أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فؤاد سلامة - تحالف الأقليات أم حكم الأكثرية؟















المزيد.....

تحالف الأقليات أم حكم الأكثرية؟


فؤاد سلامة
الحوار المتمدن-العدد: 3969 - 2013 / 1 / 11 - 17:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يعد ممكناً تجنب الخوض في مسألة الأقليات الطائفية التي كانت تبدو نوعاً من "التابو" بالنسبة للمثقفين والسياسيين العرب حتى زمن غير بعيد. الآن يتبادل المثقفون العرب تهمة الطائفية كما كانوا يتبادلون بالأمس القريب تهم اليمينية والرجعية. لا يصعب على المتابع للسجال السياسي ـ الثقافي في المشرق العربي الصغير التوصل إلى خلاصة تفيد بأن المثقفين والمفكرين والإعلاميين المنحازين ضد الربيع العربي, مباشرة أو مداورة, هم ذاتهم المدافعون سراً أو علانية عن "تحالف الأقليات", "التقدمي الوطني والمعادي للسلفية والأمبريالية". وأن معظم إن لم يكن جميع هؤلاء المثقفين ينحدرون من منابت أو أصول أقلوية, وإذا شئنا أن نسمي الأشياء بأسمائها ومن دون مواربة, سنقول إنها في الغالبية العظمى أصول ومنابت طائفية شيعية ـ علوية ـ مسيحية. في الجهة المقابلة فإن المثقفين من أنصار الربيع العربي بشكل عام وأنصار الثورة السورية بشكل خاص, يشكلون "كوكتيلاً" متنوعاً يضم كتاباً ومفكرين وإعلاميين من أصول ومنابت طائفية سنية وشيعية ومسيحية أي من كل الطيف الإجتماعي والوطني في بلدان المشرق العربي الصغير. هذا يوصلنا إلى ملاحظة أولية, سنحاول تفسيرها لاحقاً, بأن مؤيدي ديكتاتورية الأقليات الطائفية بذريعة الخوف من ديكتاتورية الأكثريات الإسلامية, ينطلقون في الغالب, في وعيهم الباطني والظاهري, من منطلقات طائفية وأن ما يقدمونه من تبريرات ومسوغات نظرية وثقافية, يسارية وثورية, سلمية وعلمانية, ليس أكثر من خطاب تمويهي, ينبغي على المحلل والمتابع المدقق اللجوء إلى المنهج التفكيكي, بهدف تشريح هذا الخطاب وتفكيكه لكشف المستور الطائفي خلفه وداخله. إنه الخوف الأقلوي المتجذر من "السنة" العرب, الذي يوصل أحياناً إلى كراهية السنة باعتبارهم تكفيريين بالقوة, ما يُسهّل القفز إلى تبريرارتكاب المجازر بحقهم, باعتباره إجراءً دفاعياً استباقياً, تماهياً مع موقف المحتلين والمستعمرين مبتدعي فكرة التطهير.
يحاول أنصار تحالف الأقليات الذين هم في الوقت ذاته "أعداء" الربيع العربي المعلنون والمضمرون, يحاولون الإيحاء بأن ثمة ثنائية فكرية ـ سياسية تضع مقولة تحالف الأقليات في مواجهة مقولة دكتاتورية الأكثرية وأن علينا كمثقفين وسياسيين الخيار بين الإثنتين, فإما النوم في سرير تحالف الأقليات مع ما يستتبعه ذلك من إقصاء وتهميش للأكثرية الشعبية الجاهلة والمتعصبة والمتخلفة حكما, برأيهم, أو النوم في سرير سلطة الأكثرية التي ستكون حتماً دكتاتورية مقنعة لأنها ستؤدي إلى استبعاد الأقليات من جنة السلطة وضماناتها ومنافعها. هل أن الأمر بهذه البساطة فعلاً؟ هل أن الإنتخابات الحرة سينتج عنها بشكل آلي ودائم مصادرة واحتكار الإسلاميين والسلفيين للسلطة كما جرى في مصر, وهل سيؤدي ذلك في حال حصوله إلى سحق الأقليات وحرمانها من حقوق المواطنة وبالأخص حق العدالة والمساواة أمام القانون, وحق ممارسة الشعائر والسلوكيات بحرية؟
نستطيع القول, بعد المقارنة العاجلة والشكلية, بين حكم الأكثرية كما جرى ويجري في مصر بعد مبارك, والعراق بعد صدام, وحكم تحالف الأقليات كما جرى ويجري في سوريا الأسد وعراق صدام, بأن المقارنة هي, في محصلة الكلفة البشرية العامة, لصالح سلطة الأكثرية المنتخبة, سواء في عراق المالكي, أو في مصر الإخوان. ذلك أن حجم المعاناة والظلم والقتل المنهجي في أنظمة تحالف الأقليات, في سوريا الأسد وعراق صدام, لا معادل له ولا مثيل في العالم المعاصر, وبالتحديد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وانهيار النازية.
كما رأينا, يخلص أنصار مقولة تحالف الأقليات ومعارضو الربيع العربي إلى اعتبار السلطة "العلمانية" لتحالف الأقليات, كمعبر ضروري لتجنب ديكتاتورية الأكثرية الغارقة في الظلام الديني في منطقة عربية تعيش في البداوة والجهل, ومن حسن حظ هذه المنطقة, حسب هؤلاء, أن هناك أقليات متنورة تنازلت لتأخذ بيد شعوب المنطقة نحو عالم التقدم والحضارة. هذا هو المنطق الظاهر لأنصار مقولة تحالف الأقليات. وأما في الواقع الفعلي والثابت أمام أعيننا, وفي النتيجة التي لا يمكن لعاقل أن يتجاهلها, فإن ما أنتجه تحالف الأقليات البائس خلال العقود الخمسة الماضية, في سوريا الأسد وعراق صدام مثالاً, ليس أكثر من ديكتاتوريات بربرية أمعنت في تخريب بلدانها ونهب ثرواتها والتنكيل بخيرة أبنائها ومثقفيها وإقصاء كل ذي حق عن حقه في الحياة الحرة والكريمة. يتأكد لنا في الدول التي قامت أو تقوم على تحالف الأقليات المزعوم هذا, أن التحالف المراد به إقامة جمهورية الأنوار وتحرير الأوطان من الاحتلال والاستعمار, ليس في الواقع وبعد عقود من احتكار السلطة القاهرة ومحاولة تأبيد التوريث, إلا معبراً إلزامياً نحو الخراب العميم.
إذا حاولنا الانتقال الآن إلى مقلب اليسار الشيوعي, والبعض يقول تهكماً اليسار "البوتيني" العربي, لتبين لنا أن الخلفية الفكرية لليسارالتقليدي, المنحاز إلى صف الديكتاتوريات الممانعة, تبدو في الظاهر من طبيعة سياسية: العداء للأمبريالية وللغرب الإستعماري وللسلفية المتزمتة. وأما في العمق, فإن الخلفية التي يمكن أن تقدم لنا التفسيرالأكثر منطقيةً لموقف بعض النخب اليسارية المعادية للحراكات الثورية ضد الأنظمة الديكتاتورية, هي برأيي خلفية "تحالف الأقليات" ذاتها, بأبعادها ومضامينها السياسية والثقافية والسيكولوجية. البعض من اليساريين يجاهر من دون خجل بهذه الخلفية, ولكن الكثير من اليساريين يأنف من المجاهرة بها كي لا يوسم بالطائفية أو بالشوفينية والعنصرية. هذا لا يمنع من تبصر وجود هذه الخلفية الفكرية, خلفية تحالف الأقليات, وراء المواقف السياسية والثقافوية للعديد من المثقفين والسياسيين اليساريين من ذوي المنابت والأصول الأقلوية الطائفية. كيف لا نصل إلى هذا الإستنتاج عندما نرى بعض "اليساريين" يستفيضون في تدبيج العبارات العنصرية ضد العرب والعربان والوهابيين والبدو والقريشيين, في معرض هجومهم اللاذع ضد الثورة السورية مثلاً. كتابات كثيرة لا تحصى, نجدها عند هؤلاء الذين يختبئون وراء يساريتهم وعلمانيتهم ليبرروا لأنفسهم ذم العرب, البدو, والقريشيين, وفي جملة تالية ذم الإسلاميين والوهابيين والخليجيين والسلفيين والتكفيريين بعد وضعهم في سلة واحدة.
. في الخلفية الثقافية والنفسية لهؤلاء اليسارويين والعلمانوين أن يساريتهم وعلمانيتهم تسمح لهم بذم العرب والمسلمين المتخلفين, لأنهم في وعيهم لذواتهم أعلى شأناً باعتبار أنهم ينتمون إلى الأقليات الرفيعة التي لم يتلوث تاريخها بالهمجية الإسلامية. قد يتفاخر بعض هؤلاء بأنهم "شعوبيون" باعتبار أن الشعوبيين أغنوا الحضارة العربية ذات الأصول البدوية القريشية التي من دونهم ما كانت لتغتني. وفي الواقع فإن هذه النظرة المتعالية والمتشاوفة لا علاقة لها بأية رفعة ثقافية أو عرقية, وهي ليست في الحقيقة التاريخية أكثر من ادعاءات شوفينية طائفية وعنصرية باطلة ولا أساس علمياً لها. والسبب طبعاً هو أن اختلاط الأقوام والجماعات والطوائف في منطقتنا لم يترك عرقاً صافياً إلا وذوّبه في الجماعات والأعراق التي عاشت وتعيش في المنطقة منذ آلاف السنين. يتساوى في ذلك الأقوام والأديان والمذاهب التي نشأت ونمت وتطورت في جبال وسهول وصحارى ووديان المشرق العربي الكبير من دون استثناء.
يمكن التصور, من دون حرج, بأن الضرورة قد تحتم على الديمقراطيين, يساريين ويمينيين وإسلاميين ليبراليين, سواءً كانوا من منابت أقلوية أو أكثروية, السير جنباً إلى جنب مع الإسلاميين ضحايا عقود القمع والقهر "العلماني" و"الوطني". هذه الضرورة من الطبيعي أن تنتهي مفاعيلها حالما تنهار الديكتاتوريات العائلية العسكرية, ليبدأ الصراع بين الديمقراطيين والأصوليين إلى أي مذهب أو دين أو عقيدة انتسبوا. المنطق المراوغ الذي يفترض بأنه من الأفضل بقاء الديكتاتوريات العسكرية, الأقلوية والتنويرية المزيفة, سداً أمام وصول الإسلاميين "الظلاميين" إلى السلطة عبر انتخابات تعددية, هو بحق منطق طائفي ـ تبريري لا يجدر أن يقبل به الديمقراطيون إلى أي جماعة أو تيار انتموا. يمكن أن نفهم لماذا يدمن الممانعون أصحاب الفكر الشمولي على استعمال ذلك المنطق التبريري, باعتباره ينسجم مع الفكرة الفاشية, اليسارية ـ اليمينية, بأن الشعب المتخلف والمنقاد للغوغاء لا ينبغي السماح له بأن يمارس حريته في إيصال من يريد إلى السلطة. لطالما شكلت تلك الفكرة النخبوية الاستعلائية الذريعة الأساسية لأنظمة الأوليغارشيات الديكتاتورية وخطابها القومجي العلمانوي حول ضرورة قيادتها "التنويرية" للمجتمعات المتخلفة. وكان أن دفعت مجتمعاتنا ثمناً رهيباً لأنظمة عسكرية ـ عائلية بشعة ومنفلتة من القوانين والأخلاق, أنظمة طغيانية مارست هوايتها في القتل والتنكيل ونهب ثروات شعوبها من دون رادع, خلال عقود طويلة, وبدعمٍ من القوى الكبرى, التي لم تكن تجرؤ تلك الأنظمة على التمرد عليها, بل لطالما خطبت ودّها وتحالفت معها, عندما كانت تتنعم بسلطتها المطلقة.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- اليسار العربي -الجديد-: رفض النمطية والديكتاتورية
- -الممانعة- أمام لحظة الحقيقة
- الرهان على سوريا, لبنانياً..
- الرهان على سوريا لبنانياً
- الربيع العربي ومعركة الأفكار
- النخب العلمانية على مفترق الربيع العربي
- الإنحيازات السياسية : أوهام ومصالح
- إيران وقطر والربيع العربي : الأدوار الملتبسة
- لبنان وسوريا: وحدة المصير والمسار في مواجهة الربيع العربي
- أي جيل , أي وطن ؟
- العرب أمام تحدي الديمقراطية


المزيد.....




- الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يعلن ترشحه لولاية رئاسية ثان ...
- التغييرُ هو الخيارُ الوحيد المجدي في السودان: جرد حساب للوضع ...
- نيجيريا.. محتجون يطالبون بإطلاق سراح زعيم روحي
- ليبرمان: حماس تحاول فتح جبهات جديدة ضدنا في جنوب لبنان
- المكسيك.. زلزال بقوة 6.6 درجة يضرب ولاية باها كاليفورنيا
- موسكو: حجب واشنطن دعمها لـ-الأونوروا- سيؤثر على السلام
- ماكرون يدعم سعي ميركل لتشكيل حكومة ائتلافية
- السيسي يستعرض مراحل ولايته الأولى
- فرنسا.. اشتباكات بين الشرطة وحراس السجون!
- ترامب يوقع قانونا يسمح بمراقبة الأمن للإنترنت دون إذن قضائي ...


المزيد.....

- روسيا والصراع من أجل الشرعية في سوريا / ميثم الجنابي
- غاندي وسياسات اللا عنف / مانجيه موراديان
- الدروز الفلسطينيون: من سياسة فرق تسد البريطانية إلى سياسة حل ... / عزالدين المناصرة
- كتابات باكونين / ميخائيل باكونين
- المدرسة الثورية التي لم يعرفها الشرق / الحركة الاشتراكية التحررية
- اصل الحكايه / محمود الفرعوني
- حزب العدالة والتنمية من الدلولة الدينية دعويا الى الدلوة الم ... / وديع جعواني
- كيف ساعدت كوريا الشمالية الثورة الصينية؟ / الصوت الشيوعي
- المسار - العدد 11 / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- حديث الرفيق لين بياو في التجمع الجماهيري معلنا الثورة الثق ... / الصوت الشيوعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فؤاد سلامة - تحالف الأقليات أم حكم الأكثرية؟