أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - أحمد الناصري - من يغسل دمنا المسفوك بين الناصرية والجبال؟... الى الشهيد علي إبراهيم















المزيد.....

من يغسل دمنا المسفوك بين الناصرية والجبال؟... الى الشهيد علي إبراهيم


أحمد الناصري
الحوار المتمدن-العدد: 4011 - 2013 / 2 / 22 - 11:36
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
    


قيمة التجارب الحياتية والإنسانية ودروسها وأثرها، ترتبط بصورة وثيقة مع صدق وقوة وصحة المبادئ والقناعات التي يجري تبنيها، وموقف حامليها وقدرتهم على تطويرها وصيانتها والدفاع عنها، مع التكوين والسلوك الشخصي للأفراد، عبر مراحل واختبارات وتجارب عديدة، بعضها قاس ومخيف بل قاتل أحياناً. وهذا ينطبق على التجربة التي نحن بصددها. طبعا هناك معارك وقضايا خاسرة وخاطئة من الأساس.
صديقي الشهيد الجميل علي إبراهيم، ذلك الشاب الواعد والرائع والوديع والذكي، الذي كان طاقة شبابية متطلعة لا توصف. فقد كان متوهجاً ومتقداً ومحباً للحياة والناس، بالرغم من هدوئه البالغ والظاهر. فكان محباً لرفاقه وأصدقائه، يتعامل مع الجميع بأدب كبير، كأنه يحمل دماثة وطيبة ورائحة الأرض التي ولد ونشأ فيها، فعشقها ودافع عنها حتى النهاية، ودفع حياته ثمناً غالياً لتلك العلاقة وذاك الحب المتبادل والحقيقي بين الأرض والابن، وبين الأوطان والأبناء، وتطبيقاً لتلك العلاقة الداخلية المعقدة والبسيطة في تطبيقاتها وتجلياتها المتعددة، والتي لا يعرفها أحداً، ولا يحملها أحداً، مثل الشهداء!
الشاب الوسيم والقوي علي إبراهيم كان يدور في شوارع المدينة ومقاهيها وبيوتها، وكان يطرق بيوت الأصدقاء والرفاق في واجباته ومهماته الحزبية والطلابية وهو في بداياته البسيطة، كي تتكون الرؤية، وكي تتسع حقيبة الأحلام والأمنيات، وكلها قضايا تنتمي للناس وللفقراء وللمستقبل.
كانت أحلامنا صغيرة وجميلة وهادئة ومشروعة، وربما كانت وهمية، من حيث إمكانية تطبيقها وتحقيقها. لكن الطرف الآخر من الطريق والمشهد ومن الغابة كان مجهولاً ومعتماً، والطرف الآخر الذي كنا نسير معه، كان يتربص بنا ويجنح نحو اتجاه آخر مختلف ومعاكس لما هو معلن، لم ندركه بيسر وفي الوقت اللازم والمناسب، ولم نتعرف على نواياه وخططه الحقيقية. لذلك كانت النهايات مأساوية وقد انقلبت النتائج وضاع كل شيء وأنهار الحلم البسيط على رؤوسنا ورأس الوطن، وأصبح المشهد رهيباً.
كان علينا أن ندافع عن الحلم وعن الناس، وان ندافع عن أنفسنا على الأقل، في مواجهة شرسة وغير متكافئة، لم نستعد أو نتهيأ لها، ولا نعرف توقيتها وساحتها وأساليبها، بسبب غفلتنا واستغفالنا، وبسبب فشلنا في قراءة الواقع وسير الأحداث والوقائع رغم وضوحه ووضوحها الزائد!
هكذا دخل الفتى علي إبراهيم المواجهة الصعبة، والمحنة الجديدة، وسيق إلى غرف الجحيم في مديرية أمن الناصرية القذرة والرهيبة، عام 78، بسبب التقارير والوشاية والمتابعة والمعلومات التي كانت تقدمها المنظمة الطلابية الأمنية المسماة (الاتحاد الوطني لطلبة العراق وباقي الأجهزة الحزبية والأمنية) وهي جناح أمني وحزبي، وأحد أجنحة المنظومة الأمنية الفاشية القذرة. وكان الاتحاد الوطني لطلبة العراق في مدينة الناصرية بقيادة طاهر البكاء، الطالب الفاشل وغير الموهوب، و(الذي تحول بدعم المخابرات العراقية ومكتب الطلاب الحزبي ومكتب الرئاسة الصدامية إلى دكتور في تخصص غامض للتجسس على ما يسمى (العدو الفارسي المجوسي) أيام الحرب العراقية الإيرانية، ثم ليعود وزيراً للتعليم العالي في وزارة الاحتلال، التي توزع ولاءها بين أمريكا وبين النفوذ الإيراني الكبير)، إلى جانب ما يسمى بأعضاء سكرتارية الاتحاد في مدينة الناصرية الذين تحول جلهم الى مفوضي أمن في دورات خاصة بمعهد الأمن القومي، الذي أسسه وأشرف عليه صدام حسين شخصياً، بعد فشلهم في اجتياز امتحان البكالوريا في السادس الإعدادي. وهذا تاريخ غير مشرف، لكنه تاريخ مسكوت عنه، وغير مكشوف، بجرائمه وتفاصيله الرهيبة، بلا سبب منطقي مثل أشياء كثيرة في بلادنا المخربة. لذلك هرب عدد من المجرمين بسهولة، وعاد عدد كبير منهم، بسبب الفوضى العارمة وغياب المحاسبة، من نافذة الأحزاب الطائفية والعشائرية أو من خلال التعاون مع المحتل والقوى الخارجية والداخلية الأخرى التي وفرت لهم الحماية وأعادتهم تدريجياً إلى ممارسة أدوارهم القذرة السابقة!
هكذا قررنا، نحن مجموعة صغيرة، ربما أقل من عدد أصابع اليد الواحدة، التحدي والصمود ومواجهة جحيم مديرية أمن الناصرية (وما أدراك بمديرية أمن الناصرية وبشاعتها المطلقة)، رغم كل شيء، ورغم صعوبة المعركة وغياب أدوات المواجهة، إلا الموقف الفردي والمواجهة الشخصية، بلحمنا ودمنا العاري... لقد صمد علي إبراهيم صموداً أسطوريا، وتجاوز التعذيب الجسدي والنفسي الرهيب الذي تعرض له على أيدي جلادين قساة وأوباش وأجلاف، وزاد على ذلك بأن راهن جلاده بأن يخرج من المعقل شيوعياً كاملاً كما دخل، وقد مد يده للجلاد في صورة تحد شجاع وكامل، وربح الرهان وفاز به وخرج شيوعياً صامداً ونظيفاً كما دخل، ولم يخن الأمانة، رغم أنه لا يملك معلومات حساسة وخطيرة، لكنه قدر أهمية الموقف وأهمية المواجهة بالنسبة له وللآخرين في ظل انهيار عام، ناتج عن السياسة الخاطئة والسير وراء وهم فادح ومكلف للوصول معاً للاشتراكية المرتجاة والمزعومة!
بعد صموده الأسطوري، وانتصاره على الجلادين وتجاوزه لمحنة الاعتقال، وعبوره دهاليز الأمن الفاشي منتصراً، قرر الهرب إلى خارج الوطن كأجراء وقائي وحل مؤقت للتخلص من الملاحقات الشاملة، والتصفيات الجسدية والسياسية، وتسلل إلى الكويت عبر الصحراء، مع عدد من الأصدقاء، في رحلة شاقة لا تخلو من المخاطر، حيث جرى اعتقالهم من قبل الشرطة الكويتية، وترتيب تسليمهم إلى الجانب العراقي حيث المصير الرهيب، وجرى إنقاذهم بجهود اللحظة الأخيرة من قبل أقاربهم. ثم وصل إلى اليمن الجنوبية، وبعدها عاد وتسلل إلى كردستان من الحدود السورية والتركية المشتركة، في رحلة قاسية محاطة بالمخاطر الجدية والكبيرة.
وكان الشهيد علي إبراهيم قد تعرض للاعتقال والملاحقات عام 1976 أيضاً.
في ربيع عام 1981 وصل الرفيق والصديق علي إبراهيم مع مفرزة كبيرة جاءت من الخارج، ومرت بمقرات منطقة بهدينان والتقينا في مقرات ناوزنك وفي مقر توزله تحديداً، وقد تحدثنا كثيراً عن الرفاق والأصدقاء والناصرية وعن الاعتقال وظروف العمل الجديدة في الجبل، وعن الخيانة الرخيصة والخطيرة التي تعرضت لها على يد خائن يعرفه ويعرف كل التفاصيل. وقد أستفسر مني حول مواقفي بصدد التجربة القديمة والعمل الجديد، وكان يحمل تصوراً غير واضح عن آرائي ومواقفي النقدية الجديدة. فلخصت له الموقف بدقة ووضوح، وقلت له علينا أن نعرف ما جرى لنا في بغداد والوطن بالتفصيل، ونحدد الأخطاء الفكرية والعملية التي وقعنا بها قبل البدء والقيام بعمل جديد، وهي فكرة مهمة وجديرة بالبحث. وقد غادر بعد أيام الى مقر ورته في منطقة أربيل، حيث تناول عصيراً من دكان القرية، وكان العصير مسموماً ومدسوساً من قبل السلطة الغاشمة والقاتلة في بغداد، أدى إلى استشهاده، بعد نوبة آلام رهيبة واختناقات وتشنجات تصاحب حالة التسمم. وقد هرب العميل المجرم صاحب الدكان ليقبض ثمن فعلته الخسيسة! وهناك رواية أخرى عن تعرضه لرشح بسيط، وقد تناول دواءً لمعالجة الرشح، لكن يبدو أن الدواء كان عبارة عن سموم أستطاع النظام إيصالها ودسها مع المندسين والجواسيس الخونة ووصلت إلى مقراتنا، مثلما وصلت مواد غذائية ومشروبات كحولية مسمومة، كما وضع سم الثاليوم القاتل في غذاء المقاتلين، بواسطة عميلة للمخابرات العراقية، ومات عدد منهم، ونجا البعض بأعجوبة، ومن بين الناجين الصديق عدنان المفتي، عضو الكتب السياسي لأوك ورئيس البرلمان السابق، إلى جانب عمليات التجسس والتخريب والاغتيالات الكبرى التي حصلت في الجبل.
هكذا وصلت إليه وطالته يد الغدر الفاشية، وهكذا أستشهد الرفيق البطل على إبراهيم، وهو في العشرينيات من عمره القصير، وفي ريعان الشباب والفتوة والعطاء، وقد ترك أهله ومدينته ودراسته وكل طموحاته الشخصية، وخسرنا إنساناً رائعاً محباً لوطنه ولشعبه.
وقد أستشهد، صديقه الشخصي ورفيقه، صباح مشرف، لاحقاً في تموز عام 1983، في بشتآشان الثانية على يد جلاوزة جلال الطالباني، الاتحاد الوطني الكردستاني.
لقد ترك لنا علي إبراهيم، صورة الشاب والإنسان الرائع وكلماته ومواقفه وأحلامه، كما ترك لنا دمه الموزع بين الناصرية والجبال!
من يستعيد دماء الشهداء المنثورة بين الناصرية والبصرة وبغداد وجبال كردستان؟
سنحفظ أسماء الشهداء... سنحمل حلمهم الجميل... سنحمي وردة الشهداء!

البطاقة الشخصية للشهيد علي إبراهيم

علي إبراهيم
مواليد 1958
مدينة الناصرية قرية السايح قرب مدينة أور التاريخية.
من الكوادر الطلابية في مدينة الناصرية.
طالب في معهد التكنولوجيا - البصرة.
ترك الدراسة بكلية الهندسة في مدينة عدن وتوجه إلى كردستان.
معتقل في عامي 76 و 78.
أستشهد في ربيع 1981 في قرية ورته التابعة لمحافظة أربيل.

أحمد الناصري





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,110,095,831
- حازم ناجي ... الناصرية والمسرح
- بطاقة تهنئة إلى سعدي يوسف في عيد ميلاده
- العمر
- عشر قضايا غير ملحة في العام الجديد
- نتائج العدوان الصهيوني العنصري على غزة
- فضيحتان مدويتان ولا أثر أو الفساد عارياً وعلنياً!
- استهدافات العدوان الصهيوني العنصري على غزة
- بصدد الردة الرجعية
- يبقى الوضع (السياسي) على ما هو عليه!
- عن سعدي يوسف الشاعر المسافر!
- عن المسألة الوطنية... مناقشة ورد على تقرير المؤتمر التاسع لل ...
- حكاية سريعة عن التصوير والصور في كردستان
- عن الوضع السياسي في بلادنا!
- ناصر عساف... العلاقة بين العين والكاميرا والضوء
- صورة المعلم في قبضة الجلاد
- توضيح حول علاقة مجزرة بشتآشان بمعارك باليسان واتفاقية ديوانه
- كلمات عن الأول من أيار وذكرى مجزرة بشتآشان الرهيبة
- الثورات العربية وطبيعة المرحلة الانتقالية
- من السجن الى الكمين القاتل على طريق كويسنجق
- التحرك الشعبي العربي وطبيعة ودور التدخل الخارجي


المزيد.....




- بيان صادر عن القطاع الصحي في الحزب الشيوعي اللبناني
- قيادة حركة فتح في الشمال تلتقي قيادة الحزب الشيوعي
- شعبنا وحده من ينصف الشهداء
- حسن أحراث// في ذكرى اغتيال الشهيد عمر بنجلون..أنا بريء منكم. ...
- بعْدَ إبادة الجمهُوريين، قمعُ دُعاة إصلاح الملكّية
- جشعُ البّاطرونا الزّراعية وعُنف دولتها والتّشتت النّقابي أخط ...
- نضالُ تنسيقّية الأساتذة الذين فُرض عليهم التّعاقد
- ذكرى البوعزيزي: أملٌ باقٍ ولو بعد حين
- «السبسي» يحظى بالأولوية في حزب نداء تونس للترشح إلى ولاية رئ ...
- عبدالله الحريف: مهمة بناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين ...


المزيد.....

- الحرب الأهلية الإسبانية والمصير الغامض للمتطوعين الفلسطينيين ... / نعيم ناصر
- حياة شرارة الثائرة الصامتة / خالد حسين سلطان
- ملف صور الشهداء الجزء الاول 250 صورة لشهداء الحركة اليساري ... / خالد حسين سلطان
- قناديل شيوعية عراقية / الجزء الاول / خالد حسين سلطان
- نظرات حول مفهوم مابعد الامبريالية - هارى ماكدوف / سعيد العليمى
- منطق الشهادة و الاستشهاد أو منطق التميز عن الإرهاب و الاستره ... / محمد الحنفي
- تشي غيفارا: الشرارة التي لا تنطفأ / ميكائيل لووي
- وداعاً...ايتها الشيوعية العزيزة ... في وداع فاطمة أحمد إبراه ... / صديق عبد الهادي
- الوفاء للشهداء مصل مضاد للانتهازية..... / محمد الحنفي
- الشهيد محمد بوكرين، أو الثلاثية المقدسة: الامتداد التاريخي – ... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - أحمد الناصري - من يغسل دمنا المسفوك بين الناصرية والجبال؟... الى الشهيد علي إبراهيم