أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إدريس ولد القابلة - الفاسدون وما أدراك بالفاسدين















المزيد.....

الفاسدون وما أدراك بالفاسدين


إدريس ولد القابلة

الحوار المتمدن-العدد: 4086 - 2013 / 5 / 8 - 03:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


وصف أحد العالمين بخبايا الأمور الفاسدين بـ "مارا بونتا"، و"مارابونتا" هو نوع من النمل العملاق القاتل ، إنه نوع ضاري ومتوحش ، يعيش في غابات دول أمريكا اللاتينية ، و إذا ما انقض على فريسته ينقض بصورة جماعية دفعة واحدة أي ينقض - كالهكسوس أو "الفيكينك"- على الفريسة فيأكل لحمها وينهشه نهشا، وفي ظرف دقائق معدودة لا يبقى من آثاره إلا الهيكل العظمي.
والآن وبعد عقود من سيادة الفساد في مغربنا السعيد، فهل الفاسدون أصبح تعدادهم بتعداد النمل، وأنهم أصبحوا عتاةً متوحشون مثل "مارابونتا" بالرغم ما يقال عن مكافحة الفساد والتصدي إليه؟
وهل بفعل هؤلاء "المارابونتا" أضحى أغلب الشعب مجرد هياكل عظمية ليس إلا؟
قد يبدو هذا النقد قمة التراجيديا المتمثلة في شكل كوميديا موغلة في السوداوية في عيون الكثيرين، لكننا نعاين في حياتنا السياسية منذ مدة، ما يمكن أن نطلق عليه مرحلة "اللامعقول السياسي" ، واللامعقول هذت أصبح يتأكد لنا كل يوم على جميع الأصعدة والمستويات.
إن وضع العديد من المغاربة أضحى يوصف بنعوت تنزف دماً و بسخرية سوداء هي قمة التراجيديا بفعل مفعول الأزمة.
في إحدى دعواته، قال متضرر : " ربنا أقصف عُمُر كل "مارابونتا" رغم كثرتهم مما يصعب علينا حصرهم .. اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر فهم لا يعجزونك.. آمين"
بفعل تمرس "مارابونتا" ونشاطهم على امتداد عقود دون مساءلة ومحاسبة وعقاب كرسوا ورسخوا ثقافة خاصة بهم، إنها ثقافة الفساد.
بات عندنا لا يخلو تجمع وإن كان صغيرا من الحديث عن الفساد.. ويتبارى الكل في سرد الحكايات التي يشيب لها الرأس هولاً.. ولا يختلف اثنان عن استشراء الفساد في الإدارة والمرافق العمومية وحتى في جملة من الشركات منظمات المجتمع التي من المفروض أن تكون طوعية.. إن تُهم الفساد تملأ الأفق في مختلف القطاعات وكلها حضرت الإرادة للبحث والتقصي انكشف هول الفساد..
وبفعل ثقافة الفساد مازالت بداية الإصلاح الفعلي صعبة، وصعبة جداً.. ما العمل؟.. سؤال كبير أضحى يستوجب تحضير مشارط حادة لإجراء عمليات استئصال عميقة.. علما أن عموم الناس لن يتقوا إلا إذا شعروا بالمصلحة ما دام تعرضوا للحوازيق منذ الاستقلال... إن عامة الناس لن يصدقوا أن مصلحتهم ستتحقق وما زالت على الساحة أسماء ووجوه ارتبطت في أذهانهم بفساد مستطير...
والأسوأ – بل الأدهى والأمر - أن تجارب الفساد في دواليب السلطة نشرت العدوى شعبياً... فقطاعات واسعة استشرى فيها الفساد، إنها تحتاج إلى ثورة اجتماعية تؤدي إلى الإصلاح الاجمتماعي والاقتصادي.
لقد انتشرت ثقافة الفساد في المجتمع وأصبح القابض على شرفه وكرامته فيه كالقابض على الجمر والواقف على أرضية من المسامير. وبتنا نعاني من اختلاط في القيم وقتامة في الرؤية – بفعل غياب رؤية واضحة المعالم ومحددة المقاصد معلنة من طرف القائمين على أمورنا - فركب المضطرون الصعب وأباحت الضرورات المحظورات ثم تحولت المحظورات إلى عادات وسلوكيات معتادة ومقبولة اجتماعيا ولم تعد جرائم.. الرشوة والغش والتواطؤ على الفساد فساداً.
مشكلتنا الحقيقية هي أن يعتنق أفراد المجتمع أو جزء كبير منه ثقافة الفساد.. وان يصبح التعايش مع الفساد أمراً واقعا ومسلما به.. وهنا تحضرني عبارة يقولها المصريون " الكاش يقلل النقاش"...
بفعل استشراء الفساد وثقافة الفساد أضحى المغرب – ليس واحدا – وإنما مغربين اثنين : مغرب ـ جزيرة ومغرب ـ محيط.
فعلا أصبحنا نعاين إن هناك أكثر من مغرب وليس مغرب واحد كما قد يتوهم البعض أو يحاولون توهيم المواطن.
نحن على الأقل أمام مغربين اثنين، "مغرب جزيرة" و"مغرب محيط". وكدليل على هذا يمكن أخذ كمثال الرواتب والأجور في القطاع العمومي. هناك أجور ورواتب المغرب ـ الجزيرة وبالمقابل أجور ورواتب المغرب ـ المحيط. في الأول هناك موظفون يتقاضون ما بين 200 ألف إلى أكثر من 999 ألف شهرياً وفي الثاني يعاني الموظف بفعل عدم كفاية راتبه حتى لتوفير الضروريات.
فإذا أخذنا بعين الاعتبار بكل نزاهة وموضوعية الوضعية التي تعيشها البلاد ونسبة نمو اقتصادها ووثيرة إنتاج الثروات المضافة وطبيعة الأزمات البنيوية التي تتخبط فيها على امتداد سنوات خلت ولازالت مؤهلة للبقاء فيها – وأنها تعيش على الديون - فإنه من غير المقبول قطعاً القبول بهذا الوضع مهما كانت التبريرات ومهما اجتهد المجتهدون لتبريرها لغرض في نفس يعقوب يعرفه الجميع.
ومهما يكن العمل الذي قد يقوم به أي موظف مهما كان وفي أي قطاع ومجال فإن ضخامة الرواتب الموجودة في "المغرب ـ الجزيرة" لا تتناسب مع مردوديتهم، خصوصاً وأن تلك الرواتب التي يستفيد منها أهل "المغرب الجزيرة" لا تسقط من السماء وإنما هي تقتطع اقتطاعا من المالية العامة، أي مال الشعب والذي في أغلبيته الساحقة يشكلون "المغرب ـ المحيط"، مغرب الأجور المتدنية التي لا تكاد تكفي حتى لسد الحاجيات الضرورية ومغرب البطالة وعطالة الشباب والتهميش.
قد يتفهم المرء هذا الواقع إن كان مطبقاً في القطاع الخاص، لكن في القطاع العمومي وفي مال الشعب هذا ما لا يمكن أن يقبله عقل سليم. ولعل هذا من أهم الإشكالات المرتبطة بصدقية ومصداقية الرغبة في التغيير الحقيقي. فما لم يتم طرح هذه الإشكالية وبكل وضوح، فإن كل الكلام والخطاب حول التغيير والمسلسل الديمقراطي يظل مجرد كلام في كلام لأن مقياس صدقية ومصداقية هذا الكلام تنطلق من هذا الإشكال وليس بتجاوزه وتغييبه وعدم الاهتمام به رغم كثرة الكلام بصدده ورغم وضوحه للعيان.

فلا إصلاح حقيقي إلا بإعادة "القسمة" كما يقال لأن "القسمة" التي سادت من الاستقلال إلى يومنا قسمة ضيزى... وذلك لأنها قسمة ارتكزت أصلا على تكريس النهب وتهريب الأموال والرساميل واحتكار المواقع و مصادر الثروات والاستفادة من الإعفاءات...

وعندما تكسر جدار الخوف تصاعدت درجة الغضب والتذمر في انتظار غد أفضل.
والتذمر والغضب السائدين كشفا من جديد أن أسلوب التماطل والوعود الفضفاضة واعتماد المكر السياسي وسياسة المكر كنهج للتدبير، والذي لن يقود البلاد إلا إلى المزيد من الاحتقان.
ويبدو أن الناس في همّ والقائمون على الأمور في همّ آخر، فمغاربة اليوم يرنون إلى المستقبل ويخافون على الحاضر، بل العديد منهم يخافون منه، في حين يهتم القائمون على أمورنا بتبريد الأجواء المتلهبة.
إن موجات الغضب والسخط التي اخترقت فئات عريضة من الشعب المغربي تشير من جديد إلى سقوط العديد من الطابوهات والخطوط، كما أنها سمحت بانبثاق وعي مواطن جديد ساهم في حشد المجتمع المدني على مرأى الأحزاب السياسية ونقاباتها، والتي ظلت غائبة عن هذه الصيرورة، علما أنه مازالت هناك جيوب تعمل على محاولة اغتيال استرجاع أمل الخروج من عنق الزجاجة، وهي ذات الجهات التي ساهمت بقوة في جعل المغرب يتراجع أكثر مما يتقدم.
فطريق الخلاص، في عرف الجميع الآن، هو المشروع الديمقراطي الضامن لتجميع شروط تحقيق تقدم مادي ومعنوي، لأنه هو الكفيل الآن دون سواه، أكثر من أي وقت مضى، بتمكين السواد الأعظم من المغاربة من الكرامة، وذلك لأنه يستجيب لطموحاتهم الأساسية في العدالة الاجتماعية والمساواة والأمن واسترجاع الأمل في المستقبل.
إن مختلف التحركات الاجتماعية وسط أوسع الفئات أو النضالات القطاعية المعلنة الآن أو التي في طور الإعداد تشير إلى حقيقة واحدة، لا ثاني لها، وهي لا طريق أمام المغرب للخروج من الوضع الذي يوجد فيه الآن إلا بالإقرار بديمقراطية حرة ونزيهة وشفافة. إنه الطريق الوحيد المجدي لمحاربة التيئيس والتصدي للتشكيك في بناء الصرح الديمقراطي.
إن المغرب اليوم في حاجة لمتخصصين في تدبير الأزمات مادام أنه وصل إلى مفترق الطرق، ومما يساهم في المزيد من تعقيد الأمور الصراع على السلطة تحت يافطة الدفاع عن مصالح الشعب واعتماد الحلول الترقيعية التي فشلت إلى حد الآن في تلبية المطالب الشعبية الأساسية.
ولم يعد يخفى على أحد الآن أن الأزمة المركبة تفاقمت بفعل اختيارات اقتصادية واجتماعية، وما يترتب على ذلك من تفاقم البطالة وتنامي تسريحات العمال والمستخدمين، وضعف التشغيل وتصفية الخدمات العمومية، من صحة وتعليم وسكن...





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,560,955,295
- الإصلاح الضريبي لازال الامتحان مؤجلا
- على خلفية مرض الرئيس الجزائري ماذا بعد عبد العزيز بوتفليقة؟
- للذكرى ليس إلا الشاعر محمد الطوبي
- الجرائم بصيغة المؤنث
- الحكومة مازالت تفضل -ديمقراطية الزلاط والهراوة الأمنية-
- هل المغرب مهدد بالسكتة القلبية من جديد؟ وهل سيادته المالية ف ...
- كفى من سياسة الضحك على الذقون لقد انكشفت الأمور وسقطت كل الأ ...
- هل سيحكم الجزائر مغربي لمدة شهر ونصف؟
- مغاربة يخدمون إسرائيل
- متى سنعتمد ثقافة التقييم بالمغرب؟
- التنظيمات السرية بالمغرب
- الصناديق السوداء بالمغرب المرئية وغير المرئية
- متى سيتم التخلي عن الريع -الأسود الظالم-؟
- هكذا يتم تنفيذ عقوبة الإعدام في المغرب شهود عيان راقبوا وقو ...
- ذكرى انتفاضة 23 مارس 1965؟
- تهريب الأموال إلى الخارج طعنة من الخلف لمشروع التغيير والمسا ...
- لازال الشذوذ الجنسي متفشي بالسجون المغربية
- التحرش الجنسي بالمغرب واقع حال مسكوت عنه
- اللهم قد بلغت المغرب: مازال الوضع يدعو إلى القلق
- المغرب :وضعية سوق الشغل خلال سنة 2012


المزيد.....




- -هيئة الانتخابات- في تونس تعلن فوز قيس سعيد بالرئاسة رسميًا ...
- بريكسيت: ما هي أبرز مضامين الاتفاق الجديد بين بريطانيا والات ...
- رياضي محترف يتحدث عن سر تحقيق اللياقة البدنية
- -قسد- تطالب بممر إنساني في رأس العين
- الأسد يتعهد بمواجهة الهجوم التركي "بكل الوسائل المشروعة ...
- قائد قوات سوريا الديمقراطية: "روسيا هي الضامن الوحيد لل ...
- الأسد يتعهد بمواجهة الهجوم التركي "بكل الوسائل المشروعة ...
- وصول سفينة تحمل مشتقات نفطية إلى ميناء الحديدة وثلاث أخرى في ...
- 56 مزرعة محلية تشارك في معرض التمور المحلية الثاني بالدوحة
- احتفالا بالرئيس الجديد.. التونسيون يتطوعون لتنظيف شوارعهم


المزيد.....

- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثامنة: القطاع ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إدريس ولد القابلة - الفاسدون وما أدراك بالفاسدين