أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ميشيل نجيب - المدينة الفاضلة والأديان السماوية















المزيد.....

المدينة الفاضلة والأديان السماوية


ميشيل نجيب

الحوار المتمدن-العدد: 3943 - 2012 / 12 / 16 - 14:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إن الصراعات والصدامات التى أحتدمت فى المجتمع المصرى وتغذيها المشاعر الدينية لإقرار دستور قائم على الفكر الدينى، الذى يسلب حقوق مختلف الطبقات والفئات المجتمعية وينزع عنهم هويتهم المصرية هو دستور لا يصلح لعصرنا الحديث ولا لدولة ذات حضارة مثل مصر، إن الأعتقاد بأن الأديان الغرض منها تأسيس مدينة فاضلة تحكمها شرائع دينية هى مجرد تخيلات تستعيد التاريخ العتيق لتخلق منه واقع يتخلف عن العصر والإنسانية جمعاء، إذن نحن فى حاجة إلى دستور بشرى يحترم حرية وكرامة الفرد وتتعامل معه كأنسان له حقوق وعليه واجبات فى دولة إنسانية وليس فى دولة سماوية، فالمدينة الفاضلة لأفلاطون والفارابى لا وجود لها ولم يبشر بها أى إله سواء كان سماوى أو أرضى، فاليوتوبيا أو المجتمع الفاضل لم يستطيع رجال الأديان أو الحكام الذين حكموا بأسم الدين تطبيقها أو العمل بها لأنها مجرد أفكار خيالية، فالأمثلة التاريخية الماثلة أمامنا تمتلئ بسفك الدماء وأنتشار الفتن والصراعات الدينية الدموية وموت هؤلاء الحكام قتلاً والتمثيل بجثثهم ، والخطأ الذى لم يدركه هؤلاء أن حكم المجتمعات بأسم شرائع الأديان هو أكبر خطأ وقعوا فيه، لأن شرائع الأديان هى مجموعة من القواعد الأخلاقية لتبصير المؤمنين بخطورة الجرم والخطيئة المقدمين على إرتكابه، وعليهم الأمتناع والتحفظ فى سلوكياتهم اليومية حتى لا يقعوا فى تلك الشرور التى تعطى الأديان مجرد صورة رمزية للكيفية التى يمكن المجازاة والعقاب عليها.

لم يذكر أى إله أنه سيطبق على الأرض وعلى الشعوب شرائع وحكام وسلاطين لإقامة المجتمعات الفاضلة،لأن تلك الكتب المقدسة لأصحابها تحتوى على مجرد أفكار مثالية تذكرهم بالمدينة الفاضلة السماوية " الجنة أو الملكوت" التى سيتمتع بدخولها كل من يمتلك تلك الأخلاق الدينية وستقيه من الوقوع فى الخطايا والشرور، فالآلهة مهما كان أسمها وصفاتها لم تطلب من أتباعها إجبارياً السلوك بشرائع ووصايا إجبارية، بل هى وصايا أخلاقية تدعو المؤمن للسلوك الحسن وعدم ظلم الآخر أو الأعتداء عليه أو على حقوقه وحرياته، وهى وصايا لا إجبار فيها وسيتم العقاب عليها فى الآخرة التى يؤمن بها المؤمنين، لكننا فى الوقت نفسه لا يمكن أن نقول أن الآلهة تطلب من المؤمنين إجبارياً مطاردة المخالفين فى الدين وإرهابهم وسفك دماءهم لأنهم رفضوا الإيمان بذلك الإله أو ذاك الدين، وإلا أعتبرنا تلك الآلهة آلهة عدوانية يسعدها سفك الدماء ولا تؤمن بالعدل أو لا تعطى حرية الأختيار للإنسان فى فعل الخير أو الشر حتى تحاسبه عليه فى الآخرة.

من لا يؤمن بأى إله هذه حريته ويتحمل مسئولية تلك الحرية تماماً مثل الذى يؤمن بإله ما هذه أيضاً حريته يمارسها كما يشاء، لأن عدم إيمان بعض البشر عقابه حسب المؤمنين هو فى الآخرة ومن المستحيل أن تعطى تلك الآلهة الغيبية سلطانها للبشر ليحاكموا بعضهم البعض كما يشاءوا وحسب إنفعالاتهم ومشاعرهم التى تحتمل الصواب والخطأ الأكيد، لأن العقل والمنطق يقول أن تلك الآلهة من المستحيل أن تجبر إنسان على السلوك حسب وصاياها وإلا أصبحت آلهة ظالمة دكتاتورية لا تعرف العدل وحرية الأختيار وحقوق البشر الطبيعية كأفراد فى مجتمعات لها أحتياجات تتطور مع تطور الحياة الإنسانية، فالإنسان الفرعونى والبابلى والبربرى والجاهلى كانت له أحتياجات تختلف عن أحتياجات إنسان العصور الوسطى ووقتمنا الحاضر حيث تطورت الحياة وتعقدت ولم تعد حياتنا اليومية تعتمد على زراعة الأرض وأكل التمر والزبيب وشرب النبيذ مثل مجتمع الفراعنة أو رعاية الأغنام وشرب القهوة وحليب الناقة مثل المجتمع البدوى، لقد كانت مجتمعات بدائية الفكر والمعتقد لكثرة القصص والأساطير التى كانوا يتناقلونها.

إن مستقبل مصر وأولادها وغيرها من الشعوب ليس موضع رهان فى حلبة سباق عقائدية تنفى الآخر وتكفره وتستحل دمه، إذا كانت توجد آلهة حقاً فإنه يكون من الجنون تصديق أنهم أنزلوا مثل تلك الشرائع والعقائد منذ نشأة اليهودية ثم المسيحية والإسلام، تلك العقائد التى تنشر الرعب فى نفوس الشعوب المجاورة وإعلان الحرب عليهم بحجة غبية أسمها سيادة الشعوب المختارة من تلك الآلهة على بقية الشعوب الأخرى الأشرار، وهى حجة إستعمارية عنصرية نازية لإستحلال دماء المخالفين وأستعبادهم والأستيلاء على أرضهم وأموالهم وبناتهم وزوجاتهم، وهذا هو الواقع المرير الذى رأيناه بأعيننا فى أفعال وكتب المؤمنين بتلك الأديان التى يقولون عليها سماوية، لأن شعوب تلك الأزمنة كانت عاجزة العلم والمعرفة عن الوصول والصعود إلى تلك السماء التى لا يوجد بها شئ، لذلك أعتبرها أديان فضائية لا وجود فيها لآلهة وإنما لخيالات بشر تكونت عبر تراكم الأساطير الإنسانية.

المستحيل هو الإيمان بإله يقوم أتباعه ليل نهار برفع سلاح التكفير والتحريض والإرهاب وصب اللعنات على الآخر ويطلبوا من إلههم بخراب بيوت المخالفين لهم لأنهم كفار به، فى الوقت الذى يبدو أنه إلهاً عاقلاً ولم يستجيب إلى هؤلاء المرضى بالسلطة وكراسى الحكم لأنها لعنات وتكفيرات لا منطق لها عند الآلهة التى لا وجود لها ولا عند البشر الذين يستخدمون العقل قبل النطق بكلام الضعفاء الذى يصيب أنفسهم فقط بالبغضاء للآخرين مصدقين ومعتقدين أن هناك إله سيستمع إليهم وأنه يطلب منهم حقاً تلك المشاعر والأفعال التى تتناقض مع منزلة إله غفور رحيم قادر على كل شئ حسب أعتقادهم ثم يناقضون أنفسهم ويصدقون أنه يطلب منهم الدفاع عنه بإشهار السلاح وقتل وسفك دماء كل من يعارضهم ويعارض معتقداتهم.
إن ما يجرى من أستفتاء على دستور يثير الأنقسامات المتوالية والمتزايدة وسيقود مصر وشعبها إلى طريق الخسارة سواء كانت النتيجة نعم أو لا، إن الرجوع إلى الحق فضيلة يعنى الأعتراف بضرورة وجود دستور يعكس المطالب الإنسانية اليومية للتسعين مليون مصرى، وهو أمر يحتاج إلى مفكرين وخبراء وعلماء يقدمون خبرتهم لوضع دستور مثل هذا وليس كما حدث فى الجمعية التأسيسية التى لا تمثل إلا مجموعة محدودة من المصريين لا خبرة لديهم ولا علم فى وضع دستور يليق بدولة تعيش فى عصرنا الحديث، دستور يوحد الشعوب ويرسى قيم المواطنة والمساواة بين الجميع لينتصر العقل على المشاعر السلبية فى هذا الجو المشحون بالعداء والتى يتصاعد لهيبها وتثير الفتنة والكراهية فى المجتمع.

إن الحوار سيكون المطلب الحقيقى فى المرحلة القادمة ويستدعى وجوده وجود أفراد حكماء يتصفون بالحياد وإعلاء مصلحة مصر وشعبها فوق المصالح الشخصية والحزبية والسياسية، فهل ما زال يوجد بمصر حكماء يقودونها إلى بر السلامة لتظل مصر لجميع المصريين؟





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,324,203,705
- لا للدستور التكفيرى
- مأساوية أنتحار النظام
- تأسيسية دستور الكوارث
- مغامرات سياسية دكتاتورية
- متى تسقط دكتاتورية الطظ المرسية؟
- الحاكم بأمر الإخوان
- التحرش الجنسى والنرجسية العربية
- التحرش الجنسى فى أحتفال أوباما
- الثقافة الزائفة فى مجتمعات اليوم
- المنتدى الإجتماعى وأستمرار الفقر والتخلف
- طوفان الغضب محاولة لتفسير التفسير
- الهوس الدينى المتجدد
- الفضيحة الإيرانية و الرئاسة المصرية
- الحرية وطريق التحرر
- لا طائفية بدون سماح النظام
- الإرهاب وسطوة الفكر الدينى
- سيناء بين الحقيقة والتضليل
- غزوة الإخوان التقاعدية
- ترشيد البشر لتوفير الكهرباء
- ظلام الديموقراطية الجديدة


المزيد.....




- انفجار محولات كهربائية يحول الظلام في تكساس لعرض ضوئي مبهر
- داخل حمام كيم كارداشيان.. مغسلة من -عالم آخر-
- ردود فعل تستنكر الانفجارات الدامية في سريلانكا
- قرقاش: غدت قطر تتمسك بصعوبة مع ما تبقى من علاقاتها العربية و ...
- صور.. ضيفة غريبة ميتة على شاطئ رفح
- المجلس العسكري الانتقالي في السودان يجدد التزامه بتسليم الحك ...
- ترامب يرتكب خطأ جسيما في أول تعليق له بشان تفجيرات سريلانكا ...
- صحف عربية: صفقة القرن بين -الرفض السلبي- وحل الدولتين-
- ترامب يرتكب خطأ جسيما في أول تعليق له بشان تفجيرات سريلانكا ...
- الخارجية الروسية : هجوم سريلانكا يؤكد الحاجة لتوحيد الجهود ل ...


المزيد.....

- المنظور الماركسى الطبقى للقانون - جانيجر كريموف / سعيد العليمى
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الخامس / ماهر جايان
- عمليات الانفال ،،، كما عرفتها / سربست مصطفى رشيد اميدي
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الرابع / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الثاني / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الأول / ماهر جايان
- الحق في الاختلاف و ثقافة الاختلاف : مدخل إلى العدالة الثقافي ... / رشيد اوبجا
- قوانين الجنسية في العراق وهواجس التعديل المقترح / رياض السندي
- الأسباب الحقيقية وراء التدخل الأمريكي في فنزويلا! / توما حميد
- 2019: عام جديد، أزمة جديدة / آلان وودز


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ميشيل نجيب - المدينة الفاضلة والأديان السماوية