أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد قنوت - لماذا جرمانا؟














المزيد.....

لماذا جرمانا؟


خالد قنوت
الحوار المتمدن-العدد: 3926 - 2012 / 11 / 29 - 12:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا يمكن لي أن أنسى ليلة سفري و عائلتي مهاجرين إلى بلاد الغربة, فبلاد الغربة واحدة على امتداد العالم. لم أكن أفكر أو أسمح لنفسي بأن أفكر بهذه الخطوة التي لم تخطر على بالي مسبقاً, فكرة الهجرة, لأني ببساطة شديدة لو أعطيت نفسي فرصة واحدة للجدل في فكرة الاغتراب لكنت نسفت القرار من أساسه تماماً. كنت قررت أن أكون طارق بن زياد نفسي فأحرق كل مراكبي عند الشواطئ الباردة التي تنتظرني و قد فتحت لي ساعديها مرحبة و مقدرة ما أملك من علم و ما أقدمت عليه من مصير.
كنت كمن وضع هدفاً واحداً نصب عينيه و انطلق نحوه دون التفات يميناً أو شمالاً.
البيت الذي سكنت فيه أربع سنوات كمستأجر بعد خمس سنوات أخرى متنقل من بيت لآخر في مدينة جرمانا, كان يعج بالمودعين من الأقارب و الأصحاب و الجيران في الحي الذي سكنته. أولادي كانوا صغاراً و كانوا يلعبون في الحارة مع أصدقائهم حين صعدوا للبيت و عيونهم تدمع سألتهم عن السبب و لكني وجدت كل رفاقهم يبكون أيضاً. سألتهم فلم يردوا جواباً. سألت أصدقاءهم: عارف, حبيب, ماغي, بشار, حمودة, رامي, جوري, إيليا... لماذا تبكون؟ ماذا حصل. توجه ابني الأكبر ليقول لي: لا نريد أن نسافر, نريد أن نبق هنا, مع رفاقنا. حضنت الجميع و حبست دمعتي في مقلتي, لكن زوجتي أطلقت العنان لدموع عينيها.
عندما حانت ساعة الانطلاق للمطار, لم أتوقع أن يقف الجيران على شرفات بيوتهم مودعين, كانت ساعة متأخرة من الليل لكن الجميع كانوا مستيقظين. كانت حارة و لكنها كانت بيتاً للجميع, فيها من معظم أطياف سورية الجميلة و سورية الحزينة. مسلمون, مسيحيون, دروز, علويون إضافة لجيراننا الجدد من العراق.
أصر العديد منهم على مصاحبتنا حتى المطار, زوجتي التي كانت تبكي أمسكت بيدي عندما شاهدت الجيران على الشرفات. كان الوداع أقسى ما يمكن أن يحتمله إنسان و لكني تماسكت و قبضت على جمر مشاعري كي لا أنهار و تنهار ثقة عائلتي بقبطانها الذي أطلق أشرعته دون تردد.
من خلال نافذة السيارة, لوحت لهم شاكراً ممتناً و لكني أحسست جسدي يسير في جنازته و أن روحي التي لم ترض بأن تترك ذاك المكان قد بدأت تنسلخ عني شيئاً فشيئاً حتى غادرتني مع انطلاق الطائرة في الجو.
اليوم, و بعد منتصف الليل سمعت بأخبار الانفجارات في جرمانا. أحسست قدماي لم تعد تقوى على حملي. تذكرت كل الوجوه و الأماكن التي أودعتها روحي. تذكرت الأقارب و الأصدقاء و الجيران محاولاً أن أتذكر الجميع كي لا أنسى أحداً منهم فأكون سبباً لخبر استشهاده. اتصلت و سألت عن الشهداء و قرأت أسماء من ورد منهم. كل الأسماء متشابه حتى التي لم أعرفها. حزناً عميقاً أصابني و غماً أثقل صدري.
لماذا جرمانا؟ لم يكن الانفجار الأول و لن يكون الأخير. لن أخوض في تفاصيل الانفجارات و مسببيها و مستثميرها و لو أني على ثقة بأن من يقوم بها هو من يستفيد منها إعلامياً و معنوياً دون أدنى حس بالثمن الغالي من دماء الأبرياء السوريين, و ما هي إلا المشاهد الأخيرة لسقوطه المحتوم بعد أن أذاق السوريين على امتداد جغرافيتهم القتل و التنكيل و الدمار و التهجير, في العلم الجنائي يقولون أبحث عن المستفيد.
لماذا جرمانا؟ لأنها سورية المصغرة و سورية الحب و الأخوة و الجمال الانساني. جرمانا تضم كل المشارب و الانتماآت التي يغتني بها الوطن و لأن جرمانا قامت على أكتاف السوريين من الطبقة الوسطى التي عمل النظام على مدى خمسين عاماً على استئصالها من المجتمع السوري ليحولهم إلى طبقة تحت مستوى الفقر أو أن ينقل ضعاف النفوس منهم إلى طبقة اللصوص و المرتشين التي دعمها و شجعها.
جرمانا الجميلة لست الوحيدة الثكلى فسورية كلها ثكلى بأبنائها و بمدنها و قراها و أحيائها و مزارعها و بيوتها. أسمعي أصوات جيرانك من قرى الغوطة: عقربا, شبعا, المليحة, عين ترما, ببيلا, السيدة زينب, بيت نايم, بيت سوا, مرج السلطان... انتفضت لتقول لك: جرمانا حنا معاكي للموت.
جرمانا الأحبة و الأهل, صبراً فإن الصبح قادم.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,109,435,053
- قصة من مطار مرج السلطان
- سورية الجديدة تحت المظلة الديمقراطية
- نكسة أم انتكاسة؟
- الائتلاف الوطني السوري. ما العمل؟
- المبادرة الوطنية السورية أكثر من ضرورة
- عصفور و شجرة و وطن في سر حكاية الاستاذ ميشيل كيلو
- ماذا بعد؟
- الحرية و الكرامة أهدافاً أساسية للثورة السورية
- هذه الانسانية قالت: -كفى-
- الكم و النوع في عناصر نجاح الثورة السورية.
- عودوا أنا كنتم, سوريون كما كنتم.
- حزب العائلات السورية المختلطة
- دور موسكو في التاريخ و المصير السوري
- البيان رقم واحد
- الله أكبر ..حرية
- إصرار من غير حدود
- الثورة تتجدد..الثورة تستمر..و تتكامل بالإعلان عن الجمعية الت ...
- إلى المناضل هيثم المناع:
- قرابين الحرية
- لعنة الأسد أم لعنات الشعوب


المزيد.....




- لحظة جنوح سفينة شحن روسية عملاقة على سواحل إنجلترا
- سنة 2019: هل سيتخلص اليمن من المحن؟
- الكرملين يرفض تقريرين أمريكيين حول تدخل روسيا لدعم حملة ترام ...
- الحرب في سوريا: تشكيل لجنة دستورية جديدة -يحتاج إلى مزيد من ...
- لاعب ألماني رفض اللعب لليفربول.. صلاح لم يكن خيار كلوب الأول ...
- بينهم مواليد جدد.. عشرات الأطفال التونسيين محتجزون في مناطق ...
- بعد 4 سنوات من محاولات حل الأزمة السورية... دي ميستورا يستقي ...
- الخارجية الروسية: واشنطن أكدت أن قرار خروجها من معاهدة الصوا ...
- علبة كولا تحل لغز جريمة قتل عمرها 28 عاما
- هايلي: العرب لا يهتمون بمصالح الفلسطينيين


المزيد.....

- مراجعة ل حقوق النساء في الإسلام: من العدالة النسبية إلى الإن ... / توفيق السيف
- هل يمكن إصلاح الرأسمالية؟ / محمود يوسف بكير
- ملكية برلمانية ام جمهورية برلمانية .. اي تغيير جذري سيكون با ... / سعيد الوجاني
- محمد ومعاوية - التاريخ المجهول / هشام حتاته
- ابستمولوجيا العلاقات الدولية / مروان حج محمد
- نشوء الأمم / انطون سعادة
- جنون الخلود / انطون سعادة
- اللفياثان المريض..ثنائية الطغيان السياسي والعجز التنموي للدو ... / مجدى عبد الهادى
- الأقتصاد الريعي المركزي ومأزق انفلات السوق / د.مظهر محمد صالح
- الحوار المستحيل / سعود سالم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد قنوت - لماذا جرمانا؟