أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد القبانجي - نقد كتب الدعاء والزيارة






















المزيد.....

نقد كتب الدعاء والزيارة



أحمد القبانجي
الحوار المتمدن-العدد: 3999 - 2013 / 2 / 10 - 22:18
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


إن للدعاء أثر مهم في خلق الطمأنينة والراحة في واقع الانسان ونفسه ويثير فيه عنصر الأمل , مضافا الى ما ورد في النصوص الشريفة من قوله تعالى : ادعوني استجب لكم (غافر/60) , و قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم (الفرقان/77) و اجيب دعوة الداعِ اذا دعان (البقرة/186) حيث تدل هذه النصوص القرآنية على أن الله تعالى يفيض من رحمته وعنايته على الانسان الداعي , وقد أثبتت التجارب الكثيرة جدا معطيات الدعاء الايجابية وآثاره الحسنة على روح الانسان وسلوكه وفكره.
هذا وقد ورد في كتب الأدعية نماذج راقية من المعارف الالهية والقيم الاخلاقية التي تقرب الانسان الى الحق تعالى وتجعله من أهل الخير والصلاح , ولكن مع الأسف فإن طائفة من الجهال والغلاة تدخلت في وضع الأدعية والزيارات في المصادر الحديثية مما أدى الى تلويث هذا المنهل الروحاني بافرازات الفكر الخرافي والشيطاني , ونحن هنا نحاول من خلال نقد الأحاديث والكتب المذكورة أن نصل الى المنبع الأصيل والعين الطاهرة لتلك الأدعية , وبذلك نمنع من انحراف المسلمين بسبب وجود الروايات المحرفة والمجعولة في هذا الباب . وعلى هذا الأساس نختار هنا نماذج متعددة من الأدعية الموضوعة والزيارات المغالية ونضعها على مشرحة النقد . ومن بين كتب الأدعية المتوفرة في المكتبة الاسلامية هو كتاب ((مصباح المتهجد)) للشيخ الطوسي وكتاب ((اقبال الأعمال)) لابن طاووس , و ((عدة الداعي)) لابن فهد الحلي و ((زاد المعاد)) للمجلسي, و(مفاتيح الجنان) و(الباقيات الصالحات) للمحدث القمي.
وقبل أن نتعرض لنقد الأدعية والزيارات نقول: أحياناً تؤدي العادة في قراءة ذكر معين أو دعاء مأثور الى الأنس به والغفلة عن موارد الخطأ والتحريف فيه بل قد يكتسب الدعاء قداسة خاصة في نظر القارئ بحيث لا يجد في نفسه استعداداً لسماع أي نقد حوله, ولكن اذا كان أصل العقيدة والدين محترما ومقدسا لدى الانسان فان ذلك يدعوه للتأمل في روايات المحدّثين وأن تكون العقيدة أكثر قداسة من رواية فلان وفلان , إن الانسان المؤمن يجد في نفسه الرغبة في سماع النقد وممارسة والتدبّر في النصوص ليصل الى المنابع الأصيلة للدين الحنيف والشريعة السماوية وينهل من مائها الطاهر:

نماذج من الأدعية الموضوعة:
1 – الدعاء المعروف بدعاء تعقيبات الصلاة في شهر رجب . وهذا الدعاء ذكره المحدث القمي في ((مفاتيح الجنان)) ولكن أصله مذكور في كتاب ((الاقبال)) لابن طاووس وهو :
علي بن محمد البرسي – رضي الله عنه – قال أخبرنا الحسين بن أحمد بن شيبان , قال : حدثنا حمزة بن القاسم العلوي العباسي , قال : حدثنا محمد بن عبدالله بن عمر البرقي , عن محمد بن علي الهمداني قال : أخبرني محمد بن سنان , عن محمد السجاد في حديث طويل قال : قلت لأبي عبدالله – عليه السلام – : جعلت فداك هذا رجب علمني دعاء ينفعني الله به قال : فقال لي أبوعبدالله – عليه السلام – : أكتب : بسم الله الرحمن الرحيم وقل في كل يوم من رجب صباحا ومساء وفي أعقاب صلواتك في يومك وليلتك : يا من أرجوه لكل خير وآمن سخطه من كل شر ...(إلى آخر الدعاء)
ونلاحظ على هذا الدعاء , أنه هذا الدعاء بلحاظ السند غير موثوق ولا ينبغي الاعتماد عليه وكذلك بالنسبة الى المتن والدلالة لأنه:
أولا: إن من بين رواة هذا الحديث ((محمد بن سنان)) الذي تقدم الكلام فيه حيث يقول عنه ابن الغضائري ((بنقل العلامة الحلي)): إنه ضعيف غال لا يلتفت اليه . ويقول النجاشي في حقه : هو رجل ضعيف جدا لا يعول عليه ولا يلتفت الى ما تفرد به.
إذن فالحديث الذي يتفرد محمد بن سنان في نقله عن محمد السجاد عن الامام الصادق غير موثوق.
ثانيا : إن الجملة الثانية الورادة في الدعاء مخالفة للقرآن الكريم , حيث وردت العبارة في هذا الدعاء في مفاتيح الجنان ((وآمن سخطه عند كل شر)) ولكن في الاقبال يقول : (( وآمن سخطه من كل شر)) وفي مصباح المتهجد ((وآمن سخطه عند كل عثرة)) وعلى آية حال فان هذه العبارات الثلاث تعطي مفهوما واحدا وهو أن الانسان يأمن مكر الله وغضبه عندما يرتكب الخطأ و الشر, وهذا المعنى مخالف لما ورد في القرآن الكريم من قوله تعالى:
فلا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون (الأعراف/99)
أجل فان المؤمن بمجرد أن يصدر منه الشر ويرتكب الخطيئة يشعر في قرارة نفسه بالخوف من غضب الله تعالى ويدعوه هذا الخوف الى الاستغفار والتوبة لا أنه يعيش بأمن وطمأنينة بعيداً عن سخط الله تعالى عند ارتكاب الخطأ والشر.
والعجيب أن الشيخ الطوسي مع أنه ضعّف ((محمد بن سنان)) وهو نفسه من جملة المفسرين للقرآن الكريم في تفسيره القيم ((التبيان)) ومع ذلك أورد هذا الدعاء المزيف في كتابه ((مصباح المتهجد)) وليس ذلك سوى نتيجة العقلة والتسرع والأخذ بالقاعدة المشهورة((التسامح في أدلّة السنن)) في حين أن السنن المنقولة هي كالفرائض المأثورة يجب أن توافق القرآن الكريم , ولا شك أنها تسقط عند تعارضها مع تعاليم القرآن , بل يثبت بذلك بطلانها وكذبها.
أجل إن تأثير الدعاء المزيف على وجدان الانسان وقلبه يخدعه ويجعله يتصور أنه في مأمن من عذاب الله وسخطه عند ارتكاب المعصية والشر فلا يتحرك في خط التوبة والاستغفار وذلك هو الخسران المبين.
2 – ونقرأ في كتاب ((مصباح المتهجد)) للشيخ أبي جعفر الطوسي في تعقيبات وأدعية يوم الجمعة:
((وعنه (أبي عبدالله الصادق) عليه السلام : من قال بعد صلوة الفجر أو بعد صلوة الظهر ((اللهم اجعل صلوتك وصلوة ملائكتك ورسلك على محمد وآل محمد)) لم يكتب عليه ذنب سنة )).
وهذه الرواية نقلها الشيخ القمي في كتاب ((مفاتيح الجنان نقلا عن الشيخ الطوسي, أما سند الشيخ الطوسي لهذه الرواية فلم يذكره ليتمكن الباحث من التحقيق فيه , ولكن فساد المتن وبطلانه مما لا غبار عليه لأنه يدل على أن الصلاة على محمد وآل محمد تبيح للانسان ارتكاب الخطايا والذنوب لمدة سنة كاملة وبذلك يتجرأ الناس على المعاصي خلافا لمقاصد الشريعة وغايات الدين الالهي في خلق روح التقوى لدى الانسان وحثّه على مجاهدة نفسه وتهذيبها , فكيف الحال اذا صلى الانسان في كل سنة مرة واحدة الى آخر العمر؟ فهذا يعني أنه لا يكتب من ذنوبه شيئ . إذن فالدعاء والصلاة على النبي يعتبر ناسخا للمحرمات , واعتقد أن مقام الامام الصادق (ع) أسمى من أن يقرر فضيلة للصلاة على محمد مثل هذه .
3 – وذكر المجلسي في كتابه ((بحار الأنوار)) بمناسبة فضيلة واستجابة الدعاء في اليوم التاسع من ربيع الأول المصادف قتل الخليفة الثاني , رواية طويلة وعجيبة نقلا عن ((حذيفة بن اليمان)) حيث يقول : ((في مثل هذا (التاسع من ربيع الأول وهو يوم قتل فيه عمر بن الخطاب) رأيت أميرالمؤمنين (ع) وولديه (ع) يأكلون مع رسول الله (ص) وهو يتبسّم في وجوههم ويقول لولديه الحسن والحسين (ع) : كلا هنيئا لكما بركة هذا اليوم وسعادته فانه اليوم الذي يهلك الله فيه عدوّه وعدّو جدكما وأنه اليوم الذي يقبل الله أعمال شيعتكما ومحبيكما ... إلى أن يقول : إن الله تعالى أوحى الى نبيه الكريم: يا محمد, إن مرافقك ووصيك في منزلتك يمسه البلوى من فرعونه وغاصبه الذي يجتري ويبدل كلامي ويشرك بي ويعدل عن سبيلي وينصب من نفسه عجلا لامتك... وقد أمرت الكرام الكاتبين أن يرفعوا القلم عن الخلق في ذلك اليوم , ولا يكتبون شيئاً من خطاياهم كرامة لك ولوصيك.
يا محمد إني قد جعلت ذلك اليوم يوم عيد لك ولأهل بيتك ولمن يتبعهم من المؤمنين وشيعتهم... ))
إن هذا الحديث المزيف يشير الى أن الله تعالى وبمناسبة يوم قتل الخليفة رفع القلم عن الشيعة فلا يكتب من ذنوبهم شيئا , أي أن الشيعي في هذا اليوم يباح له ارتكاب جميع الخطايا والذنوب . فهل يعقل أن يصدر هذا الكلام من امام المتقين؟ ألا يعتبر هذا الكلام بهتاناً وتهمة الى أميرالمؤمنين ؟ ألا يفضي هذا الحديث الى انجرار الناس العوام نحو الخطايا وارتكاب الذنوب؟
وكاتب هذه السطور بنفسه رأى شخصا ظاهر الصلاح في اليوم التاسع من ربيع الأول يشتغل في الفسق والفجور فلما سئل عن سبب ذلك أجاب : ألم تعلموا أن هذا اليوم هو اليوم التاسع من ربيع الأول وأن القلم رفع عن ذنوب الشيعة !!
إن الراوي الجاهل لهذه الرواية تصور أن احترام النبي والامام وكرامتهما عند الله يقتضي أن يرفع الله تعالى القلم عن الناس ويتركهم كالحيوانات يعملون و يعبثون ما يشاؤون لمدة ثلاثة أيام.
هل هذا هو معنى كرامة النبي والامام علي عند الله تعالى؟
4 – وذكر المحدث القمي في كتاب ((الباقيات الصالحات)) في حاشية مفاتيح الجنان هذا الدعاء لرفع وجع السن حيث يقول :
((وأيضا ورد أنه يضع الشخص عود أو حديدة على السن ويرقيه من جانبه سبع مرّات: بسم الله الرحمن الرحيم العجب كل العجب دودة تكون في الفم تأكل العظم وتنزل الدم أنا الراقي والله الشافي والكافي لا اله الا الله والحمد لله رب العالمين واذا قتلتم نفسا فادارأتم فيها , يقرأ الى: لعلكم تعقلون سبع مرات يفعل ما قدّمناه))
ولعل مخترع هذا الدعاء تصور واقعا ان السن المسوسة مصابة بدودة تأكل السن , وأما سند الرواية فغير معلوم ولا أحد يتجرأ على ذكر هذه الرواية لدى طبيب الاسنان ليعرف صحتها من سقمها.
5 - وأورد صاحب ((مفاتيح الجنان)) في أعمال يوم الجمعة:
((إعلم أن بقراءة آية الكرسي على التنزيل في يوم الجمعة فضيلة عظيمة كما ورد في الروايات)).
فما معنى أية الكرسي على التنزيل ؟ (( أي كما نزلت على النبي الاكرم)) ويجيب المحدث القمي في ((الباقيات الصالحات)) بهذا الجواب :
وروى العلامة المجلسي عن علي بن ابراهيم والكليني أن آية الكرسي على التنزيل هي ((الله لا اله الا هو الحي القوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم من ذا الذي الى ... هم فيها خالدون)).
وكما ترى فان هذه الرواية تواجه خللا أساسيا غير قابل للاصلاح , وهي أنها تدعي أن آية الكرسي قد حرفت في القرآن الكريم وأن الآية الصحيحة هي ما وردت في هذه الرواية , وهذا الادعاء يزلزل أساس الاسلام ويسقط القرآن الكريم من مرتبة الحجية . والعبارات الواردة في هذه الرواية في ضمن آية الكرسي هي كلمات واردة في مواضع أخرى من القرآن الكريم , مثلا ((له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى)) هي الآية السادسة من سورة طه نفسها . وكذلك ((عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم)) هي قسم من الآية الثانية والعشرين من سورة الحشر.
وقد ثبت في محله أن القرآن الكريم مصون عن أي تحريف وتبديل ولا تمسه أيدي المحرفين والجاعلين والوضاعين , ومثل هذه الروايات غير قابلة للاعتماد اطلاقا كما أن اعاظم الفرقة الامامية كالشريف المرتضى والشيخ الطوسي والشيخ الطبرسي وآخرين ذهبوا جميعا الى عدم تحريف القرآن , ومن جملة أدلتهم على هذا الأمر هو ما ورد في المتواتر عن رسول الله وأهل البيت بعرض الأحاديث والروايات على القرآن الكريم لمعرفة الحق من الباطل فيها , فلو كان القرآن الكريم قد اصابته يد التحريف في هذه السورة وغيرها فلا يمكن اعتباره معيارا للحق والباطل وميزانا لتشخيص الحديث الصحيح من السقيم.والدليل الأقوى قول الله تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون أي حافظون له من التحريف والضياع.
* * *

نماذج من الزيارات الموضوعة
الاول : ذكر الشيخ عباس القمي في مفاتيح الجنان في كيفية زيارة النبي (ص) من البعد : ((قال العلامة المجلسي في زاد المعاد في اعمال عيد الميلاد , وهو اليوم السابع عشر من ربيع الاول , قال الشيخ المفيد والشهيد والسيد ابن طاووس رحمهم الله : اذا أردت زيارة النبي (ص) في ما عدا المدينة الطيبة في البلاد فاغتسل ومثّل بين يديك شبه القبر واكتب عليه اسمه الشريف ثم قف وتوجه بقلبك اليه وقل: أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له ... الخ))
ونرى في هذه الزيارة أنها من صنع لفيف من العلماء كما يقول العلامة المجلسي , فلم ترد عن امام معصوم , بل إن الكثير مما أورده المجلسي في باب الزيارات إنما وجده – حسب قوله في ج 22 من البحار – في كتاب قديم لا يعلم أصله . أو يقول : ((وجدت في نسخة قديمة من مؤلفات أصحابنا هذه الزيارة)) أو ((زيارة أخرى له (ص) املاها عليّ النصير أدام الله عزه)) وفي باب زيارة أئمة البقيع (ع) يقول: ((وجدت في نسخة قديمة من أصحابنا زيارة لهم عليهم السلام)) ولكن بالتدريج وعندما تنقل الى كتاب آخر مثل ((مفاتيح الجنان)) يتم حذف هذه الفقرة من بداية الزيارة فيقرأها الزائر وهو يحسب أنها من امام معصوم ويتعبد بكل ما ورد فيها حتى لو كان مخالفا للقرآن الكريم كما سوف نرى.
هذا وكل من يقرأ ما تقدم من الكيفية المقترحة لزيارة النبي (ص) من بعيد يكاد يدهش لسذاجة عقول هؤلاء الذين أوردوا هذه الزيارة ويدعو الله تعالى أن لا تقع مثل هذه الزيارات بيد المخالفين والمغرضين من أعداء الشيعة لتكون مبررا للتشنيع والتشهير ضدهم , فماذا يعني أن يصنع الانسان شبيه القبر في بيته ويكتب عليه أنه قبر رسول الله (ص) ثم يزوره وهو يعلم أنه ليس بقبر انما هو من صنع يده؟! ألا يتداعى الى الذهن من هذا العمل ما كان المشركون يصنعونه من التماثيل ثم يعبدونها ؟ ولماذا لا يتوجه الزائر جهة القبلة والمدينة المنورة ويزور النبي (ص) من بعيد لتكون زيارة معقولة على الاقل؟ ثم هل صنع مثل ذلك أهل البيت (ع) في زياراتهم للنبي (ص) من بعيد حتى نقتدي بهم ونزور بزيارتهم ؟ ولماذا يقتصر هذا النمط من الزيارة على النبي (ص) وحده ولا يمتد ليشمل زيارة كل امام معصوم من بعيد؟!
اللهم ارزقنا العقل والفهم ....
* * *
الثاني: ما ورد في زيارة أميرالمؤمنين (ع) : فقد ذكر الشيخ عباس القمي في مفاتيح الجنان في فضيلة زيارة أميرالمؤمنين (ع) عن محمد بن مسلم عن الامام الصادق (ع) أنه قال في حديث له : (( من زار أميرالمؤمنين (ع) عارفا بحقه أي وهو يعترف بامامته ووجوب طاعته وأنه الخليفة للنبي (ص) حقا غير متجبر ولا متكبر كتب الله له أجر مائة ألف شهيد وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وبعث من الآمنين وهوّن عليه الحساب واستقبله الملائكة فاذا انصرف الى منزله فان مرض عادوه وإن مات تبعوه بالاستغفار الى قبره))
وأنت ترى أن مثل هذه المثوبات , وإن كان كرم الله غير محدود , الا أنها تتنافى مع الثوابت القرآنية والحكمة الالهية في خلق مقولة الثواب والعقاب وأن الجزاء بقدر العمل , فمعلوم أن الشهيد الذي يجاهد في سبيل اعلاء كلمة الدين والدفاع عن المسلمين ويضحي بنفسه في سبيل سعادة الآخرين له من الأجر والثواب بحيث قرنه الله في قرآنه الكريم مع الأنبياء والصديقين الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء... , والامام علي (ع) نفسه كان يتمنى الشهادة وقد حزن على عدم نيله لهذا المقام العظيم في معركة أحد فرأى النبي (ص) ذلك في وجهه فلما سأله عن سبب ذلك أجابه بأن الشهادة فاتتني , فقال : ((ابشر فان الشهادة من ورائك)) . فهل يعقل أن يحصل أي انسان شيعي على أعلى من هذا المقام بمائة ألف مرة لمجرد زيارة يقوم بها لمرقد الامام علي (ع) ويعترف له بالامامة غير متجبر ولا متكبر؟ ومعلوم أن جميع الشيعة حتى الفساق منهم يعترفون له بالامامة غير متكبرين ولا متجبرين!! والأعجب من ذلك أن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر , فعلى فرض أن الله يغفر له ما تقدم من ذنوبه , فكيف يغفر له ما تأخر من الذنوب والمعاصي الى أن يحين أجله وقد يرتكب الكبائر والموبقات والذنوب العظام ؟ أليس في ذلك ما يدعو للجرأة على الذنوب والمعاصي؟! ثم أن الراوي الكذاب يقول في هذا الحديث: وإن مات تبعوه (الملائكة) بالاستغفار الى قبره!! ومعلوم أن الكذاب مصاب بداء النسيان كما يقال , فهذا الراوي يقول قبل قليل إن الله قد غفر للزائر ما تقدم من ذنبه وما تأخر : إذن فعلام تستغفر الملائكة لهذا الميت؟!
اذا قبلنا بمضمون مثل هذه الزيارة – وما اكثرها في كتب الزيارة – فلا يحتاج الانسان بعدها لأن يتعب نفسه بتحمل مشاق الجهاد في سبيل الله ولا الحج والعمرة بل يكفي أن يزور في عمره أميرالمؤمنين (ع) مرة واحدة وليفعل ما يفعل بعدها فقد كتب في أعلى عليين!!
أما مضمون الزيارات: فقد أورد الشيخ عباس القمّي , نقلا عن المجلسي وابن طاووس والمفيد وغيرهم , زيارات (مطلقة وخاصة) تتنافى في اكثر عباراتها مع القرآن الكريم والتوحيد واصول الدين والمذهب , على سبيل المثال يقول:
ـ السلام على ... مقلّب الاحوال
ومعلوم أن هذه الصفة من مختصات الذات الالهية المقدسة , فحتى الانبياء لا يملكون ذلك لأنفسهم فضلا عن الآخرين كما تقول الآية الشريفة :قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا و ما ادري ما يفعل بي ولا بكم وهذا يعني أن احوال العباد بيد الله تعالى لا غير, فهو مقلب القلوب والاحوال كما جاء في دعاء تحويل السنة , ويقول تعالى أيضا:
وألّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بين قلوبهم
فاذا كان النبي (ص) غير قادر على التصرف في أحوال الناس , فكيف بالامام؟!
ـ ومن العبارات الواردة في هذه الزيارة : ((وسامع السرّ والنجوى)).
والقرآن الكريم يصرح بأن هذه الصفة مختصة بالله تعالى: يعلم سرّكم وجهركم ويعلم ما تكسبون و يعلم ما يسرون وما يعلنون و ألم يعلموا أن الله يعلم سرّهم ونجواهم الى غير ذلك من الآيات الشريف التي تقرر هذه الصفة لله تعالى . وهنا يتبادر الى الذهن هذا السؤال : هل أن الامام علي (ع) هو الله تعالى حتى يعلم أسرار الناس , أو أن هذه الكلمات من وضع الغلاة والمتصوفة القائلين بالاتحاد والحلول وأمثال ذلك من العقائد الباطلة والافكار المزيفة؟!
كيف نصدق بهذه الزيارة والامام علي (ع) نفسه كان يرسل الجواسيس ويضع العيون على ولاته لينقلوا له أعمالهم كما ورد ذلك في نهج البلاغة: ((عيني بالمغرب كتب الي يعلمني.. ))
ويكتب الامام علي (ع) الى ((المنذر بن الجارود)) عامله على جباية الصدقات بعد أن جمع المنذر الصدقات وهرب الى معاوية :
((فإن صلاح أبيك غرّني منك وظننت أنك تتبع هديه))
وهكذا عندما نصب ((مصقلة بن هبيرة)) عاملا له على ((اردشير خوزستان)) ولكنه خان الامام وقسم بيت المال بين اقربائه , وكذلك عندما عزل محمد بن أبي بكر من ولاية مصر بعد أن تبين له عجزه على تدبير الامور وافتقاده للحنكة السياسية اللازمة . أو عندما ولّى عبدالله بن عباس على ولاية البصرة وسرق بيت المال وهرب به الى الحجاز... وغير ذلك من الامور الكثيرة المتواترة التي تدل على عدم علم الامام بأسرار الناس وخفايا باطنهم , ولا يمكن القول بأنه كان يعلم بذلك ومع ذلك عيّنهم في مناصب مهمة فهذا يعني (والعياذ بالله) خيانة للامة والمشاركة في فساد المجتمع.
ـ ومنها : ((أشهد أنك تسمع كلامي وترد سلامي)).
إن محور الانحراف الخطير في الزيارات هو أن الزائر يتصور الحياة وامكانية التصرف في عالم الشهود والدنيا للشخص المزور . وهذا التصور الباطل يتم تغذيته بعبارات مجعولة في مضامين الزيارات الواردة في تراثنا الشيعي , كما في العبارة المذكورة آنفاً. الا ان مضمون مثل هذه العبارات مخالف للقرآن الكريم قطعا , وقد أوصانا أهل البيت (ع) بعرض رواياتهم على القرآن الكريم فما وافق القرآن فخذوا به وما خالفه فاضربوه عرض الجدار , وهذا هو مضمون حديث الثقلين أيضا حيث قال رسول الله (ص): (اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي (أو سنتي) وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض)
ومعلوم أن المراد من عدم الافتراق ليس هو الافتراق المادي الفيزيقي حيث يموت الامام ويبقى القرآن بل المراد هو عدم الافتراق بالمنهج والمفاهيم والتعاليم السماوية الواردة في كل من القرآن الكريم والاحاديث الشريفة. فكلماتهم (ع) لا يمكن أن تتقاطع مع تعاليم الوحي ومعارف القرآن . فاذا رأينا ثمة تناقض بينهما علمنا بأن الرواية موضوعة وغير صادرة من المعصوم وينبغي ضربها عرض الجدار. ومنها الزيارة التي نحن بصددها حيث تقول (اشهد انك تسمع كلامي وترى مقامي) فهل يؤيد القرآن الكريم هذا المعنى والمضمون , أو لا؟
الآية الكريمه 259 من سورة البقرة تتحدث عن واقعة موت أحد الانبياء وهو (عزير) حسبما ورد في الروايات وتقول: او كالذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنّى يحيي هذه الله بعد موتها فاماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم
فهنا نرى أن الآية الشريفة تصرح بأن الله تعالى أمات عزير ثم لما بعثه سأله عن مدة لبثه فتصور أنه لم يلبث أكثر من نهار واحد أو أقل . وهذا يعني أنه لم يكن يعلم بما جرى له في هذه المدة الطويلة . فلو كان نبيا عظيما كعزير الذي يقدسه اليهود اكثر من جميع الانبياء حتى من موسى وهارون وقد رفعوا مكانته الى القول بانه ابن الله كما يدعى النصارى أن المسيح ابن الله : وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم.
لأن عزير هو الذي كتب لهم التوراة من جديد بعد أن تعرضت للتلف أثناء عملية هدم الهكيل وسبي اليهود على يد البابليين. وعلى أيه حال فان عزيز وهو نبي عظيم من انياء بني اسرائيل لم يكن يعلم بشيء مما كان يدور حوله في مدة موته . فكذلك الحال في الائمة وابناء الائمة والشهداء الذين لا ينبغي الشك في أنهم احياء ولكن ((عند ربهم يرزقون)) ومقام العندية هذا لا يعني انهم احياء في الدنيا أو أن أرواحهم جالسة على قبورهم تسمع وترى الزائرين بل انهم عند ربهم في جنات الخلد يرزقون , كما قالت الآية الكريمة على لسان آسية زوجة فرعون:
رب ابن لي عندك بيتا في الجنة
أو قوله تعالى:
في مقعد صدق عند مليك مقتدر
فمقام العندية يعني في الجنة فلا يعقل أن يعيش النبي أو الامام في أعلى درجات النعيم الخالد متلذذا بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم يدرك ما يعرضه عليه الزوار من حاجاته ويلبي لهم طلباتهم التي تثير الحزن والأسى في غالب الاحوال أو يدرك ما يجري على المؤمنين من بلايا ومحن ولا يقدر على رفعها عنهم . وهل يعقل أن يدرك النبي الأكرم أو الامام علي أو الزهراء ما جرى على الحسين وعلى أهله واطفاله من مصائب وقتل وعطش ثم لا يحزنون له ولا يبكون من أجله ؟ فاذا قلنا بانهم يحزنون على هذه المصائب كما نقرأ ونسمع من أهل المنبر مثل هذه المفاهيم الموهومة , فهذا يتعارض مع قوله تعالى بأن هؤلاء الأولياء والشهداء (( لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)).
الآية الاخرى قوله تعالى في محادثته مع عيسى بن مريم : ((واذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وامي الهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته ...وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيئ شهيد))
وهذا يعني بصريح العبارة أن عيسى وهو من انبياء اولى العزم لم يكن يعلم ما جرى على اتباعه بعد وفاته فليس هو المسؤول عن انحرافات قومه بعد وفاته لعدم علمه بهم والله تعالى هو الرقيب عليهم لا هو . ثم إننا لا نجد ولا آية واحدة تؤيد هذا المعنى الزائف الوارد في بعض الروايات والمترسخ في اذهان العوام وحتى في أذهان الفقهاء التقليديين واصحاب التشيع التقليدي المشغولون دوما بالدفاع عن هذه العقائد المنحرفة وحراسة التصورات المشوهة باسم الدفاع عن دين العوام من شبهات الوهابية ومنزلقات العلمانية .فلو كان لهذه المفردة المهمة من عقائد الشيعة اصلا في الدين والوحي لأيدها القرآن الكريم بأكثر من أية من آياته الكريمة ولحث المسلمين على بناء المقابر والاضرحة والدعاء والتوسل عندها والتبرك بها!!
نعم. أصل الزيارة لا ريب فيه كما أسلفنا , وأنا شخصيا أزور الاضرحة المقدسة والعتبات المقدسة وادعوا الله تعالى وأُصلّي عندها ولكن لا على اساس أن صاحب القبر يراني ويستجيب لي اذا دعوته ويسمعني اذا ناديته بل اعترافا مني بحق أهل البيت (ع) علينا وأننا مدينون لهم بالنعمة وبقاء الدين وتعاليم الوحي , وعندما أدعو الله تعالى في ذلك المكان المقدس فلاعتقادي بأن صاحب هذا القبر له حرمة ومكانة عند الله تعالى والدعاء عند قبره أقرب الى الاستجابة من الاماكن الاخرى . ولكن الدعاء انما يكون صحيحاً في هذا المكان الشريف اذا كان متوجها لله تعالى لا لصاحب القبر الشريف مباشرة كما هو السائد في زيارة عامة الناس ودعائهم وطلبهم من صاحب القبر: يا علي اطلب منك قضاء حاجتي , ويا عباس شافني من مرضي , ويا علي بن موسى الرضا ساعدني في حل مشكلتي في زواجي أو بناء بيتي أو نجاح ابني في الامتحان أو اطلاق سراحه من السجن وأمثال ذلك !!
والطريف المحزن في نفس الوقت أن الله تعالى لو استجاب لهذا الزائر وشافاه من المرض أو رزقه المال لنسب ذلك فورا الى صاحب القبر وأخذ يبشر الناس بأن الامام قد شافاني ولكن اذا حصل العكس كما لو مات ابنه الذي دعا الامام لشفائه فانه ينسب ذلك الى الله ويقول هذا من قضاء الله وقدره , وهنا تتجلى مظلومية الله في هذه العقائد المزيفة أكثر!!
أقول هذا وأعلم أن هذا المطلب عسير الهضم لدى العوام من الناس وخاصة أن بعض رجال الدين وأهل المنبر من أصحاب الدكاكين الذين يرتزقون من دم الحسين وضلع الزهراء والذين نصبوا أنفسهم شرطة على عقائد الناس لا يروق لهم هذا الكلام الذي يعمل على تعرية مواقفهم وفضح نواياهم التي تقف خلف مفاهيم دينية لا تمثل اي بعد عقلاني وشرعي في سلوكياتنا الاخلاقية والدينية وسيقومون حتما بشن حملة هوجاء على المتكلم بهذا الكلام ويتحركون على مستوى تحريض العامة وتثوير عواطفهم هذه ولكن الى متى نداهن هؤلاء الاحبار والكهنة على ديننا ؟ والى متى نسكت عن انحرافاتهم ودكاكينهم؟!
فلابد من قول الحق واماطة اللثام عن جوهر الدين وازاحة ما تراكم عليه من رواسب تاريخية وافكار بشرية حولت العقيدة الصحيحة والدين السماوي العظيم الى قشور سلوكية وأوهام ذهنية لا تسمن ولا تغني من جوع معنوي لدى العوام والخواص , ولهذا نرى أن الشيعة رغم أنهم اكثر الناس زيارة لقبور الأئمة والاولياء واكثر الناس اقامة للماتم على مصائب أهل البيت واكثر الناس سماعا للمواعظ والتعاليم الدينية من اهل المنابر الا أنهم مع الاسف اكثر الناس كذبا ودجلا ونقضا للعهود واكلا للمال بالباطل , وهذه حقيقة يؤسف لها فلا أحد يقيم بين الشيعة عدة أشهر الا ويلمس هذه الحقيقة بيده . فما أكثر الذين جاؤوا الى ايران حبا في الاسلام والجمهورية الاسلامية وبعضهم اشترك في جبهات القتال ضد العدوان البعثي في سنوات الحرب المفروضة وبعد انتهاء الحرب خرجوا من ايران ناقمين من سوء المعاملة وانعدام الاخلاق الاجتماعية وطلبوا اللجوء الى بعض الدول الغربية فوجدوا فيها الكرامة والصدق وحسن المعاملة ما لم يجدوه في بلاد الاسلام!!
وهذا يذكرنا بكلام الشيخ محمد عبده الذي زار الغرب ورجع وهو يقول ((وجدت هناك اسلاما بلا مسلمين وهنا مسلمين بلا اسلام))
ـ ومنها : ((السلام على صاحب الدلالات الذي ذكر الله في محكم الآيات فقال تعالى: إنه في أم الكتاب لعلي حكيم)) فنرى كيف أن هؤلاء الغلاة والوضاعين يتلاعبون بالآيات القرآنية ويحرفوها عن معناها الاصلي : حيث أراد تعالى بهاتين الصفتين ((علي حكيم) وصف القرآن الكريم بذلك فقال : ((إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون . وإنّه في اُمّ الكتاب لعليّ حكيم)) , الا أنهم حملوها على أميرالمؤمنين(ع)
ـ ومنها : ((السلام على من ردّت له الشمس فقضى مافاته من الصلاة)) حيث نرى أن هذا الراوي الجاهل يقول ((فقضى)) بدل ((أدّى)) لأن هذه الحادثه ـ أي ردّ الشمس لعلي (ع) بعد أن فاتته صلاة العصر ـ انما قصد بها أن يصلي الامام صلاة العصر اداء لا قضاء , والزيارة تقول ((فقضى ما فاته من الصلاة)) مضافاً الى أن أصل الواقعه مخالفة للعقل والمبادئ الدينية وتتضمن اهانة لمقام النبي الاكرم (ص) حيث نام هو عن الصلاة أيضا, لأنه من غير المعقول أن تفوت الصلاة عن الامام علي دون النبي الا أن يقال بتهاون الامام عن صلاة العصر حتى نهاية وقتها . وعلى فرض وقوع هذه الواقعة فان هذا لا يعني سقوط الصلاة الفائتة غاية الأمر أنه بظهور الشمس من جديد تجب صلاة جديدة غير تلك الصلاة الفائتة.
بل إن نفس كلمة ((ردّ الشمس)) تحكي عن جهل هؤلاء الرواة الوضاعين بامور الطبيعة والكون , لأن الشمس في الحقيقة ليست هي التي تدور حول الأرض حتى يقال برجوعها وردّها , بل إن الارض هي التي تدور حول الشمس مما يعني أن الارض هي التي رجعت عن دورانها .. الى غير ذلك من اللوازم الباطلة.
ـ ومنها : ((السلام على من عنده تأويل المحكم والمتشابه وعنده أم ّ الكتاب))
هنا نلاحظ أيضاً أن الراوي المغالي ينسب تأويل المحكم والمتشابه الى الامام علي (ع) في حين أن الامام علي (ع) نفسه يصرح في نهج البلاغة باختصاص ذلك بالله تعالى وعجز الراسخين في العلم بالاحاطة بذلك , فيقول في معنى قوله تعالى: ((وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا)) : ((وأعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب , فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً , وسمّى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخا))
ثم إن الله تعالى يصف نفسه في القرآن الكريم بأنه يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب وفي هذه الرواية يقول الراوي الكذاب بأن الامام علي (ع) (عنده ام الكتاب)!! بل ورد في المستفيض من الخبرأن الامام علي (ع) نفسه قال : لو لا آية في كتاب الله لأخبرتكم بما كان وسيكون الى يوم القيامة , ثم تلا هذه الآية ((يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب)) حيث يدل ذلك على أن من عنده أم الكتاب هو الله تعالى لا غير.
ـ ومنها أيضا : ((السلام على النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون)) حيث يوحي الراوي للقارئ بأن المراد من ((النبأ)) في هذه الآية الشريفة هو الامام علي (ع) في حين أن هذه السورة نزلت في مكة المكرمة حيث كان المشركون مختلفين في أمر المعاد ويوم القيامة , ولا يعقل أن يختلف المشركون في امامة أميرالمؤمنين (ع) في ذلك الوقت , ويؤيد ذلك قوله تعالى في سورة (ص): قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون بعد أن ذكر النار وعذاب جهنم في الآيات السابقة لها.
ـ ومنها : ((السلام على صاحب المعجزات القاهرات والمنجي من الهلكات الذي ذكره الله في محكم الآيات))
أما قوله ((صاحب المعجزات)) فقد أجمع علماء الاسلام على أن المعجزة لا تكون الاّ للانبياء, وما عداهم فقد يظهر الله على يدهم بعض الكرامات فحسب , وأما جملة ((والمنجي من الهلكات)) فلم نقف له على معنى معقول وخاصة أن العبارة اعلاه تستشهد لذلك بالقرآن الكريم وتقول ((الذي ذكره الله في محكم الآيات)) ولا نعلم أين ذكره الله في محكم الآيات؟ وأيّ آية في القرآن تؤيد أن أميرالمؤمنين (ع) هو المنجي من الهلكات, بل كل ما ورد في القرآن بهذا المعنى يخص هذه الصفة بالله تعالى لكن هذه الزيارة سرقت مالله وجعلته لأميرالمؤمنين (ع) ولم يكتف الراوي الكذاب حتى استدل لذلك بالقرآن الكريم !1 مع أن صريح القرآن يؤكد على أن الله تعالى هو المنجي:
ولما جاء أمرنا نجينا هوداً والذين آمنوا معهم برحمة منا ونجّيناهم من عذاب غليظ
فلما جاء أمرنا نجينا صالحاً
وقتلت نفسا فنجيناك من الغم
ونجيناه وأهله من الكرب العظيم
ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا
الى غير ذلك من الآيات الشريفة التي تصرح بأن الله تعالى هو المنجي والمنقذ للانبياء والمؤمنين من الاخطار والهلكات , فأين ورد في محكم الآيات أن الامام علي (ع) هو المنجي كما يدعي هذا الراوي الدجال؟!
ـ ومنها ((في الزيارة 28)) من البحار: ((أشهد أنك مجازي الخلق)) حيث تفوح من هذه العبارة رائحة الشرك بكل جلاء , حيث يقول القرآن الكريم:
ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون
ليجزي الله كل نفس بما كسبت
فكما ترى أن القرآن الكريم ينسب فعل الجزاء الى الله مباشرة , وقد يذكر سبب الجزاء أيضا وهو الاعمال التي يقوم بها الانسان في الدنيا:
من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيرا
جزاء من ربك عطاء حسابا
فأين ولماذا وكيف صار أميرالمؤمنين (ع) هو المجازي للخلق؟1
ـ ومنها ((في الزيارة 30 من البحار)): ((السلام عليك يا وارث ابراهيم الخليل في نبوته ويا وارث موسى الكليم في رسالته)).
تصرح هذه العبارة بوراثة النبوة والرسالة وتقدم أنه لا معنى لذلك اطلاقا , لأنه اذا كان المراد وراثة النبوة كما هو صريح العبارة , فهذا يعني أن الامام علي (ع) نبي وهو باطل قطعا , وإن كان المراد العلم فقد تقدم فيما سبق أنه من غير المعقول وراثة العلم نفسه لأن الانسان يولد صفحة بيضاء وقد يرث الاستعداد والقابلية والذكاء فحسب وهذا لا يختص بالامام دون غيره , وتقدم ايضا أن علوم الائمة انما كانت بتعليم الرسول (ص) للامام علي (ع) وليس بالوراثة ((علّمني رسول الله (ص) الف باب من العلم يفتح لي من كل باب الف باب)) وكل امام يعلّم الامام الذي يليه أو يقرأ ما ورد في الكتب أو بالهام الملائكة , وعلى كل الاحوال لا معنى لوراثة العلم , أو النبوة الاّ عند طائفة الغلاة.
هذه نماذج قليلة مما ورد في زيارات أميرالمؤمنين (ع) من الكفريات والموهومات التي وضعها الغلاة في كتب الشيعة ونقلها العلماء والمحدثين من دون تدبر في كتبهم وكان لها الدور الكبير في تزييف عقائد العوام من الناس بل نرى أن بعض فضلاء الشيعة وكتّابهم يستشهد على عقائد الشيعة بمثل هذه الزيارات الموضوعة والاراجيف المبتدعة بحيث وصل بنا الحال أن الشيعي يتمسك بالامام أكثر من الله ويطلب منه حاجاته الدنيوية والاخروية أكثر مما يطلب من الله , ويستعين به ولا يستعين بالله , ويعتقد بأن الامام متصف بصفات الله كما تقول صريح الزيارة :
((لا فرق بينك وبينهم سوى أنهم عبادك))!
أما من حيث السند: فان اكثر هذه الزيارات وردت من رجال غلاة لا يعتمد عليهم علماء الرجال ويصفونهم بالكذب والوضع والاختلاق ولا يجيزون الرواية عهم والكثير من هذه الزيارات مقطوعة السند أو مرسلة أو لم ترد عن امام معصوم . ونكتفي هنا بذكر بعض هؤلاء الرواة وبيان ما قاله علماء الرجال في حقهم:
1 ـ بكر بن صالح الرازي: قال عنه النجاشي : بكر بن صالح الرازي مولى بني حنبه ضعيف (رجال النجاشي , ص 84) , ويقول عنه العلامة الحلي في (الخلاصة , ص 208): ضعيف جدا كثير التفرد بالغرائب , ويقول عنه المامقاني في تنقيح المقال : يسقط كل رواية لبكر بن صالح.
2 ـ جعفر بن محمد بن مالك: قال الغضائري في مجمع الرجال (ج 2 , ص 42) : جعفر بن محمد بن مالك بن عيسى بن شابور , كذاب , متروك الحديث جملة , وكان في مذهبه ارتفاع ويروي عن الضعفاء والمجاهيل وكل عيوب الضعفاء مجتمع فيه . وأضاف النجاشي الى ذلك : وسمعت من قال كان أيضا فاسد المذهب والرواية . اما العلامة الحلي فقال عنه : عندي في حديثه توقف ولا أعمل بروايته.
3 ـ حسن بن علي بن أبي حمزة البطائني: قال عنه النجاشي في رجاله (ص28) : إنه كان من وجوه الواقفه , لا استحل روايته . وقال في مجمع الرجال للقهبائي: قال محمد بن مسعود : سألت علي بن الحسن بن فضال عن الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني, قال : كذاب معلون . وفي نقد الرجال للتفريشي (ص 92) : حكى لي أبو الحسن حمدوية ابن نصير عن بعض اشياخه أنه قال : الحسن بن علي بن أبي حمزة أجل سوء.
وهذا الرجل هو الذي روى عنه ابن قولويه في ((كامل الزيارات)) (ص 119) عن أبي بصير عن أبي عبدالله (ع): ((وكّل الله بقبر الحسين (ع) سبعون الف ملك يصلون عليه كل يوم شعفاء غبراء من يوم قتله الى ما شاء الله , يعني بذلك قيام القائم , ويدعون لمن زاره ويقولون يا رب هؤلاء زوار الحسين عليه السلام افعل بهم وافعل بهم))!!
4 ـ خيبري بن علي الطحان: يقول عنه الغضائري في مجمع الرجال (ج 2 , ص 275) : الخيبري بن علي بن الطحان ضعيف الحديث غالي المذهب كان يصحب يونس بن الظيبان ويكثر الروايات عنه و له كتاب عن أبي عبدالله (ع) لا يلتفت الى حديثه.وهكذا قال عنه النجاشي في رجاله ووصفه بأن في مذهبه غلو وارتفاع , ومن الروايات التي نقلها هذا المغالي الكذاب ما ورد في كتاب كامل الزيارات (ص 147): ((.. عن الخيبري عن الحسين بن محمد القمي عن أبي الحسن الرضا (ع) قال : من زار قبر أبي عبدالله (ع) بشط الفرات كمن زار الله في عرشه)). ورواه الطوسي بهذا السند في ((تهذيب الاحكام , ج 6 , ص 46)).
5 ـ داوود بن كثير الرقي: قال في تنقيح المقال (ج1 , ص 414) : قال ابن الغضائري: داوود بن كثير الرقي مولى بني أسد يروي عن أبي عبدالله (ع) , أنه كان فاسد المذهب ضعيف الرواية لا يلتفت اليه . وقد وافقه على ذلك النجاشي أيضا ونقل عن أحمد بن عبد الواحد : داوود بن كثير الرقي يكنى أبا خالد وهو يكنى أبا سليمان ضعيف جدا والغلاة تروي عنه وقل ما رأيت منه حديثا سديدا (رجال النجاشي , ص 119)
ويقول عنه ابو عمرو الكشي: ويذكر الغلاة أنه كان من أركانهم ويروى عنه المناكير من الغلو وتنسب اليه أقوالهم , وذكره ابن داوود في رجاله في القسم الثاني (طبقة الضعفاء والمجهولين , ص 452) وقال عنه أنه فاسد المذهب.
6 ـ سهل بن زياد الآدمي: وقد تقدم الكلام عنه فيما سبق.
7 ـ صالح بن عقبة: وقد روى هذا الرجل الكثير من الروايات في موضوع الزيارة ذكرت في التهذيب وكامل الزيارات وكتب اخرى , يقول عنه ابن الغضائري (كما في مجمع الرجال , ج 3 , ص 206) : صالح بن عقبة بن قيس بن سمعان ريحه مولى رسول الله روى عن أبي عبدالله (ع) , غال , كذاب , لا يلتفت اليه.
ومن جملة رواياته ما ورد في كامل الزيارات (ص 104) : عن صالح بن عقبة عن أبي هارون المكفوف , قال أبو عبدالله (ع): ((يا أبا هارون أنشدني في الحسين (ع) فانشدته: أمرر على حدث الحسين فقل لأعظمة الزكية .... قال فبكى ثم قال : زدني , قال : فانشدته القصدية الاخرى قال فبكى وسمعت البكاء من خلف الستر و قال : فلما فرغت قال لي : يا أبا هارون من انشد في الحسين (ع) شعرا فبكى وأبكى عشرا كتبت له الجنة , ومن أنشد شعرا فبكى وأبكى خمسة كتبت له الجنة , ومن أنشد شعرا في الحسين (ع) فبكى وأبكى واحدا كتقبت له الجنة , ومن ذكر الحسين عنده فخرج من عينه من الدموع مقدار جناح ذبابة كان ثوابه على الله ولم يرض له بدون الجنة)).
والجدير بالذكر أن أبا هارون هذا يقول عنه العلامة الحلي في الخلاصة (ص 267): روى فيه طعنا عظيما.
نعم , هذا الرجل المغالي الكذاب الكثير المناكير يروي عن أهل البيت (ع) وعن الامام الصادق (ع) خاصة , روايات منكرة تورث الشرك والاستهانة بالواجبات والمحرمات اعتمادا على بعض الشعائر الحسينية حيث يتلقاها العوام بالقبول لأنهم يسمعونها دائما من أصحاب المنبر والخطباء الذين لا هدف لهم سوى تهييج الناس وافراغ جيوبهم باسم الحسين ومظلومية أهل البيت (ع) ولا من رادع وزاجر .
ومما ورد أيضا في كامل الزيارات (ص 169) عن هذا الرجل:
((عن صالح بن عقبة , عن بشير الدهان , قال : قلت لأبي عبدالله (ع) : ربما فاتني الحج فأعرف (أي أكون في يوم عرفة) عند قبرالحسين؟ قال : أحسنت يا بشير, من أتى قبر الحسين عارفا بحقه غير يوم عيد كتب الله له عشرين حجة وعشرين عمرة مبرورات متقبلات وعشرين غزوة مع نبي مرسل وامام عدل , ومن أتاه يوم عيد كتب الله له مائة حجة ومائة عمرة ومائة غزوة مع نبي مرسل أو إمام عدل , ومن أتاه يوم عرفة كتب الله له ألف حجة وألف عمرة متقبلات وألف غزوة مع نبي مرسل وإمام عادل . قال : فقلت له : وكيف لي بمثل هذا الموقع ؟ قال : فنظر اليّ شبه المغضب ثم قال : يا بشير إن المؤمن اذا أتى قبر الحسين (ع) يوم عرفة واغتسل في الفرات ثم توجه اليه كتب الله له بكل خطوة حجة بمناسكها , ولا أعلم الاّ قال وعمرة))!!
والأهم من ذلك كلّه أن أحد رواة زيارة عاشوراء أيضا هو صالح بن عقبة حيث ورد في سندها ((محمد بن موسى الهمداني)) الذي هو أيضا من الغلاة والكذابين , يرويها عن ((سيف بن عميرة)) الواقفي الملعون, عن ((صالح بن عقبة)) كما جاء في كتاب ((كامل الزيارات)) وينقل صالح بن عقبة هذا عن مالك الجهمي عن الامام الباقر (ع) أنه قال:
((من زار الحسين (ع) يوم عاشوراء حتى يظل عنده باكيا لقي الله بثواب ألفي الف حجة وألفي ألف عمرة وألفي ألف غزوة وثواب كل حج وعمرة وغزوة كثواب من حج واعتمر وغزا مع رسول الله ومع الأئمة الراشدين صلوات الله عليهم)).
وأنت ترى كيف يختل ميزان الاعمال والثواب والعقاب (كما يختل عقل المسلم بتبعها) لدى الانسان بموجب هذه الروايات المزيفة حتى أن ثواب مليون غزوة مع رسول الله (ص) مع كل ما لهذه الغزوات منا معطيات ايجابية عظيمة على مستوى الفرد والمجتمع والدين لا يصل الى ثواب زيارة واحدة في يوم عاشوراء للامام الحسين (ع) , ومعلوم أن الجهاد مع الحسين (ع) في كربلاء وأي جهاد آخر ضد الظلم الكفر سيكون له نفس هذا المصير , فلماذا يتعب الانسان نفسه في جهاد الكفار والظالمين اذا كان هناك طريق أقصر وأفضل وأهنا للنفس للوصول الى مرضاة الله تعالى ونيل الزلفى لديه؟! وأساسا كيف يعقل مثل هذا التفضيل مع ما ورد من أن الاعمال بالنيات؟ فقد يكون عمل واحد كضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين, وقد تكون حجة واحدة مع حضور القلب والتوجة الى الله والنية الخالصة أفضل من ألف زيارة أو صلاة أو صيام . فالمسألة هذه لا تقاس بالكمية وبالوزن أو العد حتى يقال بأن هذا العمل أفضل من ذاك. بل بالكيفية وبما يقرب الانسان من الله تعالى ويصعد به في درجات الكمال المعنوي والالهي , وعليه فأي تفضيل في الاعمال يجب أن يلحظ فيه هذا الجانب فقط , وحينئذ لا يعقل أن نطلق الكلام في مسألة التفضيل ما دمنا لا نعرف مقدار المردود الايجابي لذلك العمل على نفس الانسان ومحتواه الداخلي ولا نعرف درجة اخلاصه ومقدار حضوره القلبي في هذا العمل , وعلى فرض تساوي الحالة النفسية في هذين الفعلين (الزيارة من جهة ومليوني حجة وعمرة ومليوني غزوة مع رسول الله من جهة أخرى) وقلنا بأن الشخص متوجه الى الله ومخلص في نيته في كلا الحالتين , فأي عاقل يرى بأن معطيات زيارة واحدة وجدانا , تماثل معطيات مليوني حجة وعمرة وغزوة مع رسول الله (ص) في واقع النفس والمجتمع ومدى تأثيرها على مستوى نشر الدين وهداية الناس الى الله تعالى؟!
8 ـ عبدالرحمن بن كثير: قال عنه النجاشي , في رجاله (ص 189) ضمن شرح حال ((علي بن حسان)) الذي يروي عنه عمّه عبدالرحمن بن كثير: عبدالرحمن بن كثير الهاشمي ضعيف جدا ذكره بعض اصحابنا في الغلاة فاسد الاعتقاد. ويقول عنه العلامة الحلي في رجاله (ص 233) عن المسعودي أنه قال عنه : فهو كذاب وهو واقفي.
9 ـ عبدالله بن عبدالرحمن الأصم: وقد جاء اسم هذا الرجل في كثير من الزيارات الواردة في كتاب ((كامل الزيارات)) ويقول النجاشي في رجاله (ص 161) عنه : عبدالله بن عبدالرحمن الاصم المسمى بصري ضعيف مرتفع القول وله كتاب في الزيارات ما يدل على خبث عظيم ومذهب متهافت وكان من كذابة أهل البصرة.
ويقول عنه العلامة الحلي في القسم الثاني من الخلاصة (ص 238) : عبدالله بن عبدالرحمن الأصم البصري ضعيف غال ليس بشيء وله كتاب في الزيارات يدل على خبث عظيم.
هذا الرجل الكذاب ينقل عنه ابن قولوية في كامل الزيارات (ص 81) رواية نسبها هذا الرجل الى الامام الصادق (ع) بأنه قال لزرارة: ((يا زرارة إن السماء بكت على الحسين أربعين صباحا بالدم وإن الارض بكت أربعين صباحا بالسواد وإن الشمس بكت أربعين صباحا بالكسوف والحمرة وإن الجبال تقطعت وانتشرت وإن البحار تفجرت ... الى أن يقول : وما من عين أحب الى الله ولا عبرة من عين دمعت عليه , فانه يحشر وعينه قريرة والبشارة تلقاه والسرور بين على وجهه والخلق في فزع وهم آمنون والخلق يعرضون وهم حدّاث الحسين (ع) تحت العرش في ظل العرش لا يخافون سوء يوم الحساب يقال لهم ادخلوا الجنة فيأبون , ويختارون حديثه ومجلسه وإن الحور العين لترسل اليهم ... ))
والله ما ندري ما نقول امام هذه الاكاذيب التي يحوكها هؤلاء الغلاء على لسان الائمة المعصومين (ع) وينقلها محدثوا الشيعة في كتبهم ومصنفاتهم ويتكلم بها أهل المنبر ارضاء للعوام واستدرارا لعواطفهم , لكن الحسين ليس اماما للعوام فقط, وثورة الحسين ليست ثورة الخرافات والاساطير , فماذا لو سمع عقلاء العالم بمثل هذه الاخبار الخرافية من أن السماء (في جميع ارجاء الارض طبعا) قد امطرت دما لمدة أربعين يوما , أو أن الكسوف استمر أربعين يوما (وهو لا يمكن أن يستغرق سوى دقائق) وغير ذلك من الاباطيل التي يقصها علينا كذاب أهل البصرة؟! الا تعدّ مثل هذه الروايات استهزاء بالحسين واستخفافا بثورته المقدسة بعد احاطتها بالاكاذيب والخرافات؟
10 ـ محمد بن سنان: وهو في الغلو وخلق الاكاذيب أشهر من أن يذكر , حيث يقول عنه النجاشي في رجاله (ص 252) , وهو رجل ضعيف جدا لا يعوّل عليه ولا يلتفت الى ما تفرد به . ويقول عنه ابن الغضائري : محمد بن سنان غال لا يلتفت اليه . وينقل الكشي في رجاله (ص 332) عن أيوب بن نوح أنه قال في حقه : لا أستحل عن أروي أحاديث محمد بن سنان.
وكنموذج من روايات وكفريات هذا الكذاب ما نقله صاحب كامل الزيارات في كتابه هذا (ص 67):
((عن محمد بن سنان عن أبي سعيط القماط عن ابن ابي يعفور عن أبي عبدالله (ع) قال : بينما رسول الله (ص) في منزل فاطمة (ع) , والحسين في حجره اذ بكى وخر ساجدا ثم قال : يا فاطمة بنت محمد إن العلي الأعلى تراءى لي في بيتك هذا في ساعتي هذه في أحسن صورة وأهيا هيئة وقال لي : يا محمد أتحب الحسين ؟ فقلت : نعم قرة عيني وريحانتي وجلدة ما بين عيني . فقال لي : يا محمد , ووضع يده على رأس الحسين(ع) , بورك من مولود عليه بركاتي وصلواتي ورحمتي ورضواني , ولعنتي وسخطي وعذابي وخزيي ونكالي على من قتله وناصبه وناواه ونازعه , أما إنه سيد الشهداء من الاولين والآخرين في الدنيا والآخرة. ))
ماذا يقول المخالفون للشيعة عندما يقرؤون هذه الرواية المنسوبة للامام الصادق(ع)؟ الا تطعن هذه الرواية في أهل التوحيد وتنزيه الخالق في عقائد الشيعة؟ وهل يصح تعظيم اصل الامامة والولاية بمثل هذا المدح المزيف على حساب أصل التوحيد؟
نكتفي بهذا المقدار من ذكر رجال السند في روايات الزيارة حذرا من الاطالة , ونتساءل: هل يصح بعد هذا أن نبني صرح عقائدنا وديننا من روايات هؤلاء الغلاة , أو لابد من البحث والتنقيب من جديد في جميع ما ورد في كتبنا من روايات و أخبار وعرضها على العقل والقرآن قبل التمسك بها واعتناق ما ورد في مضامينها؟!

ملاحظة مهمة:
الامر الآخر الذي ينبغي الالتفات اليه في روايات زيارة أميرالمؤمنين (ع) كما هي مذكورة في مفاتيح الجنان , التهافت العجيب في طريقة النقل وكيفية العثور على قبر أميرالمؤمنين (ع) حيث ينقل الشيخ عباس القمي في مفاتيح الجنان عن الشيخ المفيد قصة هارون الرشيد وخروجه الى الصيد وعثوره على قبر أميرالمؤمنين (ع) من خلال لجوء الظباء الى المكان الشريف وامتناع الصقور والكلاب عن التحرش بها وصيدها , وهذا يعني أن القبر كان مجهولاً حتى عصر هارون الرشيد (أي الى زمن الامام الكاظم(ع)), ولكن الشيخ عباس القمي نفسه يروي أيضا عن الامام الباقر (ع) أنه زار القبر الشريف مع والده الامام زين العابدين (ع) ثم أوصى الشيعة أن يزوروه بتلك الزيارة وقال : ((ما قال هذا الكلام ولا دعا به أحد من شيعتنا عند قبر أميرالمؤمنين (ع) , أو عند قبر أحد الأئمة (ع) الا رفع دعاءه في درج من نور وطبع عليه بخاتم محمد (ص) , وكان محفوظا كذلك حتى يسلّم الى قائم آل محمد عليهم السلام فيلقى صاحبه بالبشرى والتحية والكرامة إن شاء الله تعالى)) (الزيارة الثانية المعروفة بأمين الله)
ومرة ثالثة يروي الشيخ عباس القمي في المفاتيح (الزيارة السادسة) أن ((سيف بن عميرة) قال : ((خرجت مع صفوان الجمال وجماعة من أصحابنا الى الغري فزرنا أمير المؤمنين (ع) فلما فرغنا من الزيارة صرف صفوان وجهه الى ناحية أبي عبدالله (ع) وقال: نزور الحسين بن علي (ع) من هذا المكان من عند رأس أميرالمؤمنين (ع) وقال صفوان : وردت ههنا مع سيدي الصادق (ع) ففعل مثل هذا ودعا بهذا الدعاء ثم قال لي : يا صفوان تعاهد هذه الزيارة... ))
فنلاحظ أن الرواية الاولى لو صحت , فهذا يعني بطلان الرواية الثانية والثالثة . لأنهما تدلان على أن قبر أميرالمؤمنين (ع) كان معروفا لدى الشيعة قبل ذلك بمدة طويلة, مضافا الى أن من البعيد جدا أن يكون القبر معروفا في زمان الامام زين العابدين (ع) كما تقول الرواية الثانية لأن الامام زين العابدين (ع) كان معاصرا لحكومة مروان وعبدالملك بن مروان وكان بنو امية يلعنون أميرالمؤمنين (ع) على المنابر ولا يؤمن معها أن يقوموا – في حال عثورهم على القبر – بالاعتداء على القبر ونبشه أو يقوم بذلك الخوارج , وهذا ما يتنافى مع الحكمة من وصية اميرالمؤمنين (ع) بأن يبقى قبره مجهولا . أما الرواية الثالثة فتقرر أن الامام الصادق (ع) زار القبر ومعه صفوان الجمال, ومعلوم أن الامام الصادق كان معاصرا لبداية الحكم العباسي وقد جاء الى بغداد مرة عندما استدعاه المنصور اليه , ولكن لم يذكر مجيء الامام الصادق(ع) لزيارة القبر الشريف في النجف في الكتب المعتبرة , وقد ذكر المجلسي هذه الرواية في ج 22 من البحار بهذه الصورة:
((ذكر الفقيه صفي الدين بن سعدان في مزار فقيهنا محمد بن علي بن فضل ... قال : أخذت هذه الزيارة من كتاب عمومتي وكانت بخط عمي الحسين بن فضل قال حدثني .. عن صفوان بن يحيى عن صفوان الجمال .. ثم شرع بذكر قصة مجيء صفوان الجمال مع الامام الصادق (ع) الى الكوفة حيث قال له الامام (ع) : يا صفوان انخ راحلتك فهذا قبر جدي أميرالمؤمنين (ع) فانختها ثم نزل فاغتسل وغير ثوبه .. الى آخر ما ورد في الرواية ونقرأ فيها أيضا المثوبات الخيالية للزيارة من قبيل ((فانه يكتب لك بكل خطوة مائة الف حسنة ويمحى عنك مائة الف سيئة وترفع لك مائة الف درجة وتقضى لك مائة الف حاجة !! ويكتب لك ثواب كل صديق وشهيد مات أو قتل.. )) (هذا في الخطوة الواحدة!) ثم قال : ((يا صفوان من زار أميرالمؤمنين (ع) بهذه الزيارة وصلى بهذه الصلاة رجع الى أهله مغفورا ذنبه مشكورا سعيه ويكتب له ثواب كل من زاره من الملائكة , قلت : ثواب كل من يزوره من الملائكة؟! قال : بلى يزوره في كل ليلة سبعون قبيلة , قلت : كم القبيلة؟ قال : مائة الف)).
هذا ونقرأ في ((كامل الزيارات)) عن أبي الخطاب عن الحجال عن صفوان بن مهران ((صفوان الجمال)) أنه قال : سألت الامام الصادق (ع) عن قبر أميرالمؤمنين (ع) فوصف لي ابوعبدالله (ع) موضع القبر عند دكادك الميل , فذهبت الى هناك وصليت ثم عدت في السنة الثانية الى الامام الصادق (ع) فاخبرته بما فعلت فقال لي : حسنا فعلت , وانا (اي صفوان) لي عشرون عاما أصلي عند القبر . وهذا يعني أن صفوان لم يذهب الى موقع القبر مع الامام الصادق (ع) وانما زاره لوحده بعد أن أرشده الامام الى مكانه . وبما أن الامام الصادق (ع) توجه الى بغداد في زمن المنصور وكان المنصور قد استلم الخلافة عام 136 هـ فلو فرضنا أن الامام توجه اليه في نفس هذه السنة (وليس كذلك قطعا) ونعلم أن وفاة الامام كانت سنة 148 هـ , ففي هذه الصورة تكون الفاصلة بين زيارته ووفاته 12 سنة , ويكون صفوان قد زار القبر بعد وفاة الامام ثمانية مرات واحيانا يكون مع رفاقه كما ورد في ((الزيارة السادسة)) من مفاتيح الجنان : ((خرجت مع صفوان الجمال وجماعة من أصحابنا الى الغري فزرنا أميرالمؤمنين)) وهذا يعني أن القبر كان معلوما لدى الشيعة , في حين أن الروايات تؤكد أن موضع قبر أميرالمؤمنين (ع) كان مورد اختلاف الشيعة الى زمان الامام الرضا (ع) , فمنهم من يقول أنه دفن في مسجد الكوفة , وبعض يقول أنه دفن في بيته , وبعض كان يرى مثل ماورد في رواية صفوان , حتى أنه ورد في ((قرب الاسناد)) عن البزنطي قال : سألت الامام الرضا (ع) عن موضع قبر أميرالمؤمنين (ع) فقال لي : ماذا سمعت من خبره؟ فقلت له : إن صفوان بن مهران يروي عن جدك أنه دفن في النجف وبعض أصحابنا يروون ذلك عن يونس بن ظبيان . فقال (ع) وانا سمعت منه أنه قال أنه دفن في مسجدكم في الكوفة . والظاهر أن الضمير في قوله ((سمعت منه)) يعود الى يونس بن ظبيان , ومن البعيد عوده على الامام الصادق (ع) لان الامام الرضا (ع) ولد في عام وفاة الامام الصادق (148) أو بسنة قبله.
وعلى أية حال فلم يكن موضع القبر معلوما في زمن الامام الصادق (ع) فكيف يعقل أن يزوره ((محمد بن مسلم)) ويروي عن الامام الصادق (ع) بما يوحي بوجود ضريح وصحن وباب وقبه وغير ذلك من المحدثات في العصور المتأخرة؟!
الا يدل كل ذلك على الوضع والاختلاق؟ مثلا نقرأ في ((الزيارة السابعة)) في مفاتيح الجنان عن السيد ابن طاووس في كتاب مصباح الزائر ان الامام الصادق (ع) يقول : اقصد باب السلام أي باب الروضة المقدسة لأمير (ع) حيث يرى الضريح المقدس فقل... ثم انكب على الضريح وقبّله وقل ... وفي زيارة يوم الغدير المروية عن الامام علي بن محمد النقي (ع) باسناد معتبرة (كما يقول الشيخ عباس القمي في المفاتيح) – الزيارة الثانية – قال (ع) : إذا أردت ذلك فقف على باب القبة المنورة ... وامشي حتى تقف على الضريح .. وفي الزيارة الثانية من الزيارات المخصوصة (زيارة يوم الميلاد) ورد : اذا وصلت الى باب السلام , أي باب الحرم الطاهر ... ذكر الشيخ عباس القمي في الزيارة الاولى من الزيارات المطلقة التي يرويها الشيخ المفيد وابن طاووس عن الامام الصادق (ع) : فاذا بلغت باب حصن النجف (ولم تكن النجف يومذاك سوى صحراء فلا مدينة ولا حصن), ثم ادخل وقل ... ثم قف على باب الصحن وقل ... ثم ادخل الصحن وقل ... ثم امش حتى تقف على باب الرواق وقل ... كل ذلك شاهد على أن هذه الزيارات وضعت في الازمنة المتأخرة ودُست في كتب الروايات والزيارات.
* * *
الثالث: ما ورد في زيارة الجامعة الكبيرة
وذكر الشيخ القمي في كتاب ((مفاتيح الجنان)) زيارة بعنوان ((زيارة الجامعة الكبيرة)) نقلها عن الشيخ الصدوق , ورغم اشتهار هذه الرواية وكذلك قيام بعض الغلاة ((كالشيخ أحمد الأحسائي)) بكتابة شروح على هذه الزيارة, ولكن بعض عباراتها مخالفة بصراحة للقرآن الكريم . ولابد قبل التعرض للمفاهيم الواردة في هذه الزيارة من استعراض رجال السند فيها:
أما السند: فالمجلسي ينقل هذه الزيارة في البحار (ج 22) كتاب المزار عن الدقاق و((السنائي)) و((الوراق)) و((الاسدي)) و((البرمكي)) و((النخعي)) عن الامام علي الهادي (ع).
أما ((الاسدي)) فيقول النجاشي: ((محمد بن جعفر الاسدي كان ثقة صحيح الحديث الا أنه يروى عن الضعفاء وكان يقول بالجبر والتشبيه)), وقد وضعه ابن داوود في رجاله في عداد الضعفاء والمجروحين. ويقول المامقاني في تنقيح المقال (ج2 , ص 95) القسم الثاني عن هذا الرجل : ((وقوله بالجبر والتشبيه فانه لو كان على حقيقته لأوجب فسقه بل كفره)).
ويروي الاسدي هذه الزيارة عن البرمكي وهو كما جاء في كتب الرجال: ((محمد بن اسماعيل بن احمد بن بشر البرمكي ابو جعفر المعروف بصاحب الصومعة , ضعيف)), وعدّه ((طه نجف)) في رجاله من الضعفاء.
البرمكي يروي هذه الزيارة عن النخعي , وهو ((موسى بن عمران النخعي)) حيث لم يرد له اسم في كتب الرجال ولا يعلم من هو؟ وكيف كان؟ ولكن المامقاني يقول في ((تنقيح المقال)) في ذيل ترجمته له : ((اهمالهم ذكره في كتب الرجال غير قادح فيه)) وهناك نخعي واحد في الرواة وهو الذي قال له الامام الرضا (ع) : ((أخرج عني لعنك الله ولعن من حدّثك)) ولا شك أن هذا الرجل الذي يروي زيارة الجامعة من الغلاة .حيث يتبين ذلك مما يرويه في كتب الاخبار والزيارات كما في الرواية التي يرويها الصدوق في توحيده (ص 154, طبع بومبي) عن هذا الرجل (عن موسى بن عمران النخعي) عن عمه حسين بن يزيد ... عن علي بن الحسين عمّن حدثه عن الرحمن بن كثير عن أبي عبدالله (ع) قال : ((قال أميرالمؤمنين (ع) : أنا علم الله , أنا قلب الله ولسان الله الناطق وعين الله وجنب الله وأنا يد الله)).
ولا شك في أن الامام علي (ع) لم يتكلم بمثل هذه الكلمات المجسّدة والمشبهة وهو الذي رفع لواء التوحيد وأفضل من استنّ بسنّة النبي الاكرم (ص) فهل سمعنا يوما أن رسول الله كان يدّعي نفسه مثل هذه الادعاءات أو أنه كان يؤكد على عبوديته لله وأنه بشر مثل الناس؟!
هذا من حيث السند , وقد رأينا أن رواة هذه الزيارة أما مجهول أو مغالي . فما يقوله المجلسي من أن هذه الزيارة (وأصحها سندا) كما ترى!!
أما المضمون: فنلاحظ ما يلي:
1 – من البعيد جدا , إن لم يكن ممتنعا, أن يقوم الامام المعصوم الذي يعتبر نموذجا للتواضع ونكران الذات بتلقين الشيعة بهذه العبارات المشحونة بالغلو والمدح بما يقترب من مقام الآلهة , مع العلم أنه لم يؤثر عن جدهم رسول الله (ص) أن قال للمسلمين : زورني بهذه العبارات , وكذلك لم ينقل هذا المعنى عن أميرالمؤمنين أو الحسن أو الحسين عليهم السلام. مضافا الى مخالفة الكثير من عباراتها للقرآن الكريم كما سيأتي.
2 – نحن نعلم أن سلاطين الصفوية ومن أجل حسابات سياسية كانوا يثيرون بين الناس روح الغلو والمبالغة في تمجيد الاعاظم والاكابر منهم , بل إن روح الغلو والافراط في التذلل وتعظيم الشخصيات متجلية لدى الفرس بصورة عامة خلافا للعرب الذين يتمتعون عادة بروح الغرور والفردية وعدم الخضوع للغير. وعلى هذا الاساس نرى أن الحكومات الصفوية سعت لترويج هذا المسلك في نفوس الناس بالنسبة الى السلاطين والامراء , وهذا ما نراه بوضوح في كتاب علماء الشيعة كالمجلسي لسلاطين الوقت وفي مقدمات كتبهم التي يهدونها للسلاطين , ومثل هذه الزيارات الواردة في حق الائمة (ع) تمنح السلاطين مشروعية أن يكون لهم مثل هذه الصفات والالقاب , أي تمهد الطريق في اذهان العوام لتقبل مثل هذه النعوت والاوصاف في شأن السلاطين فلا يعترض بعدها معترض على أن هذه العبارات مخالفة للشرع والدين .
3 – تقول الزيارة : ((موضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي)) في حين أن هذا الوصف مختص برسول الله (ص) فقط حيث ختم به الوحي فلا معنى لأن يسمى الامام ((مهبط الوحي)) , فاذا كان المقصود أنه في بيتهم هبط الوحي , فمعلوم أن الائمة لم يكونوا يقيمون في بيت النبي (ص) بل في بيوت اخرى ولم يكن الوحي يهبط في بيت النبي بالضرورة بل في كل مكان مناسب سواء كان في البيت أو المسجد أو ميدان القتال . وإن كان المراد أنهم (ع) من ذرية من هبط عليه الوحي فلا يصح وصفهم بأنهم ((مهبط الوحي)) لمجرد هذا المعنى إلا بتاويلات تعسفية وتمحلات غير متعارفة.
4 – تقول الزيارة : ((إياب الخلق اليكم وحسابهم عليكم)) ومن الواضح أن هذا الوصف مختص بالله تعالى كما وردت الآيات القرآنية في تقرير هذا المعنى , من قبيل قوله تعالى :
ما عليك من حسابهم من شيء
فانما عليك البلاغ وعلينا الحساب
وكفى بنا حاسبين
إن حسابهم الا على ربي لو تشعرون
إن الينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم
بعد هذا كيف تدعي هذه الزيارة بأن إياب الخلق الى أهل البيت (ع) وحساب الناس عليهم؟!
وقد تصدى البعض لرفع هذا التعارض وأجاب بأن الناس يعودون باذن الله الى النبي والأئمة ويكون حسابهم عليهم كما أن قبض النفوس عند الموت نسب في القرآن الكريم الى الله تعالى والى الملائكة أيضا , أي أن الملائكة يقبضون أرواح الناس باذن الله.
والجواب: اذا كان الله قد أذن للنبي الأكرم والأئمة عليهم السلام في حساب الناس فلا معنى لأن يذكر في كتابه الكريم مخاطبا رسول الله : ما عليك من حسابهم من شيء (الانعام/52)
وهكذا في مسألة قبض النفوس فلو أن القرآن الكريم لم يصرح بأن قبض النفوس من شأن الملائكة ففي هذه الصورة لا يحق لنا أن ننسب هذا العمل لهم . وقد أوصانا الائمة أن لا نقبل الروايات المخالفة للقرآن الكريم , ولا نعلم أنه اذن كانت جملة ((حسابهم عليكم)) غير متعارضة مع الآية الشريفة ((ما عليكم من حسابهم من شيء)) اذا فماذا يكون معنى ((الرواية المخالفة للقرآن))؟
إننا اذا سمحنا بأنفسنا تأويل أية عبارة في القرآن الكريم وتأويلها حسب المزاج والذوق ففي هذه الصورة هل يبقى كلام مخالف للقرآن اساسا؟ اذن فماذا تعني توصية الرسول الأكرم وأهل البيت المتقدمة ؟ ولمن تكون؟ وما هو موضوعها؟
1 – وأورد المحدث القمي في ((مفاتيح الجنان)) ضمن أعمال يوم الجمعة هذه الرواية: ((الرابع عشر : أكل الرمّان على الرّيق واكل سبعة اوراق من الهندباء قبل الزوال وعن موسى بن جعفر عليهما السلام قال من اكل رمّانة يوم الجمعة على الرّيق نوّرت قلبه اربعين صباحا فأن اكل رمانتين فثمانين يوما فان اكل ثلاثا فمائة وعشرين يوما وطردت عنه وسوسة الشيطان ومن طردت عنه وسوسة الشيطان لم يعص الله ومن لم يعص الله ادخله الله الجنة))
فترى هذه الرواية تقرر في مضمونها قضية تجريبية لا غيبية وهي أن من يأكل الرمان يوم الجمعة فانه ينوّر قلبه ويطرد عنه وسوسة الشيطان ولم يعص الله , وكل انسان بامكانه تجربة هذا الامر عملا للتأكد من صدقه أو كذبه . وليت الشيخ عباس القمي جرّب واقعية هذه الرواية قبل أن يسردها في كتابه المذكور , ولو كان قد جرّبها فلا أظنه يجرأ على نقلها . ولكن عقلية التبعية والالتزام الحرفي بالنصوص يورث الانسان هذا الجمود الذهني والتحجّر العقلي.
والعجيب أن هذه الرواية تذكر في مضمونها معادلة مركبة من أن كل من أكل رمانة واحدة فانه يسلم من الوسوسة ويكون قلبه نورانيا وبعيدا عن الشيطان وكل من كان كذلك فانه لا يعصي الله وسوف يدخل الجنة , اذا ((فكل من يأكل رمانه فسيدخل الجنة)) فهذه الرواية سهلت للناس دخول الجنة الى هذا الحد , فهل ينسجم ذلك مع تعاليم الاسلام السامية , أو أن هذه الرواية قد وضعها بقال المدينة , الذي يبيع الرمان ليكتسب بهذه المجعولات؟
2 – ويروي الشيخ ابو جعفر الطوسي في كتاب ((مصباح المتهجد)) ضمن أعمال يوم الجمعة هذه الرواية:
روى محمد بن اسماعيل بن بزيع عن الرضا – عليه السلام – قال : قلت : بلغني أن يوم الجمعة أقصر الأيام . قال : كذلك هو ! قلت : جعلت فداك كيف ذاك؟ قال أبو عبدالله – عليه السلام – إن الله يجمع فيه ارواح المشركين تحت عين الشمس , فاذا ركدت الشمس عذبت أرواح المشركين بركود الشمس فإذا كان يوم الجمعة رفع عنهم العذاب لفضل يوم الجمعة فلا يكون للشمس ركود !
ونترك الحكم على هذه الرواية الى القاريء الكريم والعارف بتعاليم الاسلام نفسه.
3 – ويروي الشيخ الطوسي أيضا في ((مصباح المتهجد)) ضمن أعمال شهر شعبان :
روى محمد بن مارد التميمي قال : قال لنا أبو جعفر – عليه السلام – : من زار قبر الحسين – عليه السلام – في النصف من شعبان غفرت له ذنوبه ولم تكتب عليه سيئة في سنته حتى يحول عليه الحول !
هذه الرواية أيضا من طائفة الروايات المزيّفة السابقة التي تمنح الجرأة للناس على ارتكاب الذنوب والولوغ في المعاصي.ثم كيف إذا قام الناس بزيارة قبر الحسين(ع) في كل سنة في النصف من شعبان؟
4 – ر وى السيد ابن طاووس في كتاب ((اقبال الأعمال)) في فضيلة شهر شعبان :
عن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أنه قال : من صلى أول ليلة من شعبان إثنتى عشرة ركعة يقرء في كل ركعة فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد خمس عشرة مرة اعطاه الله تعالى ثواب اثنى عشر ألف شهيد وكتب له عبادة اثنتى عشرة سنة وخرج من ذنوبه كيوم ولدته امه واعطاه الله بكل آية في القرآن قصرا في الجنة !
ولحسن الحظ أن هذه الرواية فاقدة للسند والا فانّ الشهداء سيكونون في صف الخاسرين المغبونين , لأنه بامكانهم بدل التضحية بالنفس القيام بأداء هذه الصلاة المذكورة ليحصلوا على اثنتي عشرة مرتبة مضاعفة, وليحصل كل واحد منهم على آلاف القصور بعدد آيات القرآن الكريم!!






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,385,867,268
- من أدلة عدم وجود الله ... دليل وجود الشر
- التفسير التاريخي لظاهرة الايمان بالله
- حقيقة الوحي
- دور المرجعية في عصر الحداثة
- محاضرة العقلانية في عصر الحداثة
- العقلانية في الفقه
- محاضرة العقلانية في الاخلاق
- محاضرة اعرف نفسك
- نقد الحر العاملي ومصنفاته
- محاضرة المنهج الهيرمنيوطيقي للمثقفين
- محاضرة كيف نعرف الدين الحق؟
- محاضرة العقلانية في الشعائر والطقوس
- القراءة المنسية ... مراجعة لنظرية «العلماء الأبرار» القراءة ...
- نقد العلامة المحدث محمد باقر المجلسي
- نقد الشيخ الصدوق وكتبه
- نقد أحاديث تفسير القرآن
- الشيخ الكليني وكتابه الكافي
- القرن التاسع عشر وإستقلال علم النفس ... المدرسة التجريبية
- الديمقراطية والمعنوية
- قراءة في البلورالية الدينية او الصراطات المستقيمة


المزيد.....


- كتاب الحج ب 2 ف 3 : الملكية أساس التواتر فى الحج / أحمد صبحى منصور
- استشهاد شكري بلعيد أو المنعرج نحو بناء الدولة التعددية / محمد الحمّار
- على كل مسلم أرتكاب الذنوب والمعاص حتى لا يتعطل الغفار الغفور ... / رشا نور
- معارك الله / حسن محسن رمضان
- سبعون وجها لها !!!! / قاسم حسن محاجنة
- الحضارة الاسلامية مفهوم واستخدام !! / هيوا علي اغا
- لا يبُصر .. يقود أمة لا تبُصر ..!! الإسلام / عدلي جندي
- وبالحُسنى جادلهم !؟ / محمد بشير علو
- الإسلام السياسي والتغيرات على الساحة السياسية / مصطفى محمد غريب
- رحله مع التاريخ/ هند بنت النعمان بن المنذر / عبد الحكيم عثمان


المزيد.....

- طلاب الإخوان بالأزهر يشعلون النيران في سيارة قناة "cbc"
- إحالة 9 من طلاب الإخوان بالأزهر للمحاكمة بتهمة إثارة الشغب
- ضبط 3 مصورين تابعين لمواقع "الإخوان" بالمنيا
- مهندس ترميم: يجب إنقاذ بجوات الواحات ونقل أبواب المساجد الأث ...
- غربة.. ومروحين
- ام بي سي توقف برنامج باسم يوسف خلال الانتخابات
- معارك السلفيين في المشهد المصري
- المسيحيون في القدس يحتفلون بسبت النور
- افتحوا عيونكم وعيون السد العالى
- بريطانيا تفتح أبوابها لإفادات عن نشاطات الإخوان


المزيد.....

- مالك بارودي - خرافات إسلامية / مالك بارودي
- دية ما يتلفه الحيوان- الإسلام نسخة منتحلة من اليهودية 3 -10 / كامل النجار
- مشروع الورقة السياسيَّة المقدَّم للمؤتمر التأسيسيّ ل«اتِّحاد ... / اتحاد الشيوعيين الأردنيين
- الإسلام نسخة منتحلة من اليهودية / كامل النجار
- مالك بارودي - الإسلام دين شرك ووثنيّة / مالك بارودي
- حول مقولة كارل ماركس -الدين أفيون الشعوب- / مجيد البلوشي
- مدينة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام والعلم / برويز أمير علي بهائي بيود
- مشروع تثقيف القرية المصرية / سامح عسكر
- تأريض الإسلام ج2 الشيطان والإنسان / زاغروس آمدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد القبانجي - نقد كتب الدعاء والزيارة