أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد أبو شرخ - الإبادة النازية .. السياق الإمبريالي الغربي






















المزيد.....

الإبادة النازية .. السياق الإمبريالي الغربي



خالد أبو شرخ
الحوار المتمدن-العدد: 3895 - 2012 / 10 / 29 - 22:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يستخدَم مصطلح "الإبادة" في العصر الحديث, ليدل على محاولة القضاء على أقلية, أو طائفة, أو شعب قضاء كاملاً, ويُطلَق مصطلح "الإبادة النازية" على محاولة النازيين, التخلص أساسا من شعوب وجماعات وطوائف في ألمانيا, وفي البلاد الأوربية, التي وقعت في دائرة نفوذ الألمان, عن طريق تهجيرهم أو تصفيتهم جسدياً .
ومن المعروف أن هناك عدة شعوب, قامت من قبل بإبادة شعوب أخرى, أو على الأقل بإبادة أعداد كبيرة منها, وورد في العهد القديم, أوامر عديدة بإبادة سكان أرض كنعان وطردهم, ولكن من الثابت تاريخياً, أن العبرانيين والكنعانيين من عرق واحد، وأن معظم ادعاءات الإبادة, قد تكون من قبيل التهويلات, التي تتواتر في كثير من الوثائق القديمة, أو تكون ذات طابع مجازي, كما أن استيطان العـبرانيين, عن طـريق الغزو دفعة واحـدة, أو عن طريق التسـلل, لم يثبت تاريخيا .
ويسـتند الاسـتعمار الاسـتيطاني الغربي إلى الإبادة، فهذا ما فعله سكان أمريكا الشمالية البيض, بالسكان الأصليين، وهي عملية استمرت حتى أواخر القرن التاسع عشر.
لكن ما يميز تجربة الإبادة النازية, عن التجارب السابقة, أنها تمت بشكل واع, ومخطط ومنظَّم وشامل ومنهجي ومحايد، عن طريق استخدام أحدث الوسائل التكنولوجية, وأسـاليب الإدارة الحديثـة, ومن ثم فهـناك فارق ضـخم بين الإبادة الحـديثة, وبين المذابح في المجتمعات التقليدية، إذ كانت المذابح تتم عادة بشكل تلقائي, غير منظم, وغير منهجي, وغير مخطط.
وكلمة "إبادة" لا تعني بالضرورة التصفية الجسدية، وإنما تعني "استئصال شأفة شعب", بجميع الطرق, وضمنها التهجير القسري (الترانسفير), وغيره من الطرق, أي عملية "إبادة شعب من خلال التهجير والتجويع وأعمال السخرة، وأخيراً التصفية الجسدية المتعمدة", ويمكننا هنا أن نقتبس كلمات أحد أهم خبراء الإبادة في التاريخ، وهو الزعيم النازي "أدولف هتلر", فقد عبر عن إعجابه بإبادة الهنود الحمر, على يد المستوطنين البيض, عن "طريق التجويع أو القتال غير المتكافئ".
القابلية أو الإمكانية الكامنة للإبادة، تحققت أول ما تحققت, بشكل جزئي وتدريجي, في التجربة الامبريالية الغربية, فقد خرجت جيوش الدول الغربية الإمبريالية, تحمل أسلحة الدمار والفتك والإبادة، وحولت الإمبريالية الغربية نفسها إلى سوبرمان, له حقوق مطلقة تتجاوز الخير والشر، ومن أهمها حق الاستيلاء على العالم, وتحويله إلى مجال حيوي لحركته ونشاطه. وتحويل العالم بأسره, إلى مادة خام، طبيعية أو بشرية, فاعتبرت شعوب آسيا وأفريقيا (الصفراء والسوداء المتخلفة) مجرد، مادة بشرية توظّف في خدمتها، كما اعتبر العالم مجرد مادة طبيعية, توظَّف في خدمة دول أوربا, وشعوبها البيضاء المتقدمة، واعتبرت الكرة الأرضية مجرد مجال حيوي, لها تصدر له مشاكله, بل لم تفرق الإمبريالية في نهاية الأمر, بين شعوب آسيا وأفريقيا, وشعوب العالم الغربي، فالجميع مادة بشرية، نافعة أو غير نافعة، ضرورية أو فائضة, فكان العمال ينظر لهم باعتبارهم مادة بشـرية نافعة (مصدراً لفائض القيمة)، أما المتعـطلون فهم مادة بشرية فائضة, وصنف المجرمـون و المعوقـون والمسـنون, مادة بشرية غير نافعة, وهذه المادة يجب أن تُعالج, وكانت الوسيلة الأساسية للمعالجة, هي تصدير المادة البشرية الفائضة, إلى مكان آخر, لتحويلها إلى مادة نافعة, إن أمكن مع عدم استبعاد الحلول الأخرى, إن استلزم الأمر.
وكانت أولى عمليات المعالجة, هي نقل الساخطين سياسياً ودينياً (البيوريتان), إلى أمريكا، والمجرمين والفاشلين في تحقيق الحراك الاجتماعي في أوطانهم, إلى أمريكا وأستراليا, وتبعتها عمليات ترانسفير أخرى, تهدف جميعاً إلى تحقيق مصالح الإمبريالية الغربية .
ـ نقل سـكان أفريقيا إلى الأمريكتين, لتحـويلهم إلى مادة اسـتعمالية رخيصة.
ـ نقل جيوش أوربا إلى كل أنحاء العالم، وذلك للهيمنة عليها, وتحويلها إلى مادة بشرية وطبيعية, تُوظَّف لصالح الغرب.
ـ نقل الفائض البشري من أوربا, إلى جيوب استيطانية غربية, في كل أنحاء العالم، لتكون ركائز للجيوش الغربية والحضارة الغربية .
ـ نقل كثير من أعضاء الأقليات, إلى بلاد أخرى مثل الصينيين إلى ماليزيا, والهنود إلى عدة أماكن, واليهود إلى الأرجنتين أو أي مكان آخر, كشكل من أشكال الاستعمار الاستيطاني، إذ أن هذه الأقليات تشكل جيوباً استيطانية داخل البلاد التي تستقر فيها.
ـ نقل كثير من العناصر المقاتلة, من آسيا وأفريقيا, وتحويلهم إلى جنود مرتزقة, في الجيوش الغربية الاستعمارية، مثل الهنود (خصوصاً السيخ) في الجيوش البريطانية, وفي الحرب العالمية الأولى، تم تهجير 132 ألفاً من مختلف أقطار المغرب, لسد الفراغ الناجم عن تجنيد الفرنسيين، بالإضافة إلى تجنيد بعضهم مباشرة للقتال .
ـ تمت عمليات ترانسفير ضخمة بعد الحرب العالمية الأولى، فنقل سكان يونانيون من تركيا إلى اليونان، وسكان أتراك من اليونان إلى تركيا، كما نقل سكان ألمان من بروسيا الشرقية بعد ضمها إلى بولندا, وهذه العمليات هي التي أوحت لهتلر بعمليات نقل اليهود خارج الرايخ, بل إنه في السنين الأخيرة من حكم الرايخ, طور خطة لنقل 31 مليوناً غير ألمان من أوربا الشرقية, وتوطين ألمان بدلاً منهم.
وما يهمنا في هذا كله هو نزع القداسة عن البشر كافة (في الشرق والغرب), وتحويلهم إلى مادة استعمالية, ليست لها قيمة, ولكن لنركز على التجربة الاسـتيطانية الغربية, في جميع أنحاء العالم، خصوصاً في أمريكا الشمالية، وهي تجربة كانت تفترض ضرورة, إبادة تلك العناصر البشرية الثابتة, التي كانت تقف عقبة في طريق تحقيق المشروع الإمبريالي, وقد قبلت الجماهير الأوربية عملية الإبادة الإمبريالية, وساهمت فيها بحماس شديد، لأن هذه العملية كانت تخدم مصالحها، كما أوهمتها الدول الإمبريالية, ذات القبضة الحديدية في الداخل والخارج.
وتُعد العقيدة "البيوريتانية" أو "التطهرية"، عقيدة المستوطنين البيض في أمريكا الشمالية، هي أولى الأيديولوجيات الإمبريالية الإبادية, التي كانت تغطيها ديباجات دينية كثيفة, فكان هؤلاء المتطهرون, يشيرون إلى هذا الوطن الجديد, باعتباره "صهيون الجديدة", أو "الأرض العذراء", فهي "أرض بلا شعب", وكان المستوطنون يشيرون إلى أنفسهم باعتبارهم "عبرانيين"، وللسكان الأصليين باعتبارهم "كنعانيين" أو "عماليق", وكلها مصطلحات توراتية إبادية، استخدمها معظم المستوطنين البيض فيما بعد في كل أرجاء العالم .
وكان كل هذا يعني في واقع الأمر, إبادة السكان الأصليين, حتى يمكن للمستوطنين البيض, الاستقرار في الأرض الخالية الجديدة, وقد تم إنجاز هذا من خلال القتل المباشر، أو نقل الأمراض المختلفة (كأن تُترك أغطية مصابة بالجدري كي يأخذها الهـنود فينتشر الوباء بينهـم ويتم إبادتهم تماماً), وكانت الحكومة البريطانية في عصر الملك "جورج الثالث", تعطي مكافأة مالية لكل من يحضر فروة رأس هندي قرينة على قتله, واستمرت هذه التقاليد الغربية الإبادية بعد استقلال أمريكا، بل تصاعدت بعد عام 1830م ,حين أصدر الرئيس "جاكسون" قانون ترحيل الهنود، والذي تم بمقتضاه تجميع خمسين ألفاً من هنود "الشيروكي" من "جورجيا", وترحيلهم (ترانسفير) أثناء فصل الشتاء سيراً على الأقدام, إلى معسكر اعتقال خُصص لهم في "أوكلاهوما", وقد مات أغلبهم في الطريق وهذا شكل من أشكال الإبادة, عن طريق التهجير، فهو شكلا ترانسفير من مكان لآخر, ولكنه فعلاً ترانسفير من هذا العالم للعالم الآخر, ووصلت العملية الإبادية إلى قمتها في معركة "ونديد ني" (الركبة الجريحة) عام 1890م, وكانت الثمرة النهائية لعمليات الإبادة هذه, أنه لم يبق سوى نصف مليون من مجموع السكان الأصليين, الذي كان يُقـدر بنحو 6.5مليون عـام 1500م, لدى وصول الإنسان الأوروبي، أي أنه تمت إبادة سـتة مليون مواطن أصلي, (وهو رقم سحري لا يذكره أحد هذه الأيام)، إذا لم نحـسب نسبة التزايد الطبيعي (يُقدر البعض أن العدد الفعلي الذي تم إبادته منذ القرن السادس عشر حتى بداية القرن العشرين قد يصل إلى عشرات الملايين), وقد تكرر نفس النمط في أستراليا, التي كان يبلغ عدد سكانها الأصليين 2 مليون, عند استيطان البيض للقارة في عام 1788م, لم يبق منهم سوى 300 ألف .
وترتبط بالتجربة الاستيطانية في أمريكا الشمالية, عمليات نقل ملايين الأفارقة السود للأمريكتين, لتحويلهم إلى عمالة رخيصة, وقد تم نقل عشرة ملايين تقريباً، ومع هذا يجب أن نتذكر أن كل أسير, كان يقابله بوجه عام عشرة أموات كانوا يلقون حتفـهم, إما من خـلال أسـباب طبيعية مثل الإنهاك والإرهاق وسوء الأحوال الصحية, أو من خلال إلقائهم في البحر لإصابتهم بالمرض.
ولكن الإمكانية الإبادية الكامنة, التي تحققت بشكل غير متبلور وجزئي, في التجربة الإمبريالية والاستيطانية الغربية، تحققت بشكل نموذجي كامل ومتبلور وصريح, في الإبادة النازية, أو في اللحظة النازية النموذجية في المجتمعات الغربية، أي اللحظة التي تبلور فيها النموذج, وأفصح عن نفسه بشكل متبلور فاضح، دون زخارف أو إعتذاريات.
وكان النازيون يدركون تمام الإدراك, أن نظامهم النازي, وممارساته الإبادية, هما ثمرة طبيعية للتشكيلة الإمبريالية الغربية الحديثة, وقد بين كاتبو سيرة حياة "هتلر", أن أولى تجارب الإنسان الغربي الاستعمارية الاستيطانية، أي تجربته في أمريكا الشمالية، كانت تجربة مثالية, أوحت له بكثير من أفكاره, التي وضعها موضع التنفيذ فيما بعد, وكما يقول المؤرخ "جون تولاند" إن هتلر، في أحاديثه الخاصة مع أعضاء الحلقة المقربة إليه، كثيراً ما كان يعبر عن إعجابه بالمستوطنين الأمريكيين, وطريقة معالجتهم لقضية الهنود الحمر, فقد قاموا بمحاولة ترويضهم عن طريق الأسر، أما هؤلاء الذين رفضوا الرضوخ, فكان يتم إبادتهم من خلال التجويع أو القتال غير المتكافئ, ويقول "يواقيم فست" إن حروب هتلر القارية المستمرة, كانت محاكاة للنموذج الاستعماري الغربي في أمريكا الشمالية, وبالفعل صرح هتلر في إحدى خطبه, بأنه حين قام "كورتيز" و"بيزارو" (وهما من أوائل القواد الاستعماريين الإسبان) بغزو أمريكا الوسطى, والولايات الشمالية من أمريكا الجنوبية، فهم لم يفعلوا ذلك انطلاقاً من أي سند قانوني, وإنما من الإحساس الداخلي المطلق بالتفوق, فاستيطان الإنسان الأبيض لأمريكا الشمالية، كما أكد هتلر، لم يكن له أي سند ديمقراطي أو دولي، وإنما كان ينبع من الإيمان بتفوق الجنس الأبيض, ولذا في مجال تبريره للحرب الشرسة, التي شنها على شرق أوربا, قال هتلر: " إن هناك واجباً واحداً: أن نؤمن هذه البلاد من خلال هجرة الألمان الاستيطانية, وأن ننظر إلى السكان الأصليين باعتبارهم هنوداً حمرا ", وأكد هتلر أن الحرب التي تخوضها ألمانيا, ضد عناصر المقاومة في شرق أوربا, لا تختلف كثيراً عن كفـاح البيـض, في أمريكـا الشـمالية, ضــد الهنود الحمر, ومن هنا كان هتلر يشير إلى أوربا الشرقية, باعتبارها "أرضاً عذراء" و"صحراء مهجورة " ("أرض بلا شعب" في المصطلح الصهيـوني), وقد بين "ألفريد روزنبرج"، أثنـاء محاكمته في "نورمبرج"، هـذه العلاقة العضـوية بين العنصـرية النازية, والمشـروع الغربي الإمبريالي، فأشار مثلاً إلى أنه تعرَّف لأول مرة على مصطلح "الإنسان الأعلى" (السوبرمان), في كتاب عن الاستعماري الإنجليزي "كتشنر"، وأن مصطلح "الجنس المتفوق", أو "الجنس السيد" مأخوذ من كتابات العالم الأمريكي الأنثروبولوجي "ماديسون جرانت", والعالم الفرنسي "لابوج"، وأن رؤيته العرقية, هي نتيجة أربعمائة عام من البحوث العلمية الغربية، فالنازية كما أكد "روزنبرج" لمحاكميه جزء من الحضارة الغربية الحديثة.
ولعل أكبر دليل على أن الإبادة إمكانية كامنة، تضرب بجذورها في الإمبريالية الغربية، أنها لم تكن مقصورة على النازيين, وإنما تشكل مرجعية فكر وسلوك الحلفاء، أعداء النازيين, الذين قاموا بمحاكمتهم بعد الحرب, فـ"إرنست همنجواي"، الكاتب الأمريكي، كان يُطالب بتعقيم الألمان, بشكل جماعي للقضاء على العنصر الألماني, وفي عام 1940م قال "تشرشل" إنه ينوي تجويع ألمانيا, وتدمير المدن الألمانية, وحرقها وحرق غاباتها, وقد عبر كاتب يُسمى "كليفتون فاديمان", عن هذا الموقف الإبادي بشكل متبلور, ولم يكن "فاديمان" هذا شخصية ثانوية في المؤسسة الثقافية الأمريكية, فقد كان محرر مجلة "النيو يوركر" (وهي من أهم المجلات الأمريكية), ورئيس إحدى الوكالات الأدبية, التي أنشأتها الحكومة الأمريكية, أثناء الحرب بغرض الحرب النفسية, وقد شن حملة كراهية ضارية ضد الألمان, وجعل الهدف منها إضرام الكراهية, لا ضد القيادة النازية وحسب، وإنما "ضد الألمان ككل... فالطريقة الوحيدة لأن يفهم الألمان ما نقول هو قتلهم... فالعدوان النازي لا تقوم به عصابة صغيرة... وإنما هـو التعبير النهـائي عن أعمق غرائز الشعب الألماني، فهتلر هو تجسد لقوى أكبر منه، والهرطقة التي ينادي بها هتلر عمرها 2000 عام".
وقد اشترك بعض الزعماء والكتاب اليهود في هذه الحملة، فصرح "فلاديمير جابوتنسـكي" عـام 1934م, بأن مصلحـة اليهود, تتطلب الإبادة النهائية لألمانيا، " فالشعب الألمـاني بأسره يشكل تهديداً لنا", ولكن يمكن القول بأن كتاب الكاتب الأمريكي اليهودي "تيودور كاوفمان", كتاب بعنوان "لابد من إبادة ألمانيا", هو من أهم الكتب المحرضة على الإبادة، وقد استفادت منه آلة الدعاية النازية, وبينت أبعاد المؤامرة الإبادية ضد الألمان، وهو ما شكل تبريراً لفكرة الإبادة النازية نفسها, وقد ورد في هذا الكتاب, أن "كل الألمان مهما كان توجههم السياسي, حتى لو كانوا معـادين للنازيـة، أو شـيوعيين، أو حتى محبين لليهود, لا يستحقون الحياة، ولذا لابد من تجنيد آلاف الأطباء, بعد الحرب ليقوموا بتعقيمهم, حتى يتسنى إبادة الجنس الألماني تماما, خلال ستين عاماً".
وكان هناك حديث متواتر, عن ضرورة هدم ألمانيا ، وعن تحويل ألمانيا إلى بلد رعوية، أي هدم كل صناعاتها ومؤسساتها الحديثة (كما حدث لمحمد علي في مصر), ونجحت غارات الحلفاء على المدن الألمانية, في إبادة مئات الألوف من المدنيين, من الرجال والأطفال والنساء والعجائز, وتحطيم كل أشكال الحضارة والحياة, وقد بلغ عدد ضحايا الغارات, على مدينة "درسدن" الألمانية وحـدها 200 ألف قتـيل .
كما اسـتمرت النزعة الإبادية بعد الحرب، فقامت قوات الحلفاء, بوضع مئات الألوف من الجنود الألمان في معسكرات اعتقال, وتم إهمالهم عن عمد، فتم تصنيفهم على أساس أنهم "قوات معادية تم نزع سلاحها", بدلاً من تصنيفهم "أسرى حرب", وإعادة التصنيف هذه, كانت تعني في واقع الأمر حرمانهم من المعاملة الإنسانية, التي تنص عليها اتفاقيات جنيف الخاصة بأسرى الحرب، وبالفعل قضى 793,239 جندي ألماني نحبهم في معسـكرات الاعتـقال الأمريكية عام 1945م، كما قضى 167 ألف نحبهم في معسكرات الاعتقال الفرنسية, نتيجةً للجوع والمرض والأحوال الصحية السـيئة (حسبما جاء في دراسة لجيمس باك )، وفي الوقت ذاته كان يوجد 13.5 مليون طرد طعام في مخازن الصليب الأحمر،تعمدت سلطات الحلفاء عدم توزيعها عليهم.
وتظهر نفس النزعة الإبادية, في تعامل الحلفاء لليابان، فقبل اكتشاف القنبلة الذرية، كان الجنرال الأمريكي "كورتيس ليماي" يقوم بتحطيم مدن اليابان الواحدة تلو الأخرى, بشكل منهجي لم يسبق له مثيل في التاريخ, فخلال عشرة أيام في مارس 1945م، قامت الطائرات الأمريكية بطلعات جوية بلغ عددها 11.600، تم خلالها إغراق 32 ميل مربع من أكبر أربع مدن يابانية بالقنابل، وهو ما أدى إلى محو هذه المساحات, وكل ما عليها من الوجود وتسببت في مقتل150.000 أنسان, أما الغارات الجوية على طوكيو يوم 25 مايو 1945م، فتسببت في اندلاع عاصفة نارية ضخمة, حتى أن قائدي الطائرات المقاتلة, كانوا يشمون رائحة لحم البشر المحترق, وهم على ارتفاع آلاف الأقدام, وأدت هذه الغارات إلى مقتل الآلاف, وتشريد مليون شخص على الأقل.
وكانت عملية الإبادة, من الشمول لدرجة أن الجنرال "جروفز", المسئول عن مشروع "مانهاتن" لإنتاج القنبلة النووية, كان يخشى ألا يجد أي هدف سليم, يمكن أن يلقي عليه بقنابله ويدمره, ورغم أن الولايات المتحدة كانت تعرف أن اليابانيين كانوا قد بدأوا يفكرون بشكل جاد في إنهاء الحرب، فقد رأى الجنرال "جروفز" ضرورة استخدام القنبلة مهما كان الأمر (بعد أن تم إنفاق 2 بليون دولار في تطويرها ), كما أن الرئيس الأمريكي "ترومان" كان يشعر بعدم الثقة في نفسه أمام "تشرشل" و"ستالين"، ولذا كان يود أن يذهب للاجتماع بهم, وهو في موقع قوة، خصوصاً وأن الدب الروسي كان قد بدأ في التضخم, ومن ثم كان لابد من إلقاء القنبلة الذرية, بغـض النـظر عن عـدد الضحـايا أو حـجم التدمـير, وكان الجـنرال "جروفـز" " محظوظاً " (كما تقول بعض الدراسات), إذ وجد ضالته المنشودة في "هيروشيما" التي كان يقطنها 280 ألف نسمة, ووجد أنها محاطة بتلال, يمكن أن تُحول المدينة إلى جهنم حقيقية بعد الانفجار, إذ أنها ستركز الحرارة. وبالفعل قُتل فور وقوع الانفجار 70 ألف مدني, ومات 130 ألف آخرون, بعد عدة شهور, متأثرين بحروقهم من الإشعاع, وكأن هيروشيما لم تكن كافية، فألقيت قنبـلة أخرى على ناجازاكي، أدت هي الأخـرى إلى مقـتل 70 ألـف آخرين، غير مئات الألوف الآخرىن, الذين لقوا مصرعهم فيما بعد .
فما بين ألمانيـا واليابـان تم إبـادة وإصـابة حوالي مليوني شخص معظمهم من المدنيين.
وإستمرت بعد الحرب عمليات الإبادة والتطهير العرقي على قدم وساق في الكثير من البلدان ولا تزال بعض الدول الغربية تراقب هذا بحياد غير عادي, فلم تمض أكثر من ثلاث سنوات على انتهاء الحرب, حتى جرت واحدة من أكبر عمليات الإبادة عن طريق التطهير العرقي والتصفية الجسدية المتعمدة في فلسطين, حيث أُقتلع أكثر من ثلاث أرباع الشعب الفلسطيني من أرضه ودُمرت قراه ومدنه ونُهبت أملاكه, والغريب بالأمر أنه قد تم على أيدي ضحايا الإبادة النازية .
وتحت إسم نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان وإسقاط النظام الديكتاتوري, سقط أكثر من مليون ونصف المليون عراقي كنتيجة مباشرة للإحتلال الأمريكي .

إبادة الآخر إذن آلية أساسية استخدمها وما زال التشكيل الحضاري الإمبريالي الغربي, وإمكانية كامنة في داخلها, ومع هذا تظل الإبادة النازية لها مركزيتها الخاصة عند الإنسان الغربي, فكيف نفسر هذا؟
تعود هذه المركزية, أن الإبادة النازية أول إبادة إكتسبت صفة المنهجيةوالشمولية والتنظيم ذو المستوى العالي, وإستخدمت أحدث الوسائل والمبتكرات حينذاك، الأمر الذي جعلها تقض مضجع الإنسان الغربي .
كما أن الإبادة الاستعمارية كانت تتم دائماً بعيداً عن أوربا، في آسيا وأفريقيا والأمريكتين، أما الإبادة النازية فتمت على الأرض الأوروبية ، وعلى بُعد أمتار من منازل المواطنين العاديين.
كما أن الإنسان الذي أُبـيد, لم يكـن داكـن اللـون أو أصفر أو أحمر، وإنما إنسان أوروبي, وهكذا وحينما صرعته الإبادة النازية, ودفع ثمنها, تنبه الإنسان الغربي, إلى الإمكانية الكامنة ، التي تقف فاغرة فاهها، في قلب حضارته الحديثة, وكحجر زاوية في سياسة حكوماته ولهذا وحتى اللحظة لم يستطع التخلص منها .






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,386,592,925
- القومية اليهودية
- الشلة والصهيونية والحوار المتمدن
- ملابسات قرار تقسيم فلسطين
- معاداة اليهود (4-4) .. في العالم العربي
- معاداة اليهود (3-4) .. الهولوكوست
- معاداة اليهود (2-4)
- معاداة اليهود (1-4)
- -وعد بلفور-.. العقد الإمبريالي الصهيوني
- مقتل القذافي بين اللاشعور والمؤامرة
- المطلق والنسبي في التاريخ التوراتي
- مخاطر التطبيع مع إسرائيل
- التاريخ اليهودي
- الصهيونية المسيحية (2 - 2)
- الدولة المدنية والقوميات بين الواقع والطموح
- الصهيونية المسيحية (1-2)
- لماذا نرفض يهودية إسرائيل
- الصهيونية (34) .. الدور الوظيفي الجديد
- الصهيونية (33) .. الدعاية المراوغة
- الصهيونية (32) .. إسرائيل العظمى إقتصاديا
- الصهيونية (31) .. المفهوم الصهيوني - الإسرائيلي للسلام


المزيد.....


- كيفما يولى عليكم تكونوا / محمد باني أل فالح
- كلنا مهاجرون / غسان صابور
- نعم للتضامن مع أهلنا في الجنوب المضطهد تحت سلطة جزب الله !!! / عبد الرزاق عيد
- مذبحة كفر قاسم: محطة من محطات الإرهاب الصهيوني المتواصل / محمود سعيد كعوش
- حول مشروع قانون العمل : افشال قانون عمل يشدد عبودية العمال ي ... / الحزب الشيوعي العمالي العراقي
- لنوقف إستباحة الوعي / يوسف غنيم
- 9نيسان 2003 تحويل السلطة الى مدينة فاضلة / عمار طلال
- اليسار شلح السوري يخوِن اليسار الفرنسي / روبير البشعلاني
- اغتيال وسام الحسن عملية صهيونية سورية مشتركة / خالد عبد القادر احمد
- من يستحق الرجم ابليس أم حكام العرب...؟؟؟ / راسم عبيدات


المزيد.....

- -الضباب-.. مستقبل شاشات الكمبيوتر
- أردوغان يغلق طريق عودة غُل للسياسة
- منظمة برتغالية تشجب أعمال القمع المغربية في المناطق الصحراوي ...
- تواصل أشغال المنتدى الثاني للجاليات الصحراوية في أوروبا وسط ...
- الاتحاد الأفريقي أمام "معضلة" السيسي وسلامة يرفض ا ...
- العراق: قتلى باستهداف جامعة الإمام الكاظم وعملية إخلاء بمدين ...
- القوى الرئيسية تدخل الانتخابات وعينها على المناصب الكبرى
- 7964 مركزا للاقتراع في عموم العراق وأخرى في 19 دولة
- تصريحات ابن شقيق طالباني تثير استياء أحزاب كردية
- الديمقراطي يؤكد حادثة هجوم السليمانية ويتحدث عن تفاصيلها: سن ...


المزيد.....

- حركة النهضة ، ثلاث سنوات من الحكم / نورالدين المباركي / اعلامي
- بعد ثلاث سنوات من الثورة في سورية: من أجل إعادة نظر شاملة / سلامة كيلة
- عزازيل / د. يوسف زيدان
- طريق اليسار - العدد 58 / تجمع اليسار الماركسي في سورية
- الخديعة الكبرى ـ العرب بين الحقيقة والوهم / ياسين المصري
- فايروس نقص المناعة الجديد , الارهاب , ثقافة الخوف / قصي طارق
- المرأة والربيع العربي / نبراس المعموري رئيسة منتدى الاعلاميات العراقيات
- الجيش والفاشية والمستقبل / الهامي سلامه
- استراتيجية شرعنة المؤسسة الملكية بالمغرب ما بين 1962و 1992 / عبد الفتاح أيت ادرى
- الخديعة الكبرى ـ العرب بين الحقيقة والوهم / ياسين المصري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد أبو شرخ - الإبادة النازية .. السياق الإمبريالي الغربي