أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - عماد عبد اللطيف سالم - مظهر محمد صالح : محنة العقل في بلد ممنوع من الأنتقال إلى وضع أفضل















المزيد.....

مظهر محمد صالح : محنة العقل في بلد ممنوع من الأنتقال إلى وضع أفضل


عماد عبد اللطيف سالم

الحوار المتمدن-العدد: 3976 - 2013 / 1 / 18 - 23:42
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


مظهر محمد صالح : محنة العقل في بلد ممنوع من الانتقال إلى وضع افضل


يبدو , ومن خلال وقائع التاريخ وحدها لا غير , أن العراق بلد ٌ غير مسموح له بالإنتقال الى نمط انتاجي اونظام اقتصادي اكثر تطوراً من النظام الاقطاعي . بمعنى اخر , فأن العراق غير مسموح له بالانتقال الى الرأسمالية , لا في نموذجها الصيني الهجين الموسوم بـ ( اشتراكية السوق ),ولا في توصيفها الاسكندنافي الموسوم بـ " الاشتراكية الديموقراطية " .
وحين احتلت بريطانيا العراق في اوائل القرن العشرين , كان الاقطاع سائداً منذ قرون . فعملت على تعزيزه اقتصادياً وسياسياً , بدلا من منطق " الضرورة " الذي كان ينبغي ان يفضي الى تفكيكه , والتحول الى نمط انتاجي ونظام اقتصادي اكثر تطورا منه . وكان تكريس الاقطاع " نظاما " , وصمة عار في جبين الامبراطورية البريطانية التي طبقت مبدأ " ساندمان " في العراق , بدلاً من مبادئ آدم سميث ومونتسكيو وجيفرسون . وبأمكان اي قاريء عادي , أن يجد الدليل على كل ما تقدم , في كم هائل من الوثائق والكتب التي تناولت تلك المرحلة التاريخية , وبأدق التفاصيل .
ومع تراخي قبضة الأمبراطورية البريطانية ( الكولونياليّة – الفجّة ) , وصعود الأمبراطورية الأمريكية (الكولونيالية – الناعمة) , قام البنك الدولي للأنشاء والتعمير بتأسيس " مجلس الأعمار " العراقي , الذي بدأ بممارسة عمله في العام 1952 . وكان الهدف من ذلك هو وضع العراق على " عتبة " الأنتقال الى الراسمالية ( على وفق منطق المراحل الخمس لـ " روستو " ) . غير ان العراق لم يتخط هذه " العتبة " ابدا . ولم يتمكن من ان يرتقي , ولو لدرجة تطوريّة واحدة , بأتجاه أي شيء , وفق أي توصيف . وفي تموز / يوليو 1958 تم قطع الطريق امام صيرورة الأنتقال الرأسمالية ( على وفق فهم البنك الدولي لها ) . وسرعان ماتم التصرف بنصف عوائد النفط لدعم الموازنة الجارية , بعدما كانت مخصصة بالكامل لتمويل مشاريع مجلس الأعمار .
ومن هنا بدأ بالتشكل نظام اقتصادي هجين , يوائم بين معطيات " الأقطاع العراقي " على ارض الواقع , وبين " الأشتراكية السوفيتية " , كنمط جديد للأدارة الأقتصادية , في اطار " الدولة الوطنية " المستقلة , القائمة على انقاض " الدولة التابعة " في مرحلة الأستعمار . ولم يكن هذا النمط الهجين اقتصاديا فحسب , بل كان سياسيا ايضا . وضمن هذا " النمط " تعايشت قوانين الأصلاح الزراعي مع تكريس الملكيات الكبيرة للأقطاعيين , والأنشطة الخاصة مع " الكولخوزات " و " السوفخوزات " , والمد الأممي مع المد القومي العروبي , والحكم الثوري – الشعبي مع هيمنة النخبة العسكرية على السلطة , لينتهي كل شيء إلى ماانتهى اليه في شباط / فبراير 1963 .
في عام 1964 صدرت " القوانين الأشتراكية " ( في محاكاة معيبة لقوانين مماثلة صادرة في مصر بعد تموز / يوليو 1952 ) , لتقضي تماما على ما تبقى من القطاع الخاص الوطني ( وخاصة الصناعي منه ) من خلال قرارات تأميم للملكية الخاصة , كانت لها , ولا تزال , عواقب وخيمة على الأقتصاد العراقي . وحاول البعض التخفيف من صدمة الأستخفاف بمراحل الأنتقال التقليدية , واشتراطاتها الموضوعية , فظهر مشروع توصيف جديد لنظام اقتصادي بديل لهذه الفوضى , أطلق عليه تسمية " الأشتراكية الرشيدة " .. لينتهي كل شيء الى ما انتهى اليه في تموز / يوليو 1968 .
بعد عام 1968 تم تطبيق " النمط الستاليني " في ادارة الدولة للأقتصاد . وعادت " الكولخوزات " و " السوفخوزات " الى الوجود مرة ثانية . وصدر قانون اخر للأصلاح الزراعي , وقانون لتأميم النفط . وتحول ما تبقى من القطاع الخاص الى موظف لدى الدولة , يؤدي الادوار المناطه به , ويتطفل على ريعها . وتحولت الدولة الى " دولة دكاكين " ( كما وصفها النظام القائم في ادبياته آنذاك ) . وكان كل ذلك مقترنا َ بإنفاقٍ هائلٍ على البنية التحتية , وخدمات الصحة والتعليم . وبينما تراجعت الزراعة , تطورت على نحو واضح أنشطة صناعية معينة , وارتفع متوسط دخل الفرد , وتحسّن مستوى المعيشة لعموم المواطنين بفضل الأرتفاع المطرد لعوائد الصادرات النفطية . واسهم ذلك في إحكام قبضة السلطة على كل شئ , لتتحول الدولة الى دولة ريعية بالكامل , ومن ثم الى سلطة شمولية – إستبدادية . وفي هذه المرحلة اصبح النظام الأقتصادي جزءاً من المنظومة الأيديولوجية للحزب الحاكم , وأنتظم كل شيء في مسار " الطريق الخاص في بناء الأشتراكية " , ثم انتهى كل شئ الى ما انتهى اليه في تموز / يوليو 1979 .
عند تلك المرحلة , كانت جميع الممارسات الاقتصادية " اشتراكية ستالينية " شديدة المركزية . غير ان الأقطاع " كنظام " , كان هو " النسغ الصاعد " في التشكيلة الأجتماعية – الأقتصادية العراقية . لقد انتكست بعد العام 1979 مرحلة الأنتقال , ليس الى الراسمالية فحسب , بل فشل ايضاً نموذج " رأسمالية الدولة " في اداء دوره ووظيفته , حتّى بمعايير الدولة السوفيتية السابقة .
وهذا الفشل كان امتداداً لفشل النموذج " البدائي " لرأسمالية الدولة , الذي تم التأسيس له في تموز / يوليو 1958 . وفي كلتا الحالتين كانت الطبقة الوسطى التقليدية تتحكم ( نسبيا ) بالدولة . غير ان " الشرائح الدنيا " من الطبقة الوسطى , سرعان مااستلمت زمام الحكم , فأنهار مشروع الدولة الحديثة , وتحوّل الى مشروع لسلطة العشيرة والعائلة , ليفضي ذلك تلقائيا الى تكريس جميع السلطات بيد شخص واحد , وتسخيرها لخدمته . وبدءاً من عام 1958 تم تدريجيا " ترييف " المدن , و " تريّف " السلطة . وتسارعت وتائر هذه العملية بعد العام 1968 . وبحلول أيلول / سبتمبر 1980 , بدأ الخراب ينخر في الهيكل الهش لـ " رأسمالية الدولة الريعية – الأستبدادية " . وانتهى كل شيء إلى ما أنتهى إليه في نيسان / أبريل 2003 .
ولن اتطرق هنا إلى ما حدث في العراق بعد العام 2003 . فجميعنا شهود ٌ على وقائع السنوات العشر التي مرّت منذ ذلك التاريخ . كما ان حبراً كثيراً , ودماً أكثر , قد سال , ليقدّم وصفاً بليغاً لهذه المرحلة , هو الأكثر أهمية ً ودلالةً من أي وصفٍ يمكن لي أن أضيفه بهذا الصدد .
غير أنني أرى ( وقد أكون مخطئاً بالطبع ) , أن الأقطاع كـ " نظام " قد أظهر مؤشرات لا لبس فيها على ديمومته , من خلال قدرته الفذة على الصمود والمقاومة أمام جميع المتغيرات , ومناعته ضد عملية " التحلل " ( التي يفترض انها بدأت تنخر في " بنيته " التقليدية منذ منتصف القرن التاسع عشر , حيث بدأ أنفتاح العراق على العالم الخارجي ) . وتتجسد قوة " الأقطاع العراقي " في نجاحه في أبقاء التشكيل الأجتماعي - الأقتصادي العراقي " محجوزا " في " سجن ٍ إنتقالي ٍّ " بائس , لمدة تزيد عن مائة عام . ولا يزال هذا السجن مفتوحاً في قلاع الشيوخ والأسياد , والسراكيل وملوك الطوائف , المدججين بالعقائد والفرسان والغنائم , وأجهزة الحاسوب , والجيل " ما بعد الثالث " من الهواتف النقّالة .
وبدل ان تعمل قوى وطبقات أجتماعية واقتصادية " صاعدة – جديدة " على تفكيك المنظومات الأجتماعية - القيمية - السلوكية - الداعمة لهذا النظام , فأنه نجح ( وبالضد من منطق التاريخ ) في اعادة " تخليق " ذاته , وفي انتاج القوى المتحكمة بتوزيع السلطة والثروة في هذا البلد , وأعادة تشكيل " تراتبية " الطبقات الأجتماعية " القديمة " فيه .. حتّى هذه اللحظة .
وقد يكون مفهوما ً (بشكل ما) ان يكون العراق ممنوعا ً من الانتقال الى وضع افضل بعد احتلاله من قبل بريطانيا "العظمى" مطلع القرن العشرين . غير ان ما لا يمكن فهمه ، هو لماذا يكون العراق ممنوعا ً من الانتقال الى نظام افضل مما كان عليه قبل العام 2003 .. بعد ان تم احتلاله من قبل الولايات المتحدة الامريكية " العظمى " في العام 2003 .. لا لشيء .. الاّ ليكون في وضع افضل مما كان عليه قبل العام 2003 .
ان اكثر الايضاحات لهذه "الاحجية" تعقيدا ً ، يقدمها الدكتور مظهر محمد صالح في كتاب له قيد الطبع بعنوان "الاقتصاد الريعي المركزي ومازق انفتاح السوق : رؤية في المشهد الاقتصادي العراقي الراهن" .
ومن الطبيعي ان ينصب اهتمام الدكتور مظهر على الشأن الاقتصادي , وعلى النظام الاقتصادي الهجين ، وعلى الاداء الاقتصادي الملتبس ، وعلى تخبط السياسة الاقتصادية العامة بعد العام 2003 . الا ان خلاصة ما ورد في الكتاب ، وثيمته الاساسية ، هو ان هذا التخبط ، وهذه الفوضى التي تتحكم بالسلوك الاقتصادي الحكومي بعد العام 2003 ، لن تفضي الى شيءٍ عدا الخراب ، و ان العراق قد يبقى ممنوعا ً من الانتقال إلى نمط انتاجي وسلوك اقتصادي أفضل ، او إلى نظام اقتصادي واجتماعي افضل (من وضعه في منتصف القرن التاسع عشر ) .. الى ما لا نهاية .
ان الاستاذ مظهر يعمل في هذا الكتاب (وأغلب موضوعاته سبق وان تم عرضها في وسائل النشر والاعلام المختلفة) , على إجراء تشريح مهني ومتأنٍ ودقيق لجميع اشكاليات السياسة الاقتصادية (والسياسة النقدية منها على وجه الخصوص) ، ليشخّص في نهاية المطاف كل علل "النظام الاقتصادي" .. الذي لم يتم توصيفه على نحو دقيق ابدا ً , رغم مرور عشر سنوات على " تحرير " العراق من " الحكم الشمولي" ، ووضعه على "عتبة " الانتقال (من جديد) إلى اقتصاد السوق الحر .
ان مظهر محمد صالح يتحدث في هذا الكتاب عن تراكم رأس المال المالي " السالب " , وارتباطه بايديولوجيا الصراع في محاور السياسة الاقتصادية العراقية . ويدعو إلى ضرورة توصيف النظام الاقتصادي للعراق لتشخيص مستوى التحول في السياسة الاقتصادية الراهنة ، في اطار دولة ريعية مركزية تتجه ايديولوجيا ً نحو ديمقراطية السوق ، ولكنها تمسك (في الوقت ذاته) برصيد الثروة والناتج المحلي الاجمالي ، بعد ان تأطرت , الى حد بعيد , بنموذج اقتصادي نيوكلاسيكي (او ليبرالي الى حد ما) . وهو النموذج الذي يؤكد بحماس على أهمية فصل اقتصاد السوق الحر ، وقطاع الاعمال , عن نشاط الحكومة .
ان الاستاذ مظهر يحذر من أن " تحصيل الريع " هو محور ما يفكر به النشاط الخاص عند تعاطيه للنشاط الاقتصادي ، وتشابكه مع النشاط الاقتصادي للحكومة . وانه نشاط "يتطفل" بالغالب على النشاط الريعي الحكومي . كما انه كثيرا ً ما يسعى الى وضع السياسة الاقتصادية العامة باتجاهات تؤدي الى " نجاحات اسمية " , لا تولـّـد نطاقا ً مستداما ً من القيمة المضافة ، ولا تمتلك القابلية والشروط الموضوعية على استدامة التنمية.
ان الاستاذ مظهر يعتقد } ان الاقتصاد العراقي (في ظروفه الريعية الراهنة) هو أحوج ما يكون الى دور اقتصادي للدولة ، يسّهل الشراكة والاندماج مع النشاط الخاص ، عبر تركيبة فكرية ، ومنهجية اقتصادية تمثل عودة الى "الماركنتالية الاقتصادية الجديدة" والترويج لايديولوجيا "النشاطات الخالقة للسوق" وابراز دور الدولة ــ الامـّـة nation-state ــ في الحياة الاقتصادية { .
ويصف الدكتور مظهر " مزاد العملة الاجنبية للبنك المركزي العراقي " .. الذي يُتهم بسوء ادارته الآن .. بأنهُ " المزاد المُضحك المبكي " .. الذي يُخفي ذلك الصراع الايديولوجي , سواء بين مفاصل السياسة الاقتصادية نفسها , أم بين رأس المال المالي الكلي (بشقّيه الخاص والعام) . وفي أطار هذا الصراع , تبحث السياسة النقدية عن آليات بلوغ اهدافها في فرض الاستقرار في مستوى المعيشة , عن طريق استقرار سعر الصرف , والمستوى العام للاسعار . وهذا هو الشرط الذي يتطلب انسجاما ً عاليا ً مع " الرأسمالية المالية للقطاع الاهلي " , الملتحم تجاريا ً مع الخارج ومستودعاته المثيرة للجدل , والذي أجج بؤرة الصراع مع رأسمالية الدولة .. لينتهي الأمر الى صراع مكشوف , داخل مفاصل السياسة الاقتصادية ذاتها . ويضيف الدكتور مظهر بأن هذا الصراع قد أفضى إلى " حروب من الاتهامات والهواجس " , تتجاهل العلة الرئيسة , وهي علة توصيف النظام الاقتصادي في العراق , واشكالية ذلك النظام الريعي الذي تغلب عليه سمات رأسمالية الدولة , التي هي مصدر وبوصلة توليد ذلك الصراع .
فآليات مزاد العملة الاجنبية ( الذي هو مرتكز السياسة النقدية لبلوغ اهدافها في الاستقرار ) لا يتعدى كونه احدى منظومات التعاطي مع " رأس المال المالي الكلي " , وأجزائه وتراكماته بالدينار العراقي المنفق عبر الموازنة العامة للدولة , التي تهيمن على 60% من الناتج المحلي الاجمالي للعراق . وعلى وفق هذه الآليّة فأن الدولة تتصرف بموارد النفط , على نحو يجعلها تصب ( في نهاية المطاف ) في مفاقس "الرأسمالية المالية العراقية " , والتي تاخذ مجراها خارج البلاد .. سواء في تمويل التجارة الاستهلاكية , او لزيادة تراكماتها المالية من أرباحها التجارية في تلك المستودعات الآمنه خارج الحدود , كبؤر مالية مستقطبة للتراكم الرأسمالي العراقي .
وهنا يتساءل الدكتور مظهر بمرارة : من هو المتهم : أهي السياسة المالية ( بوصفها بوصلة النظام الاقتصادي الراسمالي المالي الكلي بأدواته الضريبية) , أم مزاد العملة الأجنبية (بكونه أداة السياسة النقدية التي تواجه قوة تلك الرأسمالية وتوفر لها حاضنة الاستقرار) ؟ ويجيب الدكتور مظهر : " انها مجاهيل محيّرة في دولاب النظام الاقتصادي العراقي المبهم في تفاصيله وحركته وتوجهاته كأقتصاد قوي الاستهلاك , ضعيف التنمية . "
ويؤكد الأستاذ مظهر على ان التلازم بين رأس المال المالي للدولة و " رأس المال الاهلي " ما زال مستمراً. وهذان " الرأسمالان " يتعايشان , ( دون بلوغ مرحلة الصراع التناحري) , في ربيعٍ من السلام رغم التناقض الحاد فيما بينهما. الا ان كشّاف الصراع ومستوى حدته , تعكسه مرآة مزاد العملة الاجنبية للبنك المركزي العراقي . وعلى الرغم من ذلك , فأن كلا الرأسمالين , ما زالا حالة واحدة , وجهة متصلة النشاط ,حولّت البلاد إلى ماكنة مستهلكة من الدرجة الاولى , ومعطـّلة للاستثمار والانتاج , بمستوى مماثل . ولكن علـّة الصراع ومستوى تفجّرهِ هي ماكنة التمويل بالنقد الاجنبي , وتفسير شرعية الفائض في رأس المال المالي الاهلي , وشرعية التحويل والحرية الاقتصادية في التعامل مع مستودعات تراكم الثورة المالية خارج البلاد , عبر نظامنا الاقتصادي الرأسمالي المالي المبهم المعالم , في تفسيره لحدود الملكية الشخصية وحرية التصرف بها .
فأذا كان الصراع داخل معسكر رأس المال العراقي يتم بصورة غير تناحرية حتى اللحظة ، فلا بد من التعمق قليلاً في البحث عن انعكاسات ذلك الصراع وتناقضاته الايديولوجية داخل مفاصل السياسة الاقتصادية العراقية ذاتها .
ويضيف الأستاذ مظهر : ان المفارقة على صعيد السياسة المالية ، تأتي على نحو مماثل في تحريك اللعبة الضريبية ذات المجموعة الصفرية . فقيام المالية العامة بتحصيل ضريبة افتراضية اسمها : "ضريبة العائد على رأس المال (السالب) negative capital gain tax" لاتعني في مضمونها سوى اعفاء عوائد رأس المال الخارج , او مكافأته بالاعفاء الضريبي , او فرض ضريبة شكلية او هزيلة , كما يحدث في الوقت الحاضر . وكلمة (سالب) هنا تعني مسألة في غاية الخطورة , تؤكد في جوهرها مكنونات الصراع الايديولوجي بين مفاصل السياسة الاقتصادية ومحاورها المتناقضة (المالية والتجارية والنقدية) .
وعلى وفق هذا التوصيف الدقيق والمعقد للأدارة الأقتصادية في العراق , فأن مما يبعث على الخوف في امر بلادنا ، ان رأس المال المالي الوطني وتراكم ثرواته مازال يبحث عن الهجرة والهوية خارج الوطن وخارج جموع العاطلين من ابناء شعبنا . مما يشكل حالات نشوز بين رأسمالية الدولة المالية والرأسمالية المالية الأهلية , وكأننا في خضم خلاف عائلي لم يصل بعد الى مرحلة الطلاق ، طالما ان النظام الاقتصادي الراهن يعيش في ضبابية بين المركزية , وانفلات السوق الحرة . ( إنتهت الأقتباسات من كتاب الدكتور مظهر )
لهذا كله .. ولما ينسجم معه من مواقف وسلوك اداري ( بحكم التزامات الوظيفه المناطة به ) .. يقبع الاستاذ مظهر محمد صالح ( نائب محافظ البنك المركزي العراقي ) في غرفة صغيرة .. في مركز شرطة .. مع مجموعة من "المجرمين العاديين" و "الأبرياء العاديين" منذ أكثر من شهر .. وهو غير قادر على "الانتقال" من متهم بـ " هدر المال العام " ، الى "مقنـّن" لانفاق هذا المال , وذلك في إطار مسؤوليته عن اصدار تعليمات , تفرض اجراءات اكثر تشدداً على بيع الدولار في مزاد العملة .. وليس العكس .
وفي أوضاعٍ كهذه , فأن الدكتور مظهر , قد أصبح غير قادر أيضاً على فهم كيفية تحوّلهِ فجأةً .. من منّظر للسياسة الاقتصادية والنظام الاقتصادي في العراق .. إلى "سجين خطير" .. لا تسمح قوانين الدولة العراقية التي أفنى أربعين عاما من عمره في خدمتها بأخلاص , ولا توافقات "العراق الديمقراطي الجديد" بأطلاق سراحه بكفالة .. وكأنه لصٌ مخمور تم ضبطه مترنحاً .. متلبساً بجرمه " النقدي " المشهود .. في أحد أزّقة بغداد المشبوهة .
ولهذا كله .. فأن العراق لا زال " إقطاعياً " كــ " نظام " .. تتحكم به القلاع والحصون والعقائد والقبائل والرايات القديمة ذاتها , التي كان ينوء بثقلها منذ منتصف القرن التاسع عشر .. إن لم يكن أبعد من ذلك بكثير .
ولهذا كله سأبقى أنا أيضاً متمسّكاً , بما تبقى لي من قوة العقل , بقناعتي التي لا تتزعزع .. بأن " هذا العراق " .. سيبقى ممنوعاً من " الانتقال " إلى وضع أفضل مما هو عليه الآن ... وإلى ما لا نهاية .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,276,894,303
- دعوةٌ للصلاة .. من أجل وطنٍ .. مطوّقٍ بالرماد والرمل
- تارا .. لاتُحبّ ُ الجنود
- إلياذة المطر .. في عراق الرماد
- سيناريوهات الخراب .. التي لا يومضُ ضوءٌ عداها .. في وجوه الع ...
- التشغيل والبطالة والأنتاجية في العراق : فضائيّون .. ومقنّعون ...
- ضدّ النَسَق والنظام .. والحزب والثورة
- النفط ُ والدين .. وما أكل َ السبع ُ منه
- ها أنذا .. أبلغ ُ الستّين َ للمرّة ِ الألف ِ .. وأحبو إليها
- قصص قصيرة
- حكاية ُ حمار ٍ يُدعى ( سموك )
- عيوب عاديّة
- جئت ُ كالماء ِ .. و كالريح ِ أمضي
- الموازنة العامة المستجيبة للنوع الأجتماعي
- الأكاديمية العراقية لمكافحة الفساد : مقترحات ورؤى أولية حول ...
- ليس َ الآن
- الأقتصاد العراقي : قيود ومحددات صنع السياسة في مرحلة الأنتقا ...
- وقائع ُ الجَمْر ِ .. في بلاد الرماد
- مباديء الأستثمار .. في سوق النخاسة
- ليل الجيش .. وليل النفط .. وليل الأوديسة
- ستالين هنا .. تحت الجلد .. فوق المسامة


المزيد.....




- الحكومة السورية تمهل الجمارك أسابيع .. للقضاء على التهريب
- وزير الخارجية الإماراتي يبحث مع وزير الاقتصاد التشيلي التعاو ...
- -فيتش- ترفع التصنيف الائتماني لمصر.. فما هي الأسباب؟
- كيف تسببت أوبك في رفع أسعار النفط الأمريكي 40% منذ بداية الع ...
- مشروع -طريق الحرير الجديد- الصيني يلقى صدى إيجابيا في إيطالي ...
- -فيتش- ترفع التصنيف الائتماني لمصر.. فما هي الأسباب؟
- لبنان يحذر التجار من استيراد البضائع الإسرائيلية
- هذه أول التداعيات الاقتصادية للاحتجاجات بالجزائر
- خبير اقتصادي يكشف أسباب حل مؤسسة النفط السودانية
- آي – دينار.. قطر تطلق منصة لتبادل عملات رقمية مدعومة بالذهب ...


المزيد.....

- السعادة المُغتربة..الحدود السوسيواقتصادية للمنافع الاختيارية / مجدى عبد الهادى
- تقييم حدود التفاوت الاقتصادي بين منطقتي العجز التجاري الامري ... / دكتور مظهر محمد صالح
- المحاسبة والادارة المالية المتقدمة Accounting and advanced F ... / سفيان منذر صالح
- الموظف الحكومي بين الحقوق والواجبات Government employee betw ... / سفيان منذر صالح
- حدود ديموقراطية الاستغلال..لماذا تفشل حركات الديموقراطية الا ... / مجدى عبد الهادى
- الثلاثة الكبار في علم الاقتصاد_مارك سكويسين، ترجمة مجدي عبد ... / مجدى عبد الهادى
- تجربة التنمية التونسية وازمتها الأقتصادية في السياق السياسي / أحمد إبريهي علي
- القطاع العام إلي أين ؟! / إلهامي الميرغني
- هيمنة البروليتاريا الرثة على موارد الإقتصاد العراقي / سناء عبد القادر مصطفى
- الأزمات التي تهدد مستقبل البشر* / عبد الأمير رحيمة العبود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - عماد عبد اللطيف سالم - مظهر محمد صالح : محنة العقل في بلد ممنوع من الأنتقال إلى وضع أفضل