أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد البوعيادي - طعنة الخيانة...






المزيد.....



طعنة الخيانة...


محمد البوعيادي

الحوار المتمدن-العدد: 3974 - 2013 / 1 / 16 - 23:32
المحور: الادب والفن
    



في زمن الموت والتحلل البطيء لجسد الفضيلة المنخور تعتاش الخيانة على دم أجمل الذكريات وترحل كبعوضة مقرفة تاركة لكزتها الموجعة على الجلد...
في وقت هو نهاية الحب وأفول الصنف البشري الأنقى تختلط باكتيريا الدم المتجلط بشهوة سافلة تطوق أجسادا هاربة في الضوء إلى خموجة الأشياء العطنة..
هي الخيانة أمنا التي تناسلنا منها، خيانة حواء لآدم، خيانة هابيل وقابيل والأجيال اللاحقة التي تربت في جلباب مرتوق من خيوط تنسل خيانة للثوب المرتشي..
خيانة العرش الأسمى لنفسه حين تناسل الطين في بُردة الأرض المقفرة وانطلقنا جرادا لا يحصره مُبيد..نلبي نداء الشهوة الحارة للتعفن الجماعي..
الخيانة خيانة الذات، الزمن والصدفة وليست خيانات أشخاص أو حكايات هاربة من صفحات ألف ليلة و ليلة...
الخيانة خيانة الناس لأنفسهم بخلق وهم أو بتقديس زائل أو بتقديم أرواحهم قربانا لإله الحب المغبون في تفاصيل الأشياء اليومية..
الخيانة وجع لابد منه لفطم الأرواح العطشى عن ماء الينابيع العكرهْ، الخيانة صمت مطبق في دواخلنا يستفزه الجسد ليصير صرخة تشق مرآة الذات فتتبدى الوجوه في الزجاج المكسور شظايا شظايا، تلك وجوهنا على حقيقتها وتلك خياناتنا نحن لذواتنا و للآخرين و للوقت و الله ...
الخيانات ذكاء شيطاني على شكل مِرآة عاكسة تجعل البشر عراة أمام أنفسهم، أمام غضبهم الثاوي في البواطن الداغلة، شيء يخلص الوحوش التي تنام فينا من قيودها لنبقى في مهب الحقيقة بلا أسمال تداري تشوهاتنا وحروقنا ولا كمامات تخنق رائحة الخنز البشري الأزلي التي تفوح من جوف الكائن...

طوقته الأصوات من كل صوب، من عمق الجسد، داخل الجمجمة، يأتي الصوت رصاصة تخرق قشرة العظم نحو الأعماق السابتة، آخ يا أيها البئيس كيف تكالب الخبز والشرف على قلبك المسجوع بأوهام الحياة؟، الصوت يحفر كقطرة ماء صغيرة مستديمة الوقع، شيئا فشيئا يتسع الغور في رأسه حلقة من دم جافل، هو رجل، بدوي وتاريخه لا يرحم، هي باعت وشرخته نصفين ثم لم تحرك ساكنا، لكن ما ذنبها وما ذنب الأولاد؟، يا رب الطف بقلبي، كيف لي أن أتحمل هذا الصداع المميت؟، داخل رأسه كان صوت قطار ينفر بقوة، كصراخ القطارات البخارية القديمة كان الصوت يثقب طبلة الأذن وينفذ إلى عمق الذات، أزيز غوري مستمر بلا انقطاع، أزيز حاد يشق صلابة الجمجمة نحو نقطة التلاشي والانهيار، يرتبط بالصدغ المحموم ولجة المخ في خط من السخونة الكاوية، سخونة القلب والأطراف والرأس الذي يكاد ينفجر، كم هو ظالم هذا الألم، الطعن في الكبرياء، في القلب، في الحياة، كمدية كبيرة خرق الخبر شغاف صدره الضامر، رزح أثقل من صخرة سيزيف انحط على رزح لقمة العيش فهدما أسوار الصبر، كيف يا راضية يا بنت الأجواد كيف؟ أنت أنت كيف تفعلين هذا بي وبالأولاد يا وجع سنيني وشقاء الأيام الحبلى بالوجع؟ وما الذي أفعله كالجرو المبلول مرميا هنا من ثكنة عسكرية إلى أخرى، أليس لأجلك و لأجل الأولاد أتمرغ كخنزير في الوحل وتهتك رجولتي على يد الضباط في سن أبنائي؟
حين رمى إليه سالم بالخبر نظر إلى عينيه كي يدعوه للصبر، فرأى عينين متعبتين، غائرتين مغرورقتين بالدموع التي خضبت لحية قصيرة غزاها بعض الشيب الخفيف، في تلك العينين اللتين قفزت إليهما الدموع دون احتساب لرجولة أو كبرياء ارتسم حزن سرمدي ظنه صديقه لن يحيد مهما انطوت أيام وأيام:
-"انْسَ يَا لْحُسين"، طلقها وانسَ،المرأة مجرد امرأة في نهاية المطاف لا حول ولا قوة لها، وأنت لأربعة شهور لم تزر البيت ماذا تتوقع منها يا الحسين؟ الشهوة شيطان، و المرأة أرض تحتاج من يهتم بها، يحرثها دائما ويسقيها، لا تلمها يا الحسين لم الزمن الداعر الذي أقبر أحلامنا البسيطة ورمانا في هذه الحفر المسيجة، أنصحك أن تتعقل ولا تضيع أبناءك ومستقبلهم، أتوسل إليك يا خويا أتوسل إليك بحق الأطفال الصغار وبراءتهم لا تؤذي نفسك يا خويا، لن أسامح نفسي.
مشدوها كمن قام من كابوس مخيف ليعيش داخل آخر أعمق، لم يكن لديه الوقت ليفكر في سالم وما يقول له، كانت في رأسه الفارغ قد ارتسمت دائرة من البياض البارد كالثلج، شيء أشبه ببقعة دم حمراء تنسكب في هدوء على رقعة ثلج ناصع البياض، رعشة الموت على قيد الحياة وشيء باهر البرودة، كوخز في لحم مخذر كان إحساسه الأول، ولم يعلم لما تصور أزقة المدينة آنها غاصّة في الثلج المتكوم ثم تخيل أسوار مستشفى كبير مطلي بالأبيض في زاوية شارع كبير مليء بأشجار القطن البيضاء، ظل مشدوها من صدمة الخبر وتوجه إلى رفيقه في العنبر بعينيه الحمراوتين في تساؤل لم ينطقه حروفا لكنه انطلق كالرصاصة من شرارة النظرة .
- الأمر منذ زمن ليس بالقريب يا خويا الحسين، كانت هناك شكوك في رأسي، و الجيران وكل أهل الحي يوشوشون، لم أقدر أن أخبرك ، خفت أن أظلمها وأظلمك وأظلم نفسي، و لكن الألسن تلوك شرفك على شرفات المقاهي وفي الأسواق والمحلات، لم أعد أتحمل ما يقال عنك، أنت توأم روحي يا خويا ما يضرك يضرني، تقاسمنا الملح والطعام وليالي البؤس القارسة، لا أرضاها لك.

آنها كان المطر يغسل أشجار الكاليبتوس العملاقة خارج العنبر الصغير الغائص في ضوئه الخافت والضئيل، و كانت الثكنة ساجية في موتها الشتوي البارد، وقع المطر يتكرر إيقاعا مربكا في رأسه كأن القطرات تهطل داخل جمجمته بغزارة توقظ فيه مرآى دم يفور من حنجرة عجل أسود، أطبق عليه من تلافيف معطفه الشتوي الأخضر وهو يتكسر في صوت مخنوق بالعبرات الدافقة دفء وغضبا:
- كيف عرفت يا سالم كيف؟ مع من و متى ؟ كيف عرفت يا سالم قل لي و إلا قتلتك، أقسم بالله أفرغ فيك البندقيه وأقتل نفسي.
يضمه بين يديه لكنه ينفر وينتفض كنار تخمد ثم تنبعث من رمادها، أحس بعمق الجمرة التي خربت نهاياته العصبية كاملة:
- تكلم يا سالم وديني نقطع لبُوكْ راسك لو تكذب علي. (يجهش كامرأة ثكلى)، تكلم يا الكلب تكلم وإلا ذبحتك من قفاك، كيف عرفت الأمر، أجبني؟.
- شفت بعيني يا الحسين، تبعتها وشفتها بعيني تدلف ليلا لبيت الطالب الأعزب، رأيتها بعيني وهي تلتقيهم، كنت مختبئا لم ترني، ظنتني لن أتبعها، وفي المدينة يتحدثون عن علاقاتها وتلوكك الألسن يا خويا الحسين وحق ربي ما كنت لأخبرك لولا أن قلبي تمزق وآلمني، حاربني ضميري لوقت طويل، علاقاتها بالطلاب و صاحب محل البقالة و باشا المدينة وغيرهم، اعذرني يا خويا الحسين اعذرني نفديك بروحي و أي شيء تبغيه أفعله الآن، ولكن ما تضيعش روحك لأجل قحبة باعتك رخيصا، والأولاد في نهاية المطاف هم الأهم يا خويا، الأولاد هم ثمرة الجهد الذي بدلته طوال سنين المذلة والصبر على الإهانة، لا تحطم ما بنيت بسبب كلبة.
خنت يا راضية، أنت خنت يا راضية، كيف؟ هي ليست كما يقول سالم، هي قديسة في زمن الدعارة، أميرة بين النساء، هي إلهة تربعت على عرش الحب والإخلاص، هي امرأته التي ستطعن نفسها بخنجر الشهادة قبل أن يمس كلب شعرة منها، راضية أشرف من نساء الأنبياء، أشرف من نسل الأولياء والأنبياء والطاهرين، إن باعت حواء آدم فراضية لن تبيعه، هي وسادة قلبه حين يتعب ومسند صدغه حين يبكي من الذل وغيرها لم ينفذ إلى قرارة قلبه أحد، إلا راضية يا ولاد الكلب إلا راضية، لم يستسغ الخبر بعد، في روحه الباطنة شيء لا يصدق، يكذب، ينكر، هي لا، و الأولاد؟ لا يمكن لامرأة شق البرد كعب أقدامها وتورمت أصابعها من الشقاء لأجل عشهما أن تهدم كل شيء في لحظة واحدة وبعد عمر من المقاومة والصبر الديناصوري، كان اقترب من الخروج متقاعدا، تقاعد العساكر يأتي في سن مبكر ، بضعة شهور فقط فصلته عن البيت كي يعود إليه نهائيا فتأتيه الطعنة في آخر بزوغ للقهر، حين اقتربت الشمس من السطوع على روابي حياتهما المظلمة، أفَلَتْ فجأة دون إنذار، لما يفعل بنا القدر هكذا؟ يمككنا من أمل ما، يوهمنا أننا قريبين جدا ثم يقطع الحبل بمقص الصدفة؟ لما يا راضية يا بنت الكرام يا طينة الإخلاص والوفاء الذي ظننته أسطوريا؟ المرأة التي نظرت إليه بخفر ذات زمن بهي مشع بالحرائق والجنون وهي تخبره أنها ملكته سلطانا على إمبراطورية قلبها هي المرأة ذاتها التي يتصورها الآن تتأوه من اللذة كقطة لئيمة تحت رجال كثر، المرأة التي حملت بمضغة صلبه وأنجبت له دهشة الحياة وخليفة سره هي التي تقصف قلبه بمنجنيق الخيانة في آخر لحظات شقائهما المكتوب على لوح القدر، أهي تلك الفتاة الصغيرة ذات الضفائر التي هربت معه يوما حين رفض الأهل زواجهما؟، أيعقل أن يغير الزمن من معدن النساء هكذا؟ قد يصدق أن كل النساء عاهرات إلا راضية، هي امرأة من نور ونار وليست من بشاعة الطين المُوحل الذي قُدّت منه الأجساد الفانية في وجعها اليومي.
مضت أربعة شهور على آخر تنقل له من ثكنة بمدينته الحاجب إلى مدينة الخنيفرة، المسافات بينه وبين عشه الدافئ كانت على وشك أن تنمحي، اقترب من القبطان أكثر من مرة، مسح حذاءه، غسل سيارته، ركع، تبول في ليالي البرد على البذلة العسكرية الخضراء وهو مجمد إلى بندقيته في علية فوق أسوار الثكنة، قبل يد القبطان و هو يتوسل:
- أرجوك يا سيدي أريد أن أخرج الآن، بقيت لي شهور فقط، يمكن أن تجد لي أي عذر وأدفع لك من مؤخر التقاعد، إعاقة أو مرض أو أي شيء .
نظر إليه القبطان آنها في غطرسة وهو يدفعه بحذائه الأسود النظيف:
- قف أيها الكلب ، لست سوى "حلوف" خنزير في خدمة أسيادك و تطلب مني أن أكذب لأجلك، "ترجل" يا ابن القحبة، الرجال لا يتوسلون، إن لم تصل العمر القانوني لن تخرج من هنا وسأعمل على إطالة مكوثك في أقصى مكان ممكن، تفو عليك يا مذلول يا ابن الكلب. (دعسه بحذائه العسكري و انصرف).
يذكر أنه شعر آنها بالإهانة تشق سواقيا في صدره المرذول، تلمظها كجمرة تنزل رويدا رويدا في بلعومه وبكى في داخله حرقة الهزيمة القاسية، لكن لأجل راضية كان مستعدا ليقبل الحذاء الذي دعسه ويلمعه بلسانه، لأجل راضية والأولاد يكنس و يشتري علب السجائر ويخدم في دوريات ليست له، ويعمل ليل نهار ليخرج قبل الوقت، يسمع السب الذي لا تتحمله أذن بشرية، ويزحف على أربع حين يطلبون منه ذلك، لأجلها قضّى عمرا من الذل والمهانة والصبر، لكن راضية طعنته عميقا في نفسه، أيعقل؟، هي التي كان يتسلل من بين الأسوار هاربا إليها كل ليلة ليعتكف في حضنها الدافئ كطفل صغير، هي التي باع عمره لبذلة خضراء كي يهديها ما تحتاجه لم تصبر شهورا معدودات على غيابه؟، أرخيص أنا إلى هذا الحد يا رفيقة الخبز وليالي الشقاء الدافئة؟ كيف كيف، كيف أنت التي اخترتها أمّا لما أخرجتُ من صلبي وكبدي تنقضين عهد المودة والصبر والأوجاع التي كادت تنجلي؟.

راضية ذاتها هي الفتاة الشقية التي جاءته ذات ليلة مطرية وهي تشهق:
- خذني بعيدا يا الحسين، نجمع ملابسنا في صرة و نهرب بلا اتجاه، أهلي يضربونني و لا يريدون زواجنا، لن أعيش بعدك يا حبيبي، خذني بعيدا إلى بلاد من الشوك يكون فيها صدرك وسادة من حنين، بلاد البرد تكون فيها يَداك مِدفأتي، أنت اعمل في مكان ما، حقل أو مصنع، وأنا سأنتظرك حين تعود مساء، أطبخ لك، أنظفك وأعتني بك، نبقى معا، نبني حياتنا بالدم والعرق و لن أتعب، سأنتظر زهو الأيام وأنا أقطف من عينيك ومضات سعادة خاطفة لا أريد غيرها، سأكون سعيدة وأنا بقربك في أي مكان على وجه الأرض يا حبيبي، أي مكان وأي زمن معك سيكون لهما معنى يا أميري.
ألف فكرة تقفز إلى ذهنه في لحظة بكاء وشهيق صامت، نام سالم مغموما، بات هو الليل حائرا يعد الحشرات المتحلقة حول مصباح الغرفة الباكي، كيف يا راضية و لما، أأنت التي تفعل هكذا بي؟ لما؟ لم تظل بيني وبينك غير شهور لنبقى معا إلى الأبد كما قلت لي ذات زمن، أن نكون معا فقط وأن يكون حبنا معشعشا بين الضلوع هو أروع شيء وغيره تفاصيل في متن الحكاية، والأولاد يا راضية الأولاد، ألست بنت عرق طيب يحفظ العشرة و لو في سبيل الأولاد؟
لم تشرق شمس الغد إلا وهو يفكر في مخزن الأسلحة، الحراسة في نوبته اليوم، الجمعة، يوم السبت عطلته، سيسافر خمس ساعات في الطريق، يصل إلى مدينة الحاجب، ينام قليلا تحت ظل شجرة و يقوم مساء ليتأكد مما قالوه، وويل لهم إن كانت راضية بريئة، ويل لك يا سالم إن كانت راضية بريئة، سيقطع أحشاءك بمديته الخضراء ويعلق أمعاءك على مدخل الحي كي يعتبر المعتبرون، سيقطع الألسنة و يشويها على جمر هادئ لو كانت راضية بريئة مما يزعمون، سيقتل ويدفن و يحرق ويشعل ويطفئ إن كانت راضية بريئة، طوال الطريق كان الأمل ينمو في داخله كبرعم شتوي صغير، يحلم في يقظته أن كل شيء كذب وزيف وراضية هي الحقيقة الوحيدة الساطعة في مجتمع الزبالة والقرف هذا، راضية لا تكلم الرجال حتى بالسلام فكيف تعطيهم أسرار جسدها الصغير؟، راضية امرأته هو، سره الدفين ، ملكه وحده، جسدها وقلبها ملك خاص به ولا مخلوق على الأرض يملك فيها شيئا، هي له لا شريك له فيها، وهؤلاء القردة الخاسؤن كذبة، كلهم يأفكون، سيرون أن في انتظارهم يوما عسيرا لن تنفعهم فيهم ألسنة ولا صراخ، بينه وبينهم يومان لا أقل ولا أكثر، سترى يا سالم يا جنس الكلاب المسعورة المخادعة أن راضية أطهر من زوجتك القحبة ألف مرة، وأنها أشرف من نساء الحي بأكمله جملة وتفصيلا، ترجل من الحافلة متعبا، وتوجه إلى ظل كرمة يعرفها منذ الصغر، في عمق الوادي الكبير نام مستظلا بالكرمة الأم، أخرج زاده، أكل ونام حتى ارتاح، في المساء هاهو يجر أقدامه في تثاقل وعياء نحو المدينة، دلف ملثما إلى الحي الكبير وجلس بقرب مقهى بعيد عن البيت ، ظل يومه قاعدا هناك لا يتحرك، الخامسة مساء وراضية لم تغادر البيت بعد، كذبتم يا كلاب يا أيتها القطط الجرباء حبيبتي لم تخني يوما و لن تخون، الويل لك يا سالم الويل لك والويل لأهل الحي جميعا من غضب كالعاصفة يقلع جذوركم المسوسة و يعصف بها في الريح، السادسة مساء لاشيء، السابعة مساء لاحركة أمام البيت، الثامنة مساء، الثامنة والنصف و يدلف ظل خفيف من البيت، راضية تخرج من البيت لكن إلى أين؟..
أحس بانقباض مفاجئ يلوي قلبه ليّا ليصبح التنفس عسيرا معه، رجة نفسية أعمق من صرخته وهو في التدريب يحبو تحت الأسلاك الشوكية التي تحفر جلده، دلفت إلى الممر الخلفي للبيت وانسربت مع زقاق صغير يؤدي إلى السوق، لاهثا ككلب صيد ظل وراءها يقفو الأثر في توجس وخوف، من جوفه تنبعث رائحة الخوف وذبذبة خفيفة لقلب يهتز هلعا، عرجت هي على اليمين بمحاذاة سور السوق، إلى اليسار قليلا واختفت...وصل إلى هناك وظل يفتش عن طيفها، لم يجد أثرا، اختفت تماما كشبح يغوص في الظلام الأبدي فلا يظهر مرة أخرى، راضية إذا ، هي ولكن أين هي الآن؟ و لمن تركت الأولاد؟..
والدم يتفجر في عروق رأسه شلالا هائجا عاد إلى الممر الخلفي للبيت، أيعقل أن تكون في زيارة لصديقة من صديقاتها في هذا الوقت؟ عُرض عليها حضور عرس أو فرح أو ...؟
ما الذي تفعله زوجته في هذا الوقت هناك في ذلك المكان المليء بالعُزَّاب و الطلبة الذين يكترون الغرف مع عمال السوق؟، عاد خلف البيت واتكأ على الحائط في تعب، أيدخل ليرى الأولاد ويقبلهم وينتظر عودتها لتشرح له كل شيء، لتقول له أنه واهم وأنها كانت عند فلانة لمناسبة حضرتها كل نساء الحي؟
أتعود؟ وماذا إن لم تعد؟ و الأطفال الصغار لمن تركتهم؟ ظل عقله مشلولا وهو يتحسس عروق وجهه ويده تنتفخ من تدفق الدم فيها، عاد في لحظة وعي إلى مخبئه أمام البيت وظل هادئا كذئب مفترس يتصيد، التاسعة، العاشرة لم تعد، الحادية عشر لم تعد، الثانية عشرة لم تعد بعد، الواحدة ليلا لم يظهر لها أثر، ساعتها قرر الدخول للبيت، قد يبكي الأطفال أو يفعلون شيئا في أنفسهم، فكر إن كانوا قد تناولوا عشاءهم أم ناموا جياعا بلا أكل، دلف إلى البيت ليرى، إلى غرفة الأطفال مباشرة ليسوا هناك، الصالون، المطبخ، الحمام، كل ركن في البيت ليسوا فيه، إلى غرفة النوم اتجه، هناك وجد أشياء راضية التجميلية منشورة على السرير، العطر الذي أهداه إياها، الكُحل والأعكار الفادحة التي لم يرها يوما في دُرج غرفتهما، غيرت ملابسها، إذا ذهبت إلى فرح أو عرس لا شك في ذلك و هي ربما تركت الأبناء عند جدتهم أو عند أختها في الحي المقابل، بنى فرضيته بيقين مزعزع قليلا و لكن لازال هناك أمل، راضية امرأة شريفة رغم كل شيء، ليست كما قال سالم و الدليل هو ارتداؤها أزياءها الجميلة لأجل الاحتفال بعرس صديقة أو فرد من العائلة، لكن لما لم تخبره في الهاتف أنها ذاهبة؟ يأتيه صوت الأمل من عمق أعماقه:
- ربما لأنها خافتك أن ترفض.
خرج من البيت عائدا إلى مخبئه مرة أخرى، خبا بلا حراك و هو يسمع وشوشة قريبة من البيت، ترى أتكون هي عائدة؟ لا ، مجرد قط أسود يجول الشوارع و يفتش في القمامة.
بزغ الفجر، حين شعر ببرد الصباح القاتل اتجه إلى المسجد، صلى ركعتين و استلقى على البساط الأحمر المزركش، نام إلى أن نكزه رجل بلحية وقورة بيضاء، مده بشيء ليأكله وسأله لما يضع لثاما على وجهه، أجاب أنه ضرس منخور و أن فمه يؤلمه من البرد، تناول قطعة الخبز أكلها و خرج إلى الوادي باتجاه الكرمة، راضية لم تعد إلا صباحا، بعد الزوال استيقظ من مخدعه الداغل تحت الكرمة العتيقة ، أكل بعض الكرموس، شرب ماء من النهر الصغير وعاد إلى البيت، حين دلف كانت راضية هناك، تفاجأت به فتركت ما في يديها من أكل تحضره وهبت تعانقه في لهفة وشوق، تعلقت به باكية و هي تعاتبه:
- لما لم تخبرني على الهاتف بأنك آت، كنت لأحضر غذاء جيدا، اشتقتك كثيرا حبيبي، لو تدري كم كنت أموت مرارا في غيابك، يا بعد عمري، يا نور عيني أنت كيف غبت عني كل هذه الفترة، كنت أحترق في غيابك على مهل.
عانقها و في قلبه غصة ما، و رمق أخير من أمل، لم يسألها عن شيء، و ظل صامتا لا يكشف عن ظنونه قولا ولا فعلا، انتظرها أن تخبره بأمر العرس أو الفرح الذي حضرته، كان متلهفا لأن يسمع منها تأكيدا لفكرته، لظنونه، أن تنفي و تخرج معه إلى الشارع لتصفع كل من يقول عنها كلمة سوء و تواجهه وجها لوجه، أن تصرخ في نسل الكلاب و تعض و تقمش بني قريضة انتقاما لكرامة زوجها وكرامتها المهدورة على الألسن، لكنها أردفت في بهتان و برود صعقه:
- بت البارحة أفكر فيك، كنت في غرفة نومنا أتخيلك بقربي وكأن الله استجاب دعائي فأصبحت معي، لم أنم الليل كله، ظللت أحلم بك أنت وحدك، في وضعية حميمية تخيلتك جانبي، تحضنني، تضمني إليك وأدفن وجهي الصغير في صدرك يا أميري.
نزلت الكلمات كمنشار يقطع في أضلاعه، آخ يا بنت القحبة صدق سالم و الآخرون، آخ يا دين الكلب تكذبين علي، يا وجعي أنا في عمر ضاع سدى، يا وجعي في حب كالجبال لم يتزحزح أمام عاهرات الأطلس وفاء لك، يا بئس الليالي التي بت أفكر فيك جنبي ورمشي لا يغمض، خنتني إذا يا راضية، خنت و رب الكعبة وهذه الملامح الصغيرة كاذبة رغم صدقها، بعتني رخيصا يا راضية وحق الثدي الذي رضعت منه بعتني بلا ثمن.
ارتعدت ركبتاه من هول الصدمة، راضية تكذب عليه، خانته إذا، الابتسامة على شفتيها وهي تستقبله ابتسامة شفقة واستهزاء وليست ابتسامة شوق و فرح، الضمة المرتجفة حول ذراعيه ضمة كاذبة، تلك الرجفة خوف وخذلان ضمير وليست ضمة حب كاوية كما قالت، لله ذرك يا قلبي كم سأصبر؟، لماذا يا راضية ما الذي نقصك مني، تلك أربعة شهور أخيرة، للمرة الأولى أتغيب هكذا و للمرة الأخيرة، فعلت ذلك لأجلنا كي أخرج قبل الوقت وآخذك إلى المدن التي خططنا للسفر إليها، لنرقص ونزور المطاعم و مدن الملاهي حيث سيلعب أبناؤنا، فعلت ذلك صبرا وانتظارا لأيام مزهرة كانت قريبة يا جنس الخيانة، شعر بأن قلبه يستطير، يخفق بقوة وبأن تدفق الدم تضاعف في شرايينه، ارتعاشة خفيفة غزت شفتيه وهو يقاوم:
- اشتقتك يا حبيبتي، و الأولاد أين هم؟
- الأولاد عند جدتهم، أرادت أن يظلوا معها لبعض الوقت، أنت تعرف هي وحيدة جدا وتشعر بأنها مهملة والجو يبعث على القنوط في بيتها.
- أفضل يا راضية أفضل، أنا جئت في خدمة خاطفة وسأعود غذا للثكنة، لقد سرحوني بشكل نهائي الآن، سأعود للبيت بعد غد للأبد، وسأظل بقربك يا بعد عمري ، لن نفترق أبدا أرأيت؟ كان غياب الأربع شهور مبررا، لقد قبل القبطان بعرضي، مقابل بعض المال سيوقع لي ورقة تفيد أنني مريض ومتعب، أرأيت؟
بدت تستطير فرحا و هي تعانقه و تضغط عليه بقوة، جلست فوق ركبتيه وأخذت تسرق من شفتيه قبلات خفيفة لا روح فيها، كانت حتى قبلتها خائنة، مخذولة، هو الذي طالما قبل بحرارة حد الاحتراق والهذيان كان يشعر بشفتيها كقطعتي ثلج تحطان على شفتيه، قبلها وقام إلى بيت النوم، جرها من يديها وأقفل الباب وراءهما، في الغد كان يجمع أشياءه، لم يطل الوقوف، قال مسرعا:
- سأمر على بيت الجدة أعطيها شيئا وأودع الأولاد، سأصل للثكنة، أجمع أغراضي اليوم مساء وفي الصباح الباكر سأطير إلى المحطة وآتيك على جناح الأشواق يا حبيبتي.

في الطريق إلى الثكنة كان مدمرا يجمع أشلاءه، محطما كهشيم تذروه الرياح إلى اللاوجهة، جسده المتخاذل يرتعش ويداه ملتصقتان بزجاج الحافلة، رأى قطعانا من الماعز، أشجارا كبيرة، أطفالا يلعبون، أنهارا، و رأي قلبه يرقص بين أضلاعه، سرح خياله بعيدا في برك من الدم و العظام، راضية يا التي عشقتك حد الجنون، لما طعنتني في الشغاف يا حبيبتي؟ يا وردة عمري وضياء الأيام الزاهية،كيف تركك قلبك تفعلين هذا بي؟ ألم تقولي أنني سيدك وأميرك وحبيبك الوحيد؟ كيف تركت الأنامل تلعب في ثدييك الذين كورتهما بيدي بعد أن خلقهما الله وتقرص الشامة الصغيرة فيهما؟ كيف يا راضية كيف بعد كل ذلك الحب العاصف تخرقين ظهري بمُدية الخيانة، وماذا أفعل في نفسي الآن وفيك و في الأولاد؟ آخ يا لعهر الزمن واللحظة، ليتني كنت نسيّا منسيّا، ليتني رماد لا ينبعث من منفضة الألم يا حبيبتي، و ليتك صبرت لبضع شهور، كنت سأوقد أصابعي شمعا لك و أسقيها من زيت القلب يا راضية، لم أغب طويلا فكيف لك أن تبيعي وفائي بهذا الرخص؟، وكيف سأفعل الآن بهذه الغصة المتنامية في جوفي كحريق يشب في كومة قش؟ أأقتل نفسي أم أقتلك؟ والأولاد يا راضية ما ذنبهم؟ آخ يا جنس الدماء المتجلطة والأوساخ متى تأفل شمسي كي لا أرى على شفتيك ابتسامة السخرية والشماتة، أأقتلك؟ و الأطفال يا راضية فلذة الأكباد، شقا العمر، ثمرة ذلك الحب الذي أطفأته وتركتني في الظلام بلا شموع، ماذا أفعل لهم، أيكبرون و يعلمون أن أباهم قتل أمهم وانتحر؟ أيكبر ابني سراج ويعلم أن أباه مجرم وأمه قحبة مشاعة بين الطلبة وأعوان السلطة والخضارين ؟ أين سيدفن وجهه من الخجل، لا ، لا لن أترك لابني عارا يذله ويركعه لبني كلاب ، لسلالة القمل والجربة، سيرفع ابني رأسه عاليا، عاليا كنسر شامخ إلى الأبد ولن أترك قحبة مثلك تلطخ تاريخي، عليه أن يكرهكم جميعا ويحبني أنا أبوه، سأصنع له مستقبلا بدمي ، سترون جميعا يا تركة القحب والأوساخ كيف سيظل ابني شامخا كطود لا ينهد.
ظل ينسج سيناريوهات موجعة للنازلة التي ستأتي، رأسه ساخن و لزوجة الدم فيه تزيده دفئا، سيموتون، هكذا قرر، سيموتون جميعا والقحبة لن أوسخ يدي بها، لا تستحق، وأكثر من ذلك يحتاجها سراج ليكبر، لن أتركه لجدته، تلك امرأة ستموت عاجلا، لن أتركه ضيفا غريبا في بيت خالته، ولا في أي بيت، سأرفع رأسك يا سراج عاليا، تذكرني يا بني، تذكرني دائما وأنت تمر كالسلطان بين بني ضفدع، سأفعل أقسم بأشرف ما أملك، ستخجل من تاريخ أمك العطن، لكن المهم أن تعلم أن أباك كان في مستوى تخيلاتك، التاريخ تاريخ رجال والنساء هوامش.

في الثكنة أخذ نوبة الحراسة عن صديق آخر، أخبره أنه مستعد للحراسة في نويته و أن النوم يجافيه، أخذ معه كوب قهوة وعلبة سجائره، على باب مخزن الأسلحة ظل مسمرا إلى وقت متأخر، انسل إلى الداخل، كان معه سالم في الحراسة.
- ماذا ستفعل يا خويا حسين، ألقي عليك عار سيدي عبد الرحمان المجذوب ألا تتهور يا لحسين.
- ابتعد يا سالم إذا كنت ترغب في أن تعيش طويلا.
- لا تقتلها يا خويا حسين، لا تضيع نفسك يا حبيبي، هي قحبة و أنت رجل شريف، الحياة أكبر من امرأة، هي مجرد امرأة والحياة تستحق منك أكثر، الدنيا عامرة بالنساء الصغيرات، تزوج غيرها يا الحسين، أصغر أجمل منها وأطهر منها، أرجوك يا الحسين.
- لا أهتم لأمرها يا سالم، العاهرة لم تعد تعني لي شيئا، بني يا سالم، سراج الدين يا صاحبي ، حين يكبر يجب أن يفتخر بأبيه وأن يرفع رأسه وسط أقرانه لا أريده أن يعيش مغبونا مثلي يا سالم، حياة القهر أنت تعرفها، إلى متى سيتناسل القهر في جيناتنا؟ إلى الأبد؟ إلى متى سنظل موطوئين بين الناس؟ قلت لك ابتعد وإن بعتني أنت أيضا سأعود إليك لأصفيك قبل أن يمسكوني.
- حرام عليك يا الحسين تقول هذا الكلام، أتذكر يوم جرحنا يدينا معا وتمازج دمي بدمك، أيمكن أن يبيع الرجل أخاه الذي تسري دماؤه في عروقه، سأساعدك في الخروج من هنا، خذ سلاحا واحدا وخرطوش رصاص، و لا تقتلها أتوسل إليك، يحتاجها الأولاد يا خويا، نظف شرفك وتذكر أني أحبك و أني سأهتم بسراج حتى يصير رجلا و يشتد عوده.
- هو كذلك يا سالم، سامحني عن أي شيء آذيتك فيه يا الذي يسري دمه في عروقي، أحبك يا صديقي.
عانقه في لجة الظلام و انسل كثعلب ماكر على مؤخر أقدامه، بكا سالم و كان محجر الدمع متجمدا في وجه الحسين، قوة إلهية استقرت في ذاته وهو يعقد عزمه على تنظيف تاريخه، من بين الأشجار الكبيرة تسلق حائطا قصيرا، ثم دلف شرقا نحو السور العالي للثكنة، تمزق جلد فخذه وهو يتجاوز الأسلاك الشائكة فلم يشعر بشيء، دحا "الكلاشنكوف" من عيار روسي في محفظته الخضراء الكبيرة ، ودس الخرطوش جنبها ثم انسل نحو عمق المدينة على قديمه، مشى كيلومترات طويلة و في الصباح الباكر صادف الحافلة الأولى في المحطة، نحو مكناس كان الاتجاه، لم يكن ليفكر في شيء، دماغ بارد و قلب تحول إلى صخرة صماء لا دماء فيها ولا عروق، لم يشعر ولو لبرهة بندم أو خوف أو شفقة، كأنه آلة ستؤدي واجبا ما، كانت صورة سراج الدين وحدها تقفز إلى مخيلته كل آن، ابتسامة يمكن أن تغصب إلى الأبد، لكن لا يا سراج، ستزهو على ربّهم جميعا، سلالة الشامبانزي لن يقهرونا أنا وأنت، تذكر صرخته الأولى حين حمله مضغة من لحم بين يديه، ختانه حين بكا وخذعه بخدعة الحمامة في السقف، معانقته وهو عائد من الثكنة مساء، النوم في حضنه مساء، كان سراج وابنته رنيم يحتلان فكره في لحظة الانخطاف القصوى التي ما بعدها لحظة، استلقى على كرسي الحافلة ونام.
الثانية بعد الزوال وهاهو في الطريق إلى الحي، كان متعبا، دق باب البيت، فتحت له وهي تستطير فرحا، عانقته، قبلته ، أرادت أن تدخل في صدره وتستقر، راحت تمطره بالقبل والضمات القوية، وكانت يداه مسترخيتان ، باردا كقطعة من ثلج ظل واقفا أمامها، قبلها ببرود ودلف إلى الداخل، أمسك سراج من يديه و جره معه إلى بيت نومه ثم أقفل الباب:
- اسمعني يا سراج، اسمعني يا بني، عليك أن تظل رجلا إلى الأبد، لا تتنازل عن كرامتك لأي قواد كما كان، لا تضعف أمام امرأة ، النساء عرق خبيث وضعيف أمام مغريات الحياة، لا تسمح لأحد بالاقتراب منك، ظل بعيدا عن الجميع هكذا كان أبوك لا يقيم وزنا للحشرات، اللسان الذي يقول فيك سوء اقطعه من جذره بلا رحمة، تذكر هذه الكلمات، اهتم بأختك وأمك كثيرا وضحّ لأجلهما بروحك، ذات يوم ستصير رجلا كبيرا بشارب ولحية أريدك أن تكون رجلا ليس ككل الرجال، أن تنجح في الحياة وتصير قبطانا كبيرا في الجيش أو كولونيلا، تذكر أني أحبك جدا تذكر هذا يابني ، كل ما سأفعله فهو لأجلك أنت ولأجل أختك، أحبك.
ضمه بعمق ثم خرجا من الغرفة، نظرت إليه راضية في استغراب:
- لماذا أخذت سراج هناك؟ أأعطيته شيئا لا تريدنا أن نأكل منه؟ وماذا جلبت لي و لرنيم؟
- رنيم جلبت لها عروسة حلوة مثلها، وأنت جلبت لك أثوابا مخملية رائعة، ستعجبك أكيد.
مد يديه إلى المحفظة الكبيرة، رأى البندقية نائمة بجانب خرطوش الرصاص، و بجانبها مغلفات تحتوي الثوب و اللعب و الحلوى، ضم رنيم إلى قلبه طويلا وقبلها قبلته الأخيرة، أعطاها لعبتها ثم ضمها مع سراج إلى صدره، أمطرهما بالقبل وكاد يجهش بالبكاء لولا نظرة استغراب في عيني راضية أسكتته، قام إلى الغرفة بعد أن أكل جيدا، نام لسويعات قليلة ثم خرج من البيت إلى مقهى قريب، انتظر ظهور "البزناز" أخذ منه حشيشا وانضم إلى أصدقاء قُدامى، طول الجلسة كان يفكر في البندقية التي خبأ فوق الدولاب، المكان عال ولن تبحث فيه راضية، ثم إن وجدتها سأشرح لها أن الأمر يتعلق بتسليم السلاح في ثكنة الحاجب التي بدأت فيها الخدمة، شرب كوب القهوة ودخن الحشيش ثم اتصل بسالم على هاتفه:
- هات الأسماء التي تعرف كلها يا سالم.
- ألن تفكر قليلا يا الحسين، يمكنك أن تتجاوز الآن، أنت بقرب حبيبتك وأبنائك، فكر فيهم يا الحسين أرجوك، لا أحد في الحي سيجرؤ على ذكرك بسوء ما دمت هناك، يهابونك يا الحسين..(قاطعه):
- هات الأسماء يا سالم وإلا بدأت بزوجتك وأبنائك.
- حسنا يا خويا: الجزار، باشا المدينة، صاحب محل البقالة و الطلبة لم أعرفهم يا خويا الحسين اقسم بالله العظيم، سأُفضح معك يا خويا سأفضح، هنا في الثكنة يجرون تحقيقا، اكتشفوا غياب السلاح وقريبا سيستجوبونني وسيبحثون عنك، الأمر واضح يا الحسين لا شيء يمكن إخفاؤه، أنت ميت وأنا سأسجن.
- انس الأمر لن يشك فيك أحد، قل لهم هرب دون أن ألمحه، إن أمسكوني حيا لن أذكرك يا سالم أقسم بشرفي، أكلمك الآن من هاتف عمومي سأقطع حالا.
- في رعاية الله، أحبك يا أخي، تذكر ذلك، سأحكي لسراج كل شيء حين يكبر.
- نعم يا سالم احك له، احك له كل شيء بالتفاصيل، قل له الحقيقة أتوسل إليك.
انقطعت المكالمة.

تعالوا إذا يا جنس الكلاب المرقطة، لتعوي الكلاب في الدروب، ليبك الرجال كالنساء، ليسل الدم و يفور كنوافير المدية القديمة، سجل يا تاريخ أنني حي في ذاكرة ابني، أنني أضحي بدمي لأجل ابني و ابنتي، وهؤلاء القردة ليسوا سوى أطفال تلعب في بركة عكرة، ليسامح الله فعلتي وهو العليم بأني لم أعش يوما في رذيلة و ما أخطأت في حق مخلوق من مخلوقاته عز وجل، لتكن في عوني يا إلهي و لتقر عدلك في الأرض باسمي وبيدي، إن كان عدل الأنبياء أن يموتوا فعدل الرجال أن يقتلوا الكائنات الفائضة على ميزان السواء.
أمسى الحال وأرخت الشمس ضفائرها على وجه الأفق، كان المساء ساجيا على أوجاع المدينة الصغيرة التي تعانق خصر الجبل، دلف إلى بيت الجزار الذي يقع على مرمى أمتار قليلة من عينيه، بيته معزول عن البيوت الأخرى، يعيش وحيدا ككلب أجرب منبوذ و يعتاش على شرف الرجال في غيابهم كأي كائن بكتيري يعتاش على الفضلات والقادورات، دق الباب خرج إليه في بدلة النوم، وأمام دهشة ما رأى صاح فيه:
- الحسين، أنا في عهدك يا خويا أقسم بالله ما لسمتها.
طاخ،طاخ، في الرأس ثم في الصدر، مت يا سليل الحشرات، سيبول ابني على قبرك يوما ما وهو يضحك، تركه مضرجا في دمائه وانسل هاربا، تجمعت الساكنة أمام بيت الشاب الأعزب، وهو يتساءلون و يستغفرون الله جاءهم صوت الطلقات من جهة الحي المقابلة، في بيت صاحب البقالة:
- أتوسل إليك يا الحسين، خذ كل مالي و اتركني أعيش، أتمسح في حذائك يا خويا واقسم لك بالله العظيم ما لمست من زوجتك شعرة واحدة.
- تقسم بالله يا خنزير، اركع على رجليك الآن، اركع يا ابن الكلب وقبل حذائي.
حين قبل حذاءه وضع ماسورة الكلاشنيكوف على رأسه وثقب الجمجمة من الخلف كمن يقتل فأر تجارب مصاب بلوثة، تركه عائما في بحر من اللزوجة الحمراء و انسل هاربا بعد أن تجمع الناس وخرج رجال القوات المساعدة و تحلق الدرك في المكان، هرب إلى الوادي، وتحت الكرمة أفرغ ماسورة البندقية الكبيرة وقبلها ، شعر بالدم يفور في شرايينه، الأدرينالين يتصاعد و يفور في الأوردة، شعر بالحياة و بنشوة الفوز، فاز أخيرا، لتحترق القحبة وليمت الكلاب، شعر بأن سراج لن يضطر إلى المشي جنب الحائط حين يكبر ولن يعيره الآخرون بأمه لأنهم يعلمون أن الذي أنجبه هتك آباءهم بالرصاص من مؤخراتهم، شعر بأنه أكبر من الوقت والصدفة والخيانة، تذكر سراج ابنه وهو يمسح بندقيته بالزيت ويحشوها من جديد، تحت الكرمة ظل مرابضا والأحياء كلها مقلوبة رأسا على عقب، عرفوه جميعا، هو الحسين لا غيره، الأحياء كلها مشتعلة خوفا، والرجال الذين طعنوه في ظهره بالكلام يختبؤون كالناسء و يبولون على سراويلهم من الهلع، بعضهم يختبئ في منزله و آخرون تاهوا على وجوههم في الطرقات بحثا عن النجاة، كانوا يعلمون أنه سيصفي الكثيرين ممن لاكوا شرفه ومرغوه في الأرض، زوجته ساعتها كانت تسمع أصداء الشارع، الحسين يقتل الخونة و ينظف شرفه، قالها جاره العجوز مزهوا:
- والله صدقت رجلا ابن رجل يا الحسين، كنت أقولها دائما، حين يعلم الحسين ماتفعله هذه العاهرة لن يقبل إلا الموت والدم فدية لشرفه، رجل من صلب رجل، هكذا عرفت أباه.
الحسين يفعل ما لا يعفعله إلا الأبطال، سيموت في محاكمة عسكرية على كرسي كهربائي، كانت ترتجف و تبكي و السائل الأخضر ينزف من أنفها، الأطفال خائفون وسراج لم يفهم شيئا مما يحصل، لكنه سيفهم يوما ما، وهي تكاد تختفي في ثيابها، لن يقتلها وإلا كان بدأ بها وهي نائمة في حضنه، يريدها أن تهتم بالأولاد، اندحر إلى عمق الوادي و سيارات الدرك تمسح المكان شبرا بشبر، لن يمكسوه هو عسكري مدرب، رجل لم ينم إلا أوقاتا قليلة في حياته، يعرف المكان أكثر منهم، يحفظ المفازو والمغاور كفهد يسكنها، لازالت التصفيات لم تتم كاملة ، بعد أن استرد أنفاسه لم يكن ليترك الصباح يبزغ، دلف إلى الجناح الغربي للمدينة، إلى بيت الباشا كان الذهاب، لم يتوقعوا أن يصل به الجنون إلى هناك، على الباب قام بتصفية حارسين بنصله المشحود، وانتشل الباشا من حضن زوجته، عرّاه كاملا من ما بقي من ملابسه و أركعه في بهو البيت، ظلت زوجته تصرخ صفعها وأقفل عليها باب غرفة النوم، ثم عاد للباشا:
- تأكل لحمي في غيابي يا دين الكلب.
- سيقتلونك يا غبي، سيشوون لحمك إن قتلتني.
- سأشوي لحمك قبل ذلك أنا، وليفعلوا ما شاؤوا.
أطلق عليه رصاصة في الورك، ثم في رسغ اليد، ظل يتلوى من الألم ويصدر صوتا كثغاء الماعز، بدأ بالبكاء و زوجته تصرخ كصبي من داخل غرفتها، فتح باب الغرفة و جره إلى داخلها، ثم ضاجع زوجته أمام عينيه والدم يسيل من يديه و رجله المخرومة، صفعها حتى فقدت وعيها ثم اغتصبها والباشا ينظر إليه بحنق ويتألم، لكنه كان عاجزا عن الحراك، شعر بالندم لأجل المرأة ، لكنه شعر بالفخر وهو ينظر إلى دموع رجل السلطة المتعجرف وهو يبكي كطفل ابتلت حفاظاته.
- انظر يا كلب، هكذا شعرت حين علمت بما فعلته بزوجتي.
- أقسم بالله..(قاطعه).
- لا تقسم يا حقير.
أطلق رصاصة ثالثة في فخذه وتركه مسجى في دمائه ثم خرج، إن عاش فسيعيش مشلولا، وأغلب الظن أنه لن يعيش، أخيرا دلف إلى الكرمة وجلس ، كان الفجر يبزغ في هدوء وروية، شعر أنه نقي من الداخل، أنه أنقى من يدب على أرض المدينة، بل على كل الأرض، هو حر من التلوث الذي جلبته العاهرة، لتمت في بكتيريا القحب كما تشاء، سيأتي يوم تبيع فيها جسدها من أجل كسرة خبزكان يوفرها لها دون عناء وهو ما يؤلمه كثيرا، سراج سيضطر إلى تحمل الكثير قبل أن يعرف قصة أبيه كاملة.
كانت دوريات الدرك لا تنقطع عن المكان، تحت الكرمة العاطرة برائحة التين القديمة نام على ظهره متوسدا مرفقيه، ثم قام و أبرم لفافة من حشيش، وضع الكلاشنيكوف جنبه و أخذ يدخن في هدوء وانتشاء، يشعر بالحشيش يتغلغل في جسده نحو نقطة تداعب الدماغ المخذر من هول ما فعل، كان كل شيء يتجاوز ما يتخيله الناس البسطاء في المدينة الصغيرة وماتخيله هو ذاته، الواقع تجاوزه لكنه ليس نادما على شيء، شعر بأنه أدّى جزء من الدين، على سراج - حين يكبر - أن يؤدي الجزء الآخر، عليه أن يصير رجلا كبيرا في الجيش قادرا على الاحتقار و الإذلال، هكذا تسير الأمور يا بني، يا فلذة كبدي إن لم تحتقر سيحتقرونك، إن لم تكن قويا سيستضعفونك، إن غفلت سيطعنونك في ظهرك، كن قويا أنا لم تساعدني ظروفي لأكون كذلك لكني بدلت ما في وسعي، الناس كلاب في جوهرهم يا ولدي، كلاب وحقراء متى سمحت لهم الفرصة يأكلون لحمك، كن رجلا يا ولدي كن رجلا ...
وهو يدخن لفافته الأخيرة، لم يشعر إلا بالصوت يأتيه من على بعد عشرات الأمتار:
- المكان مطوق عن آخره، سلم سلاحك واستسلم يا الحسين، ونعدك بمحاكمة عادلة.
حمل الكلاشنكوف متوجسا، نظر إلى شمال الوادي الكبير، كانت عربات "الجيب" الصغيرة تحاصر المكان و تطوقه، إلى الجنوب، شرقا ، غربا، لك يكن من مفر أمامه، ملأ الكلاشنكوف بآخر رصاصات الخرطوش و اندحر إلى خلف الكرمة ، نظر إلى ما تبقى من اللفافة ثم أخذ منه نفسا عميقا جدا كما لم يفعل من قبل، شعر بالدخان يختلط بالدم في مزيج رائع يشرح النفس، هي رائحة الموت: دخان ودم، دم ودم، شرف ورجولة ثم موت، وضع فتحة الماسورة تحت فكه السفلي وتذكر سراج الدين وهو يضغط الزناد.








كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,397,835,991
- عُتمة الزوايا (2) - لعبة الذكريات
- سعيد...رفيقي
- عُتمة الزوايا (1)
- كورنيشُ الأحزانْ...
- .أَرقٌ وَ شكْ.
- خرف
- المثقف المغربي والخذلان.
- زَطْلَةٌ نَازِيّةٌ
- بُصاقُ اللامعنى
- سَفَالةٌ
- رَشْمٌ خائِف
- الّليْلُ و الكَأْسُ
- شفرة قديمة
- شهقة جسد
- جمرتانِ
- زرهون يا معشوقتي
- خريف الجسد


المزيد.....




- سينما الزعتري للأطفال السوريين
- مصر.. وفاة مخرج فيلم -زمن حاتم زهران- إثر وعكة صحية مفاجئة
- مايكل جاكسون: كيف كان يومه الأخير؟
- زملاء ناجي العلي يوظفون الكاريكاتير لإسقاط ورشة البحرين وصفق ...
- مكتبة قطر الوطنية.. تواصل ثقافي مستمر في زمن الحصار
- فيديو لمدحت شلبي حول -اللغة الموريتانية- يثير موجة سخرية عبر ...
- بالفيديو: فنان أفريقي يجسد أسلافه في العبودية
- حول مؤتمر البحرين... وزير الثقافة الفلسطيني يوجه رسالة للشعو ...
- صدر حديثًا: كتاب -من برج بابل إلى أبراج نيويورك-
- بداية ونعي وأتباع -فشي شكل-!!


المزيد.....

- الاعمال الشعرية الكاملة للشاعر السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان / فواد الكنجي
- الملاكم / معتز نادر
- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد البوعيادي - طعنة الخيانة...