أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - عبدالوهاب حميد رشيد - اقتصاد القرن الحادي والعشرين- الفصل الثامن















المزيد.....



اقتصاد القرن الحادي والعشرين- الفصل الثامن


عبدالوهاب حميد رشيد

الحوار المتمدن-العدد: 3942 - 2012 / 12 / 15 - 11:42
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


ترجمة:حسن عبدالله (و)عبدالوهاب حميد رشيد
الفصل الثامن
اقتصاد السوق الداخلي
رُسل ل. أكوف، جامعة بنسلفانيا
Rusell L. Ackoff, Professor Emeritus, University of Pennsylvania,

إن حالة الممارسة الإدارية اليوم تكشفها حقيقة أن هناك حلولاً (أو معالجات) أكثر من المشاكل. تخفيض حجم العمالة، إعادة الهيكلة، إدارة النوعية الكاملة total quality management (TQM)، القياس benchmarking، التزود بالمستلزمات من خارج فروع الشركة المعنية outsourcing، تخطيط مشاهد scenario planning، وغيرها، لا تمثل سوى قائمة جزئية للحلول المتداولة في هذه اللحظة. ومع ذلك، هناك أدب متزايد حول فشلها. الدراسات المعروفة التي قام بها آرثر د. ليتل Arthur D. Little وارنست Ernst ويونغ Young حول المنشآت أظهرتْ أن جهود حوالي ثلثي الإدارة النوعية الكاملة TQM كانت مخيبة(1). وتبين دراسات أخرى أن معظم جهود سياسة تخفيض الحجم تؤدي إلى زيادة التكاليف أخيراً(2).
الحاجة للنظر إلى المنشآت كأنظمة
المعالجات تفشل لأنها غير شاملة antisystemic. النظام هو كيان كامل لا يمكن تقسيمه إلى أجزاء مستقلة. وصفاته الجوهرية (التي تعّرفه) يتم اشتقاقها من تفاعل أجزائه، ولا تؤخذ أفعال هذه الأجزاء بصورة منفصلة. إذا ما تم تفكيك أي عربة، مثلاً، فإنها تفقد كافة صفاتها الجوهرية حتى وإن تم حفظ كافة أجزائها في مكان واحد. فالعربة المفككة إلى أجزاء لم تعد عربة لأن هذه الأجزاء المفككة لا تستطيع العمل كعربة.
كافة المعالجات تتعامل مع أجزاء أو جوانب نظام ما مأخوذةً بشكل منفصل. ويتبين، حينما نحسّن أجزاء نظام ما مأخوذةً بشكل منفصل، بأن أداء النظام ككل لا يتحسن إلاّ نادراً. وهذا يمكن إثباته بشكل صارم في علم النظام system scienc، ولكن ذلك غير ضروري. يمكن لمثال واحد أن يفعل ذلك.
افترض أننا نجمع في مكان واحد عربة من كل نوع من الأنواع المتاحة في الولايات المتحدة. ثم نأتي بمجموعة من أفضل مهندسي العربات ليحددوا العربة ذات الماكنة الأفضل، والناقل الأفضل، والموزع الأفضل، وهكذا إلى حين تحديد الجزء الأفضل بالنسبة لبقية الأجزاء الجوهرية من العربة. ثم افترض أننا نقوم بفصل هذه الأجزاء عن عرباتها الأصلية ونجرب تجميعها في عربة واحدة تضم أفضل الأجزاء المتاحة. لن نحصل حتى على أي عربة، دعْ عنك أفضل عربة، لأن الأجزاء المجمَّعة لا تتوافق.
ماذا نستطيع أن نستنتج؟ يعتمد أداء نظام ما على كيفية تفاعل أجزائه، وليس على الأداء المنفرد للأجزاء. ومع ذلك، فالمعالجات المطبقة في الوقت الحاضر تركز على تحسين الأجزاء التي تؤخذ بمعزل عن النظام، التي هي جزء منه. وهذا العمل قد يحّسن أداء الجزء، ولكنه نادراً ما يحسّن أداء النظام ككل.
المشكلة الأساسية الأخرى تكمن في التمييز الذي استنبطه بيتر دروكر Peter Drucker بين عمل الأشياء بصورة صحيحة وعمل الشيء الصحيح. أداء الشيء الصحيح بصورة خاطئة أفضل من أداء الشيء الخاطئ بصورة صحيحة. كلما عملنا الشيء الخاطئ بصحة أكبر، فإنه يصبح أكثر خطأ. مثلاً، نحن نستمر بصرف مبالغ أكثر وأكثر على أساليب مهجورة للتعليم والرعاية الصحية ولا ننجح إلاّ في جعلها أكثر سوءً. ولكن إذا فعلنا الشيء الصحيح بصورة خاطئة، عندئذ تكون لدينا فرصة التعلم من خلال اعترافنا بالخطأ وتصحيحه في المرة القادمة.
هناك أمثلة أخرى كثيرة على عمل الشيء الخاطئ بصورة صحيحة، كما في زيادة الكفاءة ونحن نتابع أهدافاً خاطئة. ومن الواضح، مثلاً، أن العربة هي حل مختل وظيفياً لمشكلة النقل في المناطق الحضرية. إن زيارة أكبر المدن الرئيسة- مكسيكو سيتي، سانتياغو، كاراكاس، أو نيويورك، مثلاً- تكشف السبب. عانت مكسيكو سيتي مؤخراً من ازدحام المرور على نحو عطّلَ آلاف السيارات لساعات، مات خلالها عدد من الأشخاص لعدم القدرة على تقديم الرعاية الصحية لهم. أطفال المكسيك غالباً ما يتم إبقائهم في البيت، وعدم إرسالهم للمدرسة، لأن تلوث الهواء يجعل المشي خطراً عليهم خارج المنزل. ماتت الأشجار في منطقة Avenida de Reforma الجميلة بسبب التلوث ذاته.
تعمل العربة تدريجياً على تدمير نوعية الحياة الحضرية حول العالم. السيارات صُممَّت لنقل 4-6 أشخاص لكنها تنقل 1.2 في المتوسط. صُممَّت على أساس سرعة تزيد على 100 ميل في الساعة لكنها تسير في المدن بمعدل حوالي 17 ميل في الساعة. الركاب يجلسون في الأمام في حين أن سلامتهم تكون أكبر عند جلوسهم في الخلف. ومع ذلك، نستمر بتحسين العربات كما هي قائمة حالياً، وهكذا نستمر بأداء العمل الخاطئ على نحو أصح.
تهتم كافة المعالجات بإحداث تغييرات في النظام القائم، أي الإصلاح reform. وعلى النقيض، أريد التحدث عن التغيير في طبيعة النظام ذاتها- التحويل transformation. هناك اختلاف جوهري بين إصلاح نظام قائم وبين تحويله. الإصلاح لا يُنتج سوى صورة معَّدلة للنظام القائم. أما التحويل، فيُنتج نظاماً مختلفاً من حيث شكله ووظيفته.
نظرة شاملة لاقتصاديات قطاع الأعمال
تواجه المنشآت عدداً من المشاكل لا يمكن التعامل معها من خلال معالجة واحدة أو مجموعة من المعالجات، ولكن يمكن معالجتها بشكل فعال من خلال تحويل المنشأة إلى منشأة ذات اقتصاد سوق داخلي. الحاجة الواضحة لتخفيض حجم العمالة downsizing والقياس benchmarking لا وجود لها في هذا الاقتصاد. إنه يلغي الحاجة إلى استخدام الإدارة النوعية الكاملة TQM لتحسين النوعية، والحاجة إلى عملية إعادة الهندسة لزيادة الإنتاجية. إزالة هذه الاحتياجات أفضل كثيراً من محاولة معالجة المشاكل التي تخلقها.
إن الكثير من المشاكل، التي تتصدى لها المعالجات، تأتي من حقيقة أن معظم الوحدات في إطار المنشآت لا تحصل على دخلها ممن تخدمهم، بل أنها تأخذ إعانات مالية من فوق. فمثلاً، المِلاك الوظيفي، والتمويل، ووحدات معالجة البيانات، هي أمثلة على الوحدات التي لا تقبض مباشرة من الجهات التي تخدمها. بل يتم دفع ميزانيتها من فوق، من الأرصدة التي تم تحصيلها في شكل ضرائب على الجهات التي خدمتها، وكأنها وكالات حكومية. هناك نتيجتان رئيستان. أولاً، الوحدات العاملة لا تستجيب بحماس للجهات التي تخدمها قدر استجابتها لتلك التي تقدم إليها المنحة. ثانياً لأنها احتكارات تتلقى مساعدات، فهي تميل للعمل البيروقراطي. والأجهزة البيروقراطية تنمو دون حدود لأنها تعتقد بأن ذلك يوفر لها حماية قصوى ضد سياسة تخفيض الحجم. ومع ذلك، فالحقيقة هي أنهم يعظمون الحاجة إلى هذا التخفيض لأن طريقتهم الرئيسية في النمو هي العمل المصطنع make-work، العمل الذي يخلو من الفائدة.
الحاجة إلى تخفيض الحجم يمكن إلغائها عملياً بتحطيم الاحتكارات البيروقراطية الداخلية، وهذا يمكن تحقيقه بتحويل الاقتصاد الداخلي للمشروع من اقتصاد مخطط ومسيطَّر عليه مركزياً إلى اقتصاد سوق. على المستوى الوطني (الاقتصاد الكلي)، نحرص على السعي نحو اقتصاد سوق، كما تمت صياغته أصلاً من قبل آدم سمث في كتابه ثروة الأمم. ولكننا على مستوى المشروع (الاقتصاد الجزئي)، نستخدم عادة نفس النوع من النظام الاقتصادي الذي استخدمته الاتحاد السوفيتي قبل تحولها- نظام مخطط ومسيطَّر عليه مركزياً.
وغالباً ما يجري تسويغ عدم الانسجام الداخلي هذا باللجوء إلى الفرق في الحجم بين الدولة الوطنية وبين حتى منشأة ما كبيرة. ولكن هذا هراء. وكالةAssociated Press شخّصت مؤخراً الاقتصاديات ألـ 20 الأكبر في العالم، 6 منها كانت منشآت. شركة AT&T لها اقتصاد أكبر من اقتصاديات أكثر من 100 دولة. لا علاقة للحجم بهذا الأمر. السبب الحقيقي لعدم الانسجام الداخلي هذا هو أن المديرين التنفيذيين لمؤسساتنا ومشروعاتنا الخاصة والعامة لا يرغبون بالتنازل عن قوتهم للغير. ولسوء الحظ، فقد تَعلْمنا أنه كلما كان المرءوسون أكثر تعلماً، كان التسلط power-over أقل تأثيراً كوسيلة لحملهم على فعل ما نريد. إن ممارسة التسلط power-over هي استخدام الأوامر والسيطرة؛ ولكن ممارسة التفاعل power-to هي أن تقود.
اقتصاد السوق الداخلي يتطلب التقليل من تسلط التنفيذيين executive power-over، وزيادة التفاعل power-to، وأن ذلك يمكّن التنفيذيين من الإدارة بشكل شامل systemically، أي إدارة التفاعلات بين الوحدات بدلاً من إدارة أفعالها مأخوذةً بشكل منفصل. وبدون هذه التغييرات، فإن من الصعب أكثر وأكثر على المشروعات أن تتنافس بفعالية في الاقتصاد العالمي التنافسي والمضطرب بصورة متزايدة.
اقتصاد السوق الداخلي
ما هي ملامح المنشأة التي تحولت من اقتصاد مخطَّط ومسيطَّر عليه مركزياً إلى آخر يقوم على سوق حرة؟
أولاً، كل وحدة تقريباً، بما في ذلك المكتب التنفيذي، تصبح مركزاً ربحياً a profit center. الاستثناء هي تلك الوحدات التي لا يمكن، لسبب أو آخر، السماح لها بخدمة الزبائن الخارجيين؛ كسكرتارية الشركة وقسم التخطيط في الشركة. تُعامل هذه الوحدات كمراكز تكلفة، ولكنها محسوبة على مراكز ربحية.
إن مطلب أن تكون معظم الوحدات مراكز ربحية لا يعني أنها يجب أن تكون مربحة. شركة Corning، مثلاً، احتفظت بشركة Steuben Glass رغم القناعة بانخفاض ربحيتها وذلك لأنها تجلب التقدير الكبير للشركة. جامعة معينة قامت باستخدام اقتصاد السوق الداخلي وأبقت على قسم اللغة رغم حقيقة أن تكاليف خريجيه هي الأكثر في الجامعة. والسبب يعود إلى أن هذا القسم هو أحد أكثر الأقسام هيبةً في العالم. ومن جهة أخرى، تم فصل الأقسام التي كانت مربحة لأن نوعياتها هابطة. ورغم أن الربحية ليست مطلوبة بالضرورة من كل جزء من المشروع، فإن ربحية كل جزء أخذت في الحسبان عند تقييم أدائه وفي تقرير كيفية التعامل معه.
ثانياً، لكل مركز ربح الحرية في بيع إنتاجه لمن يشاء، داخلياً أو خارجياً، وبأي سعر يريد، ولكن هذا يخضع لقيد معين سوف نبينه. وإضافة إلى ذلك، للمركز أن يشتري ما يريد من أي مصدر داخلي أو خارجي. فمثلاً، عند حاجة الوحدة إلى خدمات محاسبية، لها أن تشتريها من مجهِّز داخلي أو خارجي أو أن توفرها بنفسها. ويسري الأمر نفسه على معالجة البيانات، والخدمات الأخرى، وشراء الأجزاء لتجميعها، بل وحتى المنتجات.
ثالثاً، تخضع هذه القواعد لبضع قيود خفيفة. أحد هذه القيود قانوني، ويهدف إلى حماية قدرة المشروع التنافسية. فمثلاً، أثناء الحرب الباردة، منعت حكومة الولايات المتحدة شركة IBM من بيع الحواسيب الكبيرة الفعالة mainframe computers للاتحاد السوفيتي. الشركة التي يمتلك منتَجها طريقة عمل سرية، مثل Coca Cola، لا يُحتمل أن تسمح لأي منتج خارجي بصنعه.
النوع الآخر للقيد محدد أكثر مما هو عام. المسئول التنفيذي لشركة ما يمكن أن يتجاوز قراراً محدداً، لجهة أخرى أقل من مستواه، في مجال شراء أو بيع منتَج أو خدمة من أو إلى مصدر خارجي. ومع ذلك، فعندما يؤدي هذا التجاوز إلى زيادة التكلفة أو تخفيض الربحية للصفقة، فالمسئول التنفيذي الذي اتخذ قرار التجاوز يجب أن يعوض الوحدة المتأثرة عن هذه الخسارة. إنه قرار المسئول التنفيذي ويجب عليه (أو عليها) تعويض الوحدة. وبما أن مكاتب المسئولين التنفيذيين هي مراكز ربحية أيضاً، فعلى هذه المراكز موازنة تكلفة تجاوزاتها مع المنفعة التي حصلت عليها وحدتهم التي هي جزء من المنظمة. وفي الواقع، فإن ممارسة التجاوز override هو إدارة التفاعلات بين وحدات الشركة، وليست أفعالها المنفصلة.
عندما تريد وحدة داخلية شراء شيء ما من مصدر خارجي رغم وجود المجهِّز الداخلي، يُمنح المجهِّز الداخلي فرصة الدخول في المناقصة وتقديم عطائه. ومع ذلك، للوحدة الاستهلاكية حرية اختيار الوحدة الخارجية حتى وإن عرضَ المجهز الداخلي سعراً أقل. فالسعر ليس السبب الوحيد لاختيار المجهز؛ الأسباب الأخرى هي وقت التسليم، والموثوقية، والنوعية، وما شابه.
إن طلب الأسعار من المجهزين الخارجيين يمكن أن يخلق مشكلة معينة، يمكن وينبغي تجنبها. فإذا تكررَ سؤالهم بتقديم عرض معين للسعر لعطاءاتهم، دون الشراء منهم قط، فهذا قد يثير الشك لديهم بعدم وجود إمكانية للبيع مما يحملهم على رفع أسعار عروضهم بشكل مقصود. ولتجنب هذا الأمر، يفضل إعطاء بعض الأعمال لبعض من هؤلاء، على الأقل، ممن طُلبت أسعارهم.
رابعاً، أحد أبرز الاختلافات بين المنشأة التقليدية وتلك التي تستخدم اقتصاد السوق الداخلي يتمثل في أن كل وحدة في الأخيرة يجب أن تدفع عن كل الخدمات والتجهيزات التي تتسلمها، كإيجار الموقع الذي تشغله، والأهم، الفائدة على رأس المال الذي تستخدمه سواء لأغراض نشاطها الجاري أو الاستثمار. الإدارة العليا تعمل كبنك استثماري لوحدات بمستوى أقل. إنها توفر رأس المال ولكن بتكلفة. إن دفع كافة التكاليف يمكّن كل وحدة من أن تُقيَم باستعمال عائدها من رأس المال المستخدم. الدفع قد يكون على شكل فائدة إذا ما عومل رأس المال المقدَّم كقرض، أو كحصص dividends عند التعامل مع رأس المال المقدَّم كملكية من الأسهم.
خامساً، السماح للوحدات لتُراكم ربحها لغاية حد معين. وضع هذا الحد على أساس تقدير المبلغ الذي تستطيع الوحدة استثماره بحيث يكون العائد مساوياً، أو أكبر، من ذاك المستوى الذي تستطيع الوحدة الأعلى الحصول عليه. ولغاية ذاك الحد، تستطيع الوحدات استخدام النقود المتراكمة بأي شكل تراها مناسبة ما دامت لا تؤثر على أية وحدة، أما إذا أثرت على وحدة أخرى، فالوحدة المتأثرة يجب أن توافق على الاستخدام؛ وإذا لم تفعل، فإن كافة الوحدات المتأثرة يجب أن تذهب بمجموعها إلى أدنى مستوى إداري حيث تتقارب من حل الاختلاف- وهذا، مرة أخرى، إدارة تفاعلات.
النقود التي تراكمت فوق الحد تذهب إلى المستوى التالي الأعلى للإدارة، الذي يدفع الفائدة عليها للوحدة التي جاءت منها هذه النقود. وهذا المطلب يرفع من منزلة الوحدات المربحة cash cows التي تجهز المشروع برأس المال المطلوب من أجل التطوير والنمو.
المكتب التنفيذي كمركز ربح
كما لوحظ سابقاً، فإن المكتب التنفيذي الرئيسي والمكتب التنفيذي لأي وحدة أعمال يعملان كمراكز ربحية. فهي تتحمل تكاليف المِلاك الوظيفي، والخدمات، والتجهيزات، ورأس المال الذي تم تدبيره عن طريق الاقتراض أو الاستثمار، وتكاليف قرارات التجاوز التي أقدمت عليها overriding decisions. إنها تحقق الدخل من الخدمات ورأس المال الذي توفره للوحدات أو الحصص المدفوعة من قبلها dividends. الضرائب الحكومية على ربح الشركات توزع على الوحدات التي تعمل كمراكز ربح على نحو متناسب مع مساهماتها في ذلك الربح.
ولأن المكتب التنفيذي أيضاً يجب أن يعمل كمركز ربح، فإن تكاليفه تميل للانخفاض بشكل مثير في ظل هذا التحول. فمثلاً، عندما أُخذ باقتصاد سوق داخلي في شركةClark Equipment ، انخفضت نفقات الشركة بحدة لانخفاض عدد العاملين في إدارتها الرئيسة من 450 إلى حدود 50. وقد تم إعادة توزيع أولئك الأفراد المزاحين على فعاليات منتجة في الوحدات التابعة للشركة.
المطلب بأن يعمل المكتب التنفيذي كمركز ربح يساعد على ضمان أن ينظر المكتب إلى نفسه كجهة تضيف قيمة value- adding function. إنه يجعل المديرين التنفيذيين واعين لنوعية ومسئولية قراراتهم والخدمات التي يقدمون. وإضافة إلى ذلك، فإن اعتمادهم على أداء الوحدات التابعة أصبح مسألة واضحة وقابلة للقياس.
أمثلة
قام عدد متزايد من الشركات بتنفيذ فكرة الأسواق الداخلية بصورة ناجحة. وسوف أصف بعض أكثر الحالات المثيرة لتوضيح قوة المفهوم.
شركة نفط كبيرة
تملك هذه الشركة أحد أضخم تسهيلات الحاسب الآلي في الولايات المتحدة. أظهرت حسابات التكلفة لديها بأن الشركة ستقوم خلال سنوات قليلة جداً بالإنفاق على الحاسبات الآلية أكثر من إنفاقها على الناس. لم يعلم المدير التنفيذي الرئيسي الجديد CEOفيما إذا كان هذا الأمر جيد أم سيئ. وقد سأل مجموعتي عما إذا كنا قادرين على أن نقرر إن كانت النقود التي تم صرفها على خدمات الحاسب الآلي مسألة مبررة. قلنا، ببساطة، نظن أننا قادرون.
وجدنا أن الحاسبات الآلية استُخدمت بدرجة رئيسة لتحضير جداول للمصافي ونقلها بسفن شحن النفط من الشرق الأوسط إلى المصافي. قمنا بتصميم تقييم عملي وذهبنا لمناقشته مع مديريّ المصافي. وقد أوضحنا بأن بعض هؤلاء المديرين، الذين اختيروا بطريقة عشوائية، سيُطلب منهم تحضير الجداول باليد manually في حين يستخدم الآخرون الجداول التي يعدها الحاسب الآلي. أخبرونا بأن الطلب الأخير غير ممكن لأنهم لم يستخدموا أبداً الجداول التي يعدها الحاسب الآلي بدون تعديل. وقالوا بأن النموذج الذي يستخدمه الحاسب الآلي ترك بعض المتغيرات النوعية الهامة التي كان عليهم أخذها في الاعتبار. لذلك، يقومون دائماً بتعديل الجداول المعطاة لهم والتي يعدها الحاسب الآلي. قلنا لهم إذا حصلنا على سجل بهذه التغييرات، فربما نقدر على الاستمرار بعملنا كما هو مخطط. فأخبرونا بأن التغييرات التي يجرونها تتم يومياً أو خلال يوم وأنهم لم يحتفظوا بسجل لها. وقد واجهنا نفس الحالة عندما تحدثنا مع أولئك المسئولين عن جدولة السفن. بعد عدة شهور من الإحباط الكامل، وجدنا أن من المستحيل تقييم نتائج الحسابات.
ذات يوم، وبسبب الإحباط، لجأنا إلى مبدأ هج Hitch principle. Charley Hitch كان باحث عمليات متميز في شركة RAND خلال وبعد الحرب العالمية الثانية، والذي أخيراً خُفضت درجته إلى رئيس لجامعة كاليفورنيا. قال Hitch ذات مرة: "إذا لم تستطيعوا حل المشكلة التي تواجهونها، فلابد أنكم تواجهون المشكلة الخطأ." فبدأنا بالبحث عن صياغة مختلفة للمشكلة.
وحينما تأملنا ما كنا نفعله، وجدنا، بكل تأكيد، بأننا كنا نحاول تقييم شيء ما استعمله شخص آخر. فمن الواضح أنهم كانوا أقدر منا على التقييم. وهذا قاد إلى صياغة مختلفة للمشكلة واقتراح حل آخر. سألنا المديرَ التنفيذي الرئيسي CEO: "لماذا لا تجعل من قسم الحاسب الآلي في الشركة مركزاً ربحياً؟ دعه يفرض الثمن الذي يريد على مستخدمي خدماته. لكنه يجب أن يكون حراً في اجتذاب الزبائن خارجياً وداخلياً. ومن جهة أخرى، أن يكون مستخدمو خدماته من الداخل أحراراً في الحصول على هذه الخدمات من الخارج عند رغبتهم." حبّذ المدير التنفيذي الرئيسي CEO المقترح وعملَ به.
في الشهور الستة التالية، قام مركز الحاسب الآلي بتخفيض عدد حاسباته إلى النصف. ومع ذلك، فقد استمر المركز بإنجاز كافة الأعمال الداخلية تقريباً لأن الطلب الداخلي انخفض بشدة بعد أن صار على مستخدمي الحاسب الدفع مباشرة عن العمل الذي كانوا يطلبونه. وأصبح للمركز المزيد من الوقت لبيع خدماته إلى الراغبين الخارجيين. ومع مرور الوقت، حقق القسم أعمالاً مربحة من عملية معالجة البيانات، مع تحسين النوعية وتقليل تكاليف خدماته. وهذا التحسين والتخفيض كان ضرورياً لجذب الزبائن والاحتفاظ بهم. المسئول التنفيذي، الذي كانت لديه مسئولية المراقبة بواسطة الحاسب الآلي، لم يعد يقلق على قياس الخدمات المقَّدمة benchmarking؛ إذ أصبحت لديه طريقة تقويم أفضل كثيراً.
مصنع معدات كهربائية
المثال الجيد جداً على قوة فكرة اقتصاد السوق الداخلي، حتى ولو مطبقاً على جزء فقط من شركة معينة، يقدمه مصنع كبير للمعدات الكهربائية والإلكترونية. كانت إحدى وحدات ذلك المصنع تشكل معملاً كبيراً لإنتاج المحركات الصغيرة التي تستعمل كأدوات منزلية كبيرة، على الأكثر. بضع مصانع كبيرة لهذه الأدوات كانت تشتري معظم إنتاجها. وكانت هناك وحدة أخرى تجهّز تجار الجملة للمواد الكهربائية بالأدوات الاحتياطية المستعملة في إنتاج المعدات أساساً. وكان ذلك محركات كهربائية صغيرة. طلبَ المديرون التنفيذيون للشركة من وحدة إنتاج المحركات تجهيز الوحدة الأخرى، ومن الوحدة الأخرى أن لا تستعمل غير إنتاج الوحدة الأولى. ولأن كلاً من الوحدتين كانتا مراكز ربح، فقد تم وضع سعر تحويل بين تلك المحركات. وكانت الحصيلة انهيار ودمار.
وحدة تجهيز تجار الجملة كانت كثيراً ما تحتاج محركات كهربائية، عندما كانت وحدة الإنتاج تعمل بطاقتها، وهي تفضل تجهيز زبائنها الكبار الذين دفعوا سعراً للمحركات أعلى من سعر التحويل. وعليه، فالاستجابة لتوجيهات الشركة كانت تتطلب التضحية بالربح.
ومن جهة أخرى، فإن وحدة تجهيز تجار الجملة غالباً ما كانت تتلقى العروض لمحركات مماثلة من المصانع الخارجية بأقل من سعر التحويل. ولكنها لم تستطع شرائها، مما جعلَ تكاليفها أكثر وأرباحها أقل.
فليس من الغريب أن كل وحدة كرهت الأخرى. وقاد تزايد الكراهية إلى حدوث خلاف صريح اربكَ فعالية الشركة وقدم مثالاً سيئاً لبقية الوحدات. سألنا المديرُ التنفيذي الرئيسي CEO عما إذا كان بإمكاننا إيجاد طريقة للحد من هذا الخلاف بتعديل سعر التحويل. أخبرناه بعدم وجود شيء من قبيل سعر تحويل مناسب fair بشكل ثابت، وبأن أي سعر تحويل من شأنه عاجلاً أم آجلاً أن يخلق مشاكل. واقترحنا عليه أن يسمح لكل وحدة بالشراء والبيع كما تشاء، مع منح المدير التنفيذي الذي ترتبط به كلتا الوحدتان سلطة تجاوز قراراتهما. ولكن يترتب عليه أن يدفع عن زيادة التكلفة أو الربح الضائع بسبب تجاوزاته. وقد وافق المدير على ذلك.
في السنة الأولى، لاحظ مدير المراقبة التنفيذي بأن الوحدتين المقيدَّتين مدينتان بثلاثة ملايين دولار. اجتمع المكتب التنفيذي للشركة، في نهاية العام، لتقييم هذا الإنفاق ووجدَ أنه لم يكن مبرراً؛ وأنه لم يتحقق أي نجاح. تمت إزالة القيود في السنة التالية. وارتفعت ربحية الوحدتين والشركة، وزال الخلاف بين الوحدتين، وأصبحتا متعاونتين تماماً.
جامعة نظرية
طبقت جامعة رئيسة فكرة اقتصاد السوق الداخلي على أقسامها، كما جرت الإشارة إلى ذلك سابقاً. وبالنتيجة، تم إيقاف وحدتين غير مربحتين ودون المستوى العالي، ولكن جرى الاحتفاظ بوحدة أخرى غير مربحة لسمعتها. ومع ذلك، كان لهذا التحول تأثير ضخم على سلوك بقية الأقسام. في السابق، كان النمو هدفاً رئيساً لكافة الأقسام تقريباً لأنها رأت بأن الاستقرار يرتبط إيجابياً بحجم القسم. ولكن حالياً، ولأول مرة، كان عليها أن تقلق بشأن تأثير الحجم على ربحيتها. وقد تبينَ لها بأن النمو غير المقَّيد لم يعد وسيلة فعالة لتحقيق أهدافها.
عومل أعضاء أحد أقسام الكلية كمراكز ربح. تم ربط دخولهم بعدد الطلاب ممن يقدمون أجور دراستهم وكمية البحوث الموثّقة التي يقومون بها. لا يستطيع عضو الكلية ممن لم ينهِ برنامجه السنوي الحصول على زيادة في راتبه. اندهش الأساتذة عندما علموا بحجم برنامج التدريس الذي يجب تقديمه سنوياً، وهو أكبر بكثير مما اعتادوا عليه. فمثلاً، على كل أستاذ، في كل سنة جامعية، أن يدّرس خمسة موضوعات courses أمام 37 طالب لإنهاء سنته الدراسية. قبل تطبيق فكرة الاقتصاد الجديد، كان معظم الأساتذة يقدمون حلقتين دراستين seminars أمام 8 طلاب لكل حلقة. لقد تغيرَ توجههم نحو التدريس والبحث بصورة حادة.
أصبح على الأساتذة الآن تدريس الفصول الكثيرة للسنة الأولى لكسب ما يكفي لتمكينهم من تنفيذ حلقاتهم الدراسية المتقدمة دون التضحية بالدخل المستقبلي. لم يعد يُنظر إلى البحوث التعاقدية كدعارة جامعية. زادت المنافسة على المنح والعقود بشكل مثير، وأصبحت المشاركة في البحث أكثر سهولة.
الأسواق الداخلية في القطاع العام
إن تطبيق فكرة اقتصاد السوق الداخلي لم تعد محصورة بالمنشآت الخاصة الهادفة لتحقيق الربح. بل يمكن استعمالها بشكل فعال، وقد استعملت بالفعل، في القطاع العام من قبل الحكومة. فمثلاً، أن استعمال إيصالات التعليم، التي اقترحها كريستوفر جنك Christopher Jenk من جامعة هارفارد ونشرها ميلتون فريدمان Milton Friedman، يتضمن التحول لاقتصاد السوق. تتسلم المدارس، في هذا النظام، دخلها من صرف الإيصالات المستلمة من الطلاب ممن لديهم الخيار في دخول المدارس العامة. تم إصدار الإيصالات من قبل الحكومة. يمكن استخدام هذه الإيصالات أيضاً لدفع كل أو جزء من رسوم التعليم المطلوبة من قبل المدارس الخاصة غير الدينية. يتطلب هذا النظام من المدارس الدخول في منافسة من أجل البقاء على الحياة، وهذا بدوره، يتطلب أن تكون هذه المدارس ذات قدرة على الاستجابة لأهداف مَنْ تقوم بخدمتهم.
في نظام الإيصال، يجب على كل مدرسة عامة قبول كافة مقدمي الطلبات في المنطقة المسئولة عنها. الطلاب ممن قبلوا ويدخلون المدارس في مختلف المناطق يجب تعويضهم عن تكاليف نقلهم من قبل مدارسهم في المناطق التي يعيشون فيها. في هذا النظام، إذا كان على المدارس أن تختار عشوائياً من بين مقدمي الطلبات الذين يعيشون خارج مناطقها، فإن مسألة العزل segregation تصبح قليلة أو عديمة الأهمية.
عند أخذ مثال آخر، مكتب مركزي كبير للتراخيص في مكسيكو سيتي لديه سجل فظيع في تدني مستوى كفاءته وخدماته الهزيلة. تم تقسيمه إلى عدد من المكاتب الصغيرة ووضع كل منها في قاطع من المدينة. عوضت هذه المكاتب عن كل ترخيص أصدرته، وليس لها مصدر دخل آخر. وهؤلاء ممن يريدون الحصول على ترخيص يمكنهم اختيار أي من هذه المكاتب. على خلاف الاحتكار البيروقراطي المركزي الذي حلت محله، يمكن للمكاتب الصغيرة هذه البقاء والاستمرار فقط بتوفير خدمة جيدة بثمن معقول. وهنا تم تخفيض وقت الخدمة، وتحسنتْ نوعية الخدمة، واختفى عملياً الفساد الذي اخترق الخدمة سابقاً.
من المفيد ملاحظة أن خصخصة خدمة عامة معينة لا يحولها بالضرورة إلى اقتصاد سوق. فالخصخصة يمكن أن تحافظَ على احتكار ما، مما يتعارض مع مُثل اقتصاد السوق الذي تكون فيه المنافسة أمراً جوهرياً.
الاعتراضات على اقتصاد السوق الداخلي.
تواجه المقترحات الداعية لإدخال اقتصاد السوق الداخلي، عادة، أربعة أنواع من الاعتراض.
أولاًً، يشير المشكِّكون إلى أن الكمية الإضافية المطلوبة من الحسابات يمكن أن تكون رهيبة. وهذا ليس صحيحاً! إذ أن كمية الحسابات المطلوبة قد انخفضت بالفعل. معظم الحسابات المطلوبة حالياً لوحدات المنظمة تتم لتسهيل رقابة وحدات المنظمة في المستويات العليا. ومع ذلك، فالمطلوب في اقتصاد السوق الداخلي هو فقط تصاريح حسابات الأرباح والخسائر والميزانيات العمومية لتقديمه إلى الوحدات الأخرى في المنظمة. وعلى هذه الوحدات أن تدفع عن أية معلومات إضافية تطلبها. وهذا الدفع يفرض اتجاهاً قوياً لإنقاص الكمية غير الضرورية من المعلومات الحسابية التي تتدفق داخل المنظمات، وبخاصة إلى الأعلى.
ثانياً، يشير البعض إلى أن اقتصاد السوق الداخلي سوف يزيد الخلاف والتنافس بين أجزاء المنظمة. وهذا ليس صحيحاً، مرة أخرى. فسعر التحويل، الذي هو البديل لسعر السوق في الاقتصاد المخطَّط والمسيطَّر عليه مركزياً، يخلق خلافاً داخلياً حاداً وتنافساً. ذات مرة، لاحظ بيتر دروكر Peter Drucker أن هناك منافسة داخل المنشآت أكبر من المنافسة فيما بينها، وهي منافسة غير أخلاقية إلى حد بعيد.
لدى معظم وحدات المنظمة علاقات مع المجهِّزين الخارجيين الذين تختارهم أفضل من علاقاتها بالمجهزين الداخليين ممن لا تستطيع اختيارهم. إن المنافسة، التي يقّويها اقتصاد السوق الداخلي، هي بين المجهزين الخارجيين والداخليين لنفس السلع أو الخدمات، وليس بين الوحدات الداخلية المجهِّزة والمجهَّزة. وعلاوة على ذلك، فالمجهزين الداخليين، الذين ينبغي عليهم الدخول في منافسة مع المجهزين الخارجيين على زبائن داخليين، هم أكثر استجابة لحاجات زبائنهم من المجهزين الداخليين المحتكرين.
تأملْ حالة منتج كبير للغذاء لديه وحدة أساسية لبحوث السوق، وهي مجهِّز احتكاري مدعوم يقدم خدماته لبقية وحدات المنظمة. مستعملو هذه الوحدة قلّلوا من منزلتها لأنها اعتبرت ضعيفة الاستجابة، وعلى مستوى أقل من منظمات البحث في السوق الخارجية. قامت إدارة الشركة بتحويلها إلى مركز ربح، وسمحت لها بتسويق خدماتها خارجياً، كما سمحت لمستعملي خدماتها الداخليين بالحصول على هذه الخدمات من الخارج. على الوحدات المستعِّملة دفع ثمن الخدمات التي تتلقاها من أي مصدر كان. كافة المستعملين الداخليين تحركوا أولاً نحو الخارج، مجبرين المجهِّز الداخلي على البحث عن عمل خارجي. وأخيراً نجحت الوحدة، ولكن فقط بعد تحسين نوعية خدماتها. وقد أصبحت وحدة أعمال مزدهرة. الوحدات الداخلية بدأت تعجب من سبب نجاحها، واختبرتها. فوجدتها، هذه المرة، سريعة الاستجابة ومؤهلة. ارتفع الطلب الداخلي على خدمات هذه الوحدة كثيراً إلى درجة اضطرت معها رفض بعض الأعمال المعروضة عليها من قبل المنظمات الخارجية.
الحجة الثالثة هي أن اقتصاد السوق الداخلي لا يمكن تطبيقه على جزء واحد فقط من المنظمة، بل يتطلب تطبيقه بشكل كلي. اقتصاد السوق الداخلي الجزئي ربما يكون، كما يُدعى، صعباً جداً، إنْ لم يكن مستحيلاً. صعباً، نعم، ولكن ليس مستحيلاً! قبل ثلاث سنوات تقريباً، كانت هناك شركة من قسمين؛ القسم الذي ينتج أجهزة استنساخ، وآلات تصوير، وأشعة أكس ومعدات طبية أخرى، تم تحويله إلى اقتصاد سوق داخلي. الشركة التي تضم هذا القسم لم تكن راغبة بتطبيق نفس النمط الاقتصادي. وعليه، كان على القسم المعني أن يقوم بنشاطه كوحدة ذات توجه سوقي market-oriented unit في إطار اقتصاد مخطط ومسيطر عليه مركزياً.
استمرت الشركة بتحميل القسم ثمن كافة الخدمات التي تقدمها له من خلال تخصيص النفقات العامة overhead allocation. لم يستطع القسم تقسيم هذه النفقات إلى نفقات مقابل خدمات تسلمها القسمُ بالفعل ونفقات لم يحصل مقابلها على شيء. وعليه، قامت الوحدة بتطوير تكاليف بديلة للخدمات التي تسلمتها واعتبرت النفقات الأخرى التي لم تحصل على خدمات من الشركة في مقابلها كضريبة. واصلتْ الوحدة إرسال تقاريرها للشركة بالطريقة المعتادة لكنها قامت بنشاطها على أساس نوعين من السجلات الحسابية.
بعد سنة واحدة من تحوله، ارتفعت فعالية القسم بدرجة عالية أدهشت الشركة وبقية أقسامها التي أخذت تتساءل عما يجري. عندما فهمت الشركة حقيقة ما جرى للقسم، لم تتحول إلى نظام مماثل لكنها قامت بتغيير المعلومات المطلوبة ووفرتها للقسم. وقد قاد هذا التغيير إلى تمكين القسم من ممارسة نشاطه بسهولة أكثر في إطار اقتصاده السوقي الداخلي. وقد لحقت الوحدات الأخرى بالقسم فيما بعد.
وحدثت حالة مماثلة مع وحدة البحث والتطوير R&D في شركة Esso Petroleum Canada. إذ تم تحويل هذه الوحدة أيضاً إلى اقتصاد سوق داخلي في إطار اقتصاد مخطَّط ومسيطَّر عليه مركزياً. ولكن في هذه الحالة حاولت الشركة الأصلية تسهيل مهمة التحول على أمل أن يؤدي ذلك إلى تحول مماثل لبقية الوحدات، واحتمال تحول الشركة برمتها.
السبب الرابع لعدم الاهتمام الجدي بفكرة اقتصاد السوق الداخلي هو أن وظائف معينة من الخدمة الداخلية لا يتُوقع أن تجتذب "بشكل معقول" الزبائن الخارجيين. والأمثلة التي كثيراً ما يُستشهد بها هي قسميْ الحسابات والعاملين (أو الذاتية) accounting and human-resource departments. قامت إحدى الشركات، ومقرها الرئيس في الغرب الأوسط Midwest بتحويل كلا القسمين إلى وحدتي- ربح. العديد من فروع الأعمال المحلية، الصغيرة والمتوسطة الحجم، التي لم يكن بوسعها أن تؤمن داخلياً خدمات الحسابات والعاملين بنوعية عالية، رحبت بإمكانية توفير هذه الخدمات.
شركة أخرى، كانت تشغل عدداً من البنايات في ريف مدينة رئيسة، قامت بتحويل قسم المرافق والخدمات لديها (بنايات، أراضي، ومنافع عامة) إلى مركز ربح يعمل في إطار اقتصاد سوق داخلي. تحولَ كافة مستخدمي خدماته في الداخل نحو المجهِّزين الخارجيين، حيث حصلوا منهم على خدمات أفضل وبتكاليف أقل. وبالنتيجة، انكمش قسم المرافق والخدمات في الشركة وأقصيَّ أخيراً مع تحقيق وفر هام للشركة.

منافع اقتصاد السوق الداخلي
سبق وأن تم بالفعل تحديد عدد من مزايا اقتصاد السوق، وبخاصة سرعة الاستجابة للمجِّهزين في الداخل، والنوعية الأفضل، وتخفيض تكلفة الخدمات والمنتجات المعروضة داخلياً، والسعي الدائم للحجم المناسب continuous right-sizing، وتقليل الأعمال المكتبية، وما شابه. وهناك بضع مزايا أخرى تستحق الذكر.
أولاً، لأن كل وحدة في الشركة، تقريباً، تمارس نشاطها في إطار اقتصاد سوق داخلي فإنها تصبح مركز ربح، ويمكن تطبيق نفس مؤشرات الأداء عليها جميعاً. وهذا يسمح بمقارنة أداء الوحدات التي لم تكن قابلة للمقارنة سابقاً، كالتصنيع والحسابات.
ثانياً، يعمل مديرو مراكز الربح في اقتصاد السوق الداخلي، بالضرورة، كمديرين عامين لوحدات أعمال شبه مستقلة. وهذا يوفر لهم فرص اكتساب، وتحسين نوعية، وعرض مهاراتهم الإدارية العامة. ولذلك، فإن المديرين التنفيذيين هم في موقع أفضل لتقييم القابلية الإدارية العامة للعاملين التابعين لهم.
ثالثاً، عندما تتحول الوحدات إلى مراكز ربح وتحصل على الاستقلال الملائم لهذا النظام، يكون المديرون في موقع أفضل كثيراً للحصول على المعلومات التي يطلبونها لإدارة نشاطهم بشكل جيد. إذ يصبح المديرون أكثر اهتماماً بتزويد أنفسهم بالمعلومات التي يحتاجونها مقارنة بتزويد رؤسائهم بالمعلومات التي يريدونها.
استنتاج
من الواضح أن التحول لاقتصاد السوق الداخلي يثير عدداً من المسائل. ولذلك، فهذه قضية لا يمكن أن تؤخذ بسهولة؛ ولا تروق للضعيف المتردد. فهذا التحول يتطلب مديرين جريئين، قادة تحويليين. ومع ذلك، فإن النجاح المحتمل يشكل زيادة كبيرة في الفعالية.. إن تحول الشركات نحو اقتصاديات سوق داخلي، وإعادة بناء قطاع الأعمال corporate perestroika، هي قضية مهمة لبلدنا على مستوى الاقتصاد الجزئي بقدر ما كانت قضية مهمة للاتحاد السوفيتي على مستوى الاقتصاد الكلي.
هوامش
راسيل اسكوف Russell Ackoff يحمل لقب أستاذ، في جامعة بنسلفانيا، وأحد عمداء الفكر الإداري الحديث. شارك Ackoff في تأسيس البرنامج الجامعي الأمريكي الأول في بحوث العمليات في معهد Case Institute of Technology and Social Systems Sciences Program- University of Pennsylvania. وهو الرئيس السابق لجمعيتيْ Operations Research Society and the Society for General Systems Research. نشرَ الدكتور Ackoff عشرين كتاباً ومئات المقالات، وقدمَ استشاراته لأكثر من 400 شركة وحكومة. أحدث كتاب له هو: The Democratic Corporation (NY: Oxford University Press, 1994).
(1)See: Arthur D. Little, “Companies Continue to Embrace Quality Programs, but T&M has Generated More Enthusiasm Than Results,” Press Release, March 1992., Ernest & Young and American Quality Foundation, “Best Practices Report,” Preliminary Report (may 14, 1992)., and Final Report (October 1, 1992)., and Fuchberg, Gillbert, “Quality Programs Show Shoddy Results,” Wall Street Journal, 14, 1992, B1 and B7.
(2) American Management Association, “1994 AMA Survey on Downsizing,” research report, July 20, 1995.,
Andeara Knox, “Most Cuts in Jobs Don t’ Help Forms, Survey Indicators,” Philadelphia Inquirer, March 9, 1992., D1, J. pourdehnad, W. E. Halal, and E. Rausch, “From Downsizing to Rightsizing to self- sizing,” Total Quality Review, July- August 1995, 43-50., Ted J. Raksis, “The Downsizing Myth,” Kiwanis, April 1994, 46ff., and Bernand Wysocki Jt., “Some Companies Cut Costs Too Far, Suffer, Corporate Anorexia,” Wall Street Journal July 5, 1995.


اقتصاد القرن الحادي والعشرين: الآفاق الاقتصادية- الاجتماعية لعالم متغير، تحرير
وليام اي. هلال (و) كينيث ب، تايلور، ترجمة: د. حسن عبدالله بدر (و) د. عبدالوهاب حميد رشيد،
المنظمة العربية للترجمة- بيروت- ISBN: ISBN 978-91-633-2084-2





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,386,947,474
- اقتصاد القرن الحادي والعشرين- الفصل السابع
- اقتصاد القرن الحادي والعشرين- الفصل السادس
- اقتصاد القرن الحادي والعشرين- الفصل الخامس
- اقتصاد القرن الحادي والعشرين ج1-ف4
- اقتصاد القرن الحادي والعشرين- ق1/ف3
- اقتصاد القرن الحادي والعشرين- ق1/ف2
- اقتصاد القرن الحادي والعشرين/ ق1-ف1
- اقتصاد القرن الحادي والعشرين- المقدمة
- اقتصاد القرن الحادي والعشرين
- الأحوال الاجتماعية للجالية العربية في السويد.. الخاتمة والمل ...
- الأحوال الاجتماعية للجالية العربية في السويد.. ق2- ف5/ ف6
- الأحوال الاجتماعية للجالية العربية في السويد.. ق2: ف3- ف4
- الظروف الاجتماعية للجالية العربية في السويد- ق2- ف1-ف2
- الأحوال الاجتماعية للجالية العربية في السويد- ق1.. ف7- ف8
- الأحوال الاجتماعية للجالية العربية في السويد- ق1.. ف5، ف6
- الأحوال الاجتماعية للجالية العربية في السويد: ق2/ ف3- ف4
- الشرطة المصرية تقتل 34، وتُعذب 88 في المئوية الأولى لحكم مرس ...
- الأحوال الاجتماعية للجالية العربية في السويد:ق1/ ف1-ف2
- العراق يُسجل ارتفاعاً كبيراً في التشوهات الخلقية للولادات
- الأحوال الاجتماعية للجالية العربية في السويد ق1/ف1


المزيد.....




- مسؤول كويتي: إنتاج المنطقة المقسومة بين السعودية والكويت سيع ...
- كيف سيحول ولي عهد السعودية محمد بن سلمان المنطقة لأوروبا جدي ...
- بلومبيرغ: ارتفاع تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب على ناقلات ال ...
- هل سيبقى العراق متنفس إيران الاقتصادي
- سيرجيو راموس يدخل "الشباك" الذهبي مع أم أبنائه الث ...
- سيرجيو راموس يدخل "الشباك" الذهبي مع أم أبنائه الث ...
- مسئول فلسطيني: بدء اجتماعات اللجنة الاستشارية «للأونروا» غدا ...
- شركة مشاركة المنازل -Airbnb- تتوسع لتوفر تجارب سياحية أيضاً ...
- قطع -دجاج- خالية من اللحوم.. قريباً في سلسة مطاعم كنتاكي
- هواوي تؤجل إطلاق هاتفها الذكي القابل للطي بقيمة 2,600 دولار ...


المزيد.....

- محاسبة التكاليف ( المعضلية): محاسبة عوامل الإنتاج/ الموارد ا ... / صباح قدوري
- المسؤولية الإدارية / محمد عبد الكريم يوسف
- السعادة المُغتربة..الحدود السوسيواقتصادية للمنافع الاختيارية / مجدى عبد الهادى
- تقييم حدود التفاوت الاقتصادي بين منطقتي العجز التجاري الامري ... / دكتور مظهر محمد صالح
- المحاسبة والادارة المالية المتقدمة Accounting and advanced F ... / سفيان منذر صالح
- الموظف الحكومي بين الحقوق والواجبات Government employee betw ... / سفيان منذر صالح
- حدود ديموقراطية الاستغلال..لماذا تفشل حركات الديموقراطية الا ... / مجدى عبد الهادى
- الثلاثة الكبار في علم الاقتصاد_مارك سكويسين، ترجمة مجدي عبد ... / مجدى عبد الهادى
- تجربة التنمية التونسية وازمتها الأقتصادية في السياق السياسي / أحمد إبريهي علي
- القطاع العام إلي أين ؟! / إلهامي الميرغني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - عبدالوهاب حميد رشيد - اقتصاد القرن الحادي والعشرين- الفصل الثامن