أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عزيز مشواط - حياة شفيق الغبرا غير الآمنة:المروية العربية للعود الأبدي















المزيد.....

حياة شفيق الغبرا غير الآمنة:المروية العربية للعود الأبدي


عزيز مشواط
الحوار المتمدن-العدد: 4125 - 2013 / 6 / 16 - 14:50
المحور: الادب والفن
    


"منازل ممتدة لأميال يسكنها مقاتلون مدمنون القتال، ينتظرون المعركة والموت في اليوم التالي، شوارع منفصلة بالكامل وألغام منتشرة تنفجر بمن يمر فوقها لو دخل الطريق الخطأ، مناطق محروقة يكتنفها السواد وأصوات المدافع والقصف بين مكان وآخر". لن يجد أي مراسل صحفي وصفا أكثر تعبيرا من هذا المقطع لوصف التراجيديا التي تعيشها سوريا الآن. لكن هذا المقطع الغامق في السواد ليس سوى جزءا من ذاكرة الكاتب الفلسطيني شفيق الغبرا وهو يستعيد حياته غير الآمنة في مآسي الحرب الأهلية اللبنانية.
في كتابه «حياة غير آمنة... جيل الأحلام والإخفاقات» (دار الساقي)، يبدو المشهد العربي مكرورا. وثلاثية الزمن الماضي والحاضر والمستقبل فاقدة لكل كيمياء غير كيمياء العود الأبدي، وكأن الزمن يعيد نفسه بمكر موغل في المأساوية. صحيح أن زمن الحكي وأمكنته تتأثث بشخوص منتصف السبعينيات، لكن مكر التاريخ يعيد المَشاهد ذاتها اليوم على مقربة من لبنان. وهاهي سوريا تعيد الحكاية نفسها بإخراج وسيناريوهات ولاعبين ومنفذين مختلفين.
لا أدري لماذا وأنا أعيد قراءة سيرة شفيق الغبرا يجتاحني إحساس غريب بأن الزمن العربي ثابت. وإن لم يكن ثابتا فهو على الأقل مَمهور بسيرة الاقتتال الداخلي اللامتناهي. وكأن لحظة الأوس والخزرج هوية موحدة ، بل هي داحس والغبراء ترتدي في كل مرة لباسا قد يكون حتى حداثيا.
بين الماضي والحاضر والمستقبل يقول برغسون ديمومة وانسيابية. وديمومة الزمن العربي اقتتال واقتتال ثم اقتتال.يكفي أن نقرأ هذا المقطع ونغامر بدخول لعبة الانزياحات لنفهم أن إسقاط الماضي على الحاضر لعبة ممكنة" في تلك الفترة يسود الهدوء بيروت لأيام قليلة ثم يعود القصف المدفعي ليأخذ مداه بين الغربية والشرقية، وعندما يهدأ القصف على الأحياء السكنية، تبدأ حرب السيارات في المناطق المسيحية الإسلامية من قبل أطراف تحاول تفجير الحرب الأهلية".
بلعبة استبدال الأمكنة، وبإزاحة بسيطة لبيروت وتعويضها برقعة جغرافية أكبر هي العالم العربي، يصبح هذا المقطع تعبيرا عن حالة عربية مستمرة. وكأن شفيق الغبرا وهو يمتح من ذاكرته ليصف بيروت ذات حرب أهلية يشرح وضعا سياسيا عربيا صار في حكم الديمومة.
لم يعد القصف استثناء في العالم العربي، صار حالة «طبيعية"، فلا يخرج العرب من حالة قصف إلا ليدخلوا في أخرى. ولا يخرجوا من حالة حرب إلا ليغوصوا عميقا في دمار من نوع آخر. من نكبة 48 إلى هزيمة 67 وصولا إلى الحرب الأهلية اللبنانية، فمأساة غزو الكويت وقبلها الحرب العراقية الإيرانية، وصولا إلى تقسيم السودان وأخير وربما ليس آخرا الاقتتال الدامي في ليبيا. التفخيخ إذن في كل مكان وحرب الدسائس تصل منتهاها في هذا التناحر الطائفي على أرض سوريا و الذي يطل بوجهه الخبيث من كل مكان.
في حياة غير آمنة لشفيق الغبرا عودة إلى هذا التشظي. شفيق المقاتل في كتيبة الجرمق، يزاوج بين لعلعة الرصاص وقلق الأسئلة الوجودية لمثقف ملتزم يسعى للحياة عبر المخاطرة بالموت. الحياة لا تمرإلا عبر وعي الموت يقول سارتر، وسيرة الغبرا يصدق عليها الوصف المعياري لكيمياء القلق الذي يعتري ذات عربية استعصى عليها سبيل الولوج إلى المشاركة في التقدم الحضاري الإنساني.
السيرة تعبير أمين عن الحالة العربية" لأن السيرة الذاتية التي كتبتها، يقول الكاتب، تشكل مدخلا لكتابة سير أخرى"، فهل من الصدفة أن ينحكي هذا الواقع على لسان شفيق الغبرا من خلال هذه الأبعاد أم أن تكوين الكاتب في العلوم السياسية وتجاربه الميدانية حتمت عليه أن يزاوج بين تجربته الإنسانية وبعدها المعرفي والاجتماعي؟
جزء من الإجابة عن هذا السؤال نجده في تصور بورخيص للكتابة التي ، بحسبه لا تحتاج إلى تبرير، إنها فعل إنساني وبحث عن كينونة محتملة. تصلح إذن تجربة شفيق الغبرا في محاولته الدامية للقبض على نبض اليومي وتحولاته وإلى وصف الواقع وإكراهاته، لتشكل متنا حيا لتطور جيل بأكمله.
إنه تطور مترنح بين ثنائيتين يتضمنهما العنوان بتجل ظاهر، إنها ثنائية الأحلام والإخفاقات، ثنائيتين متلازمتين عنوانهما الألم الذي يعتصر الذات نتيجة وقع الهزيمة وأمل في تجاوز الإخفاقات. يقول "سرت دمعة في عيني، لكني تماسكت ومضيت سائرا وسط أصوات الانفجارات". هذا التعبير وغيره كثير في هذا النص يستجيب لسيرة الحلم والإخفاق، الفشل والرغبة في مواصلة المسير، التردد والإصرار على التحرير.
وبهذا المعنى ترتدي حياة غير آمنة لٌبوس التأريخ لمعاناة جيل تشرذم بين أحلام التحرر واسترجاع الأرض، وبناء مجتمعات تسودها قيم العدالة والحرية، وإخفاقات الهزيمة الموسومة بالانتهازية والتناحر والتطاحن بين الإخوة الأعداء. بيد أن خصوصية التجربة الانكتابية التي خاضها الغبرا لا تنبع فقط من كثافة اللحظة الوجودية التي عاشها كمقاتل في كتيبة الجرمق، ولا تتمثل فقط في كونها تجربة ممهورة بخطر الموت الدائم ولعلعة الرصاص، لكن خصوصيتها ناتجة من كونها نابعة من مقاتل مثقف لا يكتفي بمقارعة الرصاص بالرصاص، ولكنه مشدود أيضا بأسئلة هوياتية مؤرقة نابعة من تشرذم الذات والذاكرة واللغة والدين والسياسة، وباختصار فـ" تجارب المقاتلين تعكس واقع القضية الفلسطينية القاسي وغياب الحقوق والحريات في العالم العربي" يقول الغبرا.
يتجذر نص شفيق الغبرا في الواقع العربي بعمق ليعود إلى أحداث جسام لا تزال ارتداداتها تطغى على الواقع الاجتماعي والسياسي للمنطقة. من ثورة الخميني ونشأة حزب الله، إلى اتفاقية كامب ديفيد، وخروج ياسرعرفات من بيروت وصولا إلى بدايات التفكير في منهج آخر للمقاومة.
شواظ الأسئلة المؤرقة لا تنتهي، وتطل ما بين اللحظة والأخرى لتقطع حبل الدراما السردية حين تشمخ عاليا من قبيل "تساءلت بعد أن تركت جنوب لبنان كيف سأعود إلى الحياة الطبيعية وإلى الحياة المدنية بعد سنوات من العسكرية الشاقة ؟ لم يكن هذا أمرا سهلا لمن كان له تاريخي ولمن عاش حياة مثل حياتي، تساؤلات كثيرة حملتها معي".
هكذا يتقاطع سؤال السرد الشخصي مع تراجيديا القضية الفلسطينية وتعقيداتها المتشعبة في كل تفاصيل الجيوبوليتيكا الدولية. لكن الغبرا لم ينحز إلى ذاته، بل استغل الحضور القوي لهذه الذات ليعرض تجربة قائمة على سرد الأحداث والوقائع بنفَس تأملي يحيلنا باستمرار إلى عقل سياسي يجاهد كثيرا للإجابة على ما استشكل من التساؤلات والمبهمات الناتئة " كل شئ يتغير، هناك انهيار في صفوف اليسار الإيراني والعربي واللبناني"، " التفكيك يضرب صفوفنا".
تحولات جوهرية إذن عاصرها الغبرا" وبسبب تأثير الثورة الإسلامية تغيرت مجموعتنا وتغير تيارنا من بيروت إلى الجنوب" . تغيرات حكى عنها بصدقية المقاتل المؤمن بقضيته، مما يحول الكتاب إلى "قصة تحوّل من البراءة إلى الراديكالية، ومن الراديكالية إلى التساؤل عن طرق أخرى، إلى جانب الثورة والعنف أو بمعزل عنهما، لنصرة قضية محقة" يقول الناشر.
قصة هذا التحول هي قصة الشعور الذي أحس به الغبرا وهو يقف وجها لوجه أمام طالب يهودي في الجامعة الأمريكية من غير المستبعد أن يكونا قد اقتتلا في وقت سابق " لم أشعر بالعداء، لم أشعر بالحقد كما لم أشعر بالانكسار أمامه. ربما لأنني واجهته وقاتلته وأصبحت أكثر فهما للميدان".
التحول الفلسطيني، الوضع العربي، نشأة حزب الله، أثر الثورة الإيرانية، ملابسات الوضع العربي، اتفاقية كامب ديفيد، تراجع المد القومي واليساري في العالم العربي، تشابكات الطائفية في لبنان كلها حاضرة في سيرة شفيق، ليس كتاريخ فقط بل كمعاناة فردية تتسع عميقا لتنضوي ضمن إعادة كتابة سيرتي الحضور والغياب. سيرة حضور الذات ورؤيتها للعالم المتحول بعين المقاتل المثقف، وسيرة لغياب واستشهاد شخصيات أو خروجها إلى صفوف أخرى. لكل هذا وذاك يبقى نص الغبرا نصا مفتوحا على كل الاحتمالات، لكن الأهم أنه محاولة لتجاوز الفراغات الشاحبة ومحاولة التضوئة على جزء مهم من تاريخ دراماتيكي، لا تزال فصوله تعد بالمثير من المفاجآت.
 





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- ...رسالة بلا مشاعر قومية
- !!..خالد الجامعي:مجرد فلسطينية صغيرة
- الباحث السوسيولوجي المغربي عزيز مشواط :الخطاب الهوياتي مجردا ...
- اعلام الكآبة …كآبة الاعلام
- مهنة الانتظار التي يجيدها المغاربة منذ نصف قرن
- صفعة عواصف التنمية و سيول التقدم ..
- -الهارد تالك- أو المقارنات المستحيلة
- الباحث السوسيولوجي و الأكاديمي المغربي محمد فاضل رضوان:الانس ...
- عالمية المصير الانساني وأزمات الهوية: النزعات القومية والدين ...
- ثقافة الموت
- المثقفون واوهام أهل الكهف
- الهوية كمدخل لفهم صراع الحضارات
- اشكاليةالهوية في العلوم الانسانية
- قراءة في كتاب -الأصولية افة الاسلام- لعبد الوهاب مديب
- تهديدات الظواهري وتفجيرات لندن تعيد مقاربات - كيبل- للفعل -ا ...
- الحركات الجهادية و البحث عن الهوية بحد السيف و الدم
- الخصوصية والهوية الثقافية


المزيد.....




- بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات المحلية..لاشئ تغير في الجزائ ...
- فلم القاتلة المسيرة: تكنولوجيا الالم في رثاء القارات
- عمرو دياب ومحمد رمضان يعزيان الشعب المصري
- هند صبري: السينما التونسية أجرأ من المصرية
- تذكارات لمشاهير بينهم ديلان في مزاد بنيويورك
- فيزيائيون روس يستخدمون المحاكاة الكمومية لفك وتشفير رموز آلي ...
- عائلة  خفوروستوفسكي تدعو محبيه للتبرع بالمال بدل الزهور
- مهرجان يجمع موسيقيين من 85 دولة بالرباط
- فنانون احترفوا -السرقة-.. فهل تجاوزوا حدودهم؟
- خفوروستوفسكي.. الحب من القبلة الأولى


المزيد.....

- يوم كان الأمر له كان عظيما... / محمد الحنفي
- التكوين المغترب الفاشل ) أنياب الله إلهكم ) / فري دوم ايزابل Freedom Ezabel
- عندما كان المهدي شعلة... / محمد الحنفي
- تسيالزم / طارق سعيد أحمد
- وجبة العيش الأخيرة / ماهر رزوق
- abdelaziz_alhaider_2010_ / عبد العزيز الحيدر
- أنثى... ضوء وزاد / عصام سحمراني
- اسئلة طويلة مقلقة مجموعة شعرية / عبد العزيز الحيدر
- قراءة في ديوان جواد الحطاب: قبرها ام ربيئة وادي السلام / ياسين النصير
- زوجان واثنتا عشرة قصيدة / ماجد الحيدر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عزيز مشواط - حياة شفيق الغبرا غير الآمنة:المروية العربية للعود الأبدي