مهدّدة ، لكنّه ان تُرك على سجيّته سينتهي الأمر باختفاء السلطة " .
غير أنّ هذا التعارض بين السلطة القائمة على مشروعية القوانين المدنية و العنف الذي هو آداة لاحلال الأمن (كلما وقع الاعتداء على مشروعية القوانين ) ، لا يعني أبدا أنّ ثمّة سلطة غير عنيفة .وهو ما تصرّح به حنّا آرندت قائلة :" انّ الحديث عن سلطة لا عنيفة هُراء لا معنى له .فبامكان العنف أن يدمّر السلطة ، لكنّه عاجز عن خلقها " ..فما يخلق السلطة انّما هو الارادة العامة للشعب التي يقع ترجمتها في قوانين مدنية تحت سقف دولة ديمقراطية .
لكن ما الذي يجعلنا نقرن دوما بين السلطة و العنف ؟ تجيب آرندت : انّه الاعتقاد التقليدي القائل أنّ " الحكومة هي سيطرة الانسان على الانسان بواسطة العنف ".و هنا تدعونا آرندت للتحرّر من هذه الأطروحة الكلاسيكية الى ضرورة التمييز بين العنف و السطة .ذلك أنّ السلطة تكمن في جوهر كل حكومة ، لكنّ العنف من طبيعة آداتية ، و في حين تحتاج السلطة الى المشروعية يحتاج العنف الى التبرير : " انّ العنف ، على حدّ تعبيرها ، قد يُبرّر لكنّه لن يحوز أبدا على مشروعيّته " .لذلك " لم يحدث أبدا لحكومة أن وطّدت سلطتها على أساس أدوات العنف ".
وفي هذا السياق تميّز آرندت بين السلطة و الارهاب .فالسلطة هي قدرة جماعية تنبع من ارادة الجماعة على العيش معا في ظلّ قوانين مدنية و تظلّ موجودة طالما بقيت الجماعة ، و تسقط كلّما تفتّت الجماعة و انحلّت الى طوائف متناحرة .حين تنهزم القدرة الجماعية على الوجود معا ، ينتصر العنف و تسقط السلطة .أمّا الارهاب فتعرّفه آرندت كما يلي : " الارهاب ليس هو العنف ، انّه بالأحرى شكل الحكومة التي تحلّ في السلطة حين يكون العنف ، بعد أن دمّر كل سلطة قد رفض التنازل عن مكانه ..انّ فعالية الارهاب ترتبط كلّيا بدرجة التفتّت الاجتماعي ".(49).
من أجل تجميع نتائج هذه الأطروحة نكتفي بالاشارات التالية :
*انّ هذا التحليل الذي قدّمته حنّا آرندت في اشتغالها على ظاهرة العنف انّما يندرج تحديدا ضمن الأنطولوجيا السياسية التي قامت على نقد للدولة التوتالتارية بماهي دولة بوليسية قائمة على ارهاب مواطنيها ( ما قام به ستالين نموذجا ) .
* حنّا آرندت تميّز بشكل مثير بين الطغيان القائم على العنف و الدولة التوتاليتارية القائمة على الارهاب.تقول : " انّ الفارق الحاسم بين الهيمنة التوتاليتارية القائمة على الارهاب و الطغيان و الدكتاتورية القائمة على العنف ، يكمن في أنّ الأولى لا تقف فقط ضدّ أعدائها ، بل كذلك ضدّ أصدقائها و مناصريها ، حيث أنّها تكون على رعب من كلّ سلطة بما في ذلك سلطة أصدقائها أنفسهم ، و الحال أنّ ذروة الارهاب تكون حين تبدأ الدولة البوليسية بالتهام أبنائها فيصبح جلاّد الأمس ضحيّة اليوم و تكون تلك هي أيضا اللحظة التي تختفي فيها السلطة كلّيا " .
*كلّ انحطاط يصيب السلطة هو دعوة مفتوحة للعنف و كل عنف من قبل الحاكم أو من قبل المحكومين قد يؤدّي الى احلال الارهاب أو الفوضى محلّ المجتمع المدني .
3) هويّات قاتلة :
في كتابه الهويّة و العنف يذهب المفكّر الهندي مارتيا سين الى اقتراح مقاربة طريفة عن مسألة العنف في علاقتها بالهويّة .وهو في ذلك يسترشد بالسؤال التالي : كيف يمكن للهوية ألاّ تكون مصدرا للعنف ؟ .هذا الكاتب يفكّر في مسألة العنف بعد أحداث 11سبتمبر 2001 أي بعد أن انحدر العالم فيما سمّاه هنغتنتون صدام الهمجيّات .انّ الأمر يتعلّق بالحركات الاسلاموية المتطرّفة التي صارت تسمّى حركات ارهابية و التي حوّلت الاسلام الى مصدر للعنف و للارهاب ضدّ ملل أخرى .يتسائل مارتيا سين : لماذا تصبح هوية ما مصدرا للارهاب ؟ هل أنّ الارهاب هو في جوهر كلّ هويّة ؟ مارتيا سين ينقد أطروحة صدام الهمجيّات و يسعى الى فهم ظاهرة الارهاب الهووية تحت راية عنف الهويّة الواحدة المنغلقة على ثوابتها و الرافضة لهويّات أخرى .يتعلّق الأمر بضرورة العمل على فكّ الرابط بين الهويّة و العنف من خلال أطروحة " الهويّة المتعدّدة " .
انّ ما يقصده مارتيا سين من هذه المقاربة هو مايلي :
أوّلا : علينا أن نضع في أذهاننا أنّه ليس قدرا محتوما على أيّ منّا و لا على شعب بعينه أن يكون أسير هويّة واحدة .و أنّه ليس من حقّ أيّة جهة سياسية أن تسطو على مصير شعب ما و أن يختزله في هويّة واحدة .
ثانيا : كلّ منّا في حياته اليومية منخرط بطبيعته في جماعات متنوّعة : فيمكنني أن أكون مواطنا تونسيا من أصول رومانية أو تركية أو أندلسية أو بربرية ..و أن أكون أيضا مسلما ..و أن أكون ليبيراليا أو يساريا ..و أن أكون امرأة أو رجل ..و أن أمارس الرياضة ..و أن أكون نقابيا أو محبّا للبيئة ...يقول مارتيا سين : " انّنا نمتلك انتماءات متمايزة كثيرة و انّ بامكاننا أن نتفاعل بعضنا مع بعض بطرق مختلفة كثيرة بغضّ النظر عمّ يقوله لنا المحرّضون و الهجّاؤون " (ص23.)
ثالثا : " يمكن لهويّة ما أن تقتل ..و أن يكون قتلها ذريعا " ..لكن " لا ينبغي للهوية أن تعامل كأنّها شرّ مطلق "(ص35 ) .من أجل ذلك ينبغي التحرر من الهوية الواحدة و القول بالهوية المتعدّدة .فليس ثمّة أيّة هوية يمكنها أن تتحوّل الى قدر لشعب أو لشخص ما ..لذلك يدحض مارتيا سين التصوّر الجماعاتي الذي لا يفعل وفق عبارة جميلة له غير " توزيع الناس الى أقفاص صغيرة من الحضارات المختلفة " (ص36.)
رابعا : انّ اختزال الشعوب و الأفراد في هويّة واحدة قد أدّى الى الكثير من المجازر الدموية من قبيل تلك التي حدثت في الهند و في صربيا و في فلسطين و في أفغانستان و في السودان ..و ما حدث في بورما و في الشيشان و ما يحدث اليوم في سوريا و في الكثير من ديار الاسلام .كلّ هذه الجرائم الفظيعة وقعت تحت راية التماهي الطائفي مع هويّة واحدة : الهويّة المسلمة أو اليهودية أو الشيعية أو الكردية ..جرائم فظيعة و صدامات دموية ارتدّت بالانسانية الى " أكلة لحوم البشر " أو الى مجتمع الذئاب .
يقول مارتيا سين : " يعمل قادة التعذيب و المذابح بمهارة في نشر الوهم بوجود هويّة واحدة ثمّ يسمحون لهذا الوهم بالتجذّر و النموّ ..و ليس أمرا لافتا أن يبدو توليد وهم الهويّة المفردة هذا القابل للاستغلال من أجل الصراع ، مغريا للذين يشتغلون بمهنة غرس العنف و رعايته "(ص 265.)
خامسا : لكي نفهم هذه الأطروحة القائمة على محاربة وهم الهويّة الواحدة بما هي مصدر للعنف و الارهاب علينا أن نشير الى أنّ هذا المفكّر الهندي انّما يأتينا من عمق المجازر التي وقعت بين الهندوس و المسلمين في أربعينات القرن الماضي و التي اقترنت بتقسيم الهنود الى مسلمين عنيفين و هندوس قساة .و النتيجة هلاك مئات الآلاف من البشر في حالة هستيرية من آكلي لحوم البشر هؤلاء الذين تحوّلوا تحت فعل وهم الهوية الواحدة الى ذئاب مفترسة ..
سادسا : يحذّر مارتيا سين من الجماعات التي تنضوي تحت راية " الجهاد " قائلا : " يمكن أن يستغلّ مؤجّجو الجهاد العنفي النظرة الاختزالية للفهم الانعزالي للناس ، بمعايير مقصورة على الهويّة الدينية العدائية ، بشكل مهلك لاغلاق الطرق الأخرى كلّها التي يمكن أن يسلكها المسلمون بشكل سهل ، و ذلك بالتماشي مع تقاليدهم التاريخية العميقة " (ص270).
خاتمة :
لو واصل ربيعنا العربي احتفاله السادي المازوشي بالدماء لتحوّل عالمنا الاسلامي الى مكان صالح للاحتراق ..و في انتظار اللامتوقّع علينا أن نضع في أذهاننا ما يلي : أنّه مهما كان حجم الأزمة أو الكارثة التي نمرّ بها في هذا الزمان الانتقالي ، فانّ الشعوب بوسعها دوما أن تبدع أشكالا من الذكاء اليومي كي تواصل الحياة بما أمكن من هشاشة الكينونة و من فقر الوجود .أمّا بالنسبة الى الثورات العربية كيف آلت الى ركح للعبث بأحلام شعوبها ، فذاك أمر لا يحتاج منّا الى بكاء و دراميّات ..انّما يحتاج الى مواقف ثورية و برامج و استراتيجيات .و ان كانت هذه الثورات قد سُرقت و تمّ تحويلها الى صوامع انتخابية فانّ الثوّار يملكون "الصيرورة الثورية التي – وفق عبارات دولوز –لا تشكّل شيئا واحدا مع مستقبل الثورة ، و لا تمرّ بالضرورة عبر المناضلين "...

مراجع :
1 )أمارتيا سين ، الهويّة و العنف، وهم القدر،ترجمة حمزة بن قبلان المزيني ، بيروت، جداول،2012.
1)حنّا آرندت ، في العنف ،ترجمة ابراهيم العريس، بيروت ،دار الساقي 1996.
2)حنّا آرندت ، في الثورة ،ترجمة عطا عبد الوهّاب ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 2008.
3)روسو ، في العقد الاجتماعي ،ترجمة عمّار الجلاصي و علي الأجنف، تونس، دار المعرفة، 2004.
4)كانط ، الدين في حدود مجرّد العقل، ترجمة فتحي المسكيني ، بيروت ، دار جداول 2012.
5) جيل دولز –كلير باني، حوارات في الفلسفة و الأدب و التحليل النفسي و السياسة ،ترجمة عبد الحي أزرقان –أحمد العلمي ،المغرب ،أفريقيا للشرق ، 1999.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,545,591,544
- جاء يؤجّل قتله ليلة أخرى ... الى روح الشهيد شكري بلعيد في أر ...
- كم ثمن الحريّة ؟ أو في امكانيات ابداع المستقبل ..
- القتل التكنوقراطي
- تنام خارج أحلامها ...
- يبيعون الأصفاد بالحلوى ..
- عائد من موته الى موتنا ..
- قتلوه خوفا من صوته فقتلهم بموته ..
- شهادة وفاة حكومة لم تعرف الطريق الى القبر ..
- يغتالون حلما و يصنعون دولة
- هل أنت من الصالحين أم من الفاسدين ؟ ..
- االعشق الشعبي..
- من سيجمع هذا الغسق ؟
- غزل تاء التأنيث مع دولة الزقوقو.
- ثورة التُكتُك على أولاد الهامر ..
- زهور جهنم فصل من رواية جرحى السماء
- ماذا بعد الحائط ؟
- هدية تأبّط شرّا الى الشنفرى في رأس العام ...
- في كلّ زيتونة صداع قديم .......
- من أين سيأتي المستقبل ؟
- اعلان زواج ..ثور مثقف يبحث عن ثورة مناسبة ..


المزيد.....


- تداعيات نشوب حروب اهلية في مصر / مجدي محروس عبدالله
- نكون أو لانكون / حميد حران السعيدي
- حركة التيار الديمقراطي في جمهوية المانيا الاتحادية / طارق عيسى طه
- (حزب الله) والقضية السورية / ميثم الجنابي
- مصر ومعركة استرداد الثورة المسروقة من قبل الاخوان المسلمون / محمد النعماني
- إشكالية التحول الديمقراطي في العراق- الفصل الأول / عبدالوهاب حميد رشيد
- طريق اليسار - العدد 49 / تجمع اليسار الماركسي في سورية
- اما ان تكونوا معنا او ضدنا ( بوش الأب ) / سنان الخالدي
- أسئلة تحتاج إلى إجابة حول الواقع العربي والربيع ‏العربي- الس ... / ميشيل حنا الحاج
- انجازات الأمم المتحدة un / على حسن السعدنى


المزيد.....

- الكشف عن -أول شاشة منحنية- للكمبيوتر
- الوزراء الأكراد يعودون إلى الحكومة العراقية
- صحيفة: سويسرا ترفض استغلالها للالتفاف على العقوبات الروسية
- بقرة .. خرجت ولم تعد (فيديو)
- تواصل القصف على دونيتسك .. و5 قتلى في صفوف القوات الأوكرانية ...
- القضاء العراقي يصدر مذكرات قبض بحق مسؤولين كبار في وزارة الم ...
- مقتل وإصابة 11 شخصا بتفجير مزدوج استهدف منزل نقيب في الشؤون ...
- علم داعش فوق البيت الأبيض والـ-أف بي آي- لا يعلق
- أريباأريبا يختار علاء زلزلي سفيراً للشرق الأوسط وشمال افريقي ...
- الحوثيون يحاصرون صنعاء.. تحذيرات خليجية للحوثي وهادي يستنفر ...


المزيد.....

- حقوق العراق بالارقام في عهد المالكي 2006 - 2014 / سمير اسطيفو شبلا
- البغاء فى مصر ..نظرة تاريخية / رياض حسن محرم
- وحدة الشيوعيين العراقيين ضرورة موضوعية لمرحلة مابعد الانتخاب ... / نجم الدليمي
- برنامج حزب نستطيع، بوديموس / ترجمة حماد البدوي
- في رثاء / الشرق الأوسط القديم . / سيمون خوري
- استباق الثورة المضادة للإبداعات الشعبية / خديجة صفوت
- أزمة تحليل اليسار للحدث العراقي / سلامة كيلة
- التحول الديمقراطي وصعود الحركات الإسلامية (نموذج مصر) / سحقي سمر
- التحطيم الممنهج والتفتيت السياسي للعراق.نحو تاسيس خلافة اسلا ... / محمد البلطي
- الاستشراق الأميركي: إضاءات على العوامل والجذور الثقافية / مسعد عربيد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أم الزين بنشيخة المسكيني - العنف و الهوية