أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - مَراكش؛ جبل توبقال 2















المزيد.....

مَراكش؛ جبل توبقال 2


دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 4072 - 2013 / 4 / 24 - 19:01
المحور: الادب والفن
    




3 ـ شلالات أوريكة:
إنّ السيّاح، وهم من الأوروبيين بمعظمهم، كان بعضهم يتجوّل حولنا مع كاميرته، فيما الآخرون يمضون في همّة وحماسة نحو الجهة الأخرى من الوادي، مستخدمين الجسر الوحيد، البدائيّ، في طريقهم صعوداً نحو الشلالات. أبنية عديدة، كانت تقوم في تلك الجهة المقصودة، بعضها يتسلق الجبل حتى أسفل قمّته مباشرةً؛ ثمّة، أين يمكن قراءة الأسماء الأمازيغية لعدد من النزل، مثل " تيميش " و" تافراوت ". درجٌ حجريّ، ذو درابزون حديديّ، يصعد نحو تلك الأبنية، يحف به من الأعلى جدارٌ هائلٌ من الحجارة الصقيلة، المنسقة بعناية، حيث يتربّع في قاعدته مقهىً مطعمٌ. الأشجار، يغلب عليها فصيلة الصنوبريات، ذات الخضرة الخالدة والعبق الفواح. ولكن، كلما زاد الاقتراب من النهر تقل تلك الفصيلة، وفي المقابل، تكثر أنواع السرو والصفصاف والسنديان. بدورها، فالأبنية تتوزع في " أوريكة " بين القديمة، الآخذة بالانقراض، والحديثة المبنية من البلوك المتماهي بالأحمر النبيذي: إنه لون هذه السفوح، ذات التربة الحمراء، المبهرة، والتي كانت تحمل منذ القدم إلى مركز الولاية، " مراكش "، لكي تصبغ أبنيتها بها. وكما نوهنا سابقاً، غلبَ على المدينة اسمُ هذا اللون، الحار. وإذا كان اللون الأحمر مُرادفاً للعمارة هنا، فإن اللغة الأمازيغية ( يدعونها بـ " الشلحة " في المغرب ) هي السائدة في اقليم " جبال الأطلس ". وها هوَ أحدُ المنشدين، الجوالين، يغني لرواد المقهى بهذه اللغة وقد اتخذ مظهراً طريفاً؛ حينما جعل ديكاً، مدرباً ولا ريب، يتربع على كتفه بزهو وخيلاء. ألحظ ملابسَ الرجل، التقليدية، المكونة من جلابية صفراء وقبعة زرقاء، مربعة، فيما الخنجر يتأرجح تحت ابطه. وعلاوة على الربابة التي يعزف عليها المنشد، كان برفقته شاب مع طبلة للايقاع. فما أن حصلَ كلاهما على نفحات نقدية من أفراد مجلسنا، حتى انتقل إلى الطاولة الأخرى، المجاورة، صحبة الديك السعيد. ما هيَ إلا وهلة، حتى دب هرج في المقهى، كان مصدره حيوان آخر: إنه قردٌ صغيرٌ ذو وبر رماديّ براق، يَشي بالنظافة، أخذ يتقافز بين أحواض المقهى وطاولاتها. حتى استقر الحيوان بالقرب من طاولتنا، ثمة أين يقوم نصبٌ حجريّ على شكل طاووس منحوت وملون، ينبثق الماء من فاه. الأطفال، وبينهم ابني ذي الأعوام الثلاثة وابن خالته الذي يكبره بأربع سنين، كانوا من شدة البهجة بهذا القرد أنهم صاروا يطاردونه من مكان لآخر. رفضُ الحيوان لأي طعام قدِّمَ إليه من الرواد وأولادهم، كان يدل ولا شك على شبعه. حينما سألتُ نادل المقهى عن القرد، فإنه أجابني متبسماً بأن هذا قد شرد بنفسه من قمة الجبل عندما كان صغيراً، وأخذ بملازمة المقاهي منذ ذلك الحين. حسبما أفاد محدثي أيضاً، فإن الجبل المتدفقة منه الشلالات، المنحدرة إلى مجرى النهر، يعج بالقردة الذين يعيشون على ثمار الأشجار.
" اوريكة "، هي أكثر الأماكن المأهولة ارتفاعاً عن سطح البحر؛ هي قلب الجبل الحالق، المدعو " توبقال ". هذا الأخير، المغطى بالثلج معظم أوقات السنة، يظهر من خلف الجبال الخضراء، الأقل علواً، المحيطة بالبلدة من جميع النواحي. بدورها، تتسلق المنازل السفح الغربي للبلدة، وقد تبدت منتظمة بفضل الدروب التي يوحي شكلها بزنقات المدينة الحمراء. أدراج حجرية قديمة، أو اسمنتية أكثر حداثة، تتوقل بالمرء إلى تلك الأزقة المرتفعة، التي يعانق بعضها القمم الخضراء على علو يناهز الخمسمائة متر. ثمة درب رئيس للبلدة، يسير بك في موازاة النهر الوادي، رُكنت على جانبيه سيارات وحافلات السياح والمصطافين: ولكن، أي اصطياف هذا ونحن الآن في شهر كانون الثاني / يناير؛ أي بعز مربعانية الشتاء؟!.. بيْدَ أن الشمسَ هي صديقة هذه البلاد، ولا غرو، فلا تفارقها في كل الفصول. تماماً، كما الصداقة المتواشجة هنا بين الدروب وأفواج المتسولين. وهذا رجلٌ بأسمال خَلِقة، يتجول على الدرب الرئيس، المزدحم بالمارة والمركبات، وهوَ يغني بلغة الاقليم مُداعباً الأطفال الذين يلقاهم في طريقه. وإذ يتضاحك الأولاد بجذل، حينما يمر بهم هذا الشحاذ الرث الهيئة، فإن الكبار يرددون العبارة المغربية، المألوفة: " الله يستر! ".
أتدرجُ مع طفلي على الدرب الرئيس، المطلة عليه منازل القصبة ( أي الحي القديم )؛ المنازل، التي تحول بعضها إلى فنادق، وهي ذات واجهات جميلة بعقودها وأقواسها ونوافذها وأبوابها، المزخرفة والمصبوغة باللون الأزرق. إلى يساري، يمتد الوادي الكبير، المشرفة عليه المقاهي المطاعمُ. فلا تمضي خمسة دقائق من المشي المتمهل، حتى أصل إلى مكان يتجمع فيه بعض النسوة، اللواتي انهمكن في غسل ملابسهن بماء النهر وقد أشعلن قدوراً ضخمة بوساطة الحطب. إلى اليمين، أين القصبة، يرتفع الجرف الصخريّ كحائط خرافيّ، وقد انغرزت فيه جدعات الصبار على شكل كروم أو فرادى. ثمار الصبار، ما تفتأ على لونها الزاهي، الأصفر والوردي، طالما أنها تنضج ببطيء في هذه الأنحاء، المعتدلة الحرارة. سلالم حجرية أو مرخمة، منحوتة بعناية ومحفوفة بالزليج، تؤدي إلى المنازل الفارهة. أما أخواتها، الأقل شأناً، فيتم الارتقاء إليها بوساطة درج اسمنتي مصبوب في الصخر، الجلمود. هذه المنازل الأخيرة، المرتفعة زهاء المائة متر عن الطريق العام، تبدو للعيان بواجهاتها المسقوفة بالقصب والمسورة بدرابزون من الخشب المشغول، فيما النوافذ الحديدية مزخرفة وملونة بالأزرق التقليدي. من هناك، ولا شك، تنحدر تلك النسوة إلى مجرى النهر، كي يغسلن الثياب بمياهه الشحيحة، الرقراقة. دجاجات هائمات، يلفتن نظر ابني الصغير، وقد انتشرت جماعتهن على الطريق أو في شقوق الصخور، الواطئة، وهن يتبقلن الرزق بين القمامة والفضلات.
ما أن عدتُ وابني من تلك الجولة، القصيرة، حتى رأيت جماعتنا تتأهبُ لارتقاء الأعالي؛ ثمة، أين تتساقط الشلالات التسع واحدة بأثر الأخرى. حينما أشار لي أحدهم إلى ناحية الممر الصخريّ، الوحيد، المؤدي إلى الأعالي، فإن خوفاً غريزياً تملكني: أنا المُعاني منذ صغره من رهاب الأماكن المرتفعة، أبصرتُ ذلك الممر وهو على ارتفاع يناهز الخمسين متراً، ومن الضيق أنه بالكاد يتسع لمرور شخص واحد، ناهيك عن انعدام أي حاجز يحميه من الهوة السحيقة، الخطرة، المشرف عليها. الأدهى، هو وجود طفلين معنا، حيث من غير الممكن ضمان هدوئهما خلال اجتياز الممر. وعلى أيّ حال، قدّر لنا أن نعبرَ إلى برّ السلامة، في الذهاب والإياب سواءً بسواء. كنتُ أتوقل إلى جهة الشلالات، إذن، فتذكرت صعوداً مماثلاً قبل نحو ثلاث سنوات، حينما زرنا " إمليل ". هذه الأخيرة، كان الارتقاء إلى شلالها الوحيد، العظيم، على قدر من المشقة والعناء بسبب وعورة جبلها. أما الآن، خلال الصعود إلى شلالات " أوريكة "، فإن الأمرَ كان سهلاً نوعاً حتى للطفل " مورغان " ذي السبعة أعوام. بيد أننا، في آخر الأمر، اكتفينا بالوصول إلى الشلال الأول. هناك، كانت المياه الدافقة، المرعدة، تنهمر من الأعلى لتسقط على صخرة هائلة، متكئةٍ على حافتي مَقدِس الجبل. وقد انتشر الخلق بالقرب من قاعدة مسقط الشلال، لكي ينهلوا من معينه العذب، البارد، أو في سبيل التقاط الصور التذكارية.
مقهىً واسعٌ، لائقٌ فعلاً بالمكان المهيب، كان يقوم ثمة موزعاً على عدّة مواضع وأقسام. اختارت جماعتنا الجلوس في إحدى شرفات المقهى، المطلة على الشلال، المتوسَّدة بالنمارق والمساند، التقليدية، المظهَّرة بالديباج الأرجوانيّ، فيما البسط والزرابي، الزاهية الألوان، تغطي الأرضية والجدران . الوادي الهاديء، المشرفة جلستنا على منظره الساحر، كان يتواصلُ مع مَسيل الشلال الصاخب، المنهمرة مياهه من علوّ يناهز العشرين متراً. ثمة استراحات عديدة في جانبي الوادي، منها ما يقع مباشرةً بالقرب من مصبّ المياه. الأشجار المعراة الأوراق، كان أكثرها من الأنواع المثمرة كالسفرجل والتين والجوز، حيث تنتشر بكثافة هنا. ولم يكن من الممكن تمييز هذه الأشجار المثمرة، المسترخية في فيء الجبل، بدون سؤال هذا وذاك من المقيمين والعابرين. " تلك، التي تراها فوق، هي أشجار الشفرجل "، يُجيبني أحد أهالي المنطقة وهو يعني " السفرجل ". إذ أن المغاربة يلفظون السين شيناً؛ أي بصورة معاكسة لمواطنينا الشوام، القدامى!
وهيَ ذي إحدى أشجار التين، المحتفظة ببعض أوراقها، تبدو كما لو أنها تسند صخرة عظيمة، تقع إلى الأسفل من شرفتنا. لكل شرفةٍ بحرة صغيرة، تنبثق من وسطها نافورة المياه؛ وكلّ منها على شكل مختلف ـ كما في نافورة شرفتنا، المشكّلة على هيئة وعاء الطاجين، الفخاريّ. في الطرف الآخر للوادي، المقابل لشرفتنا، ثمة ما يشبه القرية، منازلها الطينية والحديثة منحدرة من أعالي القمم حتى حافة مسيل المياه. الأشجار هناك كثيفة، تبدو حرجية بمعظمها. المنازل الريفية، الموجودة في جهتنا، من الممكن تمييز أشكالها بسهولة نظراً لأن الأشجار المثمرة عارية من الأوراق في هذا الوقت من العام. أحد تلك المنازل، كان يضمّ مسبَحاً مبلطاً بالزليج، الزاهي الزرقة، مما يشي بكونه منذوراً لإقامة السيّاح. خلال مغادرتنا المكان، منحدرين نحو نقطة الانطلاق، لاحظت أن الزراعة هنا تعتمد على طريقة المدرجات، الجبلية. نتجاوز عدداً من الاستراحات، المتخذة صفة المقهى المطعم والمظلل أكثرها بالقصب، إلى بعض محلات بيع التحف، المغطاة بالقماش على هيئة الخيمة البربرية، التقليدية. حتى استوقفنا مشهدُ شابّ في مقتبل العمر، ينحت بمهارة تحفاً من الحجر على صوَر الحيوانات. دونما عناء في المجادلة بشأن السعر، اشتريت من الفنان الموهوب قطعتين دقيقتي الحجم، إحداهما تتمثل شكل السلحفاة والأخرى على شكل البوم.
< مستهل الفصل الثاني من كتاب " مَجنونة مَراكشية: رحلات إلى المدينة الحمراء وأخواتها "







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,820,060,093
- مَراكش؛ جبل توبقال
- بشار ابن أبيه
- موت ممثل صغير
- الغرب يسلّم سورية للملالي
- حادثة قديمة
- مَراكش؛ بواكٍ، أبوابٌ، بئرُ
- توم و جيري: اوباما و بشار
- مَراكش؛ أسواقٌ، أعشابٌ، بذرُ
- العودة إلى المربّع الأول
- القدم اليتيمة
- مَراكش؛ أصباحٌ، هاجراتٌ، بَدْرُ
- مَراكش؛ أذواقٌ، أصواتٌ، بَصَرُ
- مَراكش؛ زوايا، أماكنٌ، بؤرُ
- مَراكش؛ أشجارٌ، عرائشٌ، بشرُ
- شبّيحة علويّة، شبّيحة كرديّة
- حكاية شبّيح
- لأجل من قامت الثورة..؟
- ماردين؛ مِحَن الأسلاف
- مازيداغ؛ مسالك الأسلاف
- حلب؛ حلول الأسلاف


المزيد.....




- عبد الحميد جماهري .. انسحاب أخلاقي من لائحة الناشرين
- نقيب الممثلين المصريين يرد على تحميل الفنانين مسؤولية خسارة ...
- ممثل كوميدي مشهور يمازح السعوديين بعد خروجهم مع منتخب مصر من ...
- لأول مرة.. الكلاب تكتشف آفات القطع الفنية
- تكريم مرزوق المرزوق بمهرجان الموسيقى الكويتي
- -Black Panther- يحصد جوائز إم تي في
- خطبة مغنية البوب الشهيرة الناجية من إرهاب -داعش-
- المهرجون يخربون السيرك
- أفلام روسية بمهرجان كارلوفي فاري السينمائي بالتشيك (فيديو)
- مرسم النحات جياكوميتي يستقبل الجمهور لأول مرة


المزيد.....

- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر
- المجموعة القصصية(في اسطبلات الحمير / حيدر حسين سويري
- دراسات نقدية في التصميم الداخلي / فاتن عباس الآسدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - مَراكش؛ جبل توبقال 2