أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيدي المولودي - -ثيلوفا- (بيان حكائي) 1















المزيد.....


-ثيلوفا- (بيان حكائي) 1


سعيدي المولودي

الحوار المتمدن-العدد: 4081 - 2013 / 5 / 3 - 07:55
المحور: الادب والفن
    




في مدينة محترقة، تلتف بلون النار، تقيأ ذاكرته البليلة تحت عباءة شهوة من أنين، حاول أن يجد له مكانا كالعادة في مستودع آمن بعيدا من الشراك، أشعل خيط زمانه المرتحل، التفت اليمنة واليسرة، وقلبه يقطر المسافات، تحت ظلال من حنين تجري من تحته غدوة الأنهار، لكنه لم يفلح، صرخ بملء عريه في وجه النجوم الضالعة في برية الأعالي، ولكن صداه استوى شظايا من سراب، ولم يكن بالقرب منه سوى حريق، نقلوه إليه، ونام هادئا كالخسران، وانفض الدم منه لكربة الشتات.كتب رسالة إلى معني بالأمر، وجاءه الرد كاسرا، شتمه في الجواب، أنذره حتى النخاع، وقرر أن يكف عن طبل البكاء لفترة قصيرة، ويواجه خطوه الدفين وجها للوجه، ويقف في وجه العاصفة.
أحيانا كثيرة لا يتردد، يخطو بقدمه الموحشة، شوقا إلى عزلتها المطمئنة، مسكونا بدوي سماوات ناعمة تلامس الألفة المخبوءة في طيب الذكريات، ويمضي. والتقينا مرة في الطريق البعيد عند حافة المساء، قال:
ـ أتنكر وجهي؟ إني أعبد هذا الحلم اللازوردي المرئي عبر الهتافات، أرعاه، يرعاني،وأنشر ملامحه على سطحي القرميدي، أرسمه في دفتر المحبة الكبرى، وأنقش ظله في الغابات والحقول، ها هنا يرقد، يتوسد بركانا. ولا يمحوه عباب السيف...
كان بودي أن أسأله، لكن دمه كان نافرا كالغيم، قال:
ـ هذه خطوتنا الواعدة إلى الفجر. أيها الصبح الهارب من قبضة الأيك، تطل من بيداء الجرح ولا تأتي. هذا عطاؤنا: في قريتنا المتعبة ما زال يخطو المطر حزينا، والسنابل تشق طريقها إلى النور، والطيور تحلق في كل الفصول الأربعة وتسكن وجه الريح الآتية.
كان يضرب السفح، قدماه تغوصان في البر والبحر، واقفا يمتص عبير الأنهار يكتب الشيء على ظهر الشيء، ويخطو خطوته الذاهلة. وضع خاتمه الحديدي على تويجات الحلم، ضرب السفح. تهاوى السفح. واقفا كالغريب عن الغربة يأكله الرماد، وتصعد في داخله ذرية الألوان، كأنما كان يصدق لغة الموج. وظل واقفا يرسم الوجه في تضاريس السفح التي لا تنتهي.

**********
في الشارع الأسود الممتد حتى الخاصرة كانت جمجمته تغلي كمرجل جدته، فوق رأسه نار الوغى. دلف بوجهه الراسب في مجاري السفح، سأل عن رئيس التصفيات والحسابات، وجاءه الجواب مدويا كطلقة مدفع بيزنطي:
ـ غير موجود..
خرج من ظله، استل شعرته من عجين تلك البناية الناطحة، وبدأ ينبش علب الذكريات المريرة في صندوق دماغه الصغير، استعار سيجارة من ظل في اتجاه الشمس كان يمر بالمحاذاة أو بعيدا عنه، ربما شتمه في قرارة نفسه، لكنه لم يعبأ، كأنما تتناسل في مسامه أكوام الغبار، أو الصبار..
تدحرج في الشوارع الحائضة كالشظايا. بدت له المدينة هادئة كصمت المرايا، بينما أعصابه كانت تتحرك في اتجاه معكوس. تدفقت في باكورة دماغه خارطة الوطن المفدى، بعض الذكريات الجغرافية الخبيثة: "يحده شرقا القطر ... الشقيق، وغربا بحر الظلمات..".( لهفي عليك أيها البحر الوحيد في البراري تملأ عمقها بالبلل الكئيب.) فكر في أن ينتقل بعينيه إلى البحر، كانت فكرة مدهشة، قاد قدميه في الاتجاه، سار، انشق الشارع الملفوف، ومضى مع الريح منهكا كالمتاهة. لسعته لفحة العراء الآبد، وانتهى بالصدفة أو الضرورة إلى مقبرة الشهداء، نبت في هدوئه فضول التهجي، وقرأ بعض الأسماء، ولم يعد يتذكر شيئا. لم يصل إلى البحر، استوقفه رجل ذو ملامح عادية، يحفظها الباعة المتجولون والعمال والتلاميذ المضربون عن ظهر قلب، افترض أن يدخل في مسلسل تقرير المصير، لكنه عدل عن الخط. انتفخ برزخ ذاكرته، كادت أن تنفجر من وطأة الحبل، تطلع في صمت إلى ملامحه القروية العذراء، وتساءل في برود:
ـ من يفتح النار؟
تآكلت قدماه من عادات المشي، أحس بالهجير يهدهد مجاريها، واقترب من حافة التداعي. اصطدم بدكان شاخص، ابتاع علبة سردين، كان الجوع قد أخذ منه مأخذه، فمنذ الأمس كان يقتات بحواسه، يمرق أمام المقاهي المتلألئة، المهذارة، ويفترض أنه الآكل مفاتنها، فيمسح غبار الثأر سريعا. ضم علبة السردين، وفكر في أن يلجأ بها إلى ضاحية المدينة، لكن ذلك سيكلفه مزيدا من الركض والمشي المعاد، حضرت مقبرة الشهداء في مخيلته، كان يحس بدوي الجوع قويا يغرس قبضاته في كل أطرافه كالنار التي لا تنطفيء، وانتهى إلى المقبرة، استوى على قبر متواضع، فتح علبة السردين، اعتدل في جلسته الحذرة، تشقق كالبطء، وراودته غيبوبة مشرعة، صدمته رائحة الجماجم الصغيرة المصبرة، داخله شيء ما كأنما هو الدوار، واستبدت به رغبة جارفة في الغثيان، وانتفض من مكانه، أحس برغبة في التبول حين صدمه جدار نقشت على وجنتيه بخط رديء عبارة " ممنوع البول"، لكنه لن يفرغ سيله على القبور، وأشعل جحيم قدميه في اتجاه المدينة، ومثانته تنتفخ.
في المدينة أنهكته الأرصفة الهوجاء والشوارع الشاحبة، وأرهقه البحث عن بيت ماء، كل بيوت الماء بدت له مكاتب إدارية راقية يتعذر الالتجاء إليها، على أبوابها تختال خطوط تشكيلية شامخة "مرحاض بالأداء"، فكر في الأداء درءا لكل الشبهات، لكنه سرعان ما أغلق باب الحساب وما يفرضه من حالات الطرح والضرب والجمع..
لملم جسده المتقد، كان بعض الذهول يغزو دواليه، رفع عينيه للأفق الداكن، تراءت له صومعة ضاربة في فسحة الأعالي، وقرر أن يحتمي ببيت الله عساه يلقى متنفسا لمثانته التي أصبح يتحاشى أن يرجها بعنف، لأن ذلك سيكون إيذانا بانهمار مطره الداخلي، بحث عن مدخل الجامع، وارتطم ببريقه أخيرا، خلع نعليه، وتصاعدت من غمارها رائحة المشي والخطو الطيب، والمدينة والقبور السرية والسردين، أطلق رشاش عينيه في فضاء الجامع الجليدي، وراقب العباد المتلبسين بخشوع عابر، وهم يختلفون إلى ركن رجح أنه غايته ومحجه الآتي. انخفض معدل حرارته، شعر بقليل من الهدوء، وتظاهر بالورع الفائض، دخل، كسر الوضوء، ووجدها مناسبة ليغتسل، فمنذ الأمس لم تلمسه قطرة ماء، ملامحه المرهقة الذابلة أضفت عليه مسحة من الإيمان العائم، تظاهر بالتوضؤ، مسح يديه للمرفقين، رجليه للكوعين، وجهه الذي احتلته شآبيب من العرق الفاتن، وغبار النفايات والشوارع الحزينة ودخان المقاهي التي كان يحصي صخبها المنساب على الأرصفة.كأنما توضأ وضوءه الغامض،استعاد بعض جدائل راحته، تفقد نعليه، قاوم الرغبة في الجلوس، وحين هم بالنهوض، استدار مرتبكا، وانتهت إلى مسمعه أجراس لغة هجينة اقتفت آثاره،وهو على مشارف الباب،تعلقت بأذياله آخر أصدائها الساقطة:
- لعنة الله عليك..
وكان قد قذفه الجامع لمودة الشارع، متجاهلا مفعول تلك اللغة الناقمة.
تجمعت في ذاكرتة الغريقة نياشين الخيل والأنواء، ومواقيت الصهيل المهجور، أسند رأسه للجدار، وظلت اللوحة تتعقب صمته، والمدينة يلفها الظلام، وهو يتقدم في خوائها المترامي. أحس بحنين دافق يأخذ بخناقه، وراوده جوع عارم، استلقى قريبا من خطوه كطعم النزيف. واستجار على التو بجلبة المقهى المعتاد الذي اكتشفه أمس.ارتمى على حافات مقعد خشبي متأرجح ومتآكل الأفنان، حاول في حذر أن يحافظ على توازناته الممكنة، وفي اللحظة ذاتها كان صاحب المقهى قد بادره بتحية مجهضة، حياه بأجهض منها.بدا حسيرا حد التعب، وتقاذفته هواجس سوداء شاحبة سرعان ما تناساها.جاءه صاحب المقهى بصحن تالد مجلل بحبات غامضة من عدس مشبوه التهمها في رعب مستطير، وعرج على حنفية ماء عتيقة فاغرة فاها على جرار تقترب من مغاليق التيه، أطلق سراح الماء بعناية ، مسح يديه بمنديل قاتم متدل على أنقاضها، وعاد إلى حدوة المقعد الخشبي. أخرج سيجارة، وأضرم فيها السعير، وطفق يشرب الدخان صامتا أو هكذا يبدو ، مع أن دواخله كانت تشتعل فيها أسواق من عكاظ.
رمقه صاحب المقهى بنظرة خاطفة خادعة، دون أن يفطن إليه. فرغت المقهى إلا منهما، وكتائب مهزومة من ذباب متهافت يناور في فسحتها. استسقاه كأس شاي بلدي عزم على "الدك" به وتذكر أباه حين كان يدركه العياء وتنال منه سلاسل البذل والحفر والحقل، يتهاوى في بهو خيمته، بلاط التاريخ، يستوي على عرشه وينتشي بدفء الشاي .إن الشاي مبيد للتعب.كان يقول.
وضع كأس الشاي الملتبس أمامه، رشف منه الجرعة، الجرعتين، أحس بنشوة عابرة، قال: رحم الله امرءا عمل شاياً فأتقنه.
اتجه صاحب المقهى نحو الباب المتآكل، أطل برأسه من فوهته، الشارع عار إلا من أجساد صغيرة تطفو من الحين للحين على سطحه، عاد للداخل واهن الخطو، ملأ بفائض الثقة"شَقْفاً" ناوله إياه، ولم يبد أي اعتراض،أغرقه بنوء الشاي الذي بدأ لونه يأخذ صورة الدم، زاده "شقفا" على "شقف"، حتى امتلكته رعشة من الدوار أو شبهه، وتفجرت في مسعاه ينابيع من ذكريات هاربة تتوسد غفوة النسيان، حول نظره إلى معصمه، كانت الساعة تدور، والليل يزحف على نبض النهار، تفقد جيوبه وأدى ما عليه ثم انسحب تحت وابل من الهدوء، قال:
- عم مساء أيها الطلل البالي..
جاءته التحية بالمثل. واستغرقه عبق الشارع، وحيدا، أحيانا تقطع هدوءه صدى خطوات شاردة يسمع دويها لكنه لا يبالي، دخل فجأة المجال الجوي لشرطيين عابرين تدك أقدامهما الأرض دكا، لم يتقرَّ ملامحهما بالتفصيل ولم يتبين الخيط الأبيض من سوادهما، هيأته لا تثير أية شبهات ليلية، لذلك أعرض عنه الشرطيان في مكر بارز.
طاوع سير قامته التي كانت تخبط في اتجاه غير مضبوط، مشى في زقاق ضيق كسم المقبرة، وجده غير ذي منفذ وعاد على الأعقاب، وابتدأ من حيث انتهى، لتلتقمه حمى الشارع من جديد كأنما يعلو صهوة بوراق.
في مدخل سينما قديمة استوقفه لغط وجلبات ولغات ساقطة عنيدة، وقف لحظات، بدا له شخص بملابس رسمية يصرخ حانقا، ينزع بذلته العسكرية، يطوح بها بعيدا في الضفة المقابلة، ويكيل اللعنات متوعدا مهددا يشتم "دين" و"رب" الأمهات والأجداد، مكفهرا، مزمجرا كهدير من صاعقة.رأى، سمع ما تيسر من سور الحرب الصاعدة ، ثم واصل المشي.
غير بعيد في منتهى رأس زقاق ضيق لوحت له واجهة كئيبة منقوش على جبينها "فندق السعادة" (السعادة المفقودة في ارتحالاته الشريدة) سار في اتجاهها دون أن يلتفت للوراء، مضى بعيدا في فضاء الفندق الباهت، استقبله قائم المقام بكل أدبيات الرياء والسمسرة والنفاق، وسلمه في نهاية المطاف مفتاح زنزانة ضريرة في الدرك الأسفل، أشعل نورها الثقيل، نزع بذلته المتردية، وضعها بأناة على كرسي عتيق جاثم في الركن بمحاذاة مكتب مهتريء مترع بأرتال من غبار ثمين، وارتمى على السرير الذي بدا في مأتاه مريحا، وتعالى أزيز المسامير وصدأ الحديد وخشخشة الأسلاك الشعثاء، ولم يشغله ذلك فقد اغتصبته مباهج النوم على حين الغرة، ومات دون أن يحكم إغلاق باب القبر..
**
( ها أنت تعود إلى حضن الليل لتستريح على فراش الاحتراق، يتآكل نبض الحياة على حافات الصمت الذي يؤويك كالغرابة تحت سقف مدينة تكاد تختنق، وتموت تحت طائلة القهر..سيرة الأشياء هنا غامضة كرمان البلد الخريفي، تماما كما قد تنام ساعات عاثرة، عابرة، لتستيقظ على ندوب من عواء ورغاء ورغبة عارمة في الانحدار.تنام عمق الليل.أو لا تنام.تلك مسألة أخرى. فلا تلق بالا لهذه الشباك، فالريح لا تهدأ، والشجرة تواصل الطريق...)
**
في الصباح العكر، داعبته ظلال يقظة وئيدة، أحس بقليل من الراحة وزبد أنداء تتوغل في معابر دمه، وتستجدي ربوة العياء. قرر أن يعتصم بالفراش برهات إضافيات، كأنما الدفء العميق يغريه.ولكنه فجأة ارتعد لطقطقة مصراعي الباب، واهتاج لرنينها المكسور. أطلت امرأة من ثناياها، كشبح عائم، بادرته على التو بتحية الصباح، رد التحية بامتعاض، وقوفا على دأب العادة ( العمر كله أرهقته الرعشة الأزلية: صباح الخير. ولا خير على الإطلاق يمسح دمعة الأعتاب)، ترددت المرأة، وأوهمته بإغلاق الباب بإيماءة نابضة. كانت قريبة بجسدها من الترهل، على بشرتها شوب من سمرة مفتوحة، توحي بأنها جنوبية الملامح..طالبته بسيجارة، أشار إلى بذلته الميتة غير بعيد عنها، تفقدت مخابئها بإصرار واضح، وضعت يديها على علبة السجائر، أخرجت قضيبا من بين أعوادها، دسته في غرفة ثديها، ورسمت شبه ابتسامة على شفتيها، واستدارت نحو الباب، بدت مؤخرتها شركا مورقا بلا انتهاء. وقبل أن تنصرف بادرته:
- أفصح الصبح..
قال:
- لذي العينين.. أنا من لا يرى..
أوصدت الباب في دلال وكبرياء مفتعل وغابت عن الأسماع. هو، مباشرة استجمع قواه، أو ما تبقى منها، نهض، وخرج للشارع ليعود محملا بحطب الفطور. اعتكف في قبره يتناول الفتات، ألقى نظره على عناوين من جرائد يومية اصطحبها كعادته، وتورط في رهبة العناوين الجاهزة:( المغرب يحصل على قرض.. ردود سريعة... وضع الحجر الأساس لمركب... إعلان عن ضياع، إعلان عن بيع. محاولة انقلاب فاشلة. محاولة اغتيال..المجاهدون العابرون للقارات يتقدمون..) غرق خليج ذاكرته في تضاريس القارات والحروب التي لا تنتهي. وانتشلته حركة الباب من غفوته. أطلت المرأة ثانية، أغلقت هذه المرة هواء الباب، اشتعل وجهها مرحا شفيفا، قالت :
- ".. تتبع السياسة"
لم يجب. حدق فيها عميقا، وتجاهل الوضع. طالبته بسيجارة إضافية. كان هو قد أحرق ثلاثا أو يزيد، أردفت :
- تعجبني " مارلبورو" ..عظيم..
ربما قال في داخله أنا كذلك. أضرم عود الثقاب، وانحنت وقضيب الدخان منتصب بين شفتيها، نثرت الدفعة الأولى من دخان صدرها، جلست على السرير بمقربة منه، وضعت قدميها على شفا حفرة من قدميه المتدليتين من برج السرير، سألته عن المهنة، ومسقط الرأس، وأشياء أخرى، واضطر أن ينتحل الصفات والبلاد، ويجرفها في موجة من فراغ، وكلام غير مضبوط. راقها كذبه الموقوت الملفع بالصرامة، ولم تمتلك صبرها، فأطلقت يدها تداعب خصلات شعره الحانقة، أذكت في تضاريسه جمرات الحنين، انقلب بوجهه صوبها، أطلقت روع ضحكة هادئة، انبطحت بنصف جسدها الأعلى على السرير، اجتذبته من شعره على الرغم، قبلته في عصبية ضارية، ثم انتفضت، أطفأت دخان سيجارتها، وقالت:
- دونك والليل..
أسدلت غيم الأستار، بدا القبر أكثر غموضا.التفت الساق بالساق، انتفض عصفوره، ونفخ في الصور، قامت القيامة، ووضعت اللذة أوزارها.
وبينما كان (هو) قد احتواه هباء الشارع، كانت (هي) قد وضعت اللمسات المغيرة على السرير، ونفضت يديها من كنس المقبرة.
**
في المدخل الرئيسي للبناية التي تتعامل معه كرقم موبوء، التقى على الحافة مع ظل قديم، صافحه بحرارة قطبية، وتبادلا سيولا من الشكاوي والمتاعب، وانفصلا كغريبين عن بعضهما.ضاع في دهليز البناية ووشوشة الملفات والمكاتب الداعرة، واستوقفه الحاجز الغجري مرة أخرى، سأله في ارتباك عن الرئيس، وجاءه الجواب بكل التلقائية والبرودة المعهودة:
- غير موجود..
استدرجه الحارس لرحابه، وبدا يلقي عليه حبالا من الأسئلة:مشكلتك.مسقط الرأس.سيرة الأقدام..واستعان بالتركيز والإيجاز ليختصر عالما من المعاناة لا يقبل الاختصار، وفتح صدره للحاجز الذي بادله الثقة الغاربة.قال له في النهاية:
- هل تعرف الجندي.. صهر الرئيس، ابن بلده.. سكرتير الرئيس..ابن عمه.
ولكنه خيب ظنه، فهو لا يعرف أحدا من هذه السلالات الطيبة.غاب عنه الحاجز لحظات بعد أن أمده بمعطيات عن وضعه، وعاد ليقول له بتأثر واحتراق بائن:
- بيني وبينك.أنت.. متورط في الشدة..
شردت موازينه المثقلة بالأعباء، لفه غموض الشدة، وترجاه أن يدله على رأس الخيط عله يقف على وثوق القدمين، لكن الحاجز تجاهل رغبته وصرف نظراته عنه تماما. وعندما هم لوداعه بادره بالسؤال:
- أأنت أمازيغي..
- نعم..
- ملامحك تخونك، كنت أعتقد أنك.. ألم تر...هل تعرفه؟
- ليس بالضبط
- قدم له إسعافات جديدة ورسم له طريق ضمادات، زوده برقم هاتف، ودله على تضاريس الأماكن التي يرتادها، وعتبات المنزل، وأكد له أنه سيقف إلى جانبه، فهو طيب طيبوبة النوء.
لما تحرر من جاذبية البناية التعسة، شعر بالتورم والتفاهة، وأحس بغليان واحتراق داخلي، وبدأ في صمته يلعن الزمان والمكان والتاريخ الأهوج بلا رحمة، كأنما كان يسير على حافة بركان. غير أنه سرعان ما عاد إليه هدوءه العريق واستعاد تماسكه، فوجدها فرصة ليعرج على ابن بلدته الذي يعمل في المدينة، وهي مناسبة قد يهتز لها طربا. عبر الشوارع المريرة وهو يغمض حنقه على خيوط الهزيمة التي تتلون بين يديه وتحاصره.وانتهى أخيرا إلى ضياء البناية، وصل مهلوكا، قام في وجهه الحاجز العنيد مرة أخرى، ونجح في محاولة الولوج. استقبله ابن بلدته في مكتبه كأي أجنبي عن المصلحة تحدث إليه بلغة فرنسية هائلة، استعان بالإشارات ونشوة اليدين والخرائط المأهولة:
- هذه المدينة، آسرة ساحرة، زيتونة لا شرقية ولا غربية، سنوات وأنا مغروس في أعماقها، مدينة الحضارات الحبلى والصداقات الغامضة، والمراقص والملاهي والمواخير المسددة..
اعتذر له في الأخير. كانت قباب الزوال تتقدم في الأفق الزاحف، وقال له:
- خطيبتي، الوردة الفاتنة، تنتظرني على قارعة الأبد. سنتاول الغداء معا. أما تزال نزيلا هنا إلى الغد..
- ربما..
- ..نلتقي في المقهى، البرج المكنون، وإن لم يكن، حمل شجرة العائلة وقود المحبة وفيض السلام.
ودعه، وودع فيه دفء القرابات، وفي الطريق توكأ على كلماته وإيماءاته نبرة نبرة يتقرى إيحاءاتها العابرة، واستعاذ بالوطن من التاريخ الرجيم. ما من شيء يرسو، استنفد الحلم أفنانه، ولا وجود لحبات زلزال تغلق باب البعيد. تساءل بينه وبينه ما الذي يجعل المدينة قبوا، تموت الطرقات على شفتيها، ويمضي تاريخها لحقول المزبلة، تستنسر فيها البغاث ويكسو جلدها اللصوص وطيور هزيع الليل الذين يحجبون المدار..
أتى على جند النهار، ملناعا، وفي مناضد الليل عليه أن يبحث كالعادة عن مقبرة تؤويه، وكان كذلك.
في الصباح الموالي أيقظته يرقات النهار، ولفحته نسمة باردة بلون الدموع، وقاد جثته من جديد للبناية المعلومة، فوجدها ماثلة كالأفعوان، وتقدم متشحا بكثير من الخوف والتردد، وجاءه جواب الحاجز قاتلا:
- غير موجود..
اهتاج في منتهى الضراوة، وهو يشير بسبابته المرقشة بكل الشرور، ونهره ليفتح عينيه على لوحة جاثمة في محاذاة الرصيف المقابل، تتلبس بالزي واللغة الرسمية النافذة.. زأر الحاجز عاتيا، بغير معنى، وصرخ في برجه:
- القانون.. هو القانون، ما لكم لا تفهمون..تفُو..
اكتمل بدر الغيظ وفارت دماؤه ماء أجاجا، واستسلم، على الرغم، لرحابة الطقس الرديء، وفي الوقت ذاته كان يحاول تحديد المشكلة: (من ) هو القانون.. من يفهم. من لا يفهم... لكن لا حقيقة أمامه تعبر الممشى.
استعاد الحذر القديم، والجراح الغائرة، مضطربا تستغرقه ظلال خريفية سوداء.لاحياة ترتدي أوراقها هنا، ليس ثمة من أمل، لذلك قرر أن يحجز تذكرة هروب في الدرجة الاقتصادية من القطار الليلي، ليفتح مؤقتا باب العودة المحتمل.
سعيدي المولودي


* ثيلوفا: كلمة أمازيغية تطلق للدلالة على "شظف العيش وسوء وضيق الحال."





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,364,517,897
- ( الرجيع العربي)
- أمريكا وعقدة -الشين-
- ضد هدر - الكرامة الأصيلة- لسكان جبال الأطلس
- وزارة التعليم العالي و- الأسواق المدرجات-
- -أصدقاء السوء-
- - تجديد النخالات-
- -أمريكا تجني ثمار ما زرعت-
- - النفط قائدا ومناضلا-
- وزارة التعليم العالي: التلويح بمحاربة الفساد باليمنى، و-التش ...
- وزارة التعليم العالي تخلف وعد -مراسيمها-
- صناعة -السيبة- في كلية الآداب بمكناس
- - العملاء ورثة الأنبياء-
- في مديح - الفيتو-
- -دعاء الاستوزار-
- الحملة والشعارات الانتخابية
- - تنزيل الدستور وما يليه-
- - إن ينصركم الناتو فلا غالب لكم-
- في نقد حصيلة الحوار الاجتماعي: الأساتذة الباحثون والقبض على ...
- -الرافد العبري-
- انتخابات برج القوس


المزيد.....




- رغم قرار الإيقاف.. -القاهرة والناس- تذيع حلقة جديدة من -شيخ ...
- جلال الدين الرومي.. ملهم العاشقين وحكيم الصمت
- رئيس أوكرانيا يستعيد دور الممثل الكوميدي للحظات
- نزار بركة من بيت الصحافة: -المغاربة ماعرفينش فين ماشين مع هذ ...
- ولد سلمي : المجتمع الدولي في المراحل النهائية لاذابة البوليس ...
- بسمة وهبة تؤدي العمرة بعد ساعات من طلاقها -شيخ الحارة-
- منظمة تاماينوت تستنكر استمرار العبث التشريعي في حق الامازيغي ...
- شاهد.. نشر مقطع فيديو من جزء ثان لفيلم -الجاذبية- الروسي
- -لعنة- زواج ياسمين الخطيب تقصم ظهر-شيخ الحارة-
- فيلم فلسطيني يحقق فوزا كبيرا في مهرجان كان


المزيد.....

- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيدي المولودي - -ثيلوفا- (بيان حكائي) 1