أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف 1 أيار - ماي يوم العمال العالمي 2019 - سبل تقوية وتعزيز دور الحركة النقابية والعمالية في العالم العربي - عبد العزيز وطبان - الحركة النقابية العمالية في العراق ماضيها وحاضرها















المزيد.....



الحركة النقابية العمالية في العراق ماضيها وحاضرها


عبد العزيز وطبان

الحوار المتمدن-العدد: 6201 - 2019 / 4 / 14 - 23:26
المحور: ملف 1 أيار - ماي يوم العمال العالمي 2019 - سبل تقوية وتعزيز دور الحركة النقابية والعمالية في العالم العربي
    


الحركة النقابية العمالية في العراق ماضيها وحاضرها(1941 ـ 2000) - الدكتور عبد العزيز وطبان


المحتويات :
المقدمة :
الفصل الأول: نشوء الطبقة العاملة في العراق وتطورها حتى عام 1941
المبحث الأول: نشوء العلاقات الرأسمالية وتغلغل الرأسمال الأجنبي في العراق
الفصل الثاني: تطور الطبقة العاملة في العراق وتنامي نشاطها النقابي ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية 1914 ـ 1945
المبحث الأول: تطور النشاط الإقتصادي الوطني والأجنبي ونشوء البرجوازية الوطنية.
المبحث الثاني: تطور الطبقة العاملة وحركتها العفوية
المبحث الثالث: نشوء التنظيم النقابي.
المبحث الرابع: دور الأحزاب والفئات الاجتماعية في الحركة النقابية وصلتها بالحركة النقابية العالمية
المبحث الخامس: التشريعات العمالية وتطبيقها.
الفصل الثالث: تطور الحركة النقابية بعد الحرب العالمية الثانية حتى ثورة تموز 1958.
المبحث الأول: التطور الإقتصادي في العراق للفترة من 1945 ـ 1958 .
المبحث الثاني: تطور الطبقة العاملة خلال الفترة 1945 ـ 1958 .
المبحث الثالث: تطور الحركة النقابية السرية والعلنية خلال الفترة 1945 ـ 1958.
المبحث الرابع : تطور الحركة الاضرابية للفترة 1945 ـ 1985
الفصل الرابع : تطور الحركة النقابية خلال الفترة 1958 ـ 1963 .
المبحث الأول: التطور الإقتصادي خلال الفترة 1958 ـ 1963 وتأثيره على وضع الطبقة العاملة في العراق .
المبحث الثاني: التنظيم النقابي ومهامه الأساسية في هذه المرحلة وعلاقته بالقوى السياسية المختلفة وبينه وبين السلطة والحركة النقابية العالمية.
الفصل الخامس : تطور الحركة النقابية في العراق للفترة شباط 1963 حتى تموز 1968 .
المبحث الأول: الوضع الإقتصادي في العراق وتطور الطبقة العاملة للفترة 1963 ـ 1968 .
المبحث الثاني : الحركة النقابية العمالية في ظل سلطة حزب البعث العربي الإشتراكي والحكم العارفي.
البمحث الثالث: دور الحزب الشيوعي العراقي في الحركة النقابية العمالية خلال الفترة شباط (فبراير) 1963 حتى تموز ( يوليو) 1968.
الفصل السادس: تطور الحركة النقابية العمالية بعد تموز (يوليو) وحتى عام2000 .
المبحث الأول: التطور الإقتصادي في العراق ونمو الطبقة العاملة بعد عام 1968 في ظل سلطة حزب البعث العربي الإشتراكي.
المبحث الثاني : اخضاع الحركة النقابية العمالية لسلطة حزب البعث العربي الإشتراكي وبروز حركة العمال النقابية الديمقراطية في العراق .

المقدمة:

إن فكرة بحث تطور الحركة النقابية خلال السبعين عاماً الماضية ليست وليدة الساعة، بل جرت محاولات عديدة جادة من قبل عدد من الرفاق والأصدقاء العاملين في المجال العمالي وخاصة في عام 1975 ونضجت الفكرة أكثر في عام 1976 بمناسبة مرور 40 عاماً على تشريع أول قانون عمل عام 1936 وجمعت في حينها مصادر هامة وتمت عدة لقاءات واجتماعات توفرت نتيجتها امكانيات قيمة لإنجاز المهمة، إلا أن تدهور الأوضاع السياسية في العراق بعد توجه حزب البعث العربي الإشتراكي في العراق وصدام حسين بالذات نحو سياسة التبعيث ومعاداة القوى الأخرى لأغراض بيتها كيما يتفرد بتنفيذها دونما معارضة ، أن هذه الأوضاع حالت دون تنفيذ الفكرة ، وفعلاً استمرت سلطة صدام في محاربة الطبقة العاملة واخضع نقاباتها لسلطته بشتى الاسباب إلى درجة حرم العاملين في القطاع العام من العمال من تكوين نقاباتهم بحجة انهم تحولوا إلى موظفين اثر القوانين التي أصدرها بهذا الشأن أما المتبقي من النقابات وهي نقابات العمال العاملين في القطاع الخاص فقد اصبحت ادواة ليس لها من مهام سوى تنفيذ ما يطرح عليها من توجيهات في الوقت الذي حرمت كافة القوى الأخرى ليس فقط من حقها النقابي بل تجاوز ذلك حتى من دخول المقرات النقابية اسوة ببقية العمال، كما رافق ذلك وخاصة في بداية الثمانينات حملات ارهابية لم يشهد لها مثيل سبقتها حملة اعدامات من الشيوعيين والبعثيين المعارضين لسلطة صدام على حد سواء وتبعها شن الحرب على الجارة ايران تلاها بعدوان على الكويت بحجة انها تشكل المحافظة الـ 19 من العراق.

إن تلك الأوضاع حالت بلا شك دون التوصل إلى النتيجة التي أرادها أصحاب هذه الفكرة. فكرة كتابة تاريخ الحركة النقابية بشكل أدق وعلى اساس علمي بعمق ويا ليت الأمر توقف عند هذا الحد بل وصلت حملة صدام حسين الى حد ان عشرات الآلاف من ابناء الوطن من عمال وفلاحين وطلاب ومثقفين هاجروا العراق بسبب البطش والارهاب الدموي .

لا ننكر أن بعض المؤلفات صدرت، إلا أن ما كتب قليلا جداً عن الفترة التي نحن بصددها، وإن الكراريس والدراسات التي صدرت بمناسبات مختلفة تناولت جميعها هذا الموضوع من ناحية الحركة الاضرابية ابتدءاً من الأربعينات وحتى نهاية الخمسينات من القرن الماضي ولم تستمر غالبيتها الى ابعد من ذلك، وظهرت جميع هذه الكتابات بشكل كما لو انها استعراض للحركة الاضرابية وليس بمثابة تاريخ الحركة النقابية بالرغم من التسميات المعنونة بها ، وبالاضافة الى ذلك ان معظمها راعت بدرجة اساسية الاوضاع السياسية والعلاقات الوطنية والموقف من السلطة في تلك الفترات التي صدرت فيها هذه الكتابات والى غير ذلك من الأسباب .

كما ان كراس ربع قرن من تاريخ الحركة النقابية لمؤلفه المناضل العمالي الشهيد طالب عبد الجبار والذي تدارس الموضوع عند تأليفه مع عدد من الرفاق العمال في سجن الكوت في العهد الملكي، علماً بأن مهمة الرفيق طالب عبد الجبار لم تستكمل في سجن الكوت والتي شارك فيها قيادين نقابة عمال الميناء والنفط المسجونين انذاك في هذا السجن، ولهذا استمر العمل في سجن بعقوبة بعد مجزتي سجن بغداد وسجن الكوت ونقل السجناء الى سجن بعقوبة وان حصيلة هذا العمل كانت كراس اصدره طالب عبدالجبار وهو اشبه بتاريخ الحركة الاضرابية العمالية في العراق، وكان هذا ليس نقصاً بل ان الفكرة من اساسها كانت تهدف الى جمع المعلومات الدقيقة عن الحركة الاضرابية بالدرجة الاساسية من القادة النقابيين الذين واكبوها مستغلين فرصة وجودهم في السجن خشية ضياع المعلومات، الا ان ما نشر من كراريس بعد ذلك كان مجرد تكرار للحوادث وحتى يمكن القول انها نسخة طبق الأصل ان صح التعبير لمؤلف المناضل طالب عبد الجبار، كما انها تفتقد الى التحليلات والنقد العلمي للاحداث التي تميز بها مؤلف ربع قرن من تاريخ الحركة النقابية في العراق وبالاضافة الى ذلك ان جميع الدراسات تقريباً توقفت هي الأخرى عند ثورة 14 تموز 1958 أو تخطتها قليلاً عدا مؤلف أو اثنين كتبت بروح متحيزة لا تعكس الواقع العمالي والنقابي وبعيدة عن الموضوعية والعلمية وعكست الفترة الأخيرة(بعد 17 تموز1968) هذه الفترة التبعيثية في الحركة النقابية وما رافقها من أحداث سوداء أساءت للحركة النقابية لهذه الأسباب جاء مؤلفنا هذا لمعالجة موضوع الحركة النقابية على اساس سد الثغرات فيما كتب عن الحركة النقابية في العراق والدقة في البحث جهد الامكان والاستفادة من تجارب الرفاق وذلك باستطلاع آرائهم والأخذ بملاحظاتهم البناءة رائدنا خدمة شعبنا وحزبنا والطبقة العاملة في عراقنا الحبيب.

مع اعتذارنا للرفاق والاصدقاء الذين حالت الظروف دون الاستئناس بآرائهم وخاصة بعض القادة النقابيين الذين كرسوا حياتهم لخدمة الحركة النقابية.

لقد قسمنا المؤلف الى مقدمة وتمهيد وستة فصول وخاصة تناول الفصل الاول نشوء الطبقة العاملة وتطورها حتى عام 1941 . وتناول الفصل الثاني نشاطها النقابي ما بين الحربين العالميتين الاولى والثانية، أما الفصل الثالث فقد تطرق الى تطور الحركة النقابية بعد الحرب العالمية الثانية حتى ثورة 14تموز 1958 ، وتناول الفصل الرابع تطور الحركة النقابية العمالية خلال الفترة 1958 ـ 1963 وهي فترة حكم عبدالكريم قاسم للعراق وشمل الفصل الخامس الحركة النقابية من شباط 1963 حتى تموز 1968، اما الفصل الأخير فتطرق الى تطور الحركة النقابية بعد تموز 1968 وحتى اواسط السبعينات وبالاحرى شملت واكدت على الفترة التي ورط فيها نظام صدام حسين الدكتاتوري العراق بحربين اجراميتين حرب الخليج الاولى ضد الجارة ايران وحرب الخليج الثانية في اكتساحه البربري للدولة الشقيقة الجارة الكويت وما بعدها حيث شلت الحركة النقابية او تحويلها الى جهاز قمعي بوليسي مهمتها كم افواه العمال وزجهم كحطب في حروب النظام الاجرامية التي ليس للعمال فيها أية مصلحة وعندما نشير هنا الى النقابات العمالية من هذه الفترة فإننا نشير الى النقابات التي تشمل فقط القطاع الخاص حيث حرم نظام صدام حسين عمال القطاع العام من حقهم باصداره قوانين تعتبر عمال القطاع العام موظفين في الدولة وليس عمالا ، واختم مؤلفنا بالخاتمة ونأمل ان يلاقي مؤلفنا هذا الرضى من قبل المتتبعين للحركة النقابية ويهمهم ان يكون هذا المؤلف قد غطى الحركة النقابية في العراق بهذا القدر او ذاك، ولا بد من كلمة ختامية وهي انه لابد ونستمع صوت النقابات العمالية في العراق يدوي عالياً..

في الختام اود أن أقدم شكري وامتناني لكل من ساعد على اظهار مؤلفي هذا الى النور ..

المؤلف في مايس 2001

الدكتور عبد العزيز وطبان

تمهيد:

برزت الحركة النقابية العمالية لأول مرة منذ منتصف القرن التاسع عشر في وقت تصاعد الرأسمالية وتعاظم دور رأس المال في استغلال العمل المأجور، فقد عرف العمال وادركوا اهمية تكوين منظماتهم النقابية وفرض وجودهم كقوة اساسية محركة في المجتمع لدفع عجلته الى أمام وقد كانت النقابات الاولى الفتية قائمة على اساس التشكيل الحرفي ومقتصرة على تنظيم مراتب وأقسام محدودة من العمال ذات التأهيل العالي ، وبعبارة أخرى ادق استبعدت من التنظيم النقابي والأقسام الدنيا الواسعة من العمال غير المؤهلين ، وهذا ما حدث في انكلترة وفرنسا وغيرها ، ومع ذلك فقد شقت الطبقة العاملة طريقها الصعب الطويل حتى وصلت الى ما هي عليه اليوم.

لقد حددت المهام النقابية وبالاحرى حدد مفهوم العمل النقابي بصيغ متعددة، ومن وجهات نظر مختلفة، تعكس المنطلقات الطبقية في تحديد الموقف منها، فمن الناحية القانونية حددت النقابة باعتبارها (منظمة ذات شخصية معنوية تتألف من مجموعة العمال المنتمين الى صناعات او مهن مستقلة او متشابهة او متصلة من حيث الانتاج يتفقون فيما بينهم على بذل نشاطهم وتخصيص جزء من مواردهم على وجه دائم التمثيل لمهنتهم والدفاع عنها وحماية مصالحهم وحقوقهم وتحسين ظروف وشروط عملهم) 1 ويلاحظ ان هذا التعريف يعزل النقابات ويبعدها عن واجباتها السياسية ويعتبرها منظمات ينحصر نضالها في الميدان الاقتصادي لا غير. اما الفكر النقابي الاصلاحي والفوضوي والذي عبر عنه العديد من النقابيين نذكر منهم الفرنسي جورج سوريل ، فقد اعتبر وحدة التنظيم الاجتماعي هي النقابة، ومن خلالها حسب تعبيره " يتمكن العامل دخول المعارك مع اصحاب العمل ، وهي التي توحد بين صفوف العمال في صراعهم الطبقي وداخلها ينمو وعيهم الطبقي واندفاعهم العاطفي وتكوينهم الحلقي فيكونون قادرين على احداث الانقلاب العظيم، وان النمو التاريخي هو القوة الدافعة لاحداث الانقلابات التاريخية الكبيرة " 2 وهو بهذا ينكر طبعاً قيمة العمل السياسي ويعتبره عملا لا ضرورة له للقضاء على جهاز الدولة وكوسيلة لتحرير الطبقة العاملة .

لقد اوضح لينين كون النقابة " مدرسة من جهة وجهاز من جهة اخرى ومنظمة للشغيلة من جهة ثالثة ومنظمة للعمال الصناعيين وحدهم تقريباً من جهة رابعة ومنظمة حسب فروع الانتاج من جهة خامسة" 3 واكد من جانب آخر على : ان النقابات لن تكون فعلية الا متى ما ضحت فئات واسعة جداً من العمال اللاحزبين ومن هنا ينجم لا محالة ولا سيما في بلد يهيمن فيه الفلاحون هيمنة ساحقة وينجم استقرار نسبي في النقابات بالذات للتأثيرات السياسية التي هي بناء فوقي قائم على بقايا الرأسمالية وعلى الانتاج الصغير " 4 والمقصود بهذه التأثيرات، تأثيرات البرجوازية الصغيرة ، أي من جهة تأثيرات الاشتراكيين الثوريين والمناشفة وهؤلاء كما يقول لينين فرع روسي من احزاب الاممية الثانية والاممية الثانية والنصف " 5 باعتبار ان النقابات وسيلة العمال لتحقيق الثورة البروليتاريا وخلق مجتمع الطبقة الواحدة والتملك الاجتماعي لوسائل الانتاج " 6 .

فالنقابة هي ذلك التنظيم الذي يمثل صلة دائمية او مؤقتة بهدف تحقيق مصالح اعضائه القريبة والبعيدة عن طريق وضع واقرار اسس محددة وعامة للعلاقة بين العمال والجهات الاخرى ذات الصلة، سواء اكانت عمالية او اصحاب عمل او ادارات وهي بلا شك منظمات لحماية العاملين والاحتجاج على المظالم التي تنالهم وهي منظمات تعمل على تأمين وحماية حقوق ومصالح الطبقة العاملة ومكافحة كافة اشكال الاستقلال التي تواجهها في المجتمعات الطبقية ، وهي بذلك عندما وصفها لينين بكونها مدرسة فهي مدرسة تعمل على تعميق الوعي والشعور بكون الطبقة العاملة في المجتمع الاشتراكي تواجه مهمات ومجال عملها يختلف تمام الاختلاف عما كانت عليه في النظام الراسمالي، فهي امام مهمة التشديد على وحدتها والتمسك بأهدافها واشعارها بمهمة ربط كفاحها الوطني والاممي، فالنقابات يجب أن تكون على صلة وثيقة مع جمهور غالبية العمال، حيث أن الصلة بالعمال مع الأغلبية الساحقة منهم ( ثم مع جميع الشغيلة) هي الشرط الاهم ضمن قاعدة تنظيم النقابات وجهازها الى قمته ) 7 وهذا ما اكدت عليه مسودة الموضوعات " حول دور ومهمات النقابات في الظروف السياسية والاقتصادية الجديدة ومفهوم الصلة مع الجماهير في عام 1921، والتي ركز فيها على العيش مع الجماهير، معرفة كل شيئ ، فهم الجماهير والقدرة على التقرب منها، كسب ثقتها المطلقة، عدم انفصال القادة عن الجماهير والطليعة عن مجمل جيش العمل، وعدم التزلف الى الجماهير، ولن تكون النقابات فعلية الا متى ضمت فئات واسعة جداً من اللاحزبيين، وعندما نسرد ذلك وان كان يحس فترة انتصار الطبقة العاملة على السلطة ، الا انه يحس اليوم غالبية النقابات في البلدان النامية حيث لا يزال اقتصادها مرتبط بالاقتصاد الرأسمالي . فالحركة النقابية تنمو وتتطور بالارتباط مع تطور ونمو التنظيم النقابي باعتباره العمود الفقري للحركة النقابية ، ثم ان الحركة النقابية، والحركة الثورية عموماً تسعيان الى التغيير الجذري للمجتمع، وهنا لا نقصد النقابات الخاصة لتأثيرات احزاب الاممية الثانية الاشتراكية الديمقراطية والتي لا زالت تعقد اجتماعاتها بين الحين والحين باسم الاحزاب الاشتراكية وما شاكلها .

كما وان الصراع الذي تخوضه النقابات اليوم وخاصة في البلدان النامية إلى جانب القوى الثورية يكون المدرسة التي تنمي الوعي الطبقي وتخلق الأجواء والأمكانيات لدى العمال في الإقدام من أجل مصالحهم الطبقية وخوض الاضرابات والمظاهرات ومعارك الشوارع ، بالاضافة إلى استخدام كافة وسائل الدعاية الضرورية ، وهي لهذا مدعوة لأن تجيد وتحسن استخدام كافة الوسائل النضالية في مواجهة العدو ـ الرأسمالية الجيدة التنظيم والمدعومة بجهاز دولة قوي وذي خبرة واسعة، وهي تدرك بأن من واجباتها عدم الوقوف مكتوفة الأيدي حيال مؤامرات وأحابيل البرجوازية، بل وحتى البرجوازية الصغيرة الحاكمة وبطشها ودكتاتوريتها، منتظرة تلقائية الحركة الجماهيرية بل وتسعى الى تعبئة كافة القوى الحليفة وتنظيمها وتوعيتها. وهذا لا يتم الا عبر حزب الطبقة العاملة السياسي المعبر عنها ، عن آمالها واهدافها وأفكارها وايديولوجيتها، وهو السبيل الوحيد لقيادتها نحو المجتمع الذي يزول فيه استغلال الانسان للانسان وعند ذاك تبرز امام الحركة النقابية مهام جديدة تنسجم وظرفها الجديد، كما يقول لينين" اقرب معاون لسلطة الدولة ، معاونا لا غنى عنه لسلطة الدولة التي تقودها في كل نشاطها السياسي والاقتصادي الطليعية الواعية للطبقة العاملة، الحزب الشيوعي، وبما ان النقابات مدرسة للشيوعية على العموم، فانه ينبغي لها ان تكون على الخصوص مدرسة لادارة الصناعة الاشتراكية ثم تدريجيا لادارة الزراعة، بالنسبة لكل جمهور العمال، ثم بالنسبة لجميع الشغيلة" 8

وهنا تبرز الاشكال الاساسية لمشاركة النقابات في هيئات الدولة البروليتارية الاقتصادية والسياسية كما حددها فلاديمير اليج لينين :( 1ـ تشترك النقابات في تشكيل جميع الهيئات الاقتصادية والسياسية المرتبطة بالاقتصاد وذلك بتقديم المرشحين و بالإدلاء بصوتها الاستشاري وتشترك النقابات في هذه الهيئات ايضا ولكن لا مباشرة بل بواسطة اعضاء مؤسسات الدولة العليا واعضاء الهيئات الاقتصادية واعضاء ادارات المصانع ( حيث اجيزت مثل هذه الجماعة) والمدراء ومعاونوهم الخ.. الذين تقترحهم النقابات ويصادق عليهم الحزب الشيوعي والسلطة السوفياتية.

2ـ من اكبر مهمات النقابات، تقديم واعداد المدراء من العمال ومن جمهور الشغيلة على العموم، وإذا كان عندنا الآن عشرات من امثال مدراء الصناعة هؤلاء المرضين تماماً ومئات من المرضين الى المئات من الأوائل والى آلا لاف من الثانين ، وإن الحساب الدائب المنتظم لجميع العمال والفلاحين القادرين على اداء مثل هذا العمل والتحقق المفصل العملي من نجاحات تعليمهم الإدارة انما يجب على النقابات ان تقوم بها بصورة أدق وألح مراراً عديدة مما هو عليه الحال الآن.

3ـ ان اشتراك النقابات في جميع الهيئات التخطيطية للدولة البروليتارية ليس أقل شأنا وإلى جانب اشتراك النقابات في كل العمل التثقيفي التنويري وفي الدعاية الانتاجية، ينبغي أن يدفع نشاط النقابات هذا الطبقة العاملة وجماهير الشغيلة بصورة اوسع فاوسع واعمق فأعمق الى كل بناء اقتصاد الدولة مطلقا اياها على الحياة الاقتصادية برمتها على العمل الصناعي برمته ابتداءً من تخزين الخامات وانتهاء بتصريف المنتوج ومقدما صورة ملموسة اكثر فأكثر سواء عن خطة الدولة الواحدة الموحدة للاقتصاد الاشتراكي ام عن مصلحة العامل والفلاح العملية في تنفيذ هذه الخطة.

4ـ أن وضع التعريفات ومبدلات التموين والخ.. هو احد الاقسام المكونة الضرورية لعمل النقابات في بناء الاشتراكية ولمشاركتها في ادارة الصناعة، وينبغي مثلا على المحاكم الانضباطية ان ترفع ابداً ودائماً مستوى انضباطية العمل والأشكال الثقافية من اجلها ومن اجل زيادة الإنتاجية دون ان تتدخل البته في وظائف المحاكم.. على العموم وفي وظائف الادارة.

ثم يقول وأهم ما في الأمر ان تنتقل النقابات بوعي وحزم من التدخل المباشر في الادارة غير المهني وغير الصالح وغير المسؤول والذي تسبب بضرر لا يستهان به الى العمل العنيد الفعلي المحسوب لعدد كبير من السنين الرامي الى تعلم العمال وجميع الشغيلة بصورة عملية ادارة الاقتصاد الوطني في البلاد بأسرها " 9 .

ولو القينا نظرة سريعة على وضع الحركة النقابية منذ نشوئها نرى ان هذا التطور والفهم للحركة النقابية وتحديد مهامها بهذه الصورة في سلطة البروليتاريا جاء نتيجة كفاح مرير ضد التيارات الاصلاحية والانتهازية في الحركة العمالية والنقابية والتي كانت تغذيها ولا تزال احزاب الاممية الثانية، والاحزاب الاشتراكية الديمقراطية، ونتيجة كفاح مرير وتضحيات آلاف العمال المناضلين طوال اكثر من قرن ونصف. فمنذ عام 1824 وبعد انتهاء حروب نابليون بدأت المطالبة من جديد بإلغاء القوانين التي تمنع التجمعات العمالية ولم تستجب الحكومة البريطانية إلا بعد كفاح .. ذهب ضحيته المئات من العمال المناضلين ، وقد سمح للعمل النقابي في انكلترة في عام 1825 حيث صدر قانون يسمح لقيام التنظيمات النقابية وبرغم نواقصه إلا انه اثر على حركة تكوين النقابات في جميع الدول المجاورة كفرنسا والمانيا. وأخذت الطبقة العاملة بعد ذلك تعمل من اجل تحقيق مكاسب وخاصة في مجال تكوين النقابات والاتحادات العمالية ، ففي مطلع عام 1850 بدأت تتشكل النقابات ولكن على اساس حرفي ومحصور بفئات معينة ، وفي 28 ديسمبر ـ ايلول 1864 عقد العمال اجتماعهم التاريخي الاول في لندن والذي حضره الفا عامل نقابي من بريطانيا وفرنسا والمانيا وايطاليا وبولونيا كما حضره كارل ماركس بصفته احد ممثلي الحركة النقابية العمالية في المانيا، وقد تمخض الاجتماع عن قيام الاممية الاولى وبالرغم من كون الاممية الاولى كانت تنظيماً سياسياً الا انها كانت دولية بالنسبة الى النقابات، إذ كافحت من أجل المطالب النقابية الخاصة لجميع عمال العالم فساندت الاضرابات وانشأت النقابات وكافحت تشغيل الاحداث ووقفت ضد اضطهاد المرأة العاملة ورفعت شعار الاجر المتساوي للعمل المتساوي ، وكانت القوى الطليعية في النضال من اجل يوم عمل ذي ثماني ساعات، وبقيام الاممية الاولى تحددت الاهداف العامة للحركة العمالية وابرزها مساعدة العمال كما هو واضح في تكوين نقاباتهم في معظم البلدان ودراسة احوال العمال وتحديد مطاليبهم واسناد اضرابهم والوقوف بوجه اصحاب العمل من اجل تحسين الاحوال المعاشية للعمال ومحاربة تجارة الرقيق السائدة انذاك كما ساعدت الاممية الثانية التي تشكلت في 14 تموز 1889 على النهوض بالعمل النقابي وتعارف القيادات النقابية في مختلف البلدان وعملت على تكوين الاتحادات الدولية للعمال كالاتحاد الدولي للطباعة عام 1889 الذي ضم عمال المطابع في عدد من الدول الاوربية والاتحاد الدولي لعمال الفحم عام 1890 وبعد تشكيل الاممية الثانية تشكل 15 اتحاداً عماليا في عام 1900 وفي عام 1919 تشكلت منظمة العمل الدولية وفي نفس العام تشكلت الاممية الثالثة التي احدثت تغييرا جذرياً في برامج واسلوب عمل النقابات بعد الحرب العالمية الاولى. فبعد ثورة اكتوبر في روسيا القيصرية وقيام السلطة السوفياتية وتأسيس اول دولة للطبقة العاملة في العالم وتشكيل الاممية الثالثة التي عمل فلاديمير اليج لينين على تشكيلها، هبت حركة اضرابية في العديد من الدول الرأسمالية " ففي انجلترة ساهم في الاضرابات خلال السنوات الخمس التي سبقت الحرب العالمية الاولى 1,5 مليون شخص ، بينما ساهم فيها خلال الست سنوات التي اعقبت هذه الحرب 7 ملايين شخص وفي فرنسا بلغت هذه النسبة حوالي 900 الف شخص مقابل 3,2 مليون شخص بعد الحرب ولنفس الفترة ، وفي المانيا 2,2 مليون مقابل 8,7 مليون وفي ايطاليا اكثر من 950 الفا مقابل 5 ملايين و أزداد عدد المضربين في الولايات المتحدة الامريكية من 1,2 مليون شخص في عام 1971 الى 4,16 مليون شخص عام 1919" 10 . وانتشرت على نطاق واسع الاضرابات العامة التي شملت اوربا بأسرها. وكان من اكبر الاضرابات اضراب عمال باريس في ايار 1919 حيث شارك في الاضراب اكثر من مليون شخص وبلغ عدد المساهمين في المظاهرات في فرنسا خلال تلك الأيام 3 ملايين شخص وفي بريطانيا قامت في عام 1919 الاضرابات العامة لعمال السكك و وعمال المناجم وغيرها من الاضرابات الكبيرة التي اسمت بطابع ثوري فعال بالرغم من الهجمة الرجعية ضد الطبقة العاملة وتدهور الأوضاع الاقتصادية في تلك الفترة.

إن النضالات الأولى ونجاحات الاضرابات الاولى وإخفاقاتها قد اغنت الطبقة العاملة بخبرة النضال ومهدت التربة لمواصلة تطوير هذا النضال وكان انشاء التنظيمات النقابية للطبقة العاملة مرحلة اولى وواحدة من مراحل الانعطاف في تاريخ نضال البروليتاريا. إذ أن النقابات كانت ولا تزال حتى الآن تمثل اوسع التنظيمات الجماهيرية للعمال " وفي سياق الحركة الاضرابية في انكلترة طالب العمال بتأميم فروع الانتاج الاساسية وفرض الرقابة العمالية وفي عدد من البلدان (النمسا ويوغسلافيا ورومانيا والنرويج) شكل العمال سوفيتات نواب العمال للنضال في سبيل تلبية مطالبهم الملحة " 11 ونتيجة لهذه الموجة النضالية العارمة أقرّ مكتب العمل الدولي الذي عقد في واشنطن عام 1919 مشروع اتفاق بصدد تطبيق يوم العمل ثمان ساعات وفي السنوات التالية احرز عمال فرنسا والمانيا والنمسا والمجر وبلجيكا وفنلدة اقرار قوانين لبلدانهم بشأن يوم العمل في ثمان ساعات وبشأن حق الاضراب والعقود الجماعية. وكانت هذه القوانين جميعاً تتسم بطابع محدود للغاية ، فضلاً عن انها كانت تتعرض للخرق الفظ من جانب ارباب العمل ، ومع ذلك كان ظهورها انجازا " كبيراً " للطبقة العاملة .

ومن الجدير بالإشارة أن نهج الأمميات الثلاث كان واحداً ومستمراً بالرغم من اختلاف الظروف لولا سيطرت القيادات الانتهازية على النقابات وبعد أن خانت احزاب الاممية الثانية قضية الطبقة العاملة وتخلت عن قرارها في مؤتمر بازل عام 1912 في الوقوف موقفاً لصالح الطبقة العاملة في الحرب العالمية الاولى فهي بدلاً من أن تدافع عن شعار الحرب ضد مشعلها ، رفعت شعار الحرب من أجل الدفاع عن ارض الاباء والأجداد ، أي جعل الطبقة العاملة وقودا ً لنار حرب لا يستفيد منها غير اعداء الطبقة العاملة اصحاب رؤوس الاموال والشركات الاحتكارية .

اننا هنا لا نريد تبيان مواقف الاممية الثالثة – الكومنتيرن ذات الابعاد المتشعبة والأهمية البالغة لواقع الطبقة العاملة وآفاقها ، بل التأكيد على رعاية هذه المنظمة للحركة النقابية وتوجهها وفق الظروف المستجدة وجعلها تشق طريقها متحدية الصعاب مهما كانت . فقد اولى المؤتمر الثالث للكومنتيرن اهتماما كبيراً بالمسألة النقابية وشجب حياد الحركة النقابية. ففي خلال عمل المؤتمر الثالث عقد المؤتمر الاول للاممية النقابية الحمراء من 3-19 تموز 1921 والذي حضره 380 مندوباً عن 14 دولة . فبعد انتهاء الحرب العالمية الاولى تعزز الجناح اليساري في الحركة النقابية بتأثير ثورة اكتوبر، وأخذت تنشأ منظمات نقابية يسارية . وفي الوقت ذاته أخذ الإصلاحيين يفصلون العمال الثوريين من النقابات ، وأسسوا اممية امستردام النقابية الاصلاحية. وفي هذه الظروف قررت النقابات اليسارية الاتحاد في مركز عالمي موحد والتصدي لنشاط الانتهازيين الرامي الى ضرب الجناح اليساري في الحركة النقابية ، وعلى ضوء ذلك اتخذ المؤتمر العالمي للنقابات المهنية والانتاجية الثورية قراراً بتأسيس الاممية النقابية الحمراء ، ووضع برنامج وتكتيك هذه الاممية على اساس التعاليم اللينينية بشأن النقابات .

إن التطور الصناعي الذي نشأ هذا اليوم وما رافقه من تطور ثقافي واجتماعي وبروز المنظومة الاشتراكية بعد الحرب العالمية الثانية بحيث اصبحت قوة هامة تسند كافة القوى التقدمية في العالم وأثر بشكل مباشر على وضع الطبقة العاملة وبالتالي على حركتها النقابية حيث استقطبت مصالح العمال وأدركوا ان العالم الرأسمالي قائم على استغلال ونهب ثروات الشعوب وامتصاص دماء الكادحين وان الارباح الاسطورية التي تحصل عليها الشركات الاحتكارية هي ثمرة الاستغلال الجشع لقوة عملهم. وانه لا خلاص من هذه الاوضاع إلا بالقضاء على هذا النظام وبناء المجتمع الاشتراكي الذي ينعدم فيه استغلال الانسان لأخيه الإنسان وعليها بنفس الوقت ان تكيف اساليب نضالها وفقاً للظروف الجديدة ، فأرباب العمل اليوم هم ليسوا مثل ما كانوا عليه بالأمس سيما وأن الشركات متعددة الجنسية غيرت من اساليبها السابقة وأخذت تحارب العمال دون ان يتأثر انتاجها.

وإن أعداء الطبقة العاملة يعملون جاهدين في حرف الحركة النقابية عن اتجاهها الثوري وجعلها خاضعة لنفوذهم سواء كانوا من احزاب الاممية الثانية الاشتراكية الديمقراطية أو الأحزاب اليمينية الخاضعة للاحتكارات الرأسمالية بالإضافة الى اعمالهم التخريبية الهادفة الى شق وحدة الطبقة العاملة على الضد من شعار " يا عمال العالم اتحدوا " فما يقوم به الاتحاد الامريكي للعمل والاتحاد العالمي للعمل والاتحاد الدولي للنقابات الحرة والتي تعمل جميعها على الضد من اتحاد النقابات العالمي الذي تأسس عام 1945 إلا دليل على ذلك ، علماً بأن اتحاد النقابات العالمي ارتكز في عمله على:

1ـ التعايش السلمي بين شعوب العالم.

2ـ مناصرة حركات التحرر في العالم من أجل الاستقلال الوطني.

3ـ مقاومة الاستعمار بجميع اشكاله واستغلال الرأسمالي.

4ـ مقاومة التفرقة العنصرية وتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص.

5ـ التقارب بين جميع المنظمات العمالية في العالم حيث يؤدي هذا التقارب الى اقامة وحدة عمالية على اساس المصالح المشتركة التي تربط بين عمال العالم مع بعضهم 26 .

إن نظرة سريعة على هذه المبادئ وربطها بالمهام التي حددها لينين للعمل النقابي في سلطة الدولة البروليتارية وما يدور اليوم في العالم الرأسمالي وما تقوم به المنظمات الدولية الخاضعة لسيطرة القوى المعادية للطبقة العاملة من تخريبات ، نجد ان الطبقة العاملة تعيش اليوم ظروفاً متباينة وتواجه مشاكل مختلفة وأهداف كل اتحاد نقابي مرتبط بظروف وأوضاع ذلك البلد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، خاصة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفياتي وما حصل من تغيرات هامة ويمكن القول كانت النقابات العمالية في المعسكر الاشتراكي تعتبر الشعارات التي ارتكز عليها اتحاد النقابات العالمي من صلب اهدافها وتعمل بكل طاقتها لانجازها فهي تعيش مرحلة البناء الاشتراكية ، في حين نجد ان النقابات في العالم الرأسمالي تواجه مشاكل متباينة فالاحتكارات وأنصارها يعملون على ابعاد الطبقة العاملة عن النضال السياسي ، وان كان ذلك ليس جديداً وحصر عملها في المطالب اليومية ، وهذا النهج يتوضح اكثر حيثما تكون السلطة في ايدي احزاب البرجوازية الصغيرة والتي لا تريد ان تنفصل وتبقى وشائج الصلة بالرأسمال الأجنبي ، وهذا النهج ترفضه طبعاً كافة النقابات الثورية. إذ جاء في البيان الشيوعي " إن الشيوعيين يناضلون في سبيل الأهداف والمصالح القريبة للطبقة العاملة ، ولكنهم في الوقت ذاته يذودون في حاضر الحركة عن مستقبلها ايضاً " 13 وهذا يعني ان على الشيوعيين اينما وجدوا ان يربطوا العمل اليومي بالأهداف البعيدة ، أي العمل اليومي الذي يقتصر على تحقيق المطاليب اليومية للطبقة العاملة بالهدف السياسي المتمثل في اقامة المجتمع الاشتراكي ولقد اكد لينين على اهمية النضال السياسي وذلك في مشروع توضيح برنامج الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي حيث يقول : " إن الحركة العمالية لن تتجاوز طور الحالة الجنينية والطفولية ولن تصبح حركة طبقية إلا متى انتقلت الى النضال السياسي " 14 ومع ان اشارة لينين تمس الحركة العمالية ككل إلا ان الحركة النقابية جزءاَ هاماً في مسيرة الحركة العمالية. فالنقابات هي الجسور الموصلة بين العمال وطليعتها القائدة ولذلك لا يمكن عزل الحركة العمالية عن الحركة النقابية الجماهيرية مثلما لا يمكن عزل الحركة العمالية عن الحركة السياسية. إن محاولات خنق الحركة النقابية ومحاولة حصر عملها بالنشاطات التقليدية أمر حكم عليه بالفشل ، فالطبقة العاملة لثوريتها أخذت تدرك طريقها وتعرف أي اسلوب تتبعه سيما وان قسماً هاماً منها استلم سلطة الدولة وقادها بنجاح.

إن احزاب البرجوازية الصغيرة الحاكمة لم تكتف بمحاولة قوقعة الحركة النقابية فقد تعدت الى ابعد من ذلك إذ " انتقلت هذه الاحزاب من العداء الصريح للطبقة العاملة الى محاولة وضع الحلول محلها في المجتمع والسلطة بل وانتحال ايديولوجيتها احيانا وتقديم برامج مغالية في ثوريتها لإيهام الرأي العام بأن الطبقة العاملة والأحزاب الشيوعية فقدت ثوريتها ولم تعد قادرة على قيادة المجتمع نحو تقدم حقيقي " 15 ويتبجح قادتها في حالات عديدة بأن احزابهم تفوقت على حزب الطبقة العاملة ، الحزب الشيوعي ، في المقدرة على وضع التكتيكات السياسية وتحقيق الاهداف المرسومة.

إن هذه الظاهرة تنعكس على نظرة هذه الاحزاب (البرجوازية الصغيرة) بالنسبة الى الحركة النقابية وذلك في محاولة اسكاتها وإخضاعها للسياسة المتذبذبة التي تنتهجها دونما هدف واضح مستخدمة شتى اساليب القمع والإرهاب ضدها ، كما وإن قادة هذه الاحزاب ضيقة الافق لا يدركون ان الاشتراكية هي المرحلة الاولى للبناء الشيوعي ، ويسمون البلدان الاشتراكية بالبلدان الشيوعية ، وما الاشتراكية في نظرهم إلا اشتراكية احزاب الاممية الثانية ، فميشيل عفلق مؤسس حزب البعث العربي الاشتراكي يقول:

" ليست الاشتراكية فلسفة ونظريات معقدة يختص بها العلماء ويعبرون عنها بالألغاز وإنما هي بسيطة يستطيع كل مواطن حر سليم الحس مخلص الشعور نحو اخوانه في الوطن أن يفهمها ويستوعبها ويساير طريقها ويساهم في خدمتها " ثم يقول " لقد قرأت منذ في احدى الجرائد ان الحزب الاشتراكي في الهند نزل مع رئيسه وأعضائه كباراً وصغاراً ليفتحوا طريقاً يصل بين قرية وأخرى. انني اذكر لكم ذلك الخبر ليكون لنا منه قدوة " 16 وهو الفهم الذي يحدد فيه مؤسس حزب البعث العربي الاشتراكي مفهوم الاشتراكية وعلى ضوء ذلك يحدد اهداف الحركة النقابية وهو يفصل البلدان الاشتراكية عن اشتراكيته ويسميها بالمجتمعات الشيوعية فيقول : " أما في المجتمعات الشيوعية كالاتحاد السوفياتي (سابقاً المؤلف) فتحتل النقابات العمالية موضعاً مختلفاً عن ذلك ( يقصد البلدان الرأسمالية) فالنقابات في الاتحاد السوفياتي تنظيمات وثيقة الارتباط بجهاز الحكومة عن طريق الارتباط بجهاز الحزب الشيوعي. فالحزب الشيوعي يسيطر سيطرة تامة على النقابات في المصانع عن طريق اعضائه الذين يحتلون دوماً مراكز التوجه والسلطة في النقابات ، وتقوم هذه التنظيمات بوظيفة الاجهزة التي يسيطر بواسطتها الحزب والدولة على العمال وعلى الصناعة ككل وعن هذا الطريق تصبح النقابات تنظيمات تعمل بجانب الادارة الحكومية لتنفيذ برنامجها الاقتصادي خصوصاً فيما يتعلق بزيادة الانتاج بصورة عامة وإنجاح اهداف المشاريع المخططة من قبل الحكومة في شتى حقول الإنتاج ، إذن فالنقابات في واقعها ليست إلا اجهزة اشراف الحزب الشيوعي على العمال وتساعد الحكومة على تنفيذ برامجها الاقتصادية ، وهي ( كما يدعي عفلق ـ المؤلف) بذلك ليست ذات شخصية مستقلة متميزة وليست ذات اهداف خاصة بالطبقة العاملة ، وتحسين احوالها المعاشية ( كذا- المؤلف) وليست لها مبادرة في اتخاذ موقف من ساسة الحكومة واعمالها العامة بقدر ما هي ذات اهداف سياسية ( كذا ـ المؤلف) بهذه الروحية وبهذا الاسلوب والفهم تعالج احزاب البرجوازية الصغيرة وحزب البعث العربي الاشتراكي العفلقي المعادية للطبقة العاملة وحركتها النقابية بهدف اسكات العمال واخضاعهم للسياسة المتذبذبة التي تنتهجها احزابهم غير واضحة الهدف مستخدمة شتى الاساليب التعسفية العنفية ضدها بالإضافة الى محاولة القاء اللوم والمسؤولية على الحركة النقابية في جميع الاخفاقات التي تسببها السياسات الخاطئة التي تنتهجها تلك الأحزاب ، وخاصة في المجال الانتاجي وسياسة التنمية الاقتصادية ، وهذا امر بديهي سنتطرق اليه في فصول مؤلفنا هذا.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,327,997,067





- 17 قتيلا على الأقل في انفجار بمدينة جسر الشغور السورية
- ما هي الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز الذي لوحت إيران بإغلاق ...
- رحلة إلى المكان الأكثر عزلة على كوكب الأرض
- تفجيرات سريلانكا: أحد منفذي الهجمات الدامية -درس في بريطانيا ...
- الاحتلال يهدم منزل الشهيد عمر أبو ليلى بالضفة الغربية
- تحذير ومباركة.. رسائل جديدة من قائد الجيش الجزائري
- السيول تعيد رفات جندي عراقي مفقود منذ 37 عاما
- فورين أفيرز: السودانيون قادرون على تحقيق الديمقراطية
- بيسكوف: بوتين سيبني خط تواصل مع الرئيس الجديد لأوكرانيا انطل ...
- جنرال روسي للدبلوماسي الأمريكي: حاملات طائراتكم تحت رحمة مدا ...


المزيد.....

- إيديولوجية الحركة العمالية في مواجهة التحريفية / محسين الشهباني
- الحركة النقابية في افريقيا وميثاقها / كريبسو ديالو
- قراءة في واقع الحركة النقابية البحرينية / إبراهيم القصاب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ملف 1 أيار - ماي يوم العمال العالمي 2019 - سبل تقوية وتعزيز دور الحركة النقابية والعمالية في العالم العربي - عبد العزيز وطبان - الحركة النقابية العمالية في العراق ماضيها وحاضرها