أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الفتاح المطلبي - زمن ميّت- قصة قصيرة















المزيد.....

زمن ميّت- قصة قصيرة


عبد الفتاح المطلبي
الحوار المتمدن-العدد: 4088 - 2013 / 5 / 10 - 20:13
المحور: الادب والفن
    


زمنٌ ميِّتْ
قصة قصيرة
عبد الفتاح المطلبي
لَمْ يدقْ جرسُ مُنبهِ الساعةِ المنضديةِ التي بدتْ ككائنٍ نائمٍ فوقَ المنضدةِ الصغيرةِ المربعة بجانبِ السريرِ لذلك ظننتُ أنني سأتخَلّفُ عن موعدِ مرورِ سيارةِ الموظفين وحينَ دققتُ الأمرَ وجدتُ أنَّ عقاربَ ساعةِِ المنبهِ قد لفظتْ أنفاسَها الأخيرةَ عند الرابعةِ والنصفِ وعندما أزحتُ جانباً من ستائرِ النافذةِ المطلةِ على الجزءِ الخلفي من حديقةِ المنزلِ لمْ أستطعْ تبيُّنَ حدودِ الأشياءِ التي تقبعُ هناك وكانت الظلمةُ شديدةً فكرتُ أن بطاريةَ الساعةِ المنضدية قد نضبتْ وكان عليّ إبدالها قبل ذلك نظرتُ إلى ساعة ِالحائط ِالمعلقة ِ فوقَ جهازِ التلفازِ تماماً فوجدتُها قد توقفتْ هي الأخرى وكانتْ عقاربُها تشيرُ إلى الثالثةِ والنصف ،رحتُ أبحثُ عن ساعتي اليدويةِ فلم أعثرْ عليها إلا بعدَ جهدٍ وكانتْ متوقفةً على الواحدةِ وخمس دقائق ويالحظّي التعيس حينما نظرتُ إلى ساعةِ الهاتف النقالِ فوجدتُها قد مُحيتْ من شاشته وحلت محلها خطوط لا معنى لها ، ارتبكتْ أموري ولم أستطعْ أن أخمنَ الوقتَ فرحتُ أصرخُ ، كم الوقت الآن؟ ...كم الوقت الآن..؟ صاحَ صوتٌ من الداخل: الساعاتُ معطلةً لا نعرف الوقتْ ، وعلمَ الجميع أن الساعاتِ في البلدةِ معطلةٌ جميعَها إذ سألتُ جاري و جاري سأل جاره وهكذا جرى الحديث عن تعطل الساعات جميعا في أي مكان من البلدة، لم يستطع أحدٌ أن يفهمَ الأمرَ فهرعناجميعا لدكاكين تصليح الساعات التي توقفت أمامها طوابير الناس التي تحمل ساعاتها المتوقفة والتي عجزت بدورها عن تشغيل ولو ساعة واحدة من تلك الأكداس من الساعات مما اضطر أصحابها إلى الإقفال سريعا والإختفاء من أمام الجمهور الحائر كذلك توقفت الساعات الجديدة في محلات البيع وعبثا حاول أصحابها أن يجعلوا ولو ساعة واحدة تُتكتك فاضطروا إلى الإقفال هم أيضاً ، وتبدلتِ الحياة وسادت الفوضى ضاربةً أطنابَها في كل شيء فحتى ساعات الرجالِ الذين بعثتهم الشركات التي تخصصت في أنحاء العالم بتلك الصناعة لتقصّي الأمرَ قد توقفتْ عندما حلّوا ضيوفاً في البلدة، أقرّتِ الآممُ المتحدةُ أن الأمرَ يُعدُّ سابقةً أمميةً خارجَ قدراتها وفهمِها ولم يشهدْ العالمُ مثلَ هذه الظاهرة من قبل و أضافَ التقريرُ المفصّل الذي صدَرَ من مكتب أمينها العامّ أنه بالكادِ كانتْ أنظارُ العالم الحر وغير الحر بأممه المتحدة تتجه نحو هذه البلدة العريقة إذ حدث ذلك، الأمر بدا أول ما بدأ أنه ربما يكون خطأً فنيا ً أو انطباعياً أو سوء تعبيرٍ لفظي خلالَ المكالماتِ الهاتفيةِ لكنّ الجميعَ يعلمُ أنه قد صارَ حقيقةً عليهم الإيمان بها بعد إن تأكدَ الجميعُ أن الأمَر حاصلٌ فعلاً وإن لا ساعةَ تقوى على أن تديرَ عقاربها في محيط البلدةِ و إن قوانين الصدفة لا تنطبق على هذه الحالة و أكدت شركات الساعات في أنحاء العالم من سويسرا إلى الصين أن الأمر يخرج عن اختصاصها ولابد من مباشرة جهات بعينها فحصَ الأمر،ترقبتْ الأممُ تقريرَ أمينها العام بقلق بالغ وراحت التكهناتُ والتساؤلاتُ تنهالُ على المبنى الزجاجي الطويل مما حدا بالسيد الأمين أن يطالبَ الأممَ بمضاعفة جهودها ودعمها لمنظمته وطالبها بالإيفاء بما عليها من مستحقات مالية لمكتبه ليتمكن من حل المعضلة ، في البلدة أو على الأقل التوصل لقرار أممي بشأنها، في تلك الغضون اختفت الساعات من الميادين والشوارع ومعاصم السيدات والسادة ومُحيت عبارات الوقت والتوقيتات من مرائب السفر ومحطة القطارات التي توقفت تماما تلافيا لاصطدامها وتعطل المطار بعد اختفاء جداول ومواعيد إقلاع الطائرات و أزيلت مواعيد العمل من واجهات الدوائر الرسمية و اعتبر الوقت ملغيا في البلدة بما يخص كل تلك الأمور فبدون الساعات لا طاقة لأحد على تعيين زمن أو موعد وعندما فكر فريق من المخلصين باستخدام ساعات رملية كان يستخدمها الغابرون بدا الأمر مثيرا للسخرية والإشمئزازفي هذه البلدةِ العريقة والتي يتبجح سكانها بحضارتهم بينما كان العالم من حولها يسعى حثيثا في مضمار النانو تكنولوجي الذي تعامل مع الفيمتوثانية فأحجم الجميع عن استخدام تلك الزجاجات الرملية ،ولم يعد مهما أن يلج الليل في النهار أو النهار في الليل ولم يعد هناك من وقت محدد لأي شيء ، في البداية كان الأمرُ مربكا لكن لا أحد يستطيع محاسبة أحد على تأخر أو ما شابه إذا لايستطيع أي واحد مهما أوتي من قوة الإقناع أن يثبت أن الوقت كان متقدما أو متأخرا وهكذا تم إلغاء الزمن وراح الناس يفعلون ما عليهم كما يشاؤون وكما يعنّ لهم كأن يستيقظ أحدهم من النوم ويذهب لمكتبه فيجد أن أبواب العمارة التي يقع في أعلاها المكتب مفتوحة ومتاحة كما يشاء ، ولا بأس أن يأتي الناس عندما يرغبون بذلك لقضاء مشاغلهم قدر ما يستطيعون ، مع مرور مزيدٍ من الليالي والنهارات المتداخلة مع بعضها وانصهار تلك الحواجز التي طالما أشارت لها عقارب الساعات تأكد الناسُ تماما أن كل أمر يتعلق بالوقت لا جريرة لأحد بإخفاقه أو فشله وعلى الجميع تقبل ذلك بروح رياضية في هذه البلدة مما أنتج جملة من الأمور الوقائعية المهمة مثلا لا يستطيع البرلمان محاسبة الحكومة المحلية في هذه البلدة بعد الآن على عدم اكتمال مشاريع البنى التحتية التي تهم المواطنين إذ ليس لأحد القدرة على إثبات التقدم أو التأخر بعد ما اختلط الليل بالنهار وضاعت معالم الأيام الزمنية فترُكت االأمور سائبةً وتم إلغاء كل المواعيد عمليا وقد فسدت مظاهر الإحتجاج على أي شيء إذ عجز المحتجون عن أن يحددوا زمنا أو ماشابه للسلطات أو ذوي الشأن فضاعت معالم تلك الأحتجاجات وبدا ممارسوها مزاولة ذلك بلا زمن فبدت وكأنها نوع من الهوايات أو الرياضات أو كرنفالات الأعياد ، ينظم إليها من يشاء فيما يشاء وأنى شاء ولما وجدت الأمم المتحدة أن الأمر بدأ بالإستقرار على هذا النحو وإن البلدة قد انصاعت تماماً لظروفها وأيقنت أن الزمن شيءٌ ميت في هذه البلدة، ظهر سيد البناء الزجاجي الطويل على التلفاز مبتسما كعادته قائلا أن المنظمة أبدت رغبتها بإعلان المدينة حرةً من الزمن لا سلطان عليها من قبل أي جهة زمنية بما فيها الحكومة و أعلنتها محميةً أممية ذات فرادة و إن العالم الحر يشعر بمسؤوليته عن هذه الفرادة ولا ضير أن تستقطب الفوضويين ولاعني الزمن وقتلته فمن أراد أن يقتل وقته فدونه هذه البلدة التي خرجت وبجداره أقرتها الأمم المتحدة من دائرة الزمن ، وبذلك لم أعد قلقا من عدم اللحوق بباص الموظفين الذي تخلى عن مواعيده فبإمكاني التوجه إلى عملي خارج التحديد الزمني ولا حجة لأحد علي في تأخر أو بكور ولو ذهبت مشيا على الأقدام لأصل حيث مكان العمل والعودة كما أرغب و أنّى أرغب. و هكذا كما ترون تسير الأمور على عواهنها وكما يستوجب ذلك في بلدة مات فيها الزمن وتوقفت فيها جميع آلات قياسه وحسابه ولم يعد يشكل شيئا في الواقع ، القمامةُ تتفاقم في مداخل الشوارع ومخارجها وتتعفن وحين تشيع عفونتها لدرجة لا تطاق يأتي طاقم البلدية بعضهم بلباس النوم وبعضهم ببدلات العمل التي كانت نظيفة جدا فيحملون ماتراكم من قمامة تاركين فوضى بقاياها حتى تتراكم من جديد وتتعفن لتزكم الإنوف مرةً أخرى فلا مواعيد لكل ذلك وهكذا سارت الأمور في البلدة العريقة من زكمة أنوفٍ لأخرى رغم أن هناك محاولات خجولة لاكتشاف أسباب تعطل كل أنواع الساعات في البلدة .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,798,427,004
- الطين
- ثلاجة الموتى- قصة قصيرة
- ليلة القبض على المدينة- قصة قصيرة
- قلبي على وطني -نص مدور
- شطرنج - قصة قصيرة
- حلول
- مقهى بوحي
- سُبل مقفلة
- جُنَّ خيطُ الريح
- أعداء المثقف أعداء الثقافة
- الأقزام- قصة قصيرة
- أنابيب فارغة-قصة قصيرة
- حكاية- قصة قصيرة
- قابيل- تهويمات
- ثمن الحرية البخس
- أمانٍ عاريات
- وادي السلام
- شجرةٌ في البرية
- حدث ذات يوم-قصة قصيرة
- قطط و أحلام


المزيد.....




- الأسلوب الأليغوري في رواية-نينا بتروفنا- للروائي العراقي حسب ...
- فنانو مصر يشعلون الـتويتر تضامنا مع الفرعون صلاح
- المسرح الشعبي من الأزمة للخشبة العالمية
- عشرة آلاف سنة منسية من تاريخ البشر
- بنشماش يقود جرّار الأصالة والمعاصرة خلفاً للعماري
- رواية «مأساة الملك علوي» للروائي والقاص المصري حجاج أدول
- اتهام فرنسيين بقرصنة أغنية على يوتيوب
- نقاد: الكوميديا الأردنية تهريج وسطحية
- غوغل للقرّاء: لا تنسوا رضوى عاشور
- فيلم روائى قصير ومؤثر.. عن موقف من حياة غاندي


المزيد.....

- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر
- المجموعة القصصية(في اسطبلات الحمير / حيدر حسين سويري
- دراسات نقدية في التصميم الداخلي / فاتن عباس الآسدي
- لا تأت ِ يا ربيع - كاملة / منير الكلداني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الفتاح المطلبي - زمن ميّت- قصة قصيرة