أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - باسل عثمان - النزعة الأناركية والثورة، دراسة نقدية للأناركية















المزيد.....


النزعة الأناركية والثورة، دراسة نقدية للأناركية


باسل عثمان

الحوار المتمدن-العدد: 4064 - 2013 / 4 / 16 - 15:05
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


النزعة الأناركية والثورة


دراسة نقدية للأناركية

باسل عثمان

(إهداء إلى أصدقائي الأناركيين)






النزعة الأناركية والثورة

مقدّمة
تؤدي الانتفاضات الشعبية التي يشهدها الوطن العربي والعالم بالترافق مع التطور المتسارع للأزمة الرأسمالية العالمية (اتساع رقعة البطالة، الاستقطاب الطبقي الحاد، انهيار المؤسسات الرأسمالية بالتوازي مع تفاقم ثروات عمالقة رؤوس الأموال، الفقر) إلى زعزعة أسس المنظومات الفكرية السائدة في المجتمع. و في هذا السياق تبرز لدى الفئات الشبابية الثائرة، خصوصا، النزعة الأناركية الرافضة لكل السلطات في جميع الميادين، الفكرية والسياسية والمؤسساتية والتنظيمية، والرافضة للدولة باعتبارها جهازاً فوق المجتمع.
تبرز أهمية هذه النزعة في توضيح الطبيعة الاستغلالية والقمعية للنظام الرأسمالي من جهة، ومحاربة النزعة الانتهازية والاصلاحية والبيروقراطية لقيادات الأحزاب العمالية واليسارية . وهنا نجد أن الأناركية تلتقي مع الماركسية في محاربة الواقع القائم، رفض الرأسمالية، وفي الهدف النهائي من حيث تحقيق مجتمع لاطبقي وحل الدولة. لذلك نلمس تعاطف الشباب الثائر مع الاتجاهين في الممارسة العملية، ونجد إمكانية للتنسيق والتلاقي بينهم في ميدان النضال اليومي بشكل عام.

المنطق الأناركي والنظرية الثورية

وبسبب هذه اللغة "الثورية" للأناركية من جهة، وبساطتها من جهة أخرى، نجد أن أعداداً كبيرة من الشباب الثائر تتملّكها هذه النزعة. معظم الأناركيون يعتبرون "النظرية" أداة نخبوية تعلو فوق المجتمع، ويرفضونها. يعطي الأناركيون بشكل عام الأهمية الكبرى "للشعور" و"الاندفاع" و"الحس الثوري".وهنا نلحظ "الشحنات الانفعالية" لدى الأناركيين، والتي تخبو فجأة عند أول اختبار عملي وتماس مع الواقع. ورغم أهمية هذا الحس الثوري الذي يكشف "خيانة" الاحزاب اليسارية التقليدية والقيادات النقابية وارتباطها بالأنظمة القائمة، نرى أن عدم إضافة الوعي إليه يؤدي إلى اجهاض العملية الثورية.إن الاعتصامات والمظاهرات والاضرابات العامة والغرافيتي والشعارات والبروباغندا والبلاك بلوك تشكل أدوات ثورية أساسية إذا ما استخدمت بالتكتيك الصحيح، ولكن استكمال الثورة يحتاج إلى استراتيجية عامة مبنية على رؤية عميقة للواقع وتفاعلاته وممكناته ومشروع بديل. في المقابل، إن استمرار العبثية والتشوش وغياب البرنامج الواضح وعدم التنظيم له لن يؤدي إلا إلى احتجاز الحراك الثوري في مرحلته الطفولية ويجعله عرضة للانتكاسات المتكررة وتقدم الثورة المضادة. إن الشحنات العاطفية وعبثية الاحتجاجات والانتفاضات برهنت عدم قدرتها على تحقيق التغيير الحقيقي، واقتصرت على التمرد والانفعال الذي سرعان ما يخبو فجأة ويتحول إلى إحباط ما لم يترافق باسترايجية واضحة وبديل ممكن للواقع القائم. ومع الممارسة العملية تتضح ضحالة الأفكار الأناركية وعدم قدرتها على التعامل مع الواقع بشكل منتج، وسرعان ما يكتشف هؤلاء الثوار الشجعان بأنفسهم أن احتلال الساحات العامة والغرافيتي والشعارات الجذابة لن تؤدي إلى استكمال الثورة، بدون إضافة عنصر الوعي إلى هذا الحراك. اي أنهم يكتشفون حاجتهم للتنظيم وانتاج النظرية الثورية والبرنامج المبني على رؤية ثورية للواقع. فرغم رفضها الجذري للواقع القائم، لا تقدم الاناركية مشروعاً ثوريا ينطلق من الظروف الحالية للوصول إلى البديل الممكن، وهو ما تقدمه الماركسية. وهنا نعني بالماركسية النظرية الحية، المنهج المادي الجدلي الذي يشمل كل أدوات التحليل المجتمعي والاقتصادي والعلمي (وليس الفهم الميكانيكي الجامد ولا الصورة البيروقراطية التي سادت) بالاستفادة أيضاً من الخبرات الثورية الماضية (التي بدونها سوف يكون لانتاج النظرية الثورية كلفة هائلة بالاعتماد على التجربة بشكل أساسي). تستخدم الماركسية كل هذا المخزون من أجل فهم الواقع بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتعبيراته الايديولوجية والثقافية والفكرية والأدبية والأخلاقية والتأسيس على ذلك من أجل تحقيق التغيير الثوري. من جهة أخرى نرى الأناركية تتخبط في بحر الأوهام لتحاربها.
وبينما ينظر باكونين - وهو أحد أهم أعلام الأناركية - إلى الانسان كجوهر ثابت، يعتبر ماركس أن الجوهر الانساني يتكون ويتطور بشكل مستمر خلال عملية الانتاج. وبناء على ذلك يعتبر باكونين أن تحقيق تحرر الانسان من الاغتراب يكون عبر استعادة "جوهر الانسان"الطبيعي-الغريزي الذي تم استلابه عند نشوء الدولة وتكوّن الطبقات الاجتماعية وبالتالي فلا حاجة لتوعية الجماهير وتنظيمها، بل يرى أن الحس الطبقي وحده قادر على دفع الثورة نحو النصر و تحرير الانسان. وبناء على ذلك يركز الأناركيون على العمل النقابي وحده وأما المستوى السياسي لديهم فيقتصر على العمل السري، بينما يؤكد ماركس على ضرورة تنظيم الطبقة العاملة وتوعيتها. وعمليا تؤدي هذه النزعة المفرطة للعمل السري إلى قيام التنظيم على رأسه، أي إلى أسوأ أشكال البيروقراطية ، وهذا ما يبدو شديد التناقض مع الشعارات الأناركية المطروحة ويؤسس لانفصام الشعارات عن التطبيق وهي ميزة التنظيمات البرجوازية الصغيرة. من جهة أخرى، يعتبر ماركس أن الغاء اغتراب الانسان عن ذاته، وتحريره، لا يتم بالعودة إلى الوراء (الغريزة-الطبيعة)، بل بخلق إنسان "جديد" (نفي النفي، المُرَكَّب)، وهو الذي يتضمّن عنصرَي الوعي (الناتج عن تطور تقسيم العمل) وتجاوز الاضطهاد الطبقي. بعبارة أخرى، تبدو لباكونين مسألة تحرر الانسان متعلقة بالعودة إلى شكل من أشكال المشاعية البدئية التي تتلاءم مع "جوهر الانسان". بينما يعتبر ماركس هذا التحرر رهن بالمراكمة على منجزات المسيرة التاريخية لتقسيم العمل والتي ترافقت بتطور الوعي الانساني ،مع تجاوز الاستلاب الذي حققه هذا التطور أيضاً، وبالتالي يعتبرالانسان الجديد هو الذي يكتسب سمة التحرر الموجودة "بذرتها" في المشاعية البدائية والوعي الناتج عن تطور تقسيم العمل. إذاً، تصبح الفردانية الغريزية والعفوية هي تحقق الحرية لدى باكونين، بينما يعتبر ماركس أن اتباع الانسان للعفوية الغريزية يعيد تكريس تقييده، ويعتبر أن الوعي ركن أساس في تحقق الحرية.

وفي الوقت نفسه يعتبر ماركس أن التموضع الطبقي يمنع تحقق حرية الطبقة المُستَغَلة، وهنا يصبح تحرير الطبقة العاملة من الاضطهاد الطبقي شرط حتمي لتحقق الحرية الفردية الحقيقية.وبالتالي يعتبر ماركس أيضاً أن التحرر الجماعي والواعي للطبقة العاملة هو مفتاح تحرر الإنسان الفرد من اغترابه ومن تحديدات الطبيعة في الوقت نفسه، وتحقق الانسان "الناضج" والواعي لذاته. في المقابل، ينطلق المنطق الأناركي من "تحرر الفرد" كأساس لتحرر الطبقة والمجتمع ككل.

يتجلّى رفض الأناركية للنظرية عبر توصيفها لمشاكل المجتمع الرأسمالي بشكل مبسط وسطحي، ومن ثم عرض "وصفتها السحرية" عبر "عكس" هذه المشاكل:
"أمراض المجتمع" والوصفة الأناركية الخماسية السحرية :
1- الرأسمالية : تعالج بتطبيق الشيوعية
2- الدولة والسلطة : تعالج بحل الدولة وإقامة المجتمع اللاسلطوي
3- الشوفينية والوطنية والحدود : تعالج بالعالمية (الكوزموبوليتية)، إزالة الحدود القومية
4- اضطهاد المرأة، العلاقات الاجتماعية المقيّدة : تحرير المرأة، العلاقات الاجتماعية المحدودة
5- قولبة عقول الأطفال من خلال المؤسسات التربوية والعائلة : تحرير الأطفال من عبودية التعليم والعائلة
ولكن كيف تطبَّق هذه الوصفة؟ الأناركية تنطلق من "الأفكار" وبالتالي علينا أن نقنع الناس بهذه الأفكار الجيدة حتى تُطَبَّق، وهذا أشبه بالأسلوب التبشيري. ومن هنا نلحظ أن الأناركية أقرب إلى اليوتوبيا، التي تعتمد على الشعارات البسيطة. من جهة أخرى نلحظ أن الماركسية التي تعتمد تحليلا عميقا للظروف الاقتصادية والاجتماعية تقدم تعبيراً سياسيا أكثر تعقيداً.
وإذا ما عدنا للمنطق الذي يحكم التفكير الأناركي، فهو، رغم ثوريته الظاهرة، يخفي عقلا مثاليا رجعيا. وتماماً كما يولد المستقبل من أحشاء الحاضر مناقضاً له، فهو يحمل أيضاً رواسب من سماته. ورغم الدعوة البارزة لدى الأناركيين لتدمير المنظومات الفكرية السائدة في المجتمع، فهي تبقى منحكمة للمنطق السائد نفسه الذي لم تتحرر منه. إنه المنطق الميتافيزيقي المثالي Idealistic metaphysical logic الذي "يؤلّه" الفكرة ويرى الواقع إنعكاساً لها، والذي يرى كل موجود بمثابة "جوهر" ثابت.

وبناءً على ذلك، تصبح "السلطة" و "الدولة" و "الحزب" و"الماركسية" و"الحداثة" جواهر وهويّات قائمة بحد ذاتها، منخلعة عن الظروف والواقع وبالتالي يتأسس منطق ثنائي يقوم على المصطلح وعكسه. فتُرفَض "السلطة" بالدعوة لـ "اللاسلطوية" والمركزية التنظيمية بالدعوة للامركزية.
هؤلاء "الثوريون" الذين يبهرون الناس بشعاراتهم حول "تحطيم القيود" يقيدهم المنطق السائد نفسه، وكأن صراع "الأفكار" هو الصراع المحدّد، وكأن "الأفكار" لها وجودها المجرّد. يغيب التحليل العلمي والموضوعي للظواهر عن هذا المنطق، فيعجز عن فهم الواقع، وبالتالي يعجز أيضاً عن تغييره. إنه منطق غير قادر على استيعاب ديالكتيك الحركة والتغير وبالتالي غير قادر على استيعاب مفهوم الثورة بشكل عميق. فهذا المنطق يخلق "آلهة" مجرّدة، ليحدد مهمّته في هدمها، ويخوض في بحر "الأوهام" لمحاربة الأوهام، ولا يحارب المصدر الذي ينتجها. بعبارة أخرى، إنه يحارب اللاهوت بمنطق اللاهوت، أي بلاهوت اللا-لاهوت !
يقول باكونين، أحد أعلام الأناركية :"يجب أن تكون ثورتنا الأولى ضد الحكم الاستبدادي للاهوت، ضد وهم الرّب. فطالما ظللنا متعلقين بسيّد في السّماء سنظل عبيداً على الأرض."
وهنا نلحظ المنطق المنقلب على رأسه. فالعدو الأساسي المسبب للعبودية بالنسبة لباكونين، هو "الوهم" ويعتبر الظروف الموضوعية الحقيقية التي أنتجت هذا "الوهم"، نتاجاً له. وبالتالي يصبح النضال "الثوري" نضالا ضد "الأوهام" و"الأفكار" من أجل تغيير الواقع. المنطق العلمي يقول أن الأفكار بالأساس هي نتاج أعلى ومعقّد للواقع، وبالتالي تغيير هذا الواقع هو الأساس الذي عبره نغيّر هذه الأفكار. فكيف تُنتَج هذه الأفكار وكيف "تُطبَخ"؟ هل تسقط من السماء؟ أليست هذه الأسئلة ضرورية من أجل محاربة "الأوهام" بطريقة فعّالة؟
لا يبدو أن الأناركية تُعنَى كثيراً بهذه الأسئلة. فالأفكار هويّات ثابتة بحدِّ ذاتها، وبالتالي المعركة بسيطة، على المجتمع أن "ينزع" هذه الأفكار الشيطانية العفنة من رأسهِ حتّى يصلح المجتمع. يصبح العدوّ هو "السلطة" بغضِّ النظر عن طبيعتها والظروف التي أنتجتها. ويصبح الحل بسيطاً، هو إقامة المجتمع "اللاسلطوي" بغض النظر عن طريقة الوصول إلى هذه المرحلة. لنذهب ونقنع الناس باستبدال الأفكار العفنة حتى نصل لهذه المرحلة؟
أليسَت الظروف "العفنة" هي التي تنتج الأفكار العفنة؟ وكيف نحقق "التحرر" بدون إقامة سلطة نقيضة تحرر المجتمع من الظروف العفنة والقيود المادية التي تنتج هذا الوعي الزائف؟
طبعاً سنجد الكثير من الاجابات السهلة لدى هؤلاء الذين يلبسون أقنعة "الذئاب الثوريين"(التعبير لماركس). فما دامت الأفكار هي التي تحدد الواقع، فلماذا لا نجرب مثلا فكرة "التسيير الذاتي!". لنقنع الناس بذلك حتى نسقط الواقع القائم !
وفي حين لا تدلنا الأناركية بوضوح على طريقها المنشود لاسقاط الطبقة الرأسمالية المسيطرة على المصانع والمؤسسات لتطبيق فكرة التسيير الذاتي(ربما الاتجاه الأكبر فيها يقول بكفاية الاضراب العام المفتوح لتحقيق ذلك) ، نرى أن التسيير الذاتي للمصانع والمؤسسات لايمكن أن يتحقق حتى بعد اسقاط هذه الطبقة بشكل مباشر.فإسقاط السلطة لا يعني انهاء الانقسام الطبقي تلقائيا و لا يعني غياب آليات السوق فجأة، خصوصا أن الاقتصاد لن يتحول فجأة من اقتصاد ندرة واحتكار إلى اقتصاد وفرة من دون تخطيط. كل ذلك يضاف إليه الوعي الزائف الذي زرعته السلطة، والذي لا يسقط فجأة مع سقوطها. يريد الأناركيون هدم الدولة وهدم كل سلطة بضربة قاضية وبشكل مفاجئ. هل يطلبون من الثورة أن تتخلى عن سلطتها كي تنتصر الثورة المضادة والسلطة القائمة؟هذه الدعوة لا تؤدي إلا إلى التشوش والارباك في صفوف الثورة، ولا تخدم سوى الثورة المضادة وإعادة إنتاج الواقع القائم.

مقاربة موضوع السلطة

إن المقاربة الواقعية لماهيّة السلطة تختلف عن مجرد اعتبار السلطة "مصدراً للشر" والتسيير الذاتي هو "الخير المطلق". الفهم الملامس للواقع هو الذي يعتبر السلطة والتسيير الذاتي مفهومين نسبيين، والذين تتبدل أهميّتهما بحسب الظروف الموضوعية. بتجاهل هذه الظروف ، يستمر اللاسلطويون في حربهم العمياء من دون نتيجة، أو حتى أحياناً بنتيجة معاكسة وهي العودة إلى أكثر أشكال السلطة بدائية وقمعاً.
هذه النقطة المفصلية تعود لتبرز أصل الاختلاف النظري بين الاتجاهين. فالماركسية تعتبر أن الشروط المادية الموضوعية هي التي تحدد الوعي أصلا، بينما تتعامل الأناركية مع هذه المسألة بطريقة عكسية. وبشكل مشابه أيضا، تعتبر الاناركية الانقسام الطبقي للمجتمع، والملكية الخاصة،والاضطهاد الطبقي، نتاجاً للسلطة القائمة، للدولة، وأدواتها (لذلك تعتبرها كائناً "شيطانيا" يجب رفضه). من جهة أخرى ترى الماركسية أن الدولة والسلطة السياسية هي نتاج أو تعبير عن واقع الانقسام والاستغلال الطبقي من أجل تكريسه وحماية مصالح الطبقة المستغِلّة، وأن إسقاط السلطة لا يعني مباشرة الغاء الطبقية. وتعتبر الماركسية أنه من الضروري أن تصل الطبقة العاملة للسلطة من اجل أن تتحرر ، اي من أجل إنهاء الملكية الخاصة، وبالتالي الغاء الاضطهاد الطبقي والغاء الطبقة العاملة لنفسها أيضاً.
هذا العقل الأناركي غير قادر على استيعاب العلاقة الجدلية بين السلطة والتحرر، ولا تحول الواقع إلى نقيضة ثم ارتقائه إلى نفي النفي. إن تجاوز السلطة القائمة، بالنسبة للماركسية، بوصفها سلطة الطبقة المسيطرة يفترض تحرُّر الإنسان من كل قيوده (الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية، الايديولوجية، الأخلاقية...) ومن الوعي الزائف الذي تزرعه السلطة عبر مؤسساتها لاضطهاد الأغلبية الساحقة من المجتمع، وحماية الثورة من "الثورة المضادة"، وإلغاء الملكية الخاصة من أجل تحقيق المجتمع اللاطبقي. وبالتالي هذا يفترض قيام سلطة الأغلبية المظلومة، هي سلطة الطبقة التي تسعى لإلغاء الاستغلال الطبقي وبالتالي تسعى لإلغاء نفسها أيضاً وتلاشي الدولة. فلا دولة الطبقة العاملة ولا القيادة الثورية هي الهدف النهائي للماركسية، بل إقامة المجتمع اللاطبقي حيث يتلاشى وجود الدولة مع انهاء الطبقية. ولكن هذا لا يتم الا عبر تحقيق الشروط الموضوعية بقيادة الطبقة العاملة.
و في الحقيقة إن عدم طرح الاناركيين مسألة الوصول إلى السلطة يجعلهم كذلك عرضة للفصام بين الأفكار والممارسة السياسية التي كثيراً ما تلوثت بالتحالف مع البرجوازية الحاكمة (فرنسا 1914، اسبانيا مشاركة القيادات الاناركية في الحكومة البرجوازية بعدما استطاع الاناركيون السيطرة على كاتلونيا ورفضوا تشكيل حكومة ثورية!)

ولكن يعتبر الأناركيون أيضاً أن المشكلة تكمن في "التمثيل" بحد ذاته، وأنه لا يمكن أن يوجد "تمثيل صحيح" للناس في المؤسسات السياسية. وهنا أيضاً نجد مقاربة جامدة للواقع ك"هويات" ثابتة. فالأناركيون يبنون على التمثيل البرلماني البرجوازي مثلا، أو التمثيل في ظل دولة بيروقراطية، ليتم إطلاق ذلك على فكرة التمثيل ككل ويجري نفي صحته بشكل مطلق.
ان حماية دولة العمال من الارتكاس البيروقراطي يتم عبر المشاركة الفاعلة والواعية للطبقة العاملة في ادارة المجتمع والصناعة والدولة عبر الآليات الديموقراطية الدولة، وليس رفض الدولة بالمطلق هو الحل. فدولة العمال الحقيقية هي الطريق الضروري للعبور باتجاه اللادولة. وقد حاول لينين في كتابه "الثورة والدولة" تلمّس بعض هذه الآليات التي علينا دراستها من جديد وتطويرها. وكان قد ركّز على بعض التدابير البسيطة والمهمة مثل الغاء كل علاوات التمثيل ، الغاء امتيازات جميع موظفي الدولة إلى مستوى "أجرة عامل"، وانتخاب جميع الموظفين دون استثناء وامكانية سحبهم في اي وقت. وبالتالي إن دولة العمال ، أو شبه-الدولة كما أسماها ماركس، هي في الحقيقة أقرب إلى الحكم المباشر للطبقة العاملة منها إلى الدولة البرجوازية، وهي الدولة التي وظيفتها أن تنهي نفسها. إنها في الحقيقة ليست سوى تنظيم قوة الطبقة العاملة الثورية لاستكمال الثورة. وبالتالي هذه الدولة مُصَمَّمَة من أجل التلاشي مع اقتراب استكمال مهمتها، وبالتالي "الذوبان" في المجتمع حيث تصبح الادارة الاجتماعية أو التسيير الذاتي ممكنا.






الأناركية والتنظيم الحزبي

تنسحب النظرة الأناركية الجامدة أيضاً على فكرة القيادة. بناءً على رفض واقع القيادة الانتهازية والإصلاحية والبيروقراطية للنقابات والأحزاب العمالية، يجري رفض مفهوم القيادة بالمطلق. ولكن ما هي النتيجة العملية لهذا الموقف؟ استمرار هذه القيادة السيئة للتنظيمات. وأما في الواقع، فالظروف الموضوعية للطبقة العاملة في ظل النظام الرأسمالي القائم، تمنعها من انتاج نظريتها الثورية وتطويرها بشكل جماعي، ومن هنا تبرز ضرورة وجود القيادة السياسية التي تعبر عن الطبقة بشكل صحيح. في الحقيقة ان رفض تنظيم الطبقة العاملة عبر حزب ثوري حقيقي، سوف يبقيها "مادة خام للاستغلال الطبقي" كما يقول ماركس، ولن يمكنها من تحقيق التغيير. من جهة أخرى، إن الممارسة العملية البسيطة تبرز ضرورة وجود قيادة للعمل الثوري (الاضرابات، المظاهرات...) وهنا نجد الاناركيين يسترون مفهوم القيادة بأسماء أخرى (المديرين، المساعدين، الكوادر...). وبسبب غياب الآليات الديموقراطية، من جهة، والنزعة السرّية للأناركيين، تنقلب الأساليب الاناركية في التنظيم عندها إلى نقيضها، كما أظهرت التجارب، حيث تسود أسوأ أنواع البيروقراطية!
إن المفهوم الفرداني للتنظيم عند الاناركية وضرورة اتخاذ القرارات بالاجماع، وبالتالي عدم تنفيذ رأي الأكثرية ، حيث يمكن لأي شخص أن يستخدم الفيتو لتعطيل اي قرار عاجل ليعبّر عن سلطة الاقلية على الأكثرية و يدخل التنظيم في حلقة مفرغة من النقاش اللانهائي، يعرقل الممارسة الثورية و يعبر بالاساس عن ثقافة الفئات الوسطى أو البرجوازية الصغيرة. بينما تفترض مصلحة الطبقة العاملة الانتقال من النقاش والتصويت الى الفعل الثوري وهذا يجب أن ينحكم للآليات الديموقراطية التي تحفظ حق الاقلية في ابداء الرأي والحوار ولكن أيضا مركزية التنظيم تنفيذيا.

خاتمة

تمثل النزعة الأناركية لدى الشباب الثائر ردة فعل طبيعية بوجه النظام القمعي القائم، والاستلاب، وبوجه البيروقراطية التنظيمية والاصلاحية والانتهازية المنتشرة في التنظيمات اليسارية.إن رفض البيروقراطية التنظيمية والانتهازية في الأحزاب العمالية لا يجب أن يعني في حال من الأحوال رفض التنظيم كوسيلة للتغيير، وإن رفض النظام القائم بدون تقديم البديل الثوري الحقيقي لن يكفي لاسقاطه. على هذا الرفض أن يتحوّل إلى قوة واعية ومنظمة تمتلك رؤية واستراتيجية واضحة وبرنامجاً ثوريا، وذلك بالاستناد إلى التحليل الملموس للواقع الملموس.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,388,972,350


المزيد.....




- بعد القتل البطئ للرئيس السابق: آلاف السجناء في خطر
- في بيان حزب التجمع عن السقوط الإخواني لأردوغان وجماعته الإره ...
- مرسي يجسد المأساة العربية
- «لينين الرملى» رائد الكوميديا الجماهيرية
- مات محمد مرسي تحيا ثورة 25 يناير المجيدة
- افتتاح لقاء الأحزاب الشيوعية العربية ببيروت
- الشيوعي اللبناني يلتقي الديمقراطية في صور
- -الشيوعي- يستقب وفداً كوبياً
- من أجل برنامج نضالي مشترك لصد الزحف على ما تبقى من المكتسبات ...
- ناشطون عرب وبرازيليون يتظاهرون أمام قنصلية النظام السوري في ...


المزيد.....

- الجزائر الأزمة ورهان الحرية / نورالدين خنيش
- الحراك الشعبي في اليمن / عدلي عبد القوي العبسي
- أخي تشي / خوان مارتين جيفارا
- الرد على تحديات المستقبل من خلال قراءة غرامشي لماركس / زهير الخويلدي
- الشيعة العراقية السكانية وعرقنةُ الصراع السياسي: مقاربة لدين ... / فارس كمال نظمي
- أزمة اليسار المصرى و البحث عن إستراتيجية / عمرو إمام عمر
- في الجدل الاجتماعي والقانوني بين عقل الدولة وضمير الشعب / زهير الخويلدي
- توطيد دولة الحق، سنوات الرصاص، عمل الذاكرة وحقوق الإنسان - م ... / امال الحسين
- الماركسية هل مازالت تصلح ؟ ( 2 ) / عمرو إمام عمر
- حوار مع نزار بوجلال الناطق الرسمي باسم النقابيون الراديكاليو ... / النقابيون الراديكاليون


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - باسل عثمان - النزعة الأناركية والثورة، دراسة نقدية للأناركية