أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبد المنعم الراوى - قصة قصيرة: -بلوتوث-















المزيد.....

قصة قصيرة: -بلوتوث-


محمد عبد المنعم الراوى

الحوار المتمدن-العدد: 4066 - 2013 / 4 / 18 - 18:42
المحور: الادب والفن
    


انتهى من ارتداء ملابسه وأحكم رابطة عنقه، وأعاد تمشيط شعره، وقام برش البارفام ذلك العطر المفضل لديه، جلس ليدخن سيجارته مع الشاى..افترشت وفاء الأرض تحت قدميه لتلمع حذاءه وتحكم رباطه كعادتها. ثمّ نهض وعلّق نظارته الشمسية أعلى جبهته وهو يتناول حزمة المفاتيح والموبايل بيد وعلبة السجائر والولاّعة بيد..قام بتوديع زوجته باقتضاب:
ـ يالاّ باى مش عاوزة حاجة.

جلست تجهز للطعام وهى تشاهد التلفزيون، إنها ما زالت تعيش على أمل الإنجاب، وخمس سنوات ليست كثيرة! فهناك من ينتظر أكثر من ذلك، هى تريد فقط بنتاً أو ولداً ليذكرها دائماً به وليجسد تلك المشاعر التى تتضاعف لديها كل يوم نحوه منذ سنين.
أخذت تحدث نفسها: هل مجدى يحمل لى من مشاعر الحب بقدر ما أحمله له؟! ..مستحيل!.. لو كان يحمل لى نصفها أو حتى ربعها لما قدر على حملها، أمّا أنا فقد غمرتنى كل مشاعر الحب له حتّى كدت أغرق فيها لولا أن صار جسدى كله قلباً ليحتويها.إنى أغار عليه رغم كل إخلاصه وحبه لى، أغار عليه من كل الناس وكل شئ، أغار عليه من نظارته، أتمنى لو كنتُ مكانها ليرى الدنيا من خلالى..أقرّب لبصره كل ما يسعده وأحجب عنه كل ما يضايقه..أداعب رموشه وألمسها كنسمةٍ رقيقة.أتمنى لو كنت رابطة عنقه لأستريحَ على صدره، وأكون قريبةً من دقات قلبه..ليتنى كنت حذاءه لأحمله على ظهرى أينما أراد أن يذهب، وأتلقّى بدلاً منه شوكةً تدمى صدرى ولا تدمى قدميه كلما راح أو رجع.

لكن أكثر ما كان يؤرقها هو الموبايل، فهو هوايته المفضلة وعالمه الخاص، ينفرد به فى البلكون بالساعات، ما بين مكالمات ومشاهدات، ومع ذلك تحرص على احترام خصوصياته، فما يحبه لا ينبغى أن تكرهه حتّى وإن لم تكن تحبه، ومن ثمّ لا جدوى من الإصرار على معرفته، يكفى أن حضوره يحعل الدنيا كلها تحضر أمام عينيها، وابتسامته تجعل كل ما فى الوجود ملكاً لها وبين يديها، لكنها تفقد كل شئٍ حتى روحها كلما ذهب عنها أو انصرف.

رنّ جرس الباب فكانت صديقتها الحميمة ميمى وابنها مشمش، لم ترها منذ ما يقارب نصف العام، رغم أنها تعيش فى المحافظة المجاورة لها، ظلّ يتحدثان عن أحوالهما، ويتعاتبان فى تقصير كل منهما، ولماذا لم تحضر ميمى عيد ميلادها الذى مرّ عليه أسبوعان؟! فبادرت ميمى بالاعتذار ، وقدمت هديتها لوفاء:
ـ دا يا ست موبايل آخر موديل، متهيألى كده ما لكيش حجة.. علشان نكون على اتصال ببعض واطّمن عليكى!
ثمّ نهضت وقبلت وفاء..
ـ كل سنة وانتى طيبة يا حبيبتى عقبال كدة يارب 100 سنة.
كان الموبايل مفاجأة لوفاء لم تكن تنتظرها، وربما لم تكن ترغب فيها..
ـ هدية جميلة جداً يا ميمى، بس أنا ما افهمش فيه حاجة!
ـ ومشمش راح فين، دا واد عفريت، وحيخليكى تفهمى فيه زى الجن..
تعال يا مشمش اقعد هنا جنب طنط وعرفها فيه كل حاجة.. وأنا حقوم أجهز الغدا بدالك. وقبل أن تنهى ميمى مهمتها كان مشمش قد قام بمهمته شرّ قيام!، لقد جعل رأس طنط يدور، حيتُ أقحمها فى عالم كانت تجهل عنه كل شئ، فى حين أنها لم تكن ترغب فى أن تعرف عنه أى شئ!

خبأت وفاء الموبايل فى دولابها لتجعله مفاجأة لمجدى الذى حضر توّا..دخلت وفاء المطبخ لتعدّ بعض أنواع الحلوى بعد أن فرغ الجميع من طعام الغداء، وجلس مشمش أمام شاشة الكمبيوتر، فانفصل عن العالم المحيط به، ودخل كلٌّ من مجدى وميمى فى حواراتٍ معظمها هامسة وابتسامات متبادلة ونظراتٍ طويلة عميقة لم يكن معظمها بالطبع موجّها نحو وجه ميمى!
أخيراً انتهت وفاء من إعداد الحلوى، وسرعان ما قضوا عليها خاصة مجدى وميمى اللّذان شعرا بالجوع من جديد!

ودّعت ميمى صديقتها، وألقت السلام على مجدى الذى أسرع بمدّ يده ليقبض على يدها وظلّ يحدث مشمش:
ـ خلينا نشوفك يا مشمش ومتتأخرش علينا يا عسل!
ـ طيّب يا عمو.. بس انت تجهزلى ألعاب جديدة.
ـ يا سلام بس كده! من عينى يا حبيبى!
وأخيراً أطلق مجدى يدها ،وراح يسبق وفاء نحو البلكون ليرسل قبلاته الحارّة لتوديع مشمش الوداع الأخير!

لم يعد مجدى يشعر بامتلاك جسده بعد كل أنواع الحلوى التى التهمها والتى لم يلتهمها بعد!
طرح جسده على السرير، ومطّ ساقيه للأمام وذراعيه للخلف ليستجمع شعوراً بالنشوة الغائبة.. التقط الريموت وظل يتنقل عبر القنوات الفضائية..ازداد ارتخاءً، وأخذت جفونه تتساقط، ثمّ دخلت عليه وفاء تحمل كوباً من الشاى، فوضعته بجواره فوق الكوميدينو..خلعت الروب، وأطلقت شعرها فى الفضاء، وألقت بصدرها على صدره، لتنتشله قبل أن يغرق فى النوم..
ـ الشاى يا مجدى حيبرد.
فرك عينيه، وبدأ يتنبه لبرنامج خاص بملكات جمال العالم وهنّ خلف الكواليس، فاستقام بأعلى جسده متناولاً كوب الشاى، وبشربتين أتى على ما فيه.. وحين بدأت الحركة تدب فى جسده من جديد فجأة انفصل التيار الكهربىّ، فأطاح بالريموت فى عصبية، واضُطرّ أن يجبر نفسه على النوم..حاولت وفاء أن تعيده من جديد بأن تتداعب جسده بيدها المكتنزة، لكن دون جدوى، لقد ذهب الآن بالفعل مع الريح!
لم يغب طويلاً فى النوم، لأنه حان وقت جلوسه فى البلكون كعادته بصحبة الموبايل..
أحضرت وفاء النسكافيه، وتركته بجواره فوق الطاولة وانصرفت.

ظلّ يتفرس فى الموبايل تارةً، ويصوب نظره نحو الشرفات تارةً..التقطت سهامه امرأة تجلس فى بلكون ليس ببعيد وبيدها محمول، وبجوارها ابنها ـ الذى ذكّره بمشمش ـ يمسك بدفاتره، ويبدو أنها تستذكر معه بعض دروسه، لكنّه لاحظ أن ذلك لم يمنعها عن ممارسة هوايتها مع المحمول مثله!
وفى التوّ قام بفتح البلوتوث، وسرعان ما التقط الاتصال بها، فأشعل سيجارته، وأخذ يرشف النسكافيه، وشرع يستقبل قائلاً: يا مسهّل يا رب!..ابعت يا اللّى بتبعت!..لم يصدّق نفسه مع أول استقبال: يا بنت الذين! ..ظل يستقبل ويتفرس ما ترسله إليه من مقاطع جسدية تنمّ عن جمالٍ إغريقى، فضم شفتيه ونفخ: أوففف، وأخذ يتمتم: يا بنت الإيه!، قال وعاملة نفسها بتذاكر للواد!.
فجأة سقط المحمول من يدها فى الشارع، فالتفت إليها وهى تدفع ابنها ليأتى به. أسرع الولد نحو الشارع وصرخ منادياً..
ـ يا ماما..الآلة الحاسبة اتكسّرت مية حتّة!
ـ خلاص سيبها واطلع يا هشام.
صُعِقَ مجدى..لم يصدق ما سمعه..
ـ طب ازاى؟! ومين؟! وفين؟!
لم يشعر إلاّ بمن يربت على كتفه..
ـ ها إيه رأيك فى المفاجأة دى!..عجبتك!

كاد يسقط على الأرض مغشياً عليه، ثمّ حاول أن يسترد وعيه ليسترجع بعض ما حدث، فأطاح بالموبايل بقوة على الأرض وهو ينظر إليها نظراتٍ حادة، ثمّ شعر بشئٍ من الخجل، فطأطأ رأسه وظلّ شارداً بفكره بين خيالٍ واهمٍ عاش فيه وواقع مُجسّد أمامه لم تدركه بصيرته من قبل!..
وضع يده على خصرها، وظلّ يتفرس جسدها الذى اكتشفه على حقيقته منذ قليل!..نهض وأسند رأسه على كتفها، فألقت المحمول من يدها على الأرض لترفع رأسه، نظرت فى عينيه، فأدركت دمعةً أسرعت إليها فالتقطتها بإصبعها قبل أن تسقط على الأرض وقبلتها، لكنها لم تكن تعلم أن تلك الدمعة كانت تسبق سيلاً من الدموع سيغرق صدرها.احتضنته..فاحتضنها حتى كاد يعصر جسدها، وحملها على ذراعيه، واتجه بها نحو غرفة نومهما مهشّماً بقدمه ما على الأرض من حُطام.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,276,741,800
- قصة قصيرة: -كلاكيت آخر مرّة-
- طاقية فى العِب
- رهين المحبسين
- -تحيا الوِحدة العربيّة-
- قصة فصيرة
- قصة قصيرة: كل حاجة قديمة للبيع


المزيد.....




- أول رد فعل من الفنانة شيرين بعد اتهامها بالإساءة لمصر وإيقاف ...
- محام يطالب بوقف الفنانة شيرين نهائيا
- مبدعون يناقشون صورة الأمومة في عيد الأم
- تصاميم مبهرة في أسبوع الموضة بموسكو (فيديو+صور)
- هل -شرطة دبي- حقاً -تُلاحق- الممثل العالمي جاكي شان؟
- كتاب -أسمهان ورحلة العمر.. حكايات وشهادات-.. حياة قصيرة ومثي ...
- المحكمة الادارية تبرئ النائب الثالث لرئيس جماعة تطوان
- ألمع نجوم هوليوود يجتمعون في أضخم فيلم لعام 2019! (فيديو)
- هل -شرطة دبي- حقاً -تُلاحق- الممثل العالمي جاكي شان؟
- علاش عوالين جنرالات الجزائر؟ قايد صالح في بشار لأجل التحضير ...


المزيد.....

- المسرح الشعبي في الوطن العربي / فاضل خليل
- مدين للصدفة / جمال الموساوي
- جينوم الشعر العمودي و الحر / مصطفى عليوي كاظم
- الرواية العربية و تداخل الأجناس الأدبية / حسن ابراهيمي
- رواية -عواصم السماء- / عادل صوما
- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ليلة مومس / تامة / منير الكلداني
- رواية ليتنى لم أكن داياڨ-;-ورا / إيمى الأشقر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبد المنعم الراوى - قصة قصيرة: -بلوتوث-