أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبد المنعم الراوى - طاقية فى العِب















المزيد.....

طاقية فى العِب


محمد عبد المنعم الراوى

الحوار المتمدن-العدد: 4047 - 2013 / 3 / 30 - 13:33
المحور: الادب والفن
    


أيام فقر..ما يعلم بها إلاّ ربنا، الذاكرة تضعف وتزول وهى لا تزول..حارة سد فى حىٍّ عشوائى فى قلب القاهرة..منْ الذى أطلق عليه كلمة الحىّ؟! إنه أبعد ما يكون عن الحياة!.. أزقّة وحارات وبيوت عبارة عن علب كبريت..الناس جوّاها عيدان غير قابلة للاشتعال..مدخل البيت نفق مُظلم..السلالم متهالكة، تنحنى وتزحف عليها عند الصعود! وتتدحرج وتسقط على أعتابها عند الهبوط..لابد أن تقبّلها مرغماً حتّى تسمح لك بالمرور!..حجرات متلاصقة، كل حجرة تحوى فى أحشائها أسرة بأكملها..الكل يقبع بالحىّ كالأموات؛ بل أمواتٌ بالفعل، النهاردة هوّ بكرة، وبكرة هوّ امبارح، البيوت لا تدور مع الأرض، هى تنزل فقط تحت الأرض!
فى النهّار الكل يتبادل الروائح، وعليه أن يشمها..فى المساء الكل يتبادل الشجار أو الضحكات، وعليه أن يشارك فيها..فى المبيت الكل يتبادل الشخير أو الآهات، ويدّعى أنه ليس هو!
على رأس الحارة قطعة أرض كانت لمنزل عفا عنه الزمن، هى المُتنفّس الوحيد لصلاح وصاحبه عصام وبقية الشلّة، يمارسون عليها ألعاباً اخترعوها، وأخرى ورثوها عمّن سبقهم من أبناء الحىّ، لكن أكثر لعبة كانت تروق لصلاح وينسى الدّنيا كلها حين يمارسها "طاقية فى العب"، لأنه كان بارعاً فى الكشف عمّن خبّأ الطاقيّة، ويملك سرعة فى الانطلاق خلفه والإيقاع به فى لحظات، الوحيد الذى كان يباريه فى هذه اللّعبة هو عصام، لكن فى القدرة على معرفة موضع الطاقية وليس فى سرعة الانطلاق.
ذكريات الحىّ كلها لا يمكن نسيانها، بحلوها ومرّها، لكن الانفلات منه هدف يتطلع إليه الصاحبان، ولابد من السعى لتحقيقه، لقد بات التّخرج من حياة هؤلاء الأموات أهم من التخرج من الجامعة!
غير أن الشعور بالفقد قد سيطر على صلاح منذ أن اُعتقِل صاحبه عصام وهو فى السنة النهائية من الليسانس، لانتمائه لجماعة الإخوان المسلمين، لأول مرة يفترقان، لقد كانا متلازمين أثناء مراحل تعليمهما، حتّى المرحلة الجامعية، فبالرغم من أنّ كلاً منهما فى كلية، لكنهما كانا فى نفس الجامعة!
غياب عصام لم يُثنِ صلاح عن هدفه، بل أصبح دافعاً أقوى لتحقيقه، فالحىّ صار أكثر ضيقاً وقبراً من قبور القاهرة الكبرى، خاصة أنّ القاهرة بها أحياءٌ حقيقية، يعيش فيها بشر غير هؤلاء البشر، فما الذى يُقعده عن أن يعيش كهؤلاء؛ ربما يملكون الآن ما لا يملكه! لكنه يملك منذ صغره ذكاءً يدفعه لإدراك ما أدركوه، وثقافةً ووعياً سيدفعانه ليقتحم أسوارهم، ومن ثمَّ يعلو فوق الجميع!
لكن كيف يصبح رجلاً من رجالات هذا المجتمع؟! فالفرد يصنع الجماعة، والجماعة لا شكّ تعلو بالفرد، إذاً لابد من الانتماء حتّى وإن كان مؤقتاً.
فليكن شيوعيّاً!..إنهم يتمتعون بشهرة، وينظر إليهم الجميع بعين التقدير والاحترام، يملأون الإعلام بأدبهم وثقافتهم من منطلق رؤية وفلسفة طالما قرأ عنها فيما قرأ عن تولستوى وتشيكوف، وكذلك عن ماركس وإنجلز ولينين وستالين، وغيرهم.
خرج صلاح عليهم بكل أسلحته، بهرهم بثقافته، وحضوره، ولباقته، التفوا حوله، واحتفوا به فى اجتماعاتهم، وندواتهم، وحرص هو أيضاً على أن يشاركهم همومهم، وأن يكون فى طليعة مظاهراتهم، وألاّ يحرمهم براعة قلمه وبلاغته عند كتابة بياناتهم ومنشوراتهم، حتّى صار اسماً يدوًى بينهم، ومن ثَمّ أصبح على رأس قائمة المطلوبين لدى النظام!
اعتقد أن هذا فقط كلّ ما ينبغى أن يشاركهم فيه، لم يدرِ أنه سيأخذ حظه كما أخذه كلٌ منهم خلف القضبان.
ـ صلاح!
ـ عصام!
لم يكن كلٌّ منهما يتصور أنه سيلقى صاحبه بعد كل تلك السنين فى هذا المكان الذى يذكرهم بالحىّ الذى عاشا فيه، وبخيبة أملهما فى تحقيق الهدف الذى كانا يتطلعان إلى تحقيقة.
ـ فاكر يا صلاح آخر مرّة لعبنا فيها "طاقيّة فى العِب"
ـ طبعاً فاكر، لأن دا الدور الوحيد اللى خسرته!
ـ ده لأنك بتجرى بسرعة قبل ما تفكر الطاقية فين بالظبط!
ـ طول عمرك أشطر منّى فى دى يا عصام.
خرج صلاح..لكنّه لا يشعر بالتفاؤل، وظلّ عصام خلف القضبان..لكنه لا يشعر باليأس، ومع ذلك قرّرا عدم التخلى عن الهدف الذى اتفقا عليه من قبل، وأكدا عدم التخلى عنه قبل أن يفترقا للمرة الثانية.
جلس على مقهى، ليختلى بنفسه، ويعيد حساباته من جديد..فكّر فيما أخطأ فيه، وفيما سيقدم عليه من خطوة أخرى، لاينبغى أن يخفق فيها تلك المرّة حتّى لاتجبره على أن يعود مُرغماً ليقبع بين هؤلاء الأموات فى الحىّ القديم!
فليكن وطنيّاً..لام نفسه على أنه لم ينتبه إلى أن هذا هو الهدف الذى كان ينبغى أن يلحق به، فالحزب الوطنى يمتلك الكرة فى ملعبه منذ زمن، والجماهير التى تهتف له صباح مساء كلما أراد، إنه يملك الثروات والمناصب والسطوة، وكل شئ يريده.. حرص على ألاّ يفوّت فرصة الانتماء له، وكسب عضويّته، لذلك كان يسرع لإقامة السرادقات، والترويج لبرامجه، وتأييد أىّ مرشح له، فاستطاع أن يلفت أنظارالمسئولين والأعضاء البارزين فيه بما يملكه من أشعار وشعارات، فمنحوه العضوية التى هى مكسب لهم أكثر من كونها مكسباً له .. السعد بدأ يطرق كل يومٍ بابه بكل جديد، إنه على أبواب المجد!
لكن..يا للحظ!..لقد قامت الثورة، أطاحت بالنظام، ورؤوس الحزب، فساقوه مع من ساقوهم خلف القضبان. ظلّ يحدّث نفسه: أنا لم أمكث كثيراً داخل الحزب، ولم أجنِ شيئاً بعد، ولم أشارك فى فسادٍ أو قتل، لم أتولّ منصباً يؤهلنى لذلك.
لم يجد صاحبه هذه المرّة رفيقاً أومؤنساً له فى سجنه، فربما كان هو الإنسان الذى سيحلّ له اللّغز، ويكشف له عن حقيقة ما حدث، والخطأ الذى وقع فيه، وأطاح به خلف تلك الجدران؟!
لم يكن يتوقع أن عصام الآن خارج الأسوار التى ظلّ قابعا خلفها زمناً حتّى كأنه ألفها وتعود عليها..شعر بالفرحة الممتزجة بالدهشة حين زاره عصام فى سجنه، وأصابه الذهول حين وعده عصام أنّه لن يتخلّى عنه، وأنه سيسعى ليخرجه من محنته قريباً جداً، بل ووعده بذلك!
ظلّ يتمتم: طب ازّاى!
عاهد نفسه إن مرّت هذه الأزمة وخرج لن ينتمى إلى أىّ حزبٍ أو جماعة، ولن يشارك فى الحياة السياسية برمتها، وأنّه سيعود إلى ذلك الحىّ القديم يعيش فيه راضياً، لا يهم إنْ كان سيعيش بين الأموات أو الأحياء، لقد صار الكل الآن سواء!
أخيراً حصل على البراءة التى لم يكن يتوقعها، خرج من محبسه، بعد أن ساءت حالته النفسيّة، وطالت لحيته.
كان عصام فى انتظاره على باب السجن فعاجله: على فين يا صلاح!
فأجابه بإحباط وشعور الذى خسر دوره فى اللّعب: مُروّح!..الحارة السد طلعت أوسع بكتير من الزنزانة اللّى كنت فيها!
نظر عصام إلى هيئة صاحبه، و قبض على لحيته بيد، وأخرج من جيبه طاقيّة بيده الأخرى، وأخذ يلوّح له بها، كمَنْ يحلّ له اللّغز وقال له مبتسماً: خد إلبس دى..هىّ دى الطاقيّة اللى كنت بدوّر عليها من زمان!..اللّعبة يا صاحبى لسّة ما خلصتش!





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,272,408,710
- رهين المحبسين
- -تحيا الوِحدة العربيّة-
- قصة فصيرة
- قصة قصيرة: كل حاجة قديمة للبيع


المزيد.....




- مجلس الحكومة يتدارس قانون تنظيمي متعلق بالتعيين في المناصب ا ...
- منفوخات الأدباء فوق فيسبوك البلاء – علي السوداني
- أعلنت -جائزة الشيخ زايد للكتاب-: أسماء الفائزين في دورتها ال ...
- بوتفليقة يرفض التنحي ويؤكد أنه باق
- عبق المدائن العتيقة.. رحلات في فضاءات الشرق وذاكرته
- المخرج المغربي محسن البصري: رغم الصعوبات السياسية في إيران إ ...
- فرقة -بيريوزكا- الروسية للرقص الشعبي تحتفل بالذكرى الـ 70 لت ...
- كازاخستانية تفوز بـ -أفضل ممثلة- في مهرجان هونغ كونغ السينما ...
- -حاصر حصارك- إضاءة على ظلّ محمود درويش
- -دفتر سنة نوبل-... ذكريات ساراماغو في كتاب


المزيد.....

- مدين للصدفة / جمال الموساوي
- جينوم الشعر العمودي و الحر / مصطفى عليوي كاظم
- الرواية العربية و تداخل الأجناس الأدبية / حسن ابراهيمي
- رواية -عواصم السماء- / عادل صوما
- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ليلة مومس / تامة / منير الكلداني
- رواية ليتنى لم أكن داياڨ-;-ورا / إيمى الأشقر
- عريان السيد خلف : الشاعرية المكتملة في الشعر الشعبي العراقي ... / خيرالله سعيد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبد المنعم الراوى - طاقية فى العِب