أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - قامشلو؛ ممرّ الأسلاف















المزيد.....

قامشلو؛ ممرّ الأسلاف


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 3914 - 2012 / 11 / 17 - 10:05
المحور: الادب والفن
    



1
مَواطيء أقدام رحلاتي إلى اقليم " الجزيرة "، المُستهلّة منذ أواسط عقد السبعينات، شاءت أن تمرّ على دروب " القامشلي " دونما أن تتركَ آثاراً بيّنة. المرّة الأولى، رأيتني فيها ألجُ هذه المدينة خِللَ مركزها، النظيف والأنيق، الذي وضع أساسَهُ مهندسو الإدارة الفرنسية، المنتدبة. إلا أن الخيبَة ما لبثت أن اعترتني، حينما قادني رفيق الرحلة نحوَ أحد الأحياء القريبة، أين تقيم أسرة خالته. ومثلما سألحظه في الأحياء الأخرى، ذات الأغلبية الكردية، فإن الطرقات هنا كانت في حال بالغة من الرثاثة؛ بلا تعبيد ولا أرصفة ولا أشجار من المفترض أن تنشر فيئها على المارّة.
" هل تدري أن أهلَ " بسام "، صديقنا، يقيمون قريباً من منزل الخالة..؟ "، توجّه إليّ مرافقي بالحديث فيما نحن نهمّ باجتياز الدرب المُترَب، المُكتنف بالغبار. شقيق صهري هذا، شاءَ إذن أن نمرّ على أقاربه ونحن في طريقنا من " الحسكة "، أين يقيم هوَ مع أسرته، إلى حيث بلدة " عامودا ". في هذه الأخيرة، سأعلمُ لاحقاً أن رفيق رحلتي ينوي خطبَة فتاة من ساكنيها، سبق له وتعرّف عليها في إحدى ضواحي " بيروت "؛ ثمّة، أين كان والدها يعملُ. من تلك الضاحية، أيضاً، سبقَ لبعض أفراد أسرة " الأسعد " أن قدموا إلينا في الشام، إثرَ امتداد نار الحرب الأهلية اللبنانية. وإذن، لم نلبث أن حللنا في ضيافة الأسرة المَعروفة، الكريمة المحتد، والتي كان عميدُها، " حسين آغا "، قد بلغ من العمر عتياً حدّ أنه لم يكُ باستطاعته التحرّك من مجلسِهِ. بيْدَ أنّ ذاكرة الرّجل، بالمقابل، كانت ما تفتأ معافاة وأنارت له من ثمّ مَدارجَ العودةِ إلى الزمن الآفل.
2
على الدروب ذاتها، المَجلودة بسَوط الشمس الملهبة، سارَ أسلافي حينما كانت حواضرُ هذا الاقليم دارَ إقامة لهم أو ممرَّ عبورٍ. من هنا، ربما، سارت عربة الجدّ، وكانت من ماركة " فورد " ( أو " أبو دَعْسَة "، كما عُرِّفتْ في ذلك الزمن )، في الطريق إلى بلدة " عامودا ". إلى جانب " صالح شملكي "، الوَجيه المُعتبَر، كانت تجلسُ يومئذٍ عروسُهُ " ريما "، اليافعة والرائعة الحُسْن. هذه المرأة، سبق لها أن مرّت عبْرَ هذه الأماكن قبلَ نحو العامَيْن وهيَ في طريقها إلى أهلها في الشام. ثمّة، حدّثت شقيقها دامعة العين من الحزن والقهر: " لقد انتزع مني أولئك " الولاتيّة " ابنتي الصغيرة، اليتيمة، قائلين أنهم لا يقبلون بأن تعيش بين الأغراب ". وكانت جدّتي تقصُدُ أخوة " بيروزا "، من أبيها، المقيمين في تلك البلدة. لقد دأبت الجدّة، حتى في شيخوختها، على نعت أهالي الاقليم بـ " الولاتيّة " ( أيْ: مواطنو البلد )، وليسَ بدون القليل من مشاعر الجفاء.
" أنا من سيأتيكِ بابنتك.. "، قالَ لها قريبها " صالح " قبلَ أن يستدركَ وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة " ولكن بشرط أن تتزوّجيني ". كانت " ريما "، كمألوف عادتها مذ أن قدِمَت إلى الشام، تعيّر من حولها بقلّة رجولتهم: " كيف تضعون هذه الشوارب، بينما أولئك الناس يحتجزون ابنتكم..؟ " وعلى أيّ حال، لم يكن عرضُ ذلك القريب مُغرياً لها كامرأة: إن " صالح "، علاوة على جَمعِهِ لثلاث نساء على ذمّتِهِ، فإنه اشتهرَ في الحارَة بكونه زير نساء. وكان المشنعون يُضيفون في حديثهم عنه؛ بأنه هوَ التاجرُ، وابن " علي آغا الكبير "، لم يعبأ بمقام الوَجاهة حينما صارَ يعمل على سيارته بهدف " الصّيد ".
3
جدّا والدتي، كانا ابنيْ عمّ. وإذ عُرف الأولُ بـ "علي آغا الكبير "، نسبة ً لطوله الفارع، فإنّ الآخرَ، القصير القامة، اشتهرَ بـ " علي آغا الصغير ". على ذلك، ورَث " صالح " فضلاً عن وجاهةِ الأبّ الجسمَ المَشيق، الذي زادَهُ مهابة ً. كان إلى ذلك أسمرَ، ذا ملامح لا تمتّ كثيراً للوسامة؛ بمفهومنا الشرقيّ، على الأقل. غيرَ أن افتتان النساء بشخصيّته، كان على مَرجوح الظن مُحالاً لعذوبة لسانه وطرافة خلقه وبساطته. ها هوَ، إذن، وقد امتلكَ حسناءَ العشيرة، في الطريق برفقتها لمحاولة البرّ بقسَمِهِ ذاك، المَوْسوم. في بلدة " عامودا "، التي وصلوها تواً، ما أن بدأت " ريما " في ارشادِ رجلها على الطريق الصحيح، حتى ارتجف صوتها على حين فجأة واعترى الشحوبُ قسماتها.
" إنها " بيروزا "، ابنتي.. توقف بالله عليك "، هتفت بصوتٍ كالعويل. ثمّة، على قارعة الطريق، تبدّت طفلة جميلة، في نحو الخامسة من العمر، متوّجة الرأس بجَزة قانية اللون ذات ضفائر سميكة، مُسترسلة. متردّدة للوهلة الأولى، ما عتمت الابنة أن لبّت نداءَ الأمّ، المُنبعث بإلحاح خِلل نافذة السيارة، بهروعها إليها صارخةً بدَورها: " يادِيْ، يا دي " ( أمّاه.. ). إثرَ عناق غامر، مديد، مُترع بالعبرات، لَبِثتْ الأمّ مُتفكّرة وكأنما فكرة طارئة قد دَهَمت ذهنها. عندئذٍ، التفتت نحوَ رجلها لكي تجيب نظرته المُتسائلة: " انظر، ما من أحد في الدرب سوى الأطفال.. ". قالت ثمّ أضافت بنبرَة حازمة " فلا حاجة بنا، برأيي، للذهاب إلى أخوة " بيروزا " واستعطاف قلوبهم الغليظة ". ولكن " صالح "، المُتأثر للغاية بالمَشهد، ما لبث أن صحا بأنفة وبشيء من السخط: " لا، لستُ الرّجلَ الذي يحملُ شارباً ثمّ يهرع هارباً ببنات الناس ".
4
" رباه، ماذا تقول؟.. إنها ابنتي، أنا "
ألحّت " ريما " باستنكار. إلا أنّ الرّجلَ عادَ ليجيبها وهوَ أكثر رقة " إنها ابنتهم، أيضاً. لقد وعدتكِ، قبلاً، أن استرجعَ الطفلة بالمَعروف؛ ألا تثقين فيّ..؟ ". أسقِط في يد الأمّ، فلم تجب. هكذا تابعوا طريقهم هنيهة أخرى، حتى وصلوا إلى دار الآغا الراحل، الكبيرة. ثمّة، خارجاً، تجمّع الخلق مُندهشين وعلى لسانهم اسمُ " ريما ". ربما كانت هذه من المرات النادرة، التي يَجتاز فيها العفريتُ الصغير، الحديديّ، دروبَ البلدة. من ناحيتهم، استقبلَ أخوة " بيروزا " امرأة أبيهم ورجلها ببرودةٍ تتوافق، ولا مَراء، مع هواجس الريبة والحذر. ولكن الجوّ أخذ بالصفاء رويداً، بفعل حديث " صالح " الطليّ، المُمتع. فما أن انتهى هوَ من عرض أفكاره حول مصير الطفلة، حتى انبرى أكبرُ أخوتها للقول بحَميّة وتأثر: " ومن سيمنع " بيروزا " عن والدتها..؟ "، قالها وأعقبَ متوجّهاً للضيفين " هيَ ابنتكم، ونحن سنكون مطمئنين إلى وجودها معكم في الشام ".
بعد نحو ثلاثة عقود، حينما عادَ جديّ إلى " عامودا " لزيارة أولئك الأقارب، لم تكُ " بيروزا " في مَعيّتهما. كانت قد أضحَتْ أمّاً لثلاثة أولاد، تتنقلُ في كلّ آونةٍ وأخرى بين بلدات برّ الشام تبعاً لخدمة زوجها؛ الذي كان مَأموراً مُهيباً في سلاح الدَّرَك. وقد يكون أخوة خالتنا لأبيها همُ، على الأرجح، من نصحوا زوجَ أمّها بأن يستثمر أمواله في الجزيرة بعدما اشتكى من سوء سير تجارته. فما أن مضت بضع سنين، حتى حزمَ " صالح " أمرَهُ وقرّرَ القدوم مع أهله إلى هذا الاقليم الخصب، المزدهر. من جهتها، فإن " ريما " كانت قد أصبحت " السيّدة الأولى " في المنزل، بعدما نجحت في جعل رجلها يُطلق نساءَه الواحدة بأثر الأخرى. هناك، في مقامها الجديد، الكائن على طرف " رأس العين "، اشتهرَت جدّتنا بكرَمها وحدبها على الفقراء والمحتاجين. لقد ظلوا في الجزيرة ردحاً من الزمن، كانت تحدِّدُ أمّي نهايته عادة ً بربطه مع بدء حملها بي.
كنتُ في مبالغ المراهقة، في أواسط السبعينات، حينما أقمتُ في مسكن الجدّة لعام أو نحوَه بسبب خلافٍ مع الأبّ، طاريءٍ. ثمّة، حدّثتني هيَ عن حادثة وقعت لـ " بافي أوسمان " ( وهذا لقبُ جدّنا )، حينما كان في طريقه بالسيارة من " القامشلي " إلى " رأس العين ". إذاك، لم ينتبه الجدّ لتعلّق أحد الرّجال بمؤخرة سيارته، بما أنه كان بائساً لا يملك ثمن الأجرة. فما أن انعطفت مركبته خلال سيرها، فجأة، حتى تناهى إلى الجدّ صدى صرخةٍ، ثاقبة. الرّجل، المطروحُ على الأرض، بدا أن اصابته غير خطرة وبالرغم من الدماء التي صبغت فمه. هناك، في مزرعة الجدّ، تناهضت امرأته إلى الاعتناء بالرّجل الغريب، الجريح. وكانت تطعمه، يومياً، الدجاجَ بالمرَق إلى حين اندمال جراح شفتيه، البليغة. " ريما "، الطيّبة والحنون، شاءت في زمن آخر أن تقدّم لي خبرتها تلك في العلاج: كنتُ قد أصبتُ بدَوري بجرح عميق في الشفة السفلى، في حادث تدهور الحافلة الكبيرة على طريق " حمص "، خلال مبتدأ خدمتي الالزامية.
للحكاية بقية..
° صفحات من سيرة سلالية، بعنوان " أسكي شام
Dilor7@hotmail.com





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,327,883,968
- عامودا؛ منفى الأسلاف
- رأس العين؛ فردوس الأسلاف
- أبو بكر وعلي و.. جورج
- حلم الحاكم
- خالد بكداش؛ طاغية بلا سلطة
- ثيمة الانتقام في السينما الكلاسيكية
- مرشح لجائزة شبيّحة بلا حدود
- سليمو وباسطو وأوجلانوس
- مشعل التمّو؛ شاهداً وشهيداً
- حسن ومرقص: فيلم الفتنة الدينية
- انتخبوا الدكتور عبد الباسط
- تمصير الجريمة والعقاب، سينمائياً
- من بَعدي فلتأكل النارُ الأرضَ
- إلاّ بشار الواحد الأحد
- سيكولوجيّة الجماهير الأوجلانية 5
- سيكولوجيّة الجماهير الأوجلانية 4
- سيكولوجيّة الجماهير الأوجلانية 3
- سيكولوجيّة الجماهير الأوجلانية 2
- سيكولوجيّة الجماهير الأوجلانية
- المجلس الأخواني والطرطور الكردي


المزيد.....




- لفتيت يلتزم بالرد على شروط الكدش لتوقيع اتفاق الحوار الإجتما ...
- شرطة سريلانكا تنفذ تفجيرا محكوما بالقرب من سينما سافوي في كو ...
- العثماني : الحكومة مرتبطة بعقد أخلاقي
- السلطات السريلانكية تفجر عبوة بالقرب من سينما سافوي قي كولوم ...
- منجيب يخترع حقا جديدا من حقوق الإنسان : الحق في -السليت- من ...
- فنانة? ?مصرية? ?تصدم? ?زوجها? ?بكلمة? ?حب? ?غير? ?متوقعة? ?ع ...
- قيادي في المعارضة السودانية لـ(الزمان): مسرحية هزلية لإعادة ...
- -بريد الليل- يوصل هدى بركات إلى البوكر
- المجلس الحكومي يتدارس السياسة الرياضية
- جائزة البوكر العربية تعلن اليوم الفائز بدورة 2019


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - قامشلو؛ ممرّ الأسلاف