أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - حسن الشرع - قلمٌ جَلَبٌ ورأسُ كوبٍ في وِعاءِ نفطٍ















المزيد.....

قلمٌ جَلَبٌ ورأسُ كوبٍ في وِعاءِ نفطٍ


حسن الشرع

الحوار المتمدن-العدد: 4034 - 2013 / 3 / 17 - 08:22
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


ذكرني احد اصدقائي من المهتمين بالشان الثقافي بمفردة الراس كوب التي غالبا ما كانت تستعمل فيما مضى من الايام ولم تعد معروفة هذه الايام وهذا امر جد اعتيادي فلكل زمان اهله وهمه وكلامه...الراسكوب هو غير راس الكوب اذا لا اعلم للكوب راسا بل لا اعرف له اسما بلغة العرب ..هذا الكلمة تعني نوعا من الساعات رديئة الصنع..غالبا ما تكون روسية او من مناشيء غير معروفة..
فكرة هذه السطور تقوم على اساس الحكم على الامور في غير زمان ومكان صيرورتها..يتذكر ابناء الجيل الذي انتمي اليه وهو جيل اوشك على الانقراض والزوال عندما كنا في المدارس الابتدائية، في حينها كانت سلطة التربية والتعليم وهي وزارة المعارف تنهمك في بداية الموسم الدراسي في شهر ايلول بتوزيع القرطاسية والكتب وطبعا مجانا لجميع طلبة المراحل الدراسية ..من بين ما كان يوزع مجموعة اقلام الرصاص المستوردة اتذكر شكلها جيدا هي بخلفية بيضاء وكتابات ناعمة جدا حمراء ضمن مربعات حمراء، فهمنا فيما بعد ان هذا كان تقويما طبعا حروفه وارقامه ليست بالعربية وارجح انها كانت بالغة الانكليزية.. مشكلة التلاميذ ان هذه الاقلام لا تكتب بشكل واضح للعيان حتى وان تم الضغط عليها الى درجة تمزيق الدفاتر التي اتذكر انها كانت تحمل صورة ملك العراق فيصل الثاني رحمه الله وقد تمت تغطيتها بورقة بيضاء مربعة ولصقها بصمغ فاخر.. الاطفال غالبا ما يحبون الالوان المبهرة والصريحة ..كنا نضيق ذرعا بتلك الاقلام ..بعض التلاميذ اخبرنا نحن التلاميذ آنذاك عن ما هو جديد :أن نقتعوها بالنفط لعدة ايام ستجدونها اصبحت جيدة وكتابتها داكنة ,,يلح معظم التلاميذ على اولياء امورهم لشراء اقلام رصاص خطها شديد السواد .لم تكن هناك مشكلة تواجهنا حين ذاك غير هذه الاقلام التي لا ينكسر لبابها بسهوله مهما كان نوع المبراة المستعمل للبري..تلك الاقلام كانت تسمى اقلام الجَلَب.
بعد مرور اكثر من عقد من السنين وتحديدا في الجامعة عرفت ان ما كان يسمى بقلم الجَلَب انما هو قلم يجب ان نبحث عنه لاغراض الرسم والتخطيط ،تعلمت ايضا ان هناك عدة انواع من اقلام الرصاص وبتدرجات عديدة،هناك ثلاث فئات من أقلام الرصاص حسب قسوة لبها وطراوته:
فئة الأقلام H : وهو قلم قاس و يتدرج فى القسوة حتى 6H ,وحتى1H ،و تعطى لوناً رمادياً ليس شديد السواد ؛ لأن نسبة الصلصال فيها أكبر من نسبة الجرافيت ،والكرافايت هو احد انواع الكاربون الطري ذو ملمس دهني وهو معدن صلابته قليلة .
فئة الأقلام B : قلم طرى و يتدرج فى الطراوة حتى 6B وحتى 1B، و تعطى لوناً أشد سواداً ؛ لأن نسبة الجرافيت فيها أكبر من نسبة الصلصال .والصلصال هو احد انواع الصخور الطينية..
القلم HB : قلم تتساوى فيه القسوة و الطراوة ، و تعطى لوناً متوسطاً بين الأسود و الرمادي ؛ لأن نسبة الجرافيت بشكل عام تساوى نسبة الصلصال .
لم يكن قلم الجَلَب سوى قلم رصاص من فئة 3H..انه قلم ممتاز لكن ليس في أوانه. جدل سيستمر اينما كان وفي اي وقت لكن الجدل في بلاد الرافدين لا يشبه الجدل في اماكن اخرى فنحن اكثر شعوب العالم سؤالا عن الخليقة والفناء والحياة والموت والبعث والحساب والروح والجسد والحكم والعقل والدين والالحاد والقدر والجبر والتفويض والحق والباطل والجمال والقبح رغم ما أصاب الذائقة العراقية من ضمور وما حل بها من ضحالة فكر الى الدرجة التي جعلت كثيرا من العراقيين يقبعون دون خط المعلومة الشعبية الشائعة فقد سئل احد الشباب عن معنى كلمة طحال فاجاب بثقة كبيرة ان الطحال حيوان.
قبل اكثر من ما يناهز ستة قرون جربت ان القي قلم رصاص في اناء نفط طبقا لنصيحة زميل ..حينها اسفرت العملية عن نقل اخي الصغير الى المستشفى لشربه النفط بظن انه ماء..كما اني في مناسبة أخرى القيت ساعتي التي تتوقف احيانا ثم تعود للعمل القيتها في اناء نفط لكنها الاخرى لم يصلح شأنها. وفي الحالتين لم انج من اللوم والتقريع وما هو اكثر..
قيل لنا ان اقلام الرصاص منعت من دخول العراق بسبب الحصار على بلدنا سنة 1990 بسبب ما يمكن ان يكون استعمالا مزدوجا ..نظمت حينها وبعد ذاك حملات دعائية لجمع التبرعات من خارج البلاد لاطفال العراق المساكين لشراء اقلام الرصاص، ما زلت اجهل هذه الحكاية وهذا التبرير رغم اني ادرك ان قلم الرصاص لا يحتوي على الرصاص كما ان الراسكوب لا تمت بصلة الى الكوب.
ماذا سيحصل للعراق لو لم يكن فيه نفط؟ لن تحصل على اجابة مقنعة من قبل العراقيين ما داموا منهمكين في جدلهم لكن قسما منهم سيجيبك بالتأكيد انها ساعة سوداء حيث اكتشف النفط في العراق.
عندما تمر على تاريخ هذه البلاد ستجد ان الزمن توقف مرات ومرات ،حينذاك لم يكن هناك نفط ولا رصاص ..لاشيء من كل هذا سوى ساعات الشمس وساعات الرمل. لا بد انه الجدل المتواصل حول (نظرية المؤامرة).وإذاً اين الصحيح؟ كل ما نحتاجه للجواب ان نعوم الزمان والمكان في اشكالية الزمان والمكان والحال بعدها لا معنى لان نلقي اقلام ابنائنا وسط اوعية مملوءة بالنفط ولا نحتاج ان نلقي ساعاتنا السيئة في النفط ..فالنفط جزء من المشكلة وليس جزءا من الحل.
ادرك تماما تأثير الاطوار التاريخية المتعاقبة على ارض معينة ومجموعة بشرية معينة تعيش عليها على خارطة تلك الارض وسلوك تلك المجتمعات بين افرادها وخارج ذلك الاطار ازاء التجمعات المجاورة لها..ومع تطور المفاهيم الجغرافية والاجتماعية فقد اصبحت لصورة تلك الخرائط في أذهان المجتمعات الحضارية رمزية كبيرة على الرغم من عشوائية وفوضوية تلك الصور وهكذا ارتبطت صورة خارطة العراق الحديث الذي رسمتها احداث الحرب الكونية الاولى عام 1914 بمفاهيم قدسية الدين والتاريخ الوارد عبر الحقب التاريخية السحيقة لبلاد ما بين النهرين ..من ذكرياتي في هذا الصدد عندما كنت في المدرسة الابتدائية ان زميلا لي اخبرني ان شكل العراق انما هو أسد رأسه الى الشمال وان هذا الاسد هو ذاته أسد بابل. لقد رافقت انشاء الدولة الفتية عمل تربوي ناضج انصب على خلق وطنية تتناسب مع صورة تلك الخارطة وتلك المجوعة التي كانت تفتك بها الثلاثية المعروفة الجهل والمرض والفقر..ولم تكن صورة النفط والثروة حاضرة تلك الايام في الذاكرة الشعبية العراقية
ان المشروع السياسي القومي الذي إنبرت له مجموعة من العسكريين وبعض المدنيين في خمسينات وستينات القرن الماضي كان له الاثر الكبير في النيل من قدسية صورة تلك الخارطة، على النقيض من المشروع النظري الاممي الذي تبنته مجموعة من المثقفين الثوريين الذي كان يتعامل مع تلك الصورة. ولأسباب دعائية وربما أيديولوجية فلم تكن تهتم حكومة البعث بغير خارطة العالم العربي محاولة اضفاء قدسية على صورتها كنسر او صقر كبير يمثل العراق جناحه الشرقي.ومع ذلك فلم نجد من يتجرأ على مجرد التفكير بالشك بجمالية خارطة العراق ...انها رمزية التاريخ وعمق الحضارة وحب الارض ..اما النفط فقد صار سلاحا من أجل تحرير فلسطين فقط.
لا شك ان الاحداث التي رافقت تفكك الدولة السوفيتية وما تلاها من جدل فكري وسياسي كان لها تأثير في اذهان صانعي الاستراتيجيات الكونية والاقليمية وحتى المحلية الا ان العراقيين كشعب لم يكونوا مهتمين بذلك الجدل وربما كان ذلك بسبب الانغلاق او الغلق الثقافي الذي فرضته السلطة عليهم ابتداءا ثم المجتمع الدولي لاحقا بعد احداث الكويت عام 1990. ..لم تسلم الصورة من ثلم في حافاتها الجنوبية في مفاوضات خيمة صفوان التي أعقبت الحرب في مستهل العام التالي هنا منع النفط العراقي من التصدير وجرى الايعاز للسعودية بزيادة الانتاج واستعمال اموال فائض الانتاج في الاعداد لمشروع تحرير العراق من صورة خارطته.. بداية ذلك المشروع تجلت بوضوح بالقرار الاممي (النفط مقابل الغذاء والدواء )ورغم ادعاء السلطات آنذاك بانها هي التي انتصرت في تلك الحرب لكنها كانت ماتزال تروج للظلم الكبير الذي لحق باطفال العراق حين منعت اقلام الرصاص من الوصول لايديهم!.
كانت الاجواء مهيأة بعد نيسان 2003 للحديث عن مجموعات بشرية تمارس سلطاتها على الارض التي تقطن فيها بعد ان تعثر مشروع صناعة الدولة التي استمرت منذ بدايات القرن الماضي.. لم تكن قدسية تلك الصورة تعني احدا ..اصبح الكلام عن قدسية الشهادة وقدسية المبدأ وقدسية المذهب الديني او السياسي او الاثني ...انه نوع من ادلجة المفاهيم لم تعد حاضرة في اكثر الذهنيات السياسية تخلفا في هذا العالم. سقطنا في اسر التاريخ ووحل ادلجته بعد ان ظننا ان مشروع الدولة المدنية العراقية الذي بدأ في مستهل القرن الماضي سينتشلنا من هيمنة الماضي وافكار رجال الحكم والدين والعشائر حيث لم تكن لرائحة النفط وجود فيه. لقد اصبح الشهيد البطل سعيدا وشعب الذرى مظلوما كما اصبحت للحمر احزابا وللخضر انصارا وللشمال اقليما ومصيرا كل ذلك في أجواء من الفوضى والعتمة ...هنا اصبح الكثيرون يمقتون صورة الخارطة، اما مثالنا من اطفال الراس كوب والجلب فقد روضنا رجال السياسة والدين والعشائر على التمسك بحسنات الصحابي الجليل جو بايدن والاقتداء بكلامه واتباعه فربما وجد اطال الله عمره ومد في آلته مخرجا بعد ان تعسرت مخارجنا الى الفهم والفقه والسياسة.
سنكون اول الرابحين ان جرى تقسيم العراق...الفهم الجنوبي...مساحة اقليمنا ستشمل ثلثي العراق وفيه من النفط والغاز ما يكفي وسنقطع الماء عليهم...الفهم الاخر ...لدينا دولة قائمة على الارض بالفعل لا تحتاج الا للاعلان وكركوك قدسنا ونفطها لنا ...الفهم الشمالي .
ربما سننتظر كثيرا قبل ان يطل علينا رجل يحترم الزمان والمكان يشبه أج جي ويلز فيتحفنا بماكنة تعيد تسلسل الاحداث كما نهوى نحن العراقيون إذ لم تعد تعد هناك جدوى من تنقيع الاقلام بالنفط .كيف لنا ان نعوم المفاهيم ونحررها من قدسية تسلسل الزمان وحتمية المكان ..ربما هي فكرة مجنونة راس كوب في الساعة السوداء بخط قلم رصاص جَلَبٍ.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,420,007,550
- عشيرة بريمر وثقافة الاحذية
- الغراب والوحي
- نقرتان باليمين
- صحة صدور حلم
- عبود لا يغني
- عبود يغني
- حلم ابنتي
- انصاف الدال على الف دال ..
- قراءة معاصرة في وصية انكيدو
- قول على قول
- معلول المنقول و دلالة المعقول
- سعدي
- مذكرات زبال في ليلة رأس السنة
- مقامات عراقية
- هو الأفضل
- في الثقافة العراقية
- أفاعي الناصرية
- رمضان كريم
- سباستيان سوريا
- الشهادة لله


المزيد.....




- القضاء يصدر حكمه الأربعاء على -إل تشابو- المهدد بالسجن المؤب ...
- بعد ظهوره في -ما خفي أعظم-.. عائلة بحرينية تتبرأ من أحد أفرا ...
- أبحاث جديدة قد تجيب عن تساؤلات العلماء حول نشأة الأرض تحت سط ...
- دبي تجرب نظاماً ذكياً جديداً على طرقاتها لفحص طالبي رخص القي ...
- نتفليكس تحذف مشهد انتحار بطلة مسلسل "13 سببا"
- من هو -فخر العرب- ومن هو -فخر العرب الحقيقي-؟
- البرازيل: زبائن يعثرون على كوكايين في علب مسحوق الغسيل
- أبحاث جديدة قد تجيب عن تساؤلات العلماء حول نشأة الأرض تحت سط ...
- دبي تجرب نظاماً ذكياً جديداً على طرقاتها لفحص طالبي رخص القي ...
- نتفليكس تحذف مشهد انتحار بطلة مسلسل "13 سببا"


المزيد.....

- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - حسن الشرع - قلمٌ جَلَبٌ ورأسُ كوبٍ في وِعاءِ نفطٍ