أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد محمد رحيم - عن السرد والواقع والتاريخ








المزيد.....

عن السرد والواقع والتاريخ


سعد محمد رحيم

الحوار المتمدن-العدد: 4013 - 2013 / 2 / 24 - 21:53
المحور: الادب والفن
    


تنشأ الأجناس الأدبية، وتتطور، بتأثير شروط موضوعية محددة، وفي سياقات ثقافية وتاريخية، بوسعنا تأشيرها. وقد تندثر، أو تفقد مسوِّغات بقائها واستمرارها، على صعيد الإنتاج، وأحياناً على صعيد التلقي أيضاً، مع تبدّل الشروط واختلاف السياق. وفي نطاق الأجناس السردية نجد أن العصور الحديثة، ما بعد القرون الوسطى، وفّرت الأرضية الملائمة والعوامل الفاعلة لبروز فنون الرواية والقصة القصيرة والسيرة الذاتية وأدب اليوميات. فيما لم يعد هناك، في سبيل المثال، من يقدم على تأليف الملاحم. فالملحمة بحسب باختين "تبقى نوعاً أدبياً شكلياً انتهى تماماً ويتمتع بكمال تام". أما الرواية فهي النوع الأدبي "الذي ما زال قيد التشكّل، ولذا فإنها تعكس بشكل أساسي وبعمق ودقة وسرعة، تطور الواقع نفسه". وإذا كان موضوع الملحمة الرئيس هو الماضي القومي البطولي والأسطورة القومية حيث ينقطع زمن عالمها عن الحاضر ناقلاً حتى العالم المتصوَّر، الحالي، إلى الماضي فإن موضوع الرواية هو الحاضر حتى وإنْ كان يحكي عن الماضي. فما يهم الرواية، قبل كل شيء، هو صورة الحاضر ( بالصلة مع المستقبل ) وقيمه وتقلّباته.
واجه الإبداع الشعبي الهجائي الساخر ( المقامات عندنا، وروايات الشطّار في أوروبا ) صرامة الشكل الملحمي وجدّيته. وهنا بالذات، كما يقول باختين: "أي في الضحك الشعبي، يجب أن نفتّش عن الجذور الحقيقية للرواية. علماً بأن هذه الجذور مرتبطة بالفولكلور، إن الحاضر والمعاصر بحد ذاته، و ( أنا ) و ( معاصريّ ) و ( عصري ) كل هؤلاء كانوا يشكِّلون في البداية موضوعاً لضحك مزدوج باعثاً للسرور وهدّاماً في آن واحد".
يمكن الحديث، بطبيعة الحال، عن عوامل وظواهر وشروط أخرى ساهمت في ظهور الأنواع السردية الحديثة، لاسيما الرواية، وتطوّرها، منها؛ اختراع الطباعة، وانتشار الصحف، والازدياد الكبير في عدد المتعلمين/ القرّاء، ناهيك عن تحوّلات الإطار الحضاري العام، منذ عصر التنوير، ومن ثم الثورة الصناعية، وازدهار المدن، وبزوغ الوعي المديني الذي جعل من الإنسان الفرد محور الفكر والسياسة والنشاط الاقتصادي بعدّه ذاتاً فاعلة مستقلة، وعاقلة، وحرّة. أما عربياً فيربط الدكتور جابر عصفور نشوء الرواية العربية بالتسارع في حركة الاستنارة العربية "بما انطوت عليه أو تجسّدت فيه من وعي مديني محدث، هو الذي أدى إلى تأسيس فن الرواية، بوصفه فن المدينة المحدثة التي يبحث عقلها النوعي عن معادله الإبداعي وأداته الفنية المائزة التي يعبِّر بها عن هواجس التحوّل وهموم التغيّر وأحلام التقدّم".
كتب سرفانتس، في بداية القرن السابع عشر، رواية ( دون كيخوته ) التي تعد محاكاة ساخرة لروايات الفروسية في إسبانيا وإعلاناً عن نهاية عهد البطولات المرتبطة بحقبة الإقطاع الآيلة إلى الانتهاء. فبطلها ( دون كيخوته ) هو اللابطل ( نقيض البطل الملحمي، وأبطال روايات الفروسية ). وقد خرج لإزالة مظالم العالم مترعاً بطيبته وإيمانه الساذج، بعد أن قرأ عدداً هائلاً من تلك الروايات، وتأثر بها عميقاً. وكانت رواية ( باميلا ) لريتشاردسن في العام 1740، من وجهة نظر كولن ولسن، انتقالة حاسمة في تاريخ الرواية دشنت لازدهار هذا الفن الأدبي، لا من طريق توسيع معرفتنا بالطبيعة البشرية فحسب، وإنما بإطلاق العنان للخيال الإنساني كما يقول ولسن، والذي يتطرف إلى حد التصريح بأنه؛ "لم يحدث أي شيء في أوروبا يمتاز بالثورية التامة حوالي العام 1740. أما بالنسبة للثورة الصناعية والثورة الفرنسية فقد جاءتا بعد مرور خمسين عاماً على ذلك، في وقت كانت فيه ثورة الخيال قد غيّرت من أوروبا. لقد كانت تلك نتائج وليست السبب.
كلا. إن رواية ( باميلا ) لريتشاردسن هي التي أحدثت التحوّل العظيم".
وما يصدق على فن الرواية يصدق، إلى حد بعيد، على الفنون السردية المجاورة له؛ القصة القصيرة، وأدب السيرة والسيرة الذاتية، وأدب اليوميات. وهذه الفنون، كلها، لها علاقة لا تُنكر بالمكان والواقع والتاريخ والتجربة الإنسانية. وبقيت تمتح مادتها من التجربة البشرية والواقع اليومي العياني بمتغيراته وتناقضاته ومفارقاته، ومن التاريخ المصنوع بقدرات الإنسان وكفاحه، فيما تمثّل كذلك رؤية إلى العالم. ولذا فإن مساحة المتخيل في إطار نصوصها تغدو ضئيلة بالقياس إلى فن الرواية. على الرغم من أن هذا لا يعني أن هذه الفنون السردية تنقل صورة مطابقة بشكل كلّي لحقيقة الواقع. ففي نسيج أي نص سيَري، في سبيل المثال، ثمة ما ينتقيه الكاتب ويُظهره وينحاز إليه في مقابل ما يهمله أو يحجبه ويسكت عنه، أو ينحاز ضده، أو ينساه. أما الرواية فإنها تخلق واقعها الخاص الذي يوازي الواقع التاريخي ويناظره، لكنها لا تعكسه كما في مرآة.
داخل النص.. خارج النص
رأى باختين أن الأنواع السابقة على الرواية ( مثل المأساة/ التراجيديا ) من منظور وجودها التاريخي "هي أنواع مكتملة، ذات بنى ثابتة وتفتقر إلى كثير من المرونة، وكل منها يمتلك قوانينه الفاعلة ضمن الأدب كقوة تاريخية حقيقية". في مقابل أن الرواية لا تمتلك قوانين قارّة نهائية، ولم تأخذ شكلها النهائي بعد، "ولا نستطيع حالياً التكهن بجميع إمكانيات تشكّله". وهذا الأمر يجعل الرواية في وضع فريد، في حالة دائمة من إمكانية التطور. فمن جهة؛ "يصعب عليه التعايش مع الأنواع الأخرى، ويقاتل لفرض سيادته داخل الأدب". ومن جهة ثانية؛ "فعندما تسيطر الرواية تتبنى كل الأنواع الأخرى تقريباً". ولأنها "نوع أدبي في طور التكوين" فإن "حداثة الرواية لا تُفنى".
وتبقى الرواية ومعها الفنون السردية الحديثة الأخرى على تماس مباشر، أو غير مباشر، مع الواقع التاريخي، ومع حيوات البشر، وهي التي بمقدورها، عبر منظورها الفني الجمالي، طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالوجود والمصير. لكنها عموماً لا تدّعي تقديم إجابات صحيحة تماماً، أو الوقوع على الحقيقة النهائية. فالأخيرة زلقة ومتغيرة ونسبية وغير قابلة للإمساك بها. وكتّاب الرواية يعرفون هذا أكثر من غيرهم. يستشهد باختين بأطروحة لغوغول: "إن الحقيقة في الرواية ليست بحد ذاتها إلا إحدى الحقائق الممكنة، ليست ضرورة وإنما هي من صنع المصادفة وتتضمن إمكانيات أخرى". وهنا لا تزاحم هذه الفنون علوم التاريخ والأنثربولوجيا والاجتماع وغيرها من العلوم الإنسانية في أنطقتها المعرفية، أو تسعى لتكون بديلاً عنها، وإن كان هناك من يعتقد بهذا، وإنما تحاول أن تضيء تلك المناطق المعتمة من الوجود، ومن الروح الإنسانية، التي ليس بمقدور تلكم العلوم الوصول إليها. وأعود إلى مقولة لهيرمان بروخ يذكرها ميلان كونديرا في كتابه ( فن الرواية ): :"إن السبب الوحيد لوجود الرواية هو اكتشاف ما تستطيع الرواية وحدها اكتشافه. إن الرواية التي لا تكتشف عنصراً مجهولاً في الوجود هي رواية لا أخلاقية. فالمعرفة هي السمة الأخلاقية الوحيدة في الرواية".
قد نتفق، مع شيء من الحذر، مع كونديرا في تأكيده أن لغز الأنا هو ما تدور حوله الروايات جميعاً. فصورة الأنا في الرواية تتجلى في محيط اجتماعي وتاريخي متخيل غير مقطوع الصلة بالمحيط الاجتماعي التاريخي للكينونة الإنسانية. وهنا نجد أن لغز الأنا ليس جوهراً ثابتاً بكتلة صلبة نعثر عليه تحت ركام من الأشياء المتعينة بل نألفه ممتداً في شبكة علاقات مجتمعية وسلطوية. وكلما اقتربنا من هذا اللغز كلما صرنا أقرب إلى معرفة لغز تلك العلاقات. ومن ثم لغز الواقع التاريخي. وينطبق هذا المبدأ على فنين سرديين آخرين هما السيرة الذاتية وأدب اليوميات. حيث المحور الرئيس هو الأنا. لكن الأنا لابد من أن تتحرك وتنمو وتتطور شخصيتها على خلفية مشهد واسع تتمثل بالحاضن الواقعي التاريخي إذ تشتغل منظومة العلاقات المجتمعية والسلطوية.
تنطوي الفنون السردية الحديثة على قيمها الجمالية الخاصة، لكنها تتعاطى مع قيم تنتمي للوجود الإنساني والواقع التاريخي، سواءً بتبنيها، أو محاكمتها ونقدها، أو التمرد عليها، أو السخرية منها، أو طرح بدائل لها، وربما، أحياناً، بتجاهلها. نستطيع أن نقرأ الرواية أو السيرة الذاتية أو أي فن سردي آخر بوصفها نصوصاً لها بنياتها وقيمها الداخلية المستقلة التي علينا استكشافها، كما يريدنا البنيويون أن نفعل. ولمثل هذه القراءة جدواها أيضاً. فالأدب تخييل، وهذا هو تعريفه البنيوي الأول على حد تعبير تزفيتيان تودوروف. لكن النص الأدبي يولد في سياق ثقافي وتاريخي، وليس في فراغ، ومن الطبيعي أن يتشرب بقيم وصور وحالات وتحوّلات ذلك السياق. وهذا لا يعني بأية حال اختزاله إلى مرآة مجردة، حيادية، تعكس الواقع مثلما هو. حتى في حالة آداب السيرة والسيرة الذاتية واليوميات.
يقول فانسون جوف في كتابه ( شعرية الرواية ) عن الرواية تحديداً: "لئن كانت الرواية قبل كل شيء فعلاً كلامياً، ومجموعة أشكال، فإنها لا تعدم على الأقل سمة السياق التي ترى فيه النور. ذلك أن شخصية الروائي وحقبته ينعكسان، بطريقة أو بأخرى، في العمل الذي هو مصدره". وعلى وفق ما يرى جوف فإن الروائي يندرج في النص عبر متخيله ولا وعيه. ولا يقتصر ما يتسلل إلى داخل النص على سمة السياق وشخصية الروائي وحقبته لتنعكس على المضمون لأن هذا يحصل من خلال وساطات فنية. ولكن، وكما يقول لوسيان غولدمان فإن "بصمة التاريخ تجلو نفسها في الدال كما في المدلول. فثمة تناظر بين بنيات النص وبنيات الفئة الاجتماعية المنتمي إليها المؤلف". وهكذا تُتاح، دوماً، فرصة لقراءة مزدوجة/ جدلية؛ فمثلما نقرأ النص في سياقه/ خارج النص، سنقرأ السياق ( خارج النص ) في داخل النص.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,326,759,904
- الكتب في حياتي
- كامو والآخرون
- جان وسيمون: وجهاً لوجه
- رياض البكري شاعراً
- الأسلمة السياسية في العراق
- الإحساس بالنهاية: بين الذاكرة والتوثيق
- العابر التخوم
- قراءة في حرب نهاية العالم
- شرق بعيد: الخريطة السرّية للواقع في السرد
- إلفريده يلينك والعاشقات
- ستة أيام لاختراع قرية
- غوايات الكتب
- قراءة في كتاب ( الذهاب إلى السينما )
- السيرة الروائية
- السرد والاعتراف والهوية
- فتنة الحكاية
- قراءة في؛ مدينة الصور
- قراءة في؛ تجليات السرد
- يسكنني هاجس دائم بأني روائي قبل أن أكون أي شيء آخر
- قراءة في رواية -شامان- لشاكر نوري


المزيد.....




- -فيديو مسرب- لسما المصري ورامز جلال يثير الجدل.. و-MBC- تتدخ ...
- شاهد.. سوزان نجم الدين تتعرض لوعكة صحية حادة
- في لقاء “مدبولي وديميتريس”: قبرص تعلن إطلاق  مبادرة لتعليم و ...
- من هو  فارس الترجمة والشعر بشير السباعي الذي رحل ؟
- العدوى تصل للبيجيدي.. قيادي بالمصباح -ينطح- كاتبا محليا لحزب ...
- سور قصيدة للشاعر ابراهيم منصور بدر
- فيلم? ?اللعنة? ?يتصدّر? ?الأفلام? ?الرائجة? ?في? ?أمريكا
- أشهر الأدوار السينمائية والتلفزيونية للرئيس الأوكراني الجديد ...
- من التمثيل إلى الواقع.. زيلينسكي يتربع على سدة الحكم بأوكران ...
- أحمد يوسف الجمل ينتهي من -التوأم-


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد محمد رحيم - عن السرد والواقع والتاريخ