أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - مَراكش؛ زوايا، أماكنٌ، بؤرُ















المزيد.....


مَراكش؛ زوايا، أماكنٌ، بؤرُ


دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 3955 - 2012 / 12 / 28 - 22:47
المحور: الادب والفن
    


1 ـ في حضرة سيدي دكالة:
قضيتُ في حيّ " باب دُكالة "، كزائر مُقيم، مدّة أربعين يوماً شمَلتْ رحلتين؛ إحداهما في أوج صّيف عام 2008، والأخرى خلال مبتدأ فصله الشتويّ. هذا الحيّ، المُنتهية به المدينة القديمة عند جهتها الجنوبيّة، هوَ الأكبرُ والأعرق في مَراكش. فلو أرادَ المرءُ، المُهتمّ، سَبْرَ عظمة المدينة القديمة، فما عليه سوى الوقوف أمام أسوار هذا الحيّ، المُنفتحة عند بابِهِ المَوْسوم، كي يُعاين مَشهداً مؤثراً يَمتّ للتاريخ التليد أكثر منه للزمن المعاصر. البابُ الرئيس، عمارته من الآجر ذي اللون النبيذيّ، المُعتبَر علامة هذه المدينة حتى انها نُعتت باسمه؛ " الحمراء ". ثمّة مدخلان واسعان، مرتفعان، يتوسطان الباب العتيد، يستعملان لحركة مرور السيارات والدراجات النارية ذهاباً وجيئة ً. يقوم بجانب كلّ من هذين المدخلين الأوليين مدخلٌ أصغر حجماً، مخصّصٌ للمارّة. وإذ لا يفوتنا التأكيد، على أن تلك المداخل الأربعة هيَ مقوّسة الشكل، فإننا سنضيف أيضاً بأنّ الإفريز العلويّ في عمارتها له نتوءات مثلثة، هرميّة، شبيهة بأشجار الأرز. هكذا نتوءات، لا نجدها في الحافات العلويّة للأسوار المطوِّقة حيّ " باب دكالة "؛ والتي هيَ في أماكن أخرى من المدينة ذات شكل مربع أو مدبّب. الجهة اليسرى من المدخل الرئيس، المُفضيَة إلى حيّ " غيليز "، لا يبدو في أسوارها سوى الأبراج الضخمة، المربّعة. أما لو سرتَ يميناً، باتجاه وسط المدينة الجديدة، فإنّ السورَ لن يلبث أن ينفتحَ على بوابات أخرى، مفتوحة إلى الداخل. إلا أنّ احداها، وهيَ الأكبر حجماً، كان بابها الخشبيّ الأخضرُ اللون مترّسَ المصراعَيْن.
ما أغراني لمتابعة التجوّل في الجهة اليمنى، المُباركة، كونها تضمّ تحت أسوارها عدداً من مكتبات الرّصيف الشعبيّة، العشوائيّة، المتراصّ في أرضيّتها ما تخلّف عن الأجيال السابقة، الآبدة، من مجلّدات ومجلات ودوريّات. وإذ أقفرَتْ من الخلق جوامعُ المعرفة هذه، فإنهم كانوا على ازدحام مُلفتٍ على الرّصيف المُقابل، أين تمركز باعة آخرون مع خضارهم وفواكههم. الأبراج هنا كثيرة أيضاً، متتاليَة، لونها حائلٌ يميلُ إلى الترابيّ، مع افريز ضيّق في أسفلها يحتفظ بعدُ باللون الأصل، النبيذيّ. بيْدَ أنّ أبراجاً أخرى، عجيبة، ما تفتأ تثيرُ حيرتي. تبدّت هذه لعينيّ، حالما انتهى تجوالي إلى ساحةٍ مُستطيلة، غاية في الاتساع، يفصلُ الشارعُ الرئيس بينها وبين " أسواق السلام "؛ مَخازن المملكة، الشهيرة. ثمّة، عند جهة الساحة المُقابلة للمخازن، انتصبتْ أبراجٌ سبعة لا صلة لها بالأسوار، يُذكّرنا عددُها في المقابل بمثيلتها السماويّة، الفلكيّة. ارتفاعُ كلّ منها حوالي 10 أمتار بعرض 4 أمتار تقريباً؛ مُرَبعٌ، على الرغم من بعض الضيق في قمّته. عمارته من الحجر الأسمر، فيما أعلاه بلون نبيذيّ وعلى هيئة الافريز. خطان من القرميد الرقيق، الأسوَد اللون، نراهما في وسط المعمار؛ هناك، حيث تمّ نحتُ قوسَيْن مصمّتيْن، متجاورَيْن، وآخرَيْن أصغر حجماً في داخلهما.
إذ كانت تلك الساحة، المَسحورة الأبراج، شبه مهجورة إلا من بعض المُتشرّدين البائسين، فهيَ ذي ساحة أخرى في الجهة اليسرى لمدخل " باب دكالة "، مَغمورة بالخلق. النخيل، أحد رموز مراكش أيضاً، تتناثر أشجاره حول هذه الساحة الكبرى؛ والتي هيَ نفسها بمثابة حديقة، وارفة الظلال. هنا، في هذه المُستديرة، تزدحم المركبات والحافلات والدراجات النارية، المتدفقة إليها من عدّة شوارع تؤدّي إلى داخل وخارج المدينة القديمة. عند مدخل بوابة السور، الرئيسة، ثمّة موقف لحافلات النقل العام، يغصّ في وقت الظهيرة بأولئك الخارجين من أعمالهم أو مدارسهم. بينما تجدُ المُتعطلين، أو المُتسكّعين، وقد تمددوا على الدرجات العريضة، الواقعة مباشرة ً تحت الأسوار. ما ان تلجَ البوابة، آخذاً طريقكَ إلى داخل الحيّ، حتى تستهلّ مغامرة العبور بين مماشي الشوارع الفرعيّة، الخطِرَة. عليك مُحاذرة السيارات، وأغلبها تاكسي الأجرة، المُندفعة بغير هُدى وكأنما الطريقُ قد وُهِبَ لها وحدها، يؤازرها في هذه القناعة طيّارو الدراجات الناريّة.
لنقل، أنّ الجوّالَ وَصَلَ بالسلامة إلى العَرَصَة الفسيحة، المنفتح عليها مدخل " باب دكالة "، الجوانيّ. قد يُظن أنّ العرصة سوقاً للخضار، بينما هيَ في واقع الحال بداية درب الحيّ، الرئيس، الحافل في جانبَيْه بالمحلات التجارية والدكاكين والبسطات. يبدأ الدربُ مَسقوفاً بأعواد القصب، لعدّة خطوات إلى الأمام، ثمّ فسحة سماويّة.. وعلى هذا المنوال، المُتتالي، حتى نهاية السوق الكائن عند أعتاب مقام الوليّ؛ المَنعوت باسمه حيّ " باب دكالة ". عند تلك الفسحات السماوية، من الممكن وجود مُستديرة مخضوضرة ينبثق منها أشجارُ النخيل والبرتقال، فيما جدران المنازل في الزواريب الجانبيّة تبرز أغصان التين والزيتون. سقوف الدرب، هيَ من الرثاثة في أماكن مُعيّنة، حتى لتكاد تقع فوق رؤوس المارّة والمُتسوّقين. ها هنا، على أيّ حال، يَقبعُ بائعو الخضار واللحوم والمعجنات، جنباً لجنب مع أصحاب دكاكين السمانة والطيور والتحف التقليدية. يَصدى في الجوّ أصوات المسجلات، الصادحة بالأغاني الشعبيّة، مع أصوات الدجاج الأشبه بالشكوى؛ هوَ المنتظرُ في الأقفاص مَصيره المَحتوم، المَعروف. إلى روائح مختلفة، عبقة وحرّيفة وعطرة، تنشرها محلات العشابين والمطاعم الشعبية ومنازل الأهلين، المُختفية ضمن هذا الزاروب أو ذاك. هذا الأخير ( يُدعى " زنقة " بالمحكيّة المغربيّة )، من الممكن أن يكون مدخله على شكل قنطرة، عتمة نوعاً، أو ذا فسحةٍ سماويّة يَغشاها ضوءُ النهار. على مدخل إحدى هذه الزنقات، المقوّس الشكل، كان شخصٌ مجذوبٌ، عليه أسمال مهلهلة، يُغني بصوته الشجيّ هذه اللازمة وهوَ يَطرق بيده على طاسٍ مَعدنيّ، مخصّص لمِنح المُحسنين: " يا سيدي الدكالي، اعطف على حالي ".
2 ـ في الطريق إلى الأسواق:
كما سلفَ القول، ففي رحلتي الثانية، المراكشيّة، أسعدني الحظ بقضاء شهر في النزل الجميل، الذي يملكه عديلي. حينما كنتُ أخرجُ عادة ً من الزنقة الضيّقة، المُحتبيَة الرياض الذي أنزل فيه، فإنني أسيرُ باستقامةٍ إذا كان مَقصدي هوَ قلب المدينة القديمة؛ أيْ " ساحة جامع الفنا ". إلى أن علِمتُ ذات يوم من صهري، القائم على تدبير النزل، أنّ طريقاً آخر يُمكن أن يؤدي مباشرة ً إلى الأسواق الكبرى. وإذن في صباح يوم تالٍ، حينما أطللتُ على الدرب الرئيس، فقد رأيتني استديرُ هذه المرّة إلى ناحية اليسار. مقامُ " سيدي دكالة "، كان يشمخ بمنارته الكبرى، الأنيقة؛ هوَ القائمُ في مُقابل زنقتنا، والمُتربّع في مساحةٍ واسعة تطلّ على العديد من الحارات. الدرب هنا، يُشبه ذاك الآخر، المَوْصوف آنفاً، لجهة كونه أشبه بالسوق. إذ يتتالى فوق رأس المرء سقفُ القصب تارة ً، وفسحة السّماء تارة أخرى، إلى أن يُختتمَ الدربُ السوقُ عند أسوار " دار الباشا ". هذه الأسوارُ، المبنيّة من الحجر الأشقر، المنحوت بعناية، تشي ولا شكّ بعظمة الدار، المُتوارية ورائها. إذ لا يَكاد يظهر من الدار، المُنيفة، سوى قسم ضئيل منها، وذلك حينما يمرّ المرءُ صدفة ً في وقت دخول إحدى السيارات إليها. من اللوحَتين، المُثبتتين تباعاً على بابَيْن للدار، رئيسَيْن، نعرف أن مَركز الاتحاد المغربيّ للشغل يقع هنا، إضافة ً لمركز رسميّ آخر، صحيّ. أشجارُ التين والكوتشوكة، العملاقة، تطل برؤوسها الخضراء من حافة الأسوار، فيما شجيرات النخيل والبرتقال مركونة عند قاعدتها ضمن جرار فخاريّة، ضخمة. ولكن، أيّ " باشا " يعيش هنا؟.. هذا ما لم أهتم في المساءلة بشأنه. بيْدَ أنّ الحراسة المُشدّدة، فضلاً عن أناقة الشوارع المحيطة، توحيان ولا مَراء بجلال المُقيم في هذه الدار، الفخمة، المُتبرّكة بدَورها بجيرَة مَقام سيدي دكالة.
اعتباراً من تلك الدار، المَوْسومة، تفتتحُ لخطى الجوّال أسواق مراكش الحقيقية، الكثيرة العدد. فما هيَ إلا أمتار قليلة حتى نكون أمام دار أخرى، أصغر حجماً، غيرَ أنها في المقابل ذات واجهة لا تقلّ روعة. إنه رياضٌ، عريق القِدَم، له مدخل غاية ً في الأناقة، يتفيأ بشجرة تين ضخمة. أسيرُ من ثمّ في الدرب السوق، مُنتبهاً لوجود الأزقة على جانبيه؛ من تلك ذات المداخل المُقنطرة، أو الأخرى المفتوحة على السماء. بعض هذه الزنقات، له مدخل مقوّس، من الجبس المُزخرف، يبدأ كفسحة سماوية ثمّ ينتهي إلى قنطرة، عتمة، يعلوها مشربيّة. إنّ مُفترق الدرب، المُتصل بـ " سوق السمّارين " الشهير، يُمكن الوصول إليه بعد أقلّ من خمس دقائق مشياً على الأقدام. ثمّة، ما أن تتناهى الخطى إلى مفترق السوق الرئيس، المنعوت بـ " درب السّمَاوين "، حتى يَتفرّع إلى آخر، أقلّ اتساعاً، يؤدي في منتهاه الطويل إلى " ساحة جامع الفنا ". بسطات الخضار ومحلات اللحوم ودكاكين السمانة، لن يكون لها مكان في هذا الدّرب السوق؛ إذ تُخلى المَواقع لمَتاجر التحَف والمَصوغات والزّرابي، ولرِحَب المَحفورات الخشبيّة والنحاسيّة، كما ولقيساريات المَنسوجات النفيسة. سقف هذا الدّرب السوق، المصنوع من الصاج والزنك، يُصبح هنا مُتصلاً وأنيقاً وشبيهاً بما نعرفه عن " السمّارين " وغيره من أسواق المدينة القديمة.
أصلُ إلى " درب الكريسي "، ماراً تحت أسوار رياضٍ فخم العمارة؛ ثمّة، أين تقع على الجانبين رِحَبُ صناعة المحفورات والمشغولات الخشبية والمعدنية. هيَ ذي إحداها، تقع إلى يمين الدرب. الرّحبة مُربّعة الشكل، بساحةٍ لها قطر يُقارب العشرة أمتار، يُحيط بها قاعات ذات عقود، ينهمكُ من في داخلها من حرفيين بأعمالهم المختلفة وقد عبق الجوّ بروائح أدواتهم من خشب العرعر الثمين، إلى السوائل من كاز وتنر ودهان. أقواسُ العقود، وكذلك الشرفات في الدور الثاني، عمارتها القرميدية ذات أطر بلون أحمر نبيذيّ، فيها نقوش من الجبس الأبيض. وها أنا ذا، إثرَ مَسير هيّن خِلل الدّرب المُظلل، أسألُ رجلاً مُسناً عن الطريق الأقصر إلى " متحف مراكش ". الرّجل، وكان يبدو من ملبسه أنه صانعٌ، أشارَ إلى الجهة المُقابلة: " امشِ دوماً إلى اليمين، أين تلوح لك منارة مسجد عالية "، قالها مُبتسماً. ما أن مضت دقيقة أخرى على مُغادرتي إياه، حتى حاذاني الشيخ الطيّبُ ليشيرَ إليّ هذه المرّة نحوَ عرَصَةٍ فسيحة، يقبع في صدرها بناءٌ كبيرٌ ذو أسوار عالية: " ذاك هوَ متحف مراكش، وهذا إلى يساره المسجد المُلحق بمدرسة ابن يوسف ".
الحق، أنّ هذه العرَصَة لجديرة بمقام الملوك. فما أن يَلج المرءُ في رحابها، حتى يجد التغيّرَ البيّن في ملامح عماراتها وأسوارها وأرضيتها على السواء. أناقة في كلّ شيء؛ في الجدران والأقواس والبواكي والقناطر. المسجدُ الكبيرُ، أين أشار إليه دليلي، يقع إلى جهة اليسار من العرَصَة ويتميّز بمداخله العديدة، المقوّسة، المؤطرة بالجبس الرائع الزخرفة، مثلما بقبابه الهرميّة الشكل، ذات القرميد الأخضر، البهيّ. وهيَ ذي قبّة مُدبّبة، مَشرقية الطراز، تظهرُ لعينيّ المرء عبرَ السور المعدنيّ المحيط بالخلاء، المُقابل للمسجد. هذه القبّة، القائمة على أربعة عضد حجرية، مقوّسة عند القاعدة، تبدو وكأنها مصبوبة من صخرة واحدة، جلمود. حجرة الضريح ( لم أسأل عن ماهيّة صاحبها )، تقع في منتصف المعمار، وفي جوانبها الأربع ثمّة كوات ثلاث، مزخرفة. يمكن الوصول إلى مدخل القبّة، المَقام، بوساطة درج حجريّ: ولكن، ماذا ستفعل هناك؛ أنتَ الساعي إلى مُعاينة آثار الأقدمين لا أضرحتهم ورميم عظامهم,.؟
3 ـ في آبدة ابن يوسف:
" هل زرتَ المدرسة اليوسفية؟؛ إنها لا تبعد كثيراً من هنا "
خاطبتني ذات مرّة الشقيقة الكبرى لزوجتي. وكنتُ قد عُدّت للتوّ من جولةٍ في الخارج، حيث تعرّفت فيها على أثر من أهم مَعالم مراكش؛ " قصر الباهية ". غيرَ أنّ فترة إقامتي في المدينة، المحدّدة وقتذاك بعشرة أيام، حالت دون أن أطلع على تلك المدرسة، المَوْسومة. في زيارتي الثانية لمراكش، المُصاقبة لمستهلّ نوفمبر، تذكّرتُ ذات صباحٍ أمرَ المرحوم ابن يوسف. الجوّ، كما هوَ مألوف مدينة النخيل الخالد، كان صحواً يُزيّنه قرصُ الشمس، الفضيّ. ولأن خطوي قد سبق وألِفَ، أيضاً، الدربَ المُفضي إلى الأسواق القديمة، فلم أجدَ كبير عناء في الوصول إلى غايتي. إذا كان المرءُ قادماً من ناحية منطقة " رياض العروس "، فلا بدّ أن يَمرّ في دروب ضيّقة للغاية، يُظللها أحياناً بواكٍ أو قناطر. إلى أن تلوح أسوارُ المدرسة، المُحدقة بممرّ فسيح ومفتوح على ضوء النهار الغامر، أين المدخل الرئيس. ثمّة، في الردهة المُفترض أن تسدِّدَ فيها رسمَ الدخول، لا يكاد نورُ الخارج يَجد موطئاً لقدمَيْه. إلا أنّ لوحة المعلومات، لحُسن الحظ، كانت مثبتة على حائط ردهة أخرى، مُنارة بنور الكهرباء. هنا، سنقرأ أن عُمرَ هذه المدرسة، القائمة على مساحة 1650 متراً مربعاً، يزيدُ على الأربعمائة عام؛ أن عمارتها استكملت على عهد عبد الله الغالب، أحد الملوك السعديين؛ وأنها كانت منذورة لتدريس العلوم الشرعيّة والعامّة، كما وعُدّت بمثابة حرمٍ جامعيّ لسكنى الطلاب.
الردهة الرئيسة، عبارة عن حجرةٍ مُربّعة الشكل، سقفها عال ومقبّب قليلاً، له زوايا أربع بنقوش من الخشب، هندسيّة، بينما أفاريزه من الحجر المزخرف. الممرّ الخارجيّ، الموصل إلى الردهة، سقفه من مربعات منفصلة، مزخرفة بالخشب البنيّ، علاوة على زخرفات أخرى بالجصّ. ينبغي القول، أن الممرات في المدرسة هيَ من الزليج الملوّن، المحليّ، أما الخشب فإنه من الأرز الثمين، النادر، المَجلوب من جبال الأطلس. إلا أن الرّخام الفاخر، " كرارا "، المُستعمل بكثرة في تزيين أرضيّة القاعات وأعمدتها، فقد تمّ حمله بالسفن من مَحاجر فلورنسة الإيطاليّة، الشهيرة. ما أن تجتاز حجرة المدخل، العتمة نوعاً، حتى يُبهرك صحن الدار بنور باحته السماويّة، الكبرى، كما وبروائع النقوش والزخرفة والوشي والحفر والنحت. في منتصف الباحة، المُرخمة، ثمّة بحرة مُستطيلة الشكل، مرتفعة الجوانب بنحو نصف متر. صحن الدار، مكوّن من قاعتين إلى يمينها ويسارها، وثالثة في الصّدر. كلّ من الأوليتين مفتوحٌ على الباحة السماوية، بواجهة من عقود خمسة كبيرة، يعلوها افريز مُتصل بالسقف يأخذ في الأعلى نفس الشكل المقوّس مع نافذة صغيرة في الأسفل. الافريز الخشبيّ، الأسوَد اللون، المزخرف بالآيات القرآنية والأشكال الهندسية، يفصل بين العقدَيْن السفليّ والعلويّ بلوحين على امتداد واحدٍ، مع لوح آخر مُقتطع من وسطه. أعمدة القاعة مُربّعة، ثلاثية الأبعاد، وهيَ من الحجر الأحمر، القريب من الزهريّ، بينما أفاريزها من الجبس الناصع، المزخرف بالآيات الكريمة، حتى القاعدة المزججة بالزليج الملوّن، الزاهي. وشيٌ مُذهل، مُعجز، يُرقش القسم العلويّ من عقود القاعتين، الجانبيتين، المبنيّ بالجبس، يُجسّد بدقة أشكالاً هندسيّة وأخرى نباتيّة.
وإلى صدر صحن الدار، حيث يُطالعنا قوسٌ يعلو العقود ثمّ آخر، مُصمّت، يقبع في إطار الأول، يَصل ارتفاعه إلى السقف. النقوش، وهيَ أيضاً من الجبس، تختلف عن تلك التي لحظناها آنفاً في عقود القاعتين، التوأم. ثمة نوافذ أربعة، مُصمّتة، تشكل قاعدة القوس الأعلى، مزخرفتها مُدهشة. صدر الدار، المقوّس، هوَ كذلك قاعة مُستطيلة، شبيهة إلى حدّ ما بحجرة مدخل المدرسة. غيرَ أنّ هذه القاعة، المركزيّة، لا مثيل لها في العمارة والنقوش. إنها تقوم، من جانبيها، على عمودين من الرخام الرائع، التي تحملُ عقوداً ثلاثة على مألوف الفن الاسلاميّ. هذه العقود، المزخرفة بالآيات القرآنيّة والأشكال النباتيّة، يعلوها افريز عريض ارتفاعه ثلاثة أمتار تقريباً، يفصله عن السقف ست نوافذ طولانيّة، نحيلة ومقوّسة، مُشبّكة بالخشب الرقيق. صدر القاعة، يتوسطه مدخلٌ مقوّس، قائم في جانبيَه على عمودين من الرخام، صغيرين ورفيعين. وإذا كان الشكل القوسيّ، في المداخل خاصّة، يَطبع العمارة المغربيّة الاسلاميّة ( هذا يتجلى بوضوح في مسجد الكتبيّة )، غير أن الأعمدة وتيجانها هنا هيَ على النمط الرومانيّ: ولن نستغرب من هذا التهجين، بما أن المادة الرخاميّة، الخام، قد جُلبت من بلاد الطليان كما سبق وأشرنا.
فضلاً عن الآيات القرآنيّة والأشكال الهندسيّة والنباتيّة، المُرقشة معمار الدار، فإن رسوماً للمحار والصّدف قد وجدَ لها هنا مكان أيضاً، خصوصاً أن مراكش لا تبعد كثيراً عن البحر المحيط. هذه النقوش، نراها في القوس المزخرف بدقة، المرتفع حتى سقف القاعة المنحوت من خشب الأرز. ثمّة، حيث الزوايا فيها ثمان مضلعات، ثمّ أربع أصغر حجماً إلى أن تلتقي في الأعلى بدائرة مزخرفة بالنقوش الهندسيّة. وعودة إلى أسفل القاعة، لنجدَ أن لكلّ رواق مُشكّل من الأعمدة والعقود بابان من الخشب، الموشى بدَوره بالنقوش، مفتوحان إلى الخارج. المدخل المقوّس في صدر القاعة، كأنما هوَ محرابٌ لمصلى كان قائماً في العهود القديمة. سقف هذا المحراب، المفترض، بعلوّ قوس المدخل، تمت زخرفته بوحدات نباتيّة ذات لون أخضر فاتح، زاهٍ، على طريقة المقرنصات. / من صحن الدار، ذي السقف القرميديّ، الأخضر، القائم على عقودٍ مزخرفة بجملة " الملك لله "، إلى الرواق الضيّق ذي السقف المنخفض، والمؤدي من كلّ جانب إلى الدورَيْن، الأرضيّ والعلويّ. ها هنا حجرات الطلبة، التي يقيمون فيها بعد انتهاء فترة الدروس. الحجرة، مربّعة الشكل غالباً، مدخلها المقوّس يكاد يتسع لمرور شخص واحد. بابها الخشبيّ، مرصوص بأربعة صفوف من المسامير الضخمة، يعلوه فتحة يُمكن إغلاقها من الداخل، علاوة على حلقة حديدية إلى جانب. الحجرة، الخالية تماماً من الزخارف، قطرها حوالي ثلاثة أمتار، بعلوّ أربعة أمتار للسقف ذي الشكل المقوّس قليلاً. ثمّة نافذة صغيرة، تحت السقف مباشرة ً، مدعّمة بشبّاك معدنيّ. سبع حجرات في كلّ ردهة، يتوسطها فسحة سماويّة ترتفع إجمالاً إلى علوّ سقف المدرسة وتقوم على أربع أعمدة حجريّة، مزخرفة بالجبس في تيجانها. خشب الأرز، المُشكّل القاعدة الخشبيّة لدرابزين الدور الثاني، فيه نقوش قليلة. بعض الحجرات متداخلة بعضها ببعض، ولكلّ منها مصطبة عالية للفراش إضافة للممرّ الواطيء.
مدخل الدور العلويّ مقوّسٌ، يُفضي إلى ممرَيْن درجاتهما من الزليج الملوّن، وهما بأسقف مقنطرة. ما ان نصل إلى الطابق الأعلى، حتى ينفتح ممران جديدان، إلى اليمين وإلى اليسار. السقف الخشبيّ ضيّق، فيه فتحة منور. ثمة نافذة مقوّسة، تطلّ على حجرة المدخل الأرضيّ، من الجصّ المزخرف بوحدات نباتيّة ثم إطار مُرقش بالآيات الكريمة. وإلى الحجرة الأولى، المركونة على يمين الممرّ، تهرع خطواتنا كي تعاين ما فيها من جديدٍ مُختلف عن أخواتها في الدور الأرضيّ: الباب والمدخل والأرضية، شبيهة بباقي حجرات الدار. إلا أن الدرجَ، الصاعد إلى الأعلى، جعلني أحزرُ بأنه سيقودني إلى حجرة أخرى. وهذا ما جرى فعلاً. ثمّة، السقف الواطيء جداً كانت أخشابه الرقيقة، المرصوصة بالعرض، تحملُ أسماء بعض زائري المكان ممن ينشدون الخلود أسوةً بها. ثمّ نافذة صغيرة، مطلّة على الخارج، فكوّة أصغر في الجدار المقابل، قد تكون مكاناً لمشكاة الإنارة. غير أن حجرات أخرى، علويّة على شكل السقيفة، كان يتمّ ارتقائها بوساطة عصا مغروسة من طرفيها في زاوية الجدارين، المُقابلين للمدخل. أما وسائل المعيشة، التي كان طالبُ تلك الأزمان يستخدمها، فها هيَ هنا معروضة في إحدى حجرات الدور العلويّ: حصيرة؛ حامل خشبيّ لكتاب الله أو كتاب الدروس؛ كوز الماء للشرب والتوضؤ؛ ريشة كتابة ودواة؛ منقل للتدفئة وللطبخ؛ شمعدان؛ صينيّة نحاسيّة عليها ابريق شاي وعدّته؛ وأخيراً إناء الفخار لطهي الطاجين.
أخرج من مدرسة ابن يوسف، لألفي نفسي في لجة زحام الظهيرة. فما أن تجاوزت تلك العرَصَة، المُحاذية للمدرسة، حتى بدأت الدروبُ الأسواقُ بالضيق. أمشي تحت أسقف من المعدن الرقيق، ثمّ أخرى من جريد النخل تتيح للنور ان يغشى الأرضيّة. قناطر هنا وهناك. مساجد ذات أسوار حجريّة. روائح شواء. أصوات الباعة والمتسوقين والمتسولين. ثمّ عودة إلى باب دكالة عن طريق رياض العروس.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,095,235,359
- مَراكش؛ أشجارٌ، عرائشٌ، بشرُ
- شبّيحة علويّة، شبّيحة كرديّة
- حكاية شبّيح
- لأجل من قامت الثورة..؟
- ماردين؛ مِحَن الأسلاف
- مازيداغ؛ مسالك الأسلاف
- حلب؛ حلول الأسلاف
- الحسكة؛ معسكر الأسلاف
- قامشلو؛ ممرّ الأسلاف
- عامودا؛ منفى الأسلاف
- رأس العين؛ فردوس الأسلاف
- أبو بكر وعلي و.. جورج
- حلم الحاكم
- خالد بكداش؛ طاغية بلا سلطة
- ثيمة الانتقام في السينما الكلاسيكية
- مرشح لجائزة شبيّحة بلا حدود
- سليمو وباسطو وأوجلانوس
- مشعل التمّو؛ شاهداً وشهيداً
- حسن ومرقص: فيلم الفتنة الدينية
- انتخبوا الدكتور عبد الباسط


المزيد.....




- طرح الطبعة الأولى المترجمة من كتاب “نار ودمار” للمؤلف الأمري ...
- للبيع.. لوحة فنية طولها 50 مترا!
- بالفيديو...أول فنانة مصرية تقود سيارة في السعودية
- أميمة الخميس، الفائزة بجائزة نجيب محفوظ 2018
- موسكو تستعد لأول مسابقة في اللغة العربية
- مجلس النواب يصادق على مشروعي قانونين يتعلقان بالضمان الاجتما ...
- إزاحة الستار عن تمثال الكاتب الروسي البارز ألكسندر سولجينيت ...
- المصادقة على مشروع قانون يهم موظفي وزارة الشؤون الخارجية
- بالفيديو... قائمة أهم الأفلام التي عرضت خلال 2018
- بوريطة يتباحث بمراكش مع وزير الشؤون الخارجية الكولومبي


المزيد.....

- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف
- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين
- رجل من الشمال / مراد سليمان علو
- تمارين العزلة / محمد عبيدو
- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - مَراكش؛ زوايا، أماكنٌ، بؤرُ