أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر - سنان أحمد حقّي - إلى ذات التنورة النيليّة والسماء الزرقاء..!















المزيد.....



إلى ذات التنورة النيليّة والسماء الزرقاء..!


سنان أحمد حقّي

الحوار المتمدن-العدد: 3863 - 2012 / 9 / 27 - 10:46
المحور: الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر
    


إلى ذات التنورة النيليّة والسماء الزرقاء..!
عندما نستلقي على ظهورنا وننظر إلى السّماء في تلك الأماسي الخريفيّة ، ننظر إلى أسراب الطيور التي لم تعد تمرّ في سماءك أيّتها الصبيّة التي تتراقص ظفائرها خلف ظهرها وترتدي تلك التنّورة النيليّة والقميص الأبيض المنشّى والشرائط الحمراء وكأن أغنية فيروز التي تقول فيها : سمرة يا ام عيون وساع يا أم التنورة النيليّة كأنها قيلت فيكِ، سماءٌ زرقاء وتنّوراتٌ زرقاء وطيور تنطلق كالسهم في فضاء تتخلّله قطع السحب البيضاء.
في مثل تلك الأيام كانت البساتين غير مهملة والأرض وافرة الخضرة ، وافرة الإزهار والنخيل يانعة السعف لامعة الخضرة وظلالها وارفة تمنح جميع ما يتخللها من أشجار ونبات ظلا ساحرا وتجد أشجارا كثيرة تنمو إلى قرب جداول صغيرة وكثيرة جدا وقناطر من جذوع النخل ويمامات تتخاطف طيرانا وهديلا بين الأغصان المتشابكة ويُترجم لنا الصبيةُ هديلها : “كوكوتي يا بنتي ، شتاكلين ؟ باقلاء، شتشربين؟ ماء الله”
ثم يسود صمتٌ يُمزّقه تغريد البلبل .
الشطّ يُلامسه النسيم الهادئ فيرسم على صفحته خطوطا متشابهة ويشقّ صفوه تجذيف أقدام البط وهو يسبح عابرا إلى الضفّةِ الأخرى
هدوء ٌ هو وليس صمتْ.
ايّتها الصبيّة يا ذات التنّورة النيليّة هل تذكرين الربيع الذي يأتي بعد شتاء قصير فنبدؤه بالسفرات والتنزّه في الصحارى القريبة الزاهية؟ ومنّا من يذهبون ليقضوا شهرا أو نحو ذلك مستصحبين معهم الخيام وأدوات الطبخ منطلقين ومبتهجين بعد أن اضطرّ البرد معظم الناس أن يلجأوا إلى منازلهم ، ننطلق في تلك الصحراء الساحرة والعجيبة الغريبة ، الصحراء لا يتوقّع أن يجد المرء فيها شيئا إذ هي صحراء ؛ ولكنّها في الحقيقة مليئةٌ بكل شئ وهي قبل كل شئ ملوّنة بأزهار متنوّعة وعبقة بل فوّاحة بأريجها النفّاذ وأرض الصحراء المنبسطة والخضراء المزهرة بألوان العرار والأزهار البريّة كبساط رائع تنسجه الطبيعة خصيصا مرحّبة بزائريها.
من يطعم من خبز الرقاق والحليب المهيّل صباحا وهو يتأمّل الفضاء الذي لا نهاية له ذلك الفضاء الصّافي والنقيّ الذي لا تُصاحبه ولا ذرّة تراب أو غبار ونجلس لنتأمّل شروق قرص الشّمس الدامي وسط ذلك السكون المذهل الذي يوحي بأشياء عجيبة ورائعة ويدعو للتفكّر والـتامّل بمختلف الأشياء بدءا من الخليقة ونشأة الكون إلى التاريخ الطويل والأجداد الذين ساروا على تلك الرمال بقوافلهم وبثغاء الجمال وحداء الحداة . ويبدأ الطقس يسخن بعد نسيم بارد جدا لا تستغني فيه عن رداء مناسب حتّى لو كنت في عز الصيف ففجر الصحارى بارد ونسيمه عذبٌ وساحروليس هناك أجمل من ليل الصحراء خصوصا عندما يُزيّن سماءها هلالٌ زاهِ كبير ونجومٌ مزهرات لامعات حيث تبدو السماء كما يُقال بستانا مليئا بأزهار الأقاح تماما ، وتتسائل كيف يقولون أن عدد النجوم والأجرام التي نستطيع أن نراها بالعين المجرّدة من على سطح أرضنا أو امّنا الأرض لا تتجاوز الثلاثة آلاف جرما ؟ كيف؟ ولا أحد يمكن أن يُصدّق هذا الكلام إذ ها هي مليئة بالأجرام اللامعة التي تبدو وكأنها لا تنتهي .
ولا أحد يُصدّق دقّة إنبساط الأرض واستوائها فهي مستوية إلى حدّ عجيب وكأن أحدا قام على ذلك عن عمد.
أيتها الصبيّة يا ذات التنورة النيليّة أحدّثك عن مكانٍ خالٍ ولكنه غنيّ بالعطاء الوفير حيث رأينا كيف يتم جمع الكمأ من الأرض فضلا عن كثير من الحشائش الصالحة لتناول الإنسان كرشاد البر وكثير من الأعشاب الطبيّة والتي يعرفها أهل البادية وكأنهم يعرفون أبناءهم.
مساء الصحراء يحلو فيه السّمر والغناء والضرب على الدفوف وتذكّر الأهازيج الشعبيّة وهناك يستطيع كل امرء أن يصدح بصوته بأعلى ما يستطيع فلا يُزعج أصحابه لسعة الفضاء المحيط. يا أم التنّورة النيليّة !
والنوم في الصحراء وفي خيمة يعني كثيرا من الشجاعة إذ ليس ما يسترك عندما يواجهك وحش ما فأنت والوحش وجها لوجه لا ربوة تحميك ولا نهر ولا جدار أو شجرة!...
في الربيع تحلو مراقبة صيّادي السمك في النهر لا سيّما وهم يُلقون شباكهم إلى النهر ليستخرجو منه أنواعا من الأسماك واغلبها في مطلع الصيف ،هو سمك الصبور الذي يبدو كقطع الفضّة اللامعة برّاقا وهو يخرج عالقا بالشباك من النهر
وللصبور هناك في مدن الأحلام قصّة طويلة فهناك صبور نهري ويُسمّى صبور الشط وهناك صبور بحري يُسمّى صبور الصنكر وهو الصبور الذي يتم إصطياده في المرافئ والموانئ حيث يكون اقلّ جودة من الصنف الأوّل لأنه شبه بحري، والصبور يا ذات التنورة النيليّة له تاريخ مع مدن الأحلام فلا يوجد بيت في موسمه إلاّ يجعل من الصبور غدائه وهو يُشوى فقط ولا يصلح لأي نوع من أنواع الطهي الأخرى ولكن مما يُزيّنه هو حشوه بخليط من التمر هندي والثوم والبهارات البصريّة المتنوّعة وبها فقط يلذّ ويطيب طعمه ولكن الجميع بعد تناوله يشعرون بالخمول والرغبة في قضاء قيلولة هادئة وقد إجتهد كثيرٌ من الأهالي في سبب ذلك حيث يحدث في الغالب مع الصبور فقط ومنهم من جعل ذلك النعاس مصاحبا للصبور بسبب مادّة موجودة في هذا النوع من الأسماك ولكن آخر رأي طلع به أحدهم علينا أنه ليس لهذا السبب بل هو بسبب الثوم الذي يوضع في الحشو ولكن نفس الحشو يوضع أيضا في جميع أنواع السمك الذي يُعالج طهيه بالشواء فلماذا لا نشعر بنفس الشعور مع كافة أنواع السمك؟
البط البرّي له موسمه أيضا وأطيب أنواعه هو الخضيري وفيه غرائب أخرى فله بدل اللحم الأبيض الموجود في صدر الدجاج لحم أحمر أو بنّي وبعد الطهي يُصبح هشّا جدا كما ان بيض هذا الطائر أخضر وليس أبيض ولهذا يُسمّى بالخضيري وهناك أنواع ادنى من البط البرّي أيضا والخضيري بلا شك ألذّ من الدجاج إذا أُحسِن طهيُه، فهو طير حرّ والحرّ غالبا ما يكون أطيب وألذّ طعما من الداجن.
يا ذات التنورة النيليّة لو رأيتِ بساتين تلك القرى تجدين فيها ما لذ ّ وطاب من الفواكه وكذلك أنواعا من الخضار والحاصلات الزراعية فلو إستثنينا التمور فهناك أشجار الكروم والرمان والتين والأجاص والمشمش واشجار المانجو وأشجار أخرى ثمارها ليست للبيع أو الإتجار مثل التوت و( البمبر) والسدر( النبق) حيث يتم تهاديها مجانا وخصوصا للصبية والأطفال الصغار وكلها توجد لها أنواع كثيرة فأنواع الكروم متعدّدة وكل نوع له مذاقه وهناك أكثر من عشرة أنواع منها السلطاني والكشمشي وديس العنز والحلواني وغيرُه والتين منه الأسود والأبيض وشجرته ليست كأشجار التين في المناطق الأخرى إذ تُزرع منها شجيرات أرضيّة والتي لا تحتاج إلى عناء في جنيه والمانجو ( العنبة أو كما يُحب أن يُسمّيها بعضهم همبة) منها الصفراء ومنها الحمراء ومنها ما يُدعى بالمخدّدة أي لكل خدّ منها لون وتجد كثيرا من الفلاحين يُحاولون أن يُبعدوا البلبل عن الفواكه لأنه طائرٌ فطين فهو وإن كان محلّقا عاليا فإنه يميّز حبّة الفاكهة الناضجة فيتوجّه إليها ولهذا يمكن أن تلقى حبّات الفواكة مضروبة وتالفة بسبب البلبل كما قلنا ولذلك تخيط النسوة كثيرا من اكياس القماش لتغليف عناقيد العنب او الرمّان أو غيرها حتّى يحين وقت جني المحصول وبهذا فإن كثيرا من الفواكه المغلّفة تراها نظيفة وزاهية بسبب عدم ملا مسة الغبار لها عند الجني وأجمل ما فيها حبّات الرمّان حيث تنفلق حبّة الرمّان وهي في الكيس وتكبر وعند الجني ترى حبّة الرمّان الحمراء وكانها تحتوي على عقيق أحمر قاني ونظيف جدا يتلامع تحت شعاع الضوء امّا الرمّان أبيض الحبّ فإنه أبدع وأجمل حيث تبدو حبّاته كحبّ الماس اللامع والبرّاق.ومن الرمّان نوع لا تحتوي حبّاته على بذور صلبة ويُسمّى ( ملاّسي) ويفعلون كذلك مع عذوق التمر فيما يختصّ بتغليفها بأكياس من القماش الخفيف ليحميها من الغبار، وعندما يحين موسم جني ثمار النارنج فإنك ترى الشجرة تُضئ بألوان النارنج البرتقاليّة وكأنها مصابيح وكذلك شجر الليمون وقد قيل أن تلك المدن كانت تزرع أنواع الحمضيات ومنها ما يُدعى بنومي البصرة والذي نستورده الآن من الهند وبعض البلاد الأخرى .
امّا الخضار..! فلم يكن هناك نوع من أنواع الخضار لم تصلح الظروف لزراعته كالباذنجان والبامية وهي من أفضل أنواع البامية في العالم طعما وسهولةً في طهيها وكذلك نوعان من الشجر( الكوسة والحاج أحمد) والطماطة والبصل والثوم واللوبياء والباقلاء والفاصولياء والبزاليا والخيار وهو على نوعين الطرح وهو الذي يُسمّيه أهل بغداد بالتعروزي فضلا عن الخيار الإعتيادي وكذلك البطيخ ( الشمام) امّا البطّيخ الجيّد فموطنه عند مبتدا الأهوار حيث يُزرع نوع نادر ذا رائحة زكيّة عطرة وجميعه حلو المذاق أو كأنه ممزوج بالسكّر ولكن البطيخ الآخرالذي نسميه بالرقّي فله مزارع أخرى على الوجه الصحراوي ولكنه لا يُعادل رقّي بغداد والكوت والموصل وديالى الأحمر والحلو كما يقول البائع .
للتمر في دنيا الأحلام أنواع كثيرة جدا وبلغنا أنه تم حصر أكثر من 150 نوعا وبعضهم يقول أنه كان هناك حوالي 250 نوعا ولكن معظمها إختفى لأن الناس إقتصروا على إكثار عدد محدد من الأنواع المرغوبة والناس كانوا يُصنّفونه على نوعين الأول حار والثاني بارد فالبارد هو البرحي والبريم والخضراوي والحلاوي والحار من مثل الساير والزهدي ومن الأصناف العزيزة أيضا صنف القنطار الذي يُستخلص منه الدبس بالطريقة الباردة أي أنه يوضع في حوطة من الطين مبطّنة بالبواري أي القصب المنسوج حتّى تحين ساعة يُصبح الجو فيها رَطْبا جدا؛ عندما تكون الرياح جنوبيّة شرقيّة فيسيل القنطار لأنه تمر رقيق القوام وتصبّ المدبسة ويهرع الفلاحون لملئ الأواني الفخاريّة وما يملكون من علب وأواني حتّى تتوقّف المدبسة ثم يجمعون ما تبقّى من التمر فيُعيدون تعليبه ( كبسه) ولا يصلح لهذا العمل سوى تمر القنطار وتوجد أنواع أخرى لحمة تمرها قويّة مثل البريم ويُجنى محصولها قبل أن يُصبح رطبا لكي يُجفّف بطريقة الطبخ ثم يُنشر في الهواء فيجفّ ويُعتبر نوعا نادرا يُحفظ لأيام الشتاء لتناوله مع الجوز وله مذاق لذيذ جدا وهو نوع من الأنواع الفاخرة ويمكن أن تتم نفس المعالجة مع نوع الجبجاب أو نوع الخصاب أو بعض الأنواع الجيّدة الأخرى.
ومع أن البرحي هو سيّد التمر ولكنه لا يصلح لبعض الحلويات مثل ( المعسّل) لأن التمر كلّه يذوب عند الغلي أو الطهي ما عدا نوع الخضراوي فهو الوحيد الذي يصمد لغرض عمل المعسّل الذي يُغلى بالدبس ( دبس القنطار والذي يُسمونه أبو دمعة ) ويُحشى بالجوز أو اللوز وتُضاف له حوائج خاصّة ومطيّبات يختصّ بها وحده.
أمّا الأنواع المتدنّية مثل الزهدي فيتم منها عمل الخل لغرض عمل الطرشي بما ينتج منها من خلّ والباقي يُعطى للدواب لتغذيتها فمعروف أن الأبقار لو تناولت كميّة من الحشف( التمر المتبقّي ) فإن حليبها يكثر ويتحسّن ويُقدّم نوى التمر الذي يؤخذ من المكابس إلى جانب الحشف كغذاء للدواب وخصوصا الأبقار والأبقار تُحبّه لأنه حلو المذاق أمّا النوى فلا يُقدّم لها إلاّ بعد أن يُنقع لفترة مناسبة لكي يكون سهل الهضم .
يا ذات التنورة النيليّة..
في مُدنِ الأحلام كان كل شئ يؤخذ من النخلة فالسعف تُنسج من خوصه الكثير من الأدوات مثل المراوح اليدويّة والسلال والحصران ( وتُسمّى واحدتها بالبلّة) إن كانت من خوص النخيل أمّا إذا كانت من القصب فتُسمّى ( بارية) وأمّا إن كانت من نبات الجولان فتُسمّى بالحصير أو حصير الجولان وهو أكثر راحة عند الإستعمال لأنه سميك وإسفنجيّ .
كل شئ ترينه يا ذات التنورة النيليّة هناك في الغالب هو من صنع النخلة فالبيوت سقوفها من جذوع النخل والقناطر التي تعبرين عليها الجداول كذلك والأثاث والأسرّة والكراسي هي من جريد سعف النخيل وفضلا عن كل شئ فإن الوقود كان من سعف وجريد وجذوع وكرب النخيل حيث لم يكن هناك غاز ولا كيروسين .
وسائط النقل السائدة هي إثنتان الأولى القوارب والأبلام ويجري بواسطتها نقل الحاصلات الزراعيّة من الجداول الصغيرة إلى التي هي أوسع فأوسع حتّى بلوغ الشط الكبير
أمّا بداخل البستان فإن النقل يتم عن طريق إستخدام الدواب والحمير حيث لا تلوّث أبدا فكل الدواب تأكل من نبت أرض البستان وحشيشها وإذا تبرّزت وهي تسير فإنها تزوّد الأرض بالسماد الذي إن لم تكن هناك دواب فسيضطر الفلاح إلى شراء سماد،كما انها لا تحتاج إلى طرق معبّدة وتستطيع أن تصل إلى أي مكان في البستان لغرض حمل الحاصل أو إيصال أيّة لوازم وكل بستان كان فيها جاخور أي إسطبل لرعاية وتربية الدواب وهي في الغالب أبقار يحصلون منها على الحليب ويستخرجون منه اللبن والزبد وهو مصدرهم من زيوت الطعام في الغالب رغم أن البعض يزرع عددا من أشجار الزيتون ولكن الجو الحار أو شديد الحرارة يجعل حبّات الزيتون تحمل رطوبة أكثر مما تحمل زيتا.
يا ذات التنورة النيليّة ، لم يكن أحدا يشتري شيئا من السوق بل لم يكن في القرية سوق أبدا ما عدا رجل يأتي كل بضعة أيام ومعه خروف أو أثنان فيشتري الناس منه اللحم ولم يكن غذاؤهم كل يوم لحما إذ أن جميعهم يصطادون في النهر القريب وهو ملئ بالسمك وبنوعين أو ثلاثة أنواع متوفّرة في كل موسم غالبا ، فضلا عن الدواجن المتوفّرة بكثرة سواءً لأغراض اللحم أو البيض وفي ( الشاخة) وفي النهر المتوسط والمتفرّع من الشط الكبير يحلو السمر كثيرا ففي كثير من الأماسي عندما يكون الطقس مناسبا يخرجون بالبلم الجميل وهم يفترشون الوسائد الملوّنة النظيفة والجميلة وحيث يُحسن بعضهم الضرب على العود ليسمروا في بضعة سويعات وهم يستمعون إلى غناء بعضهم البعض
يا ذات التنورة النيليّة
الحياة في الأهوار صعبة وشاقّة ولكنها حافلة بالخيرات تلك الأيام فسوى البط البرّي يوجد الجاموس الذي يعيش في الماء ولا ترين منه شيئا سوى رأس الحيوان الكبير جدا ومن حليبه يحصلون على القشطة وهي من ألذّ ما نجد على مائدة الإفطار خصوصا إذا كانت مع العسل فهي أفخم أنواع الفطور في جميع أنحاء البلاد وربّما إلى يومنا هذا قد تُستخدم مع القشطة حلوى نهر الخوز ،وقوام حليب الجاموس غنيّ بالدهون والبروتينات فما يتبقّى من الحليب بعد نزع القشطة يمكن إستخدامه كحليب إعتيادي وبعضهم يُزوّد به معامل الألبان الحديثة ولا أظن أن معاملا منها بقيت إلى هذا اليوم!
والأهوار غنيّة بالأسماك وأهمها نوع البنّي وهو نوع فاخر ومرغوب ولذيذ ويمكن أن يصلح لمختلف أنواع الطهي وفي تلك الأيام الخوالي كانوا يُجفّفونه لكثرته وله مواسم تخلفها مواسم أنواع أخرى من الأسماك كالحمري والبياح وغيرها ويوجد أيضا سيّد السمك النهري ( القطّان) ولا تقتصر خيرات الأهوار على هذا فقط بل يُجمع منها القصب والبردي لعمل البيوت الريفيّة والبسط وخصوصا نبتة البردي المنتصبة بقامة عالية ومستقيمة تماما وسط المياه التي تغمر كل مكان وهذا البردي يُشكّل غالبيّة عمل أهل الأهوار وجمعه مهمة كل الناس نساء ورجالا إذ يعملون منه البسط والجديد منه يصلح علفا ممتازا إذ تحبّه الحيوانات لأنه يتكسّر في أفواه الدواب عندما يكون طازجا كما أن زهرة نبات البردي تُلقي رحيقا كثيرا لونه أصفر يتم جمعه وبيعه في المدن القريبة وهم يصنعون منه حلوى لذيذة بعد أن يخلطونه بالسكّر وبعد أن يُنقّونه من الشوائب ويُعالج على بخار الماء فقط مع خلطه بالهيل وماء الورد وبعد أن يبرد يُصبح حلوى يتهافت عليها الكبار والصغار وتُسمّى بالخرّيط لأنهم يخرطونه من زهرة البردي الكبيرة وهي مادّة غذائيّة مفيدة لأنها تحتوي على نسبة كبيرة من البروتين.
أهل الأهوار لم يكونوا يرغبون بالتقرب من المدن وأماكن الحضارة ولهم حياتهم الخاصّة وأعرافهم وتقاليدهم وأعزّ ما يُلاقون هي المصاعب في الحصول على التراب حيث يلزم لإنشاء بيوتهم ( الصرائف والجبش وجمعها جبايش) وتجدين يا ذات التنورة النيليّة أن عملهم اليومي يتكون من شيئين الأول هو جمع البردي والثاني هو عمل أقراص من براز الدواب لتهيئة الوقود لمواقدهم إذ لا يتوفّر عندهم خشب وليس هناك سوى هذا لأغراض المواقد وإشعال التنور مع بعض الأغصان والأحراش اليابسة الأخرى
ولن تجدي واسطة للنقل سوى المشحوف وهو القارب الهلالي الشكل الأسود اللون والذي لا غنى لأي شخص أو عائلة عنه ويطلونه بالقار لإحكام متانته عن تسريب الماء وجميع أهل الأهوار نساء ورجالا يقودون مشاحيفهم ببراعة وسرعة ويستخدمها رجالهم في الصيد أيضا
إيه ..يا ذات التنورة النيليّة..
لقد كانت أطيب الأوقات هي تلك التي يقضيها بعض الموسرين على ضفاف الشط الكبير وسط حديقة واسعة تُسمّى ( بكشة وهي تسمية تركيّة لفظها اليوم بقجة وتعني حديقة) وغالبا ما تكون منسّقة بعناية ولا يتم زراعتها إلاّ بالزهور والرياحين وكل ما يعود بالمنظر الجميل والعطر الفوّاح ويتم إنشاء ( سوباط) أي مكان ظليل للجلوس ويحتوي على أواني فخاريّة لتبريد الماء الصافي والذي يؤخذ من الشط الكبير وتظلله عينة من الشجيرات المثمرة والنادرة وبعض دوالي الكروم وبعض من أندر أنواع النخيل ولكن أهم ما فيها هو الزهور اليانعة والملوّنة وهي بمثابة مضافة صاحب البستان وفي الربيع تجد كثيرا من أهالي المناطق المجاورة للبلاد يُقبلون على زيارة تلك ( المحولات) لقضاء أماسي رائعة تتذكّرين فيها جنان الخلد وأنت ِ تستمعين إلى تغريد الطيور والبلابل ومجذاف البلم العشّاري ( المردي ) وهو يخترق مياه النهر وكم استضافت تلك المحولات(مفردها مْحَوْله وتُجمع في مناطق أخرى محاويل على نحو قضاء المحاويل) أدباء وفنانين وشخصيات عشائريّة ودينيّة وسياسيّة ، وكان أعيان ومشايخ الجزيرة العربيّة يقضون الربيع وأوائل الصيف هنا .
ولهذا فإن لهذه الجنان فضل بإخراج قائمة طويلة من الشعراء والأدباء والفنانين فضلا عن أعيان الكتاب والعلماء والمؤرخين والمثقفين
يا ذات التنورة النيليّة ..
للبحر سحر مختلف جدا وهم ينطلقون فيه في مواسم خاصّة يستهدفون أمرين رئيسيين الأوّل صيد اللؤلؤ وهي أصعب مهمّة حيث يتدرّب الرجال قديما على حرفتين الأولى الغوص وهي مهنة الرجل الذي يغوص في مياه البحر ويجب أن يتوفّر له طول النفس ليبقى فترة أطول داخل البحر وأن يكون عارفا بالأحياء المائيّة ومواضعها لأن منها ما هو سام وهو يبدأ بإغلاق أنفه بقارصة خاصّة ويربط نفسه بحبل متين ثم يغوص وعندما يبلغ قاع البحر يبدأ بجمع المحار بأسرع ما يمكن ويجمعه في حقيبة خاصّة والنوع الآخر من الرجال ويُسمّون ( السيب) وهم الذين يسحبون الحبل الذي يربط الغواصين فيرفعونهم من تحت الماء إلى أعلى ومهمتم هذه ليست سهلة إذ تتوقف حياة الغواص عليهم حيث يجب أن يسحبون الغواص بأسرع ما يمكن عندما يرسل لهم إشعارا بهزّ الحبل وغالبا ما تتقرّح راحات أيدي هؤلاء من وزر سحب الحبال مرّات ومرّات عديدة وقد يحصل أصحاب مهنة صيد الؤلؤ على ما يسدّ تعبهم وقد لا يحصلوا وهم في الغالب يبيعون المحار قبل فتحه لأحد التجار وهو يقوم يتشغيل أجراء لفتح المحار وإذا كان محظوظا فإنه يحصل على بعض اللآلي أو أحيانا لؤلؤة كبيرة تُدعى دانة ,
أمّا رجال البحر الآخرون فهم في الغالب صيّادوا سمك وللأسماك البحريّة حديث آخر مشوّق فهناك مواسم تمتلئ الأسواق فيها بالأسماك البحريّة كثيرة الأنواع ومنها أنواع نادرة وفاخرة ومرغوبة جدا مثل الزبيدي أو الداكوك وتوجد أنواع أخرى جيّدة مثل الهامور والنقرور فضلا عن الشانك والحمام والشعم وغيرها كثير ولكن هناك مواسم خاصّة لأسماك الخباط ونوع مشابه له يُدعى كباب بالكاف المعجمة ( g )وهو النوع الذي يجري في الغالب تجفيفه بعد وضع الملح ويُحفظ إلى فصل الشتاء حيث يُستخرج ويُسلق وتتم إزالة العظام والجلد وهناك طرق عديدة لطهيه منها المقشّط ومنها المسموطة أو التثخانة وسوى ذلك كثير ، وتوجد أنواع بحريّة أخرى لها روّادها مثل المزلق وبنت النوخذة ولكن النوع الفاخر الآخر بعد الزبيدي والداكوك هو الروبيان والروبيان البحري يختلف عن أنواع منه نهريّة إذ أن البحري أكبر وألذّ طعما ولا يكون عصيا على الطهي غالبا وهناك سمك أبو سيف وأنواع كثيرة أخرى .
وللبحر روّاد آخرون وهم الذين يُتاجرون مع الهند وخصوصا ميناء بومبي فلقد كانت هناك علاقات متينة بين البصريين وأهالي ميناء بومبي الشهير كما كان هناك خط سير بحري بينهما تصل من بومبي باخرة كل يومين أو مرتين في الأسبوع وتعود إلى بومبي وتحمل تلك البواخر سلعا وبضائع متنوّعة كثيرة ولكن أهمها أنواع البهارات الهنديّة الشهيرة وطرشي المانجو المعروف وكانوا يأتون ببراميل من ذلك الطرشي ومن أفخر الأنواع كما تصلنا بواسطة تلك البواخر أنواع من الفواكه الهنديّة الفاخرة مثل الموز أبو نقطة وهو نوع له رائحة عطريّة نفّاذة وطعم فريد وتكون قشرته خفيفة جدا ومنقّطة بنقط سوداء ويوجد لديهم نوع آخر من الموز يكون الإصبع منه عريضا وقصيرا وهو يُعدّ من أفخر أنواع الموز كما يرد إلينا الليمون الذي يُسمونه ( لايم) وهو نوع فريد أيضا وتستورد تلك البواخر كثيرا من الأخشاب النادرة والأثاث المنقوش والمطعّم وكثيرا مما تُشتهر به الهند كالشاي وبعض المنسوجات
في تلك المدن الحالمة وعندما يحصل موسم أمطار جيّدة وحيث تمتلئ المراعي بالحشائش فإن الأغنام تكثر وتسمن وتنمو بحيث أنها تُعطي كميّة من اللحم مضاعفة تقريبا ويقول الرعاة عن مثل تلك المواسم أن إلية الخروف تسمن بشكل إستثنائي إلى أن تنفطر لكثرة نمو اللحم والشحم نظرا للخيرات التي يأتي بها المطر وكان اللحم في تلك المواسم ينخفض سعره كثيرا ولا تجد بيتا من بيوت الفقراء أو البسطاء إلاّ ويعمل ( حميسة) وهي وجبة من لحم الضأن مع الطماطة ومعجون الطماطة وكثير من البهارات ويتم قليها بالزيت مع البصل وقليل من الثوم

يا ذات التنورة النيليّة إذا سألتِ عن بيوتنا في المدينة فلها نكهة وحكاية أخرى ، ففي الشتاء يختلف الأمر عن الصيف وأغلب البيوت هي شناشيل أي أن الطابق الأرضي يتكون من مدخل يؤدّي إلى دهليز والدهليز بدوره يؤدّي إلى حوش وسطي يوزّع إلى جوانبه مناطق مظللة مكشوفة تُدعى طارمة وفي إحدى الزوايا يقع المطبخ والسلالم التي تأخذك إلى أعلى وفي أحد الجوانب يقع الحمّام وغالبا ما يُجاور السلالم مرافق صحيّة وكل الأبواب تطلّ على الحوش ما عدا غرفة الإستقبال والتي تٌسمّى بالديوانيّة وفي البيوت الكبيرة تُلحق بالديوانيّة الكبيرة غرفة لتناول الطعام امّا الطابق العلوي فيضم عددا آخر من الغرف ولكن بواجهات من الخشب لها أطناف أو بروزات على الشارع ولها نوافذ رائعة هي ما يُدعى بالشناشيل كما توجد غرفة في الطابق النصفي أي عند صحن السلّم وهي غرفة لتناول الشاي عصرا وللجلوس والمحادثة وللقيلولة والتمتع بإغفاءة قصيرة ولكنها في الغالب لاتطل على الشارع بل على الحوش الداخلي ، في الصباح وبسبب الزجاج الملوّن الكثير في واجهات الغرف المختلفة وخصوصا التي تطل على الشارع فإن أشعّة الشمس تكتسب ألوانا متعددة منها الأحمر والأخضر والأزرق والأصفر وعند سقوطها على أرضية الغرفة فإنها تكوّن أشكالا وألوانا زخرفيّة بديعة جدا وقد يطول بقاؤها عدة ساعات إذ أنه يعتمد على إحداثيات ومحاور البيت والنوافذ بالنسبة لشروق الشمس وحركة الأرض ولمّا كانت معظم أيام السنة صحو فإن أشعة الشمس تكون مصدر بهجة ودفء طوال أيام الشتاء ما عدا أيام قليلة حيث يتبدّل الطقس ويحدث المطر.
الصيف شئ آخر تماما.
نترك إستخدام الطابق العلوي تماما تقريبا ولكننا نستخدم السطح العلوي والذي نسمّيه ( العالي )حيث نقضي ليالي الصيف مع النجوم والظلمة الحالمة وقارورة الماء الفخاريّة ( الشربة) وكثيرا ما كنّا نتناول العشاء في العالي ويضمّ يوميا الرقّي والخيار والباذجان المشوي( بابا غنوج) واللبن وبعض الخضار مثل الفلفل البارد والرشاد أو النعناع وهكذا كان الأمر حتّى بعد ظهور الراديو الترانسستر الذي زاد من بهجة تلك الليالي إذ أصبحنا نستمع إلى أغاني أم كلثوم وكثيرا من الأخبار السياسيّة ولكن ظهرت مشكلة معه إذ كنّا نستهلك كثيرا من البطاريات التي يُسمّونها الآن ( كلن) أي تشبه الصفيحة التي يُعبّأ بها زيت المحركات حجم غالون واحد ، ويرجع السبب إلى إغفالنا للراديو مفتوحا طوال الليل حتّى بعد أن نغفو ولهذا فإن البطاريّة سرعان ما تُستهلك .
وكانت هناك في تلك الأيام مشكلة أخرى وهي كيفيّة صعود كبار السن إلى السطح العلوي كل مساء؟ وقد بلغ بأحد مجاورينا من اليهود أن يستأجر حمّالا يوميّا يحمل جدّتهم وكانت قد بلغت أعتى العمر ، يحملها الحمّال ( العتّال) إلى أعلى السطح العالي مساءً ويُنزلها صباح كل يوم بأجر خاص وهي بعد بلوغها تلك السن كانت صغيرة الحجم ولم تكن ثقيلة الوزن كذلك ولكنها كانت تتمتّع بصوت نافذ وكأنه الصريخ.
قبل ذلك وقبل أن تتوفّر الأجهزة المنزليّة الكهربائيّة وقبل أن تنتشر أجهزة التبريد على أنواعها كنّا نضع على النوافذ هيكلا من جريد النخل محشوا بالعاقول ونرشّه بالماء وننتظر هبوب أي نسيم لكي نشعر وننعم بشئ من التبريد وأحيانا كثيرة يكون منعشا جدا ولكنه يُصبح بلا فائدة تماما عند تتحوّل الرياح إلى جنوبيّة شرقيّة أي ( شرقي) حيث يتوقّف الهواء ويكون رطبا أو محمّلا بقدر كبير من الرطوبة مما يجعلنا نشعر بانزعاج لا يوصف ( في هذه الأيام رأيت رجلا أجنبيا يتعامل مع الطقس بجمع الدرجة العظمى للحرارة مع الدرجة الصغرى لها مع الرطوبة النسبيّة ولو تجاوز المجموع حدّا معيّنا ولنقل مثلا 120 فإنه يعتبر الطقس ــ مزريا ــ وأقل من ذلك فهو حسنا وله بذلك جدول وتصنيف مثير، يُسمّيه بمقياس التعاسة)ولا ينفع العاقول ولا غيره ، وكان باعة العاقول في الغالب من البدو الذين يحملونه على البعران من الصحراء إلى المدينة وهو موسم إنتفاع أهل البادية بعاقولهم الذي يجب أن يكون نديّا أخضرا وجديدا والعاقول هو نفسه غذاء البعير أثناء رحلة العاقول هذه ،ولقد كان للمراوح الكهربائيّة دور في تغيير تلك الحال حيث لم تكن هناك سوى المراوح اليدويّة التي تُصنع من خوص النخيل وكان هناك أيضا مراوح من نفس الطراز كبيرة الحجم توضع في أعلى الغرفة وتُربط بحبل يجرّه صبي يتم إستئجاره لهذا الغرض للترويح عن الجالسين ولكن المروحة الكهربائيّة وضعت نهاية لكل هذا حتّى جاءت السنوات الحاليّة التي حصل فيها نقص حاد في إنتاج الكهرباء مما دعى الناس إلى تذكّر بعضها وإلى إستدعاء الماضي البعيد.
لقد إقتصرت منافع الكهرباء في البدء على الإنارة الليليّة وعلى المراوح المنضديّة قبل أن تنتشر المراوح السقفيّة وعلى زهد سعرها فإنه لم يكن بوسع الناس جميعا أن يشتروا مراوح أو تراكيب الإنارة المنزليّة بسبب تدنّي مداخيل المواطنين ولم تكن جميع البيوت تنتفع بالكهرباء وكان تأسيسها منزليا يدلّ على يُسر حال ذلك البيت وأهله فضلا عن الأرياف التي لم يكن ممكنا إيصال التيار الكهربائي لهم بسبب التكاليف العالية .
وطبعا لم نكن نعرف الثلاجة الكهربائيّة ولم نعرفها حتّى مطلع الخمسينيات أو حواليها وكذلك أمر أجهزة التكييف والتبريد ، والواقع أننا عرفناها جميعا بعد إنتهاء الحرب العالميّة الثانية بالتحديد كما لم نكن نعرف المدفأة النفطيّة ولا الغازيّة إنما كنّا نستخدم منقلة الفحم ولهذا قصص كثير أخرى إذ أن النفط البيض لم يكن شائعا توزيعه بل كان الموسرون يشترونه بالصفائح من محطة البانزين ولم يكن باعة النفط منتشرون بعد.
وما زلت أذكر كيف نُكِب الناس بأجهزتهم الكهربائيّة عندما تم تحويل التيار الكهربائي من تيار مباشر إلى تيّار متناوب حيث كانت جميع الأجهزة الكهربائيّة تعمل على التيار المباشر( Direct Current )أو D.C. وقد حاول الناس عمل المستحيل من أجل الإفادة من الأجهزة التي كانت تعمل على التيار المباشر دون الحاجة إلى شراء أجهزة حديثة ولكن دون جدوى حتّى طلع التجار على الناس بأجهزة جديدة تعمل على النوعين من التيار ( A.C. وD.C. )وهي أغلى سعرا طبعا وذهب ذلك مثلا ساخرا بين الناس ليُقال أنه جهازه يعمل أيسي ديسي وقد قيلت نوادر ونكات كثيرة حول هذا النوع من الأجهزة حتّى أصبح فيما بعد إصطلاحا للتعبير عن السلوك الإنتهازي سياسيا أيضا.
امّا صناديق الثلج فقد عشنا معها سنين طويلة إذ كنّا نشترك عند صاحب الثلج لتزويدنا بأجزاء القالب مرّتين في اليوم ونلفّه بالجنفاص ونضعه في الصندوق الخاص وعلى علبة خاصّة على شكل حرف لام الإنكليزي ليتم تبريد الماء وكذلك نضع الرقّي والخضار وربّما اللحمة التي نبقيها إلى المساء لغرض العشاء ويوضع كل ما نرغب بتبريده أو الحفاظ عليه إذ أن الصندوق الخشبي مبطّن بألياف الزجاج وبمواد عازلة تجعله يُحافظ على برودته وعلى قطع الثلج لفترة طويلة.
أمّا المبتكرات التي حصلت قبل جيلنا فلقد حكى لنا الجيل السابق حكايات كثيرة ونوادر جميلة عن أيام ظهور الكهرباء أو الراديو وقبله الكرامفون بأنواعه القديمة التي كانت إسطواناته أسطوانة حقيقيّة كالعلبة والإبرة جانبيّة تقرأ من الأعلى حتّى الأسفل بل كان يمكن محو الإسطوانه وكذلك إعادة التسجيل والمحو يتم بالنفط أو الكيروسين ولهذا كان يوجد إناء للنفط وقطعة قماش لأغراض محو التسجيل كما أخبرونا وحدّثونا عن أيام السيارة الأولى حيث قدّم الناس لها البرسيم والحشيش لـتأكل ولم يُصدّقوا أنها لا تأكل لأنهم ظنّوها دابّة والبعض ظنّ أن بداخلها دابّة تسحبها وكثير من هذه النوادر والطرائف الجميلة
والحديث طويل ..
وإذا سألتِ يا ذات التنورة النيليّة عن غايتي من إستعراضي هذا كلّه ، أقول ما قيل من قبل:
" ماذا تُخَبّئُ أيها البستان ؟
اني لأبحث في الدجى النعسان
عن زهرة ، وحمامتين ، ونخلة ٍ، وشجيرتي رمان
اني هنا أصغي.."
( من قصيدة الفردوس المغلق للشاعر سعدي يوسف)





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,388,748,254
- الأنساب لماذا؟
- في جدليّة الزعيم وعبد الناصر..!
- إنسانيّة الكلاب والقطط..!
- المادّة في الأدب الفلسفي..!
- واحرّ قلباه..!
- هوامش وتعاليق على مقال من هو الشيوعي؟
- الحاجة أم الإختراع..!
- البديهيّة والمُسلَّمة واختلاف التنوّع ..!
- البصرة من منظور التنمية الشاملة
- هوامش وتفاصيل سريعة حول الواقع الحضري لمدينة البصرة
- ربيعٌ أم ثورةٌ ؟ ..أم فوضى خلاّقة؟
- في مفهوم الإيمان ..ولماذا الإيمان أولا؟..مرّة أخرى ..!
- البلم ..والبلم العشّاري..!
- تحوّلٌ مثير وجديد..!
- روسيا الأمس ؟ أم اليوم؟ .. !
- قولٌ على قول ٍفي الرد على قول ماركسَ في الأديان..!
- في قول ماركس في الأديان..!
- الإيمان أوّلا..لماذا؟
- الفنان والمعماري هندرتفاسر يكتب عن نفسه ( مترجمة عن الأنكلي ...
- التعرّض لأية مسألة فلسفيّة يتطلب إلماما بمبادئ الفلسفة..!


المزيد.....




- معرض باريس للطيران: -إيرباص- ستبيع السعودية 65 طائرة بقيمة 7 ...
- صلوات غائب واتهامات بـ-القتل-.. تركيا تنتفض رسميا وشعبيا لوف ...
- الرياض تدعو العالم لتأمين الملاحة
- قائد الحرس الثوري الإيراني: الصواريخ الباليستية -فائقة الدقة ...
- سابقة قانونية: إسرائيل تأذن بتدمير 13 مبنى في منطقة خاضعة لس ...
- وفاة محمد مرسي: كيف كانت ردود الفعل؟
- قطر وإسرائيل تبحثان مد خط كهرباء جديد إلى غزة
- وفاة محمد مرسي.. مشاهد أخيرة قبل دفنه.. تغسيل الرئيس والصلاة ...
- السعودية تدعو المجتمع الدولي لتأمين الملاحة في الشرق الأوسط ...
- روسيا والصين تحذران من التصعيد في منطقة الشرق الأوسط


المزيد.....

- نحن والطاقة النووية - 1 / محمد منير مجاهد
- ظاهرةالاحتباس الحراري و-الحق في الماء / حسن العمراوي
- التغيرات المناخية العالمية وتأثيراتها على السكان في مصر / خالد السيد حسن
- انذار بالكارثة ما العمل في مواجهة التدمير الارادي لوحدة الان ... / عبد السلام أديب
- الجغرافية العامة لمصر / محمد عادل زكى
- تقييم عقود التراخيص ومدى تأثيرها على المجتمعات المحلية / حمزة الجواهري
- الملامح المميزة لمشاكل البيئة في عالمنا المعاصر مع نظرة على ... / هاشم نعمة
- الملامح المميزة لمشاكل البيئة في عالمنا المعاصر مع نظرة على ... / هاشم نعمة
- المسألة الزراعية في المغرب / عبد السلام أديب
- الفساد في الأرض والسماء: الأوضاع الطبقية لتدميرالبيئة / المنصور جعفر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر - سنان أحمد حقّي - إلى ذات التنورة النيليّة والسماء الزرقاء..!