أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مجدى زكريا - رفقة - امرأة تقية تحلت بروح المبادرة















المزيد.....

رفقة - امرأة تقية تحلت بروح المبادرة


مجدى زكريا

الحوار المتمدن-العدد: 3944 - 2012 / 12 / 17 - 22:03
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


اذا كنت تريد ان تختار زوجة لابنك, فأى نوع من النساء تفضل ؟ هل تبحث عن الجمال الخارجى, الذكاء واللطف, الاجتهاد ؟ ام يهمك البحث عن صفات اخرى ؟
مر ابراهيم ابو الانبياء بوضع كهذا. فقد وعده الله بأن يغدق البركات على المتحدرين منه بواسطة ابنه اسحاق. ولكن عند مراجعة القصة, نرى ان ابراهيم كان طاعنا فى السن وابنه لا زال عازبا. وبما ان اسحاق سيشارك زوجته المقبلة وأولادهما البركات الالهية, يسعى ابراهيم الى ايجاد زوجة مناسبة لابنه. وأهم ما يركز عليه فى البحث عن هذه الزوجة هو ان تكون خادمة لله. ولكن لن يستطبع ابراهيم العثور على زوجة كهذه فى كنعان حيث يسكن, لذلك عليه ان يبحث عنها فى مكان اخر. والفتاة التى وقع عليها الاختيار فى نهاية المطاف هى رفقة. فكيف تمكن ابراهيم من ايجادها ؟ هل كانت امرأة روحية ؟ وماذا نتعلم من التأمل فى مثالها ؟
يرسل ابراهيم كبير خدم بيته, أليعازر الدمشقى على الارجح, الى بلاد ما بين النهرين البعيدة لانتقاء زوجة لاسحاق من بين اقارب ابراهيم الذين يعبدون الله. وبما ان المسألة فى غاية الجدية و يستحلف ابراهيم اليعازر ألا يأخذ لاسحاق زوجة من بنات الكنعانيين. واصرار ابراهيم على ذلك امر جدير بالملاحظة.
بعد الوصول الى المدينة حيث يسكن اقارب ابراهيم, يجلب اليعازر جماله العشرة الى بئر ماء. تخيل المشهد : هاهو اليعازر يصلى وقت المساء قائلا : " ها انا واقف على عين الماء وبنات اهل المدينة خارجات ليستقين ماء, فليكن ان الفتاة التى اقول لها أميلى جرتك لاشرب فتقول اشرب وانا اسقى جمالك ايضا هى التى عينتها لعبدك اسحاق ".
لابد ان نساء ذلك العصر عرفن ان الجمل الظمان (من الظمأ) يمكن ان يشرب كمية هائلة (حتى الى 100 لتر) من الماء, لذلك فأن المرأة التى التى تعرض جلب الماء لعشرة جمال تكون مستعدة للقيام بعمل يتطلب الجهد والعناء. وفعلها ذلك على مرأى من الاخرين دون ان يمد لها احد يد المساعدة لدليل واضح على نشاطها, صبرها, تواضعها, واهتمامها بالانسان والحيوان.
فماذا يحدث ؟ " اذ كان لم يفرغ بعد من الكلام اذا رفقة التى ولدت لبتوئيل ابن ملكة امرأة ناحور أخى ابراهيم خارجة وجرتها على كتفها. وكانت الفتاة حسنة المنظر جدا وعذراء . . . فنزلت الى العين وملأت جرتها وطلعت. فركض العبد للقائها وقال اسقينى قليل ماء من جرتك. فقالت اشرب ياسيدى, وأسرعت وانزلت جرتها على يدها وسقته ". - تكوين 24.
رفقة, حفيدة اخى ابراهيم, فتاة جميلة ومهذبة. وهى لا تمتنع عن التكلم مع الغرباء لكنها فى الوقت نفسه تلزم حدودها, وعندما لايطلب منها اليعازر ان تسقيه, تصنع اليه هذا المعروف عاملة بذلك وفق اصول اللياقة المتبعة انذاك. ولكن ماذا عن المسألة الثانية التى صلى اليعازر من اجلها ؟
تقول رفقة : " اشرب يا سيدى ". ولكنها لا تكتفى بذلك بل تتابع قائلة : " استقى لجمالك ايضا حتى تفرغ من الشرب ". فهى تعرض عليه اكثر مما هو متوقع. وبكل نشاط وطيبة خاطر, تفرغ جرتها فى المسقاة وتركض ايضا الى البئر لتستقى. فتستقى لكل جماله. انها حقا فتاة عالية الهمة. اما اليعازر فقد كان يتفرس فيها صامتا, حسبما تقول الرواية.
عندما يعلم اليعازر ان الشابة من انسباء ابراهيم, يسجد للرب شاكرا اياه. ويسأل ان كان فى بيت ابيها مكان ليبيت فيه هو والذين معه. فترحب بهم رفقة وتسرع الى البيت لتعلم عائلتها بقدوم الزائرين.
بعد سماع قصة اليعازر يدرك لابان اخو رفقة وبتوئيل ابوها ان الله بدا فى هذه المسألة. فمن الواضح ان رفقة ستكون الزوجة المناسبة لاسحاق. فيقولان : " خذها واذهب ". فلتكن زوجة لابن سيدك كما تكلم الرب ".
ولكن ماهو رأى رفقة ؟ هل ترضى الذهاب مع الرجل على الفور عندما يسألها ذووها عن الامر ؟ نعم, فهى تجيب بكلمة واحدة : " أذهب ". وهكذا توافق على الزواج مع انها غير مجبرة على ذلك. فقد سبق ان أكد ابراهيم لأليعازر انه برئ من حلفه فى حال " لم تشأ المرأة " الزواج. لكن رفقة ايضا ترى يد الله فى هذه المسألة. ودون توان, تترك عائلتها للتزوج برجل لم تره قط. فيا لهذا القرار الشجاع من اعراب رائع عن الايمان. انها حقا الاختيار الصائب.
عند لقاء اسحاق, تغطى رفقة وجهها بالبرقع دليلا على خضوعها. فيأخذها اسحاق زوجة له ويقع فى حبها بسبب صفاتها الرائعة.
تبقى رفقة عاقرا طوال 19 سنة تقريبا. ولكنها تحبل فى النهاية بتوأمين ويتعثر حملها لأن الولدين يتزاحمان فى بطنها, مما يجعلها تصرخ الى الرب. وبامكاننا فعل الامر نفسه فى اوقات الشدة التى نمر بها فى حياتنا. يسمع الله صلاة رفقة ويطمئنها قائلا : " فى بلطنك امتان . . . وكبير يستعبد لصغير ".
قد لا تكون هذه الكلمات السبب الوحيد الذى يجعل رفقة تحب ابنها الاصغر يعقوب اكثر من اخيه. فالصبيان مختلفان ؛ يعقوب رجل لا لوم عليه, اما عيسو فهو شخص يستخف بالامور الروحية لدرجة انه مقابل وجبة طعام واحدة, باع يعقوب بكوريته, حقه فى ان يرث وعود الله. وزواج عيسو بامرأتين حيثيتين يظهر قلة تقديره للامور الروحية وازدراءه بها, مسببا مرارة نفس لوالديه.
لا يذكر الكتاب المقدس ان كان اسحاق قد عرف ان عيسو سيستعبد ليعقوب. ولكن رفقة ويعقوب كليهما يعلمان ان البركة ليعقوب. لذلك تتخذ رفقة اجراء فوريا حين تسمع ان اسحاق ينوى مباركة عيسو عندما يعود اليه بطعام مما يصطاده. فلا تزال رفقة تتحلى بروح المبادرة والغيرة تماما كما كانت فى عز شبابها. فـتأمر يعقوب ان يجلب لها جديين من المعزى لكى تعد طعاما لزوجها كما يحب. وتطلب من يعقوب ان ينتحل شخصية عيسو لينال البركة. لكنه يرفض ذلك خوفا من ان يكتشف ابوه الامر ويلعنه. الا ان رفقة تصر قائلة : " لعنتك على يا ابنى ". ثم تعد الطعام, وتجعل يعقوب يتنكر وترسله الىى ابيه.
لا نعرف لماذا تصرفت رفقة بهذه الطريقة. وكثيرون يعترضون على ما فعلته, لكن الكتاب المقدس لا يذكر ان الله ادان رفقة. كما انه لا يشير ان اسحاق لامها على ذلك عندما اكتشف ان يعقوب هو الذى تلقى البركة, بل اسهب فى مباركة يعقوب.وبما ان رفقة تعرف ان الله تفوه بنبوة تتعلق بولديها, لذلك حرصت ان ينال يعقوب البركة التى تحق له. فمن الواضح ان تصرفها هذا منسجم مع مشيئة الله.
تعلم رفقة ان عيسو عازم على قتل اخيه, فتعمل على احباط خطته بحث يعقوب الى الهرب الى ان يهدأ غضب اخيه. وتطلب موافقة اسحاق على ذهاب يعقوب دون ان تذكر ما ينوى عيسو فعله. وهى تفعل ذلك بلياقة معبرة لزوجها عن خوفها من ان يتزوج يعقوب فتاة كنعانية. وهذا بحد ذاته سبب كاف يدفع اسحاق ان يطلب من يعقوب تجنب زواج كهذا, ويرسله الى عائلة رفقة بحثا عن امرأة تخاف الله. لا نعرف هل رأت رفقة يعقوب ثانية, لكننا نعرف ان افعالها جلبت لأمة اسرائيل المقبلة بركات جزيلة.
لا شك ان اعجابنا برفقة ازداد بعد ان تعرفنا بها عن كثب. فقد كانت جذابة جدا, لكن جمالها الحقيقى برز فى تعبدها لله. وهذا ما كان ابراهيم يركز عليه فى البحث عن زوجة لابنه. وقد فاقت صفاتها الجميلة الاخرى كل امال ابراهيم. نعم, ان ايمان رفقة وشجاعتها فى اتباع التوجيه الالهى وغيرتها, احتشامها, واعرابها عن روح الضيافة ميزات يحسن بجميع النساء ان يتحلين بها. هذه الصفات التى يرغب الله ان تمتلها المرأة المثالية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,478,797,112
- لماذا نحن هنا ؟
- سيدة الصحراء السورية ذات الشعر الفاحم
- انكار الله فى القرن العشرين
- جذور الالحاد
- على اى اساس نبنى حياتنا ؟
- قوة اللسان
- يعقوب وعيسو - قصة للتأمل
- اى طابع يتخذه عيد الميلاد ؟
- هل يحق ان يتعاطى رجال الدين السياسة ؟
- كلمات وطرائف ونكات
- من الملوم ؟
- المرأة مكرمة فى عينى الله (3)
- شجرة النخيل
- هل يهتم الله بالمرأة ؟ (2)
- المرأة فى المجتمع الذكورى (1)
- كون صورة شاملة عن المسألة
- يمكن ان تكون المظاهر خداعة
- ميانمار - الارض الذهبية
- ساعات الخليقة الخفية
- هل الزواج السبيل الوحيد الى السعادة ؟


المزيد.....




- إعلام: إسرائيل تقصف قاعدة عسكرية للجبهة الشعبية على الحدود ا ...
- بيان مشترك: السعودية والإمارات تستنكران حملات التشويه التي ت ...
- السعودية تعترض ستة صواريخ وطائرتين مسيرتين من اليمن
- غريزمان المنضم حديثا لبرشلونة يعوض غياب ميسي المصاب
- وسائل إعلام لبنانية: غارات إسرائيلية تستهدف الحدود اللبنانية ...
- بيان سعودي إماراتي مشترك حول الأحداث في اليمن
- The Dissertation Writing Help Game
- British Papers for Children and Students – Papers Topics at ...
- Hearsay, Deception and Uk Based Essay Writing Service
- The Forbidden Facts Regarding Best Are Online Paper Writing ...


المزيد.....

- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مجدى زكريا - رفقة - امرأة تقية تحلت بروح المبادرة