أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاهين السّافي - -الفنّ للفنّ- و-الفنّ للتّحرّر-..















المزيد.....

-الفنّ للفنّ- و-الفنّ للتّحرّر-..


شاهين السّافي

الحوار المتمدن-العدد: 3967 - 2013 / 1 / 9 - 20:11
المحور: الادب والفن
    


قبل البدء:
يظل السؤال عن الفنّ دائما متوهّجا، يستمد توهّجه من اختلاف التوجّهات أو المسارات أو المدارس الفنّية. وهو اختلاف طبيعي لأنه يعبر عن موقع الفنان وفنه أو الأديب وأدبه في مجتمع تشقه تناقضات، وهو اختلاف متجدد بتجدد القوى المتناقضة في المجتمع أو بتجدد مواقعها في مختلف السياقات التاريخية، وهو اختلاف له أهميته الكبرى لأن الفنّ لا يقتصر على مجرد التموقع في خضمّ التناقضات، وإنما ينضاف إلى ذلك قدرته الفائقة على التأثير فيها (التناقضات) سلبا أو إيجابا لهذا الطرف أو ذاك أو لهذا المسار المجتمعي أو ذاك.
و قد تمخض هذا الإختلاف في عصرنا –بشيء من التجاوز وبعيدا عن التفاصيل التي يضيق بها هذا المجال- عن إتّجاهين مختلفين هما: إتجاه "الفنّ للفنّ" وإتّجاه "الفنّ للتّحرّر".

إتّجاهان في الفن:
1-الفنّ للفنّ:
نجد في "اتّجاه الفن للفن" تفرّعات ومدارس عدة، اتفقت في العموم على أن "الفن قائم بذاته ولذاته"، أي أنّه المنطلق والغاية في آن معا، ويؤكّد المنتسبون إلى هذا الإتجاه على أن المهمّ هو إنتاج العمل الفني ذاته، وأنّ السؤال عن مضمونه خارج عن إطار الفن كفنّ، وأن هذا السؤال يندرج في إطار الفعل السياسي والفنّان ليس مطالبا بأن يكونا سياسيّا.
يخضع العمل الفنيّ إلى شروط أسلوبيّة وتقنيّة على مستوى "الشّكل" تجعله مدرجا ضمن إطار الفنّ، ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحدّ، فالأعمال الفنيّة تقول كلاما –مهما كان وبأيّة طريقة- وهذا الكلام له مضمون، وفي هذا المضمون تصدر أحكام أو مواقف تجاه الكون والحياة والإنسان، وبما أنّ هذه الأعمال تصدر عنها أحكام ومواقف فإنّه من الطّبيعيّ أن تكون محلّ اختلاف، وكونها محلّ اختلاف يحيلنا مباشرة على حتميّة مناقشتها، وبالتّالي فإنّ أيّ عمل فنيّ لا يمكن أن يكون الحديث فيه مقتصرا على "الشكل"، وهو ما يجعل المنتسبين إلى إتجاه "الفن للفن" أمام إحراج كبير.
يحمل اتّجاه "الفن للفن" في طيّاته ترسانة من التضليل، لأنّ انعدام السؤال عن المضمون يجعلنا لا نفرّق بين الضّحيّة والجلاّد أو بين الصمود والتخاذل أو بين الخيانة والشرف إلخ.. فتستوي -بهذا المعنى- كلّ التناقضات وتخرج لنا رافلة في حلل التآخي الوهميّ المنفصل تماما عن الواقع المثقل بالتناقضات. ونظرا لكون الأعمال الفنيّة أكثر قربا من وجدان الجماهير، وأكثر تأثيرا على وعيها –باعتبار أن الأعمال الفكريّة تجد صداها أكثر في أوساط النخب- فإنّ الإعلاء من "الشكل" وتغييب السؤال عن المضمون لا يمكن إدراجهما إلاّ في إطار التنصّل من تحديد المواقف والمواقع في الصراع والتعويم على التناقضات وتضليل الجماهير.
يعمد المنتسبون إلى "الفن للفن" –في هروبهم من سؤال المضمون- إلى المخاتلة، لأنّ التنصّل بشكل صريح من قضايا الجماهير وعدم الإلتزام بها نقطة ضعف يصعب الدفاع عنها. فنجدهم يطنبون في الحديث عن الفنّ وقضايا الإبداع الفنيّ بشكل إطلاقيّ أو مجرّد، إضافة إلى التهجّم –المباشرأو الضمني- على الفن الثوريّ وتعمّد محاصرته وإلصاق به تهم "المباشراتيّة" و"الشعاراتيّة" و"التقريريّة" إخ..
ولكن، لنفترض أنّ واحدا من أنصار "الفنّ للفنّ" –هذا إذا افترضنا طبعا أنّه مهتمّ بالجماهير ومنتصر لقضاياها- قد تجرّأ –مثلا- على تناول واقع الفلاّحين في الأرياف في عمل فنّيّ، هل سيكون لزخرفاته الشّكليّة المُطلْسِمة لمحتوى هذا العمل صدى لدى جماهير الفلاّحين في الأرياف؟؟
إلاّ أنّ شاعرا شعبيّا ثوريّا مُتّهَمًا بالمباشراتيّة والشّعاراتيّة والتّقريريّة والتبسيطيّة، سيستطيع حتما بحضوره الجسدي الرّائع وصوته الصّادح ونبرته الحماسيّة أن يؤثّر في مشاعر الجماهير وفي وعيها وبكلّ يسر.
وهذا ما يجعلنا نؤكّد على ضرورة التصدّي لمنحى "الفن للفن" والتأسيس دائما لمنحى الفن من أجل الحياة والإنسان والثّورة.


2-الفنّ للتّحرّر:
نجد في اتجاه "الفن للتّحرّر" عدّة تفرّعات ومدارس اتفقت في العموم على أهميّة الفنّ في نشر الوعي بضرورة التحرّر من نير الأصفاد التي تحول دون تحقيق الإنسان لإنسانيّته، أي أنها متموقعة بشكل صريح في خط كفاحيّ يدفع عجلة التاريخ إلى الأمام. هذا الإتجاه ليس وليد اللحظة، فهو موجود في كلّ زمان ومكان، أخذ أشكالا متعددة بتعدّد السياقات التاريخيّة، وما الصورة التي هو عليها اليوم –في واقع الأمر- إلاّ حصيلة تراكم لإنتاجات وتعبيرات ثقافية ظهرت على مرّ التاريخ مقاومة لواقع الظلم والقهر والإستعباد والإستعمار، ومحفّزة الإنسان على التمرّد على هذا الواقع.
يؤكّد المنتسبون إلى هذا الإتجاه (الفن للتحرر) على أنّ نجاح الثورات وتحقيقها لواقع أرقى للجماهير لا يكون فحسب بالكفاح المسلّح والنضال السياسي الجماهيري المنظّم، وإنما كذلك بالصراع الثقافي والنفسي، وفي هذا السياق يلعب الفنّ دورا هامّا في إذكاء جذوة الكفاح والنضال والتنظّم الجماهيري، وفي محاصرة الإنهزاميين والإستسلاميين والمتخاذلين والخائنين وعزلهم.
كيف ذلك؟
يعمل أنصار "الفن للتحرّر" على هدم الأفكار والعادات والممارسات التي تقف حجر عثرة أمام التطوّر والتقدّم والتحرّر، وفي ذات السياق يسعون إلى التأسيس لأفكار وعادات وممارسات جديدة تغذّي الرغبة في الإنعتاق وتحصّنها من كلّ نفس انحرافي. فنجدهم، في أعمالهم الفنيّة، عاكفين على محاربة الكذب والأنانيّة واليأس والتراخي والغرور والإنتهازيّة، ومنتصرين لقيم الصدق والتضحية والأمل والتفاني والتواضع والمبدئيّة إلخ.. وتحقق هذه المضامين نقلة نوعيّة في وعي الجماهير، فتصبح أكثر قدرة على فهم واقعها وتحديد العدوّ من الصفيّ، وأكثر صلابة في مواصلة مسيرتها الكفاحيّة نحو الظّفر.

اتجاه "الفن للتحرر": السّمات وتجاوز الصعوبات:
1-السّمات:
قد ينتج الفنان أعمالا فنيّة تدرج ضمن منحى "الفن للتحرّر" دون أن ينتسب إلى هذا المنحى (بلزاك مثلا)، ولكنّ الأرقى من ذلك هو أن يوجد انسجام تام بين وعي الفنّان وعمله الفنّي وسلوكه اليوميّ. وحتّى يتحقّق هذا الإنسجام لابدّ من التّأكيد على:
-الإلتزام بقضايا الجماهير عمليّا وفنيّا.
-مشاركة الجماهير همومها ومشاغلها وتجاربها واعتبار ذلك معينا يستمدّ منه الفنان إلهامه حتى ينتج أعمالا فنيّة وأدبيّة أصيلة.
-إنتاج أعمال فنية تمس الجماهير في العمق: تدغدغ مشاعرها وتبث فيها الوعي بضرورة الكفاح والتنظّم ومواصلة المسار التحرّري حتى في أكثر اللّحظات قسوة.
-الإدراك أن الدور القيادي ينبع من عظمة المسؤوليّة تجاه الجماهير.
-الوعي أن الفنان لا يمكن أن يكون قائدا ومعلّما ما لم يكن تلميذا للجماهير، يتعلّم منها ويعلّمها.
-الإشتغال على الموهبة الفنيّة وتطويرها بالدّربة والدراسة وعمق الإطلاع حتى تكون الأعمال الفنية روائع في الشكل والمضمون.
يمثل النهل من حياة الجماهير ونضالاتها سمة نجدها في إتجاه "الفن للتحرّر" ولا نجدها في سواه، ما عدا بعض الشذرات من الأعمال أو الأعمال التي لا تعبر عن وعي متأصل بأهميّة هذا النهل. وبهذا المعنى لا يسهم "الفن للتحرّر" في تطوير الوعي الجماهيري فحسب، وإنما يسهم كذلك في تطوير الفن كفن، والإنتقال به من حالة الجفاف والسّوداويّة والإنعزال إلى حالة الإتصال بينبوع الحياة المتدفق من حلم الجماهير بالتحرّر والإنعتاق.
2-تجاوز الصّعوبات:
يواجه اليوم إتّجاه "الفن للتحرّر" صعوبات عديدة، وهو مطالب بتجاوزها حتى يضطلع بدوره الطليعي في المجتمع.
فهو يواجه هيمنة الأشكال الفنيّة اللاّشعبيّة الكلاسيكية منها والحديثة، وهو مطالب بالتحرر من هذه الأشكال وتقديم بدائل مبدعة. ولئن راكم هذا المنحى باتجاه نحت طريقه الخاص في الشكل والمضمون (الرومنطيقية الوطنية/ الواقعية الإشتراكية/ الواقعية السحرية إلخ..) فإنّه يظلّ مطالبا دائما بالبحث والإبتكار في هذا المسار.
وهو يواجه حملات تشويه ممنهجة يشنها أرباب "الفن للفن" قصد إقصائه من دائرة الفعل الثقافي. ولئن ازدادت هذه الحملات شراسة يوما بعد يوما، فإن هامش الحرية المتاح الآن يمكّن منحى "الفنّ للتّحرّر" من احتلال موقع أفضل سواء في الفضاء الثقافي أو في الفضاء الجماهيري العام، كما أن المثابرة في تقديم أعمال فنيّة جيّدة على مستوى "الشكل" سيجعل من هذه الحملات الشعواء غثاء أحوى.
وهو يواجه أطرا ثقافية تقليدية خانقة، نادرا ما تكون قادرة أو قابلة لاحتضانه، وعادة ما يكون احتضانها له من قبيل المزايدة أو تزويق صورة المنظومة القائمة وإظهارها في ثوب التّعدّد الوهميّ. وهنا يطالب أنصار "الفنّ للتّحرّر" بالسّعي إلى إيجاد أطر أخرى جماهيرية تغنيهم عن الأطر التقليدية التي يجب أن يكون تعاملهم معها بالغ الحذر حتى لا يُجرّوا إلى أتونها.

كلمة الختام:
لم تستطع كل الحركات المناهضة لما هو قائم أن تتحول إلى ثورات فعلية رغم ما فيها من بطولية، وذلك نتيجة لغياب الوعي الثقافي الثوري بما هو رافد لهذه الحركات ومحصّن لمسارها من مغبة الإنحرافات. وفي المقابل، في عصرنا هذا، تتبدى القوى السائدة على درجة عالية من الوعي بمصالحها وقد اكتسبت خبرة في الدفاع عن وجودها اعتمادا لا على "ثقافة السلاح" فحسب، وإنما كذلك على "سلاح الثقافة" في سعيها المحموم لتأبيد سيادتها.
بالتالي لا يمكن مواجهة هذه القوى إلا بحركة ثقافية قوامها حلم التحرر، تحمل كل أوجه الفعل الثقافي (فنّا وفكرا)، وتكون مضطلعة بجانب من القيادة نحو تحقيق هذا الحلم، محوّلة حركة الجماهير إلى حركة واعية وقادرة على صياغة المشروع السياسي الذي يعبّر عن هذا الحلم ويترجمه واقعا على أرض الواقع.



المراجع المعتمدة:
-ينابيع الثقافة: أبوعلي ياسين
-الثالوث المحرّم: أبوعلي ياسين
-إشكاليات الحركة القومية العربية: سلامة كيلة
-أحاديث في ندوة الأدب والفن: ماو تسي تونغ
-الشعر الشعبي والإنتفاضات التحررية: محمد المرزوقي
-قصائد منقوشة على مسلة الأشرفيّة: ملحق شعري بمناسبة الذكرى السابعة لانطلاق الثورة الفلسطينية/1972
-نصوص مختارة: بيلنسكي





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,687,940,522
- وإنّي الآن.. أريدْ
- في ذكرى ميلاد المولدي زليلة (عمّ خميّس):


المزيد.....




- ميشيل أوباما تمنح جائزة -غرامي- الموسيقية
- أخطاء كارثية في نسخة القرآن المترجمة للعبرية.. ومجمع الملك ف ...
- استقالة مفاجئة لرئيس جماعة المضيق
- ظريف : استهداف المعالم الثقافية والتاريخية جريمة لا تغتفر
- ظريف: تهديد ترامب بضرب معالمنا الثقافية هو رمز للإرهاب الثقا ...
- كاريكاتير القدس- الإثنين
- رانيا يحيى تقدم أول كتاب عن العبقرى فؤاد الظاهرى:المنسى في ا ...
- إبعاد فنانة مغربية عن الإمارات
- خدمة للأجيال القادمة.. فنان قطري يصور الحياة القديمة في الدو ...
- ذكرى مؤرخ شبه الجزيرة العربية.. هل تنبأ عبد الرحمن منيف بذوب ...


المزيد.....

- حروف من الشرق / عدنان رضوان
- شبح الأمراض النادرة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- ديوان النفي المطلق / السعيد عبدالغني
- ديوان الحضرة / السعيد عبدالغني
- ديوان الحاوى المفقود / السعيد عبدالغني
- ديوان " كسارة الأنغام والمجازات " / السعيد عبدالغني
- أثر التداخل الثقافى على النسق الابداعى فى مسرح يوهان جوتة / سمااح خميس أبو الخير
- زمن الخراب (رواية) / محمود شاهين
- طقوس الذكرى / عبد الباقي يوسف
- مسرحية -كلمات القرد الأبيض الأخيرة- وجدلية العلاقة بين الشما ... / خالد سالم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاهين السّافي - -الفنّ للفنّ- و-الفنّ للتّحرّر-..