أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - عائشة خليل - النكات والتحرش














المزيد.....

النكات والتحرش


عائشة خليل

الحوار المتمدن-العدد: 4007 - 2013 / 2 / 18 - 12:52
المحور: ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة
    


تتعرض الفتيات المصريات للتحرش الفردي والجماعي بصورة باتت تشكل ظاهرة لا تنجو منها إلا القليلات. وأصبحت هذه الظاهرة المؤلمة جزءا من الحياة اليومية للفتيات في مختلف أنحاء القطر المصري وبالذات في المدن الكبرى. وزاد الحديث الجريء عنها في الآونة الأخيرة ابتداء من فيلم ٦٧٨ مرورًا بوقفات الناشطات والناشطين ضد التحرش، إلى التوثيق الذي تقوم به مؤسسة نظرة، وعروض "بصي" إلى نشاطات متطوعي مجموعة ضد التحرش، وغيرها الكثير والكثير من الحراك الاجتماعي الذي نشط في الآونة الأخيرة والذي يرى في التحرش آفة اجتماعية يجب اقتلاعها من جذورها.

وكل هذه جهود محمودة علينا أن نحتفي بها ونؤازرها ونعاضدها. ولكنني أرغب اليوم في التحدث عن التحرش في بنية التفكير الذكوري، وفي كونه حلقة متصلة علينا - إن كنا نبغي القضاء عليها - ملاحقتها في بنية المنظومة الفكرية لدينا. فلا معنى لأن نتجاهل الأوجه التي تبدو أكثر سلمية في أحاديثنا إن كنا نقف ضد التحرش. فمثلا يمكننا النظر إلى النكات الموجهة إلى جسد المرأة كالبذرة الأولى للتحرش. ولن نستطيع بناء مجتمع خالٍ من التحرش إذا تسامحنا مع تلك النكات التي تسفه المرأة وتشيئها. فتلك النكات بذور تروى في العقول المريضة وتتطور فتنمو إلى أن تصير نظرات متفحصة لجسد المرأة ومنها إلى أقوال جارحة، وتتطور إلى معاكسات لفظية بذيئة، وتشتد وتقوى إلى أن تصبح لمسا، فهتك عرض واغتصاب. فيتحول ما بدأ كمداعبة بريئة إلى تعدٍ وحشي يترك ندبة دائمًا في حياة الفتاة المنتهكة.

تشئي النكات الجنسية المرأة وتختزلها في جسد يصبح مثار رغبة. وأخطر ما في الأمر أننا نزرع تلك البذرة الخبيثة ونغلفها بغلاف من المرح، فيتقبلها العقل بدون تمحيص. وإن توقف عندها البعض، فقد يرد عليهم بالاستخفاف بدعوة أنها "مجرد دعابة" ولا يجب أن تأخذ على أكبر مما تحتمل. والسؤال عن علاقة الدعابة بالتحرش مشروع، والإجابة البسيطة عليه: بنية التفكير. يستخدم الأشخاص النكات والدعابة من أجل تشكيل وتطوير، ومن ثَمَّ تعليم الأدوار المرسومة اجتماعيًا عن الجنس. ومن خلال الدعابة يتعلم النشء أن الأنثى مجرد جسد، مفعول به وليس فاعلا، وبالتالي بلا إرادة، وبما أن الخيال الاجتماعي يرسم الأنثى على أنها ضعيفة (بل وعديمة) التفكير فإن الدعابة التي تشيئها تجد لها أرضا خصبة عند المتلقي. ومن خلال الدعابة يتنصر صوت الرجل ويصور جسد المرأة على أنه حاضر دائمًا لخدمة الرجل. والخطر الكامن في الدعابة هو كونها "مجرد دعابة" بمعنى أنه بإمكان قائلها أن يتراجع عنها إذا لم يجد استقبالا طيبًا لها، فيستطيع من خلال الدعابة تمرير أفكار لن يكون باستطاعته قولها بلغة جادة أو مباشرة. وبمعنى آخر يمكن لقائلها التنصل من أقواله (وحفظ ماء وجه) إذا جوبه بمعارضة تكشف المعنى العميق لتداعيات "دعابته". وبما أن الإناث يعشن في مجتمعات بطريركية يسيطر فيها الذكور على المؤسسات (مثل المجالس التشريعية، والجامعات) التي تفرز الخطاب المسيطر فإنهن يعشن ابتداء في ظل هيمنة ذكورية لا تحتجن فيها إلى المزيد من السيطرة التي تأتي عن طريق الدعابة تشيئ أجسادهن. ذلك أنهن قد يتقبلن ذهنيًا تلك الصور المهينة، بحيث تصبح جزءًا لا يتجزأ من صورتهن الذهنية عن ذواتهن. فالتعليقات التي تتلقاها الفتاة في الشارع ما هي إلا تأكيد لما تتلقاه من الخطاب المسيطر عن ضآلة شأنها مقارنة بالفتيان، وتعمل تلك التعليقات على إحراج الفتاة من خلال تذكيرها المستمر بذلك. وعندما تتعرض بعد ذلك لاعتداء بدني تكون أكثر تقبلا لفكرة أنها قد أخطأت بشكل ما لكونها في المجال العام. ولذا فقد تخفى ما تعرضت له عن أقرب الناس إليها، بل وتعمل على تناسي التجربة المؤلمة والأليمة ليقينها البالغ أن المجتمع يلوم الضحية ويبرئ الجاني.

وما دفعني ابتداء لكتابة هذه الأسطر هو تداول النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي نكات تشيئ المرأة وتطبع التعليقات على الفتيات في الشوارع. وتعجبت من ازدواجية المعايير لدى هؤلاء الذين يدافعون عن الناشطات السياسيات بكل عزم وقوة، ولكنهم لا يرون غضاضة في تداول نكات تشيئ المرأة. فرأيت أن بنى التفكير لدينا بحاجة إلى مراجعة كي نتمكن - على سبيل المثال - من رؤية الارتباط بين النكات وبين الانتهاكات التي تقع على أجساد النساء في الأماكن العامة. فالمبادئ لا تتجزأ.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,467,300,218
- العنف على أجساد متباينة
- درية شفيق والحقوق السياسية للمرأة
- الموضة والقيم الذكورية
- النساء والطعام
- العُصبة الوردية
- الفطنة العاطفية
- كاتب نسوي من الصين: لي شو-شين
- فرنشسكا دينيز نسوية من البرازيل
- نسوية من الهند: شريفة حامد على
- النسوية اليابانية كشيدا توشيكو
- الأدوار المرسومة اجتماعيًا
- أوباما والناخبات
- المرأة في السينما المصرية: حريم سلطان بورنجا العظمى
- الجسد في الثقافة البطريركية
- عن التحرش. على المزمار. في أمريكا!!!
- تعليم المقهورين من فريري إلى بوال
- برنامج جالز: تجربة من أفريقيا
- مجلة -مز- في الفصل الدراسي
- الرعاية المجتمعية للأمهات
- التغيرات الإيجابية في حياة اليافعات: تجربة من الهند


المزيد.....




- امرأة كازاخستانية تضع طفلين بفارق شهرين عن بعضهما البعض
- تناول الدودة الشريطية وحذاء الدمية.. أغرب وسائل التجميل النس ...
- المرأة وخطر التمييز..!!
- فيديو: النساء الكوبيات يعتنقن الإسلام يوما بعد يوم
- شاهد: المكسيكيات يتظاهرن احتجاجا على اغتصاب عناصر من الشرطة ...
- شاهد: المكسيكيات يتظاهرن احتجاجا على اغتصاب عناصر من الشرطة ...
- آلاف النساء يتظاهرن في المكسيك احتجاجا على اغتصاب الشرطة
- فيديو: النساء الكوبيات يعتنقن الإسلام يوما بعد يوم
- بنسلفانيا.. إدانة سائق أوبر مصري باغتصاب راكبة
- شكاوى جديدة بالتحرش الجنسي ضد الملياردير الراحل إيبشتين


المزيد.....

- إشكاليّة -الضّرب- بين العقل والنّقل / إيمان كاسي موسى
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- الناجيات باجنحة منكسرة / خالد تعلو القائدي
- بارين أيقونة الزيتونBarîn gerdena zeytûnê / ريبر هبون، ومجموعة شاعرات وشعراء
- كلام الناس، وكلام الواقع... أية علاقة؟.. بقلم محمد الحنفي / محمد الحنفي
- ظاهرة التحرش..انتكاك لجسد مصر / فتحى سيد فرج
- المرأة والمتغيرات العصرية الجديدة في منطقتنا العربية ؟ / مريم نجمه
- مناظرة أبي سعد السيرافي النحوي ومتّى بن يونس المنطقي ببغداد ... / محمد الإحسايني
- الآبنة الضالة و اما بعد / أماني ميخائيل النجار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - عائشة خليل - النكات والتحرش