أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منصور عمايرة - المسرح الأردني ، إثنوسينولوجيا الفرجة الأردنية - التعليلية -















المزيد.....



المسرح الأردني ، إثنوسينولوجيا الفرجة الأردنية - التعليلية -


منصور عمايرة

الحوار المتمدن-العدد: 3845 - 2012 / 9 / 9 - 00:05
المحور: الادب والفن
    


المسرح الأردني
إثنوسينولوجيا الفرجة الأردنية
" التعليلة "
استهلال : لا شك بأن المسرح الأردني أو المسرح في الأردن، قد تضافرت عليه عدد من الجهود بالدراسة والبحث، لترسيخ رؤية عامة وشاملة عنه بشكل عام، وكانت هذه الدراسات تنبع من الاهتمام العربي العام بالمسرح، وإن بدأت الدراسات متأخرة بعض الشيء، حيث تشير الدراسات الأولى عن المسرح الأردني إلى بداية الثمانينيات من القرن العشرين، ولكن من طبيعة الدراسة أن تكون تعاقبية وتراكمية، وخاصة إذا ما أتفق على الرؤى العامة للدراسات والأدبيات السابقة، ومهما يكن فإن البحث والدراسة دائما ينحى المنحى الموضوعي، ليؤسس رؤية جديدة أو يضيف شيئا جديدا على رؤى سابقة، ولهذا فإن البحث بشكل عام لا يتوقف عند دراسة ما أو أكثر، بل يجب أن تتوالد دراسات جديدة دائما؛ لنصل إلى حالة من الإقناع بما يدور حول المسرح وغيره من الدراسات.
وتبقى الدراسات، محاولة جادة للوقوف على بنيات المسرح الأردني من حيث النشأة والنواة الأولى، والدراسات الحديثة التي تواكب مسيرة المسرح الأردني عبر السنوات المتلاحقة، كي لا تتوقف الدراسة عن توثيقه، والدراسات مهما كانت هي حالات توثيقية ذات أبعاد ورؤى يجدر بها أن تكون موضوعية، وهذه ميزة البحث العلمي والاستقصاء الحقيقي الغائي " غاية "، لتكون الدراسة ذات أبعاد حقيقية، وقابلة للنقاش والمحاججة، وهذه المسألة انتهى منها البحث منذ زمن بعيد، ويجب أن تفهم من قبل الجميع، وهي أن تكون موضوعية بعيدة عن الرأي الشخصي، لتكون ذات وجود يساير تراكمية الموضوع المطروح سواء أكان المسرح أو غيره من خلال منهجية التوثيق الدقيقة، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الدراسات السابقة هي محل نقد وتقييم من خلال الإضافات والرؤى الموضوعية التي تخدم البحث. ومهما تكن الدراسات المسرحية في الأردن عن المسرح الأردني، فهي تبدو قليلة وشحيحة، ربما السبب يعود إلى جملة من الأسباب، ومن هذه الأسباب ندرة الوثائق حول المسرح الأردني، وندرة المواد المسرحية التي كانت تمثل، وعدم الاهتمام من الجهات المسؤولة بتبني الأبحاث عن الثقافة الأردنية بشكل عام، والمسرح جزء من هذا الإبداع، وهذه تعتبر مشكلة كأداء أمام الباحث والدارس، وخاصة أننا لا نستطيع الوقوف على المسرحيات التي كانت تمثل كنص أدبي ومسرحي، وهذه الدراسات المسرحية بحاجة ماسة لتوثيقها كمادة معرفية ومسرحية أيضا، وبحاجة لدراستها وتحليلها تحليلا مسرحيا على مستوى النص، لأن العرض المسرحي قد كان في فترة زمنية بعيدة المدى، ويبقى النص هو الشغل الحقيقي لدراسة وثائق المسرح الأردني، ومع تلك الصعوبات التي تواجه الدارس حتما ستتأثر الدراسة بشيء من الإعاقة، وتبنى الأمور أحيانا على الشفهية وبعيدة عن حالة التوثيق الكتابي.
يبدو أن المسرح الأردن يعاني من التشويش وانعدام الموضوعية، بعضهم يرجع البدايات إلى ما لا يعني المسرح الأردني، وإنما هي نظرة قاصرة ذات رؤية شخصية محضة تخمص الآخر حقه وكان هذا همه، وبعضهم كذلك يرجع ويخلط، فبدا الحابل والنابل من خلال دراسة مزجية، فهو ينتقل من الأردن إلى غيره بلمح البرق، وكثيرا من هذه الدراسات أضرت بالأدب الأردني، وخاصة أن هذه الدراسات تمثل البعد الذاتي وغير الموضوعي، وهناك أبحاث كثيرة أشارت إلى ذلك سواء أكان في المسرح أو الرواية والقصة والشعر، وما زالت الأبحاث قاصرة عن تدوين تلك المرحلة تحديدا، وهذا البحث جاء مدعاة لإثارة أسئلة حول بدايات المسرح الأردني، ولهذا رجعت الدراسة إلى البدايات الأولى للإثنوسينولوجيا الأردنية.
***
الطقوس الأردنية :
وبما يتعلق بالمسرح الأردني نشير إلى الطقوس الأردنية، فالطقسية العرسية في الأردن تتكون من مفردات كثيرة، ونلمح منها على سبيل المثال يوم الزفاف: عندما يكون العريس بضيافة أحدهم يأتي الناس للمساهمة بـ " النقوط " وهو مبلغ نقدي يقدم للعريس كمساعدة، ولكن ما يحدث ليس بهذه البساطة، حيث ينبري شخص، ويكون ذا صوت جهوري، وينادي بأعلى صوته بما قدمه " فلان " من الناس، فيمثل بهذا الشكل:
شخص ينتصب بين الحضور.
يأخذ المبلغ النقدي من الشخص، ليقدمه كهدية للعريس.
الشخص المنتصب يصيح بأعلى صوته قائلا:
خلف الله عليك يا " فلان " أو يا أبو " فلان " كرامة " لفلان " ومحبة لله وللنبي وهيه " ... " حيث يسمي مقدار المبلغ.
يردد الحضور كلام الإعجاب والشكر وباستحسان النقوط مثل : " قدها، أو خلف الله عليه".
إحضار العروس، وكان يدعى عند البعض القطار أو الزفة " والقطار جمهور من الرجال والنساء يرتدون خير ما عندهم، ويركبون الخيل ويذهبون لإحضار العروس إذا كانت تقيم في بلد غير البلد الذي يقيم فيه العريس، وقد سمي بهذا الاسم لأن الإبل تسير فيه مع الخيل "1 وأحيانا هناك تسمية أخرى وهي الفاردة، "ويسمى القطار وهو عائد بالعروس الفاردة، وكانت العروس تهرب من وجه الفاردة، كي لا يقال أنها متهالكة على الزواج لتزداد قيمتها، الفرّادات يقمن بغسل العروس، وفي أثناء الغسل تغني الفرادات أغاني ما هو مدح لوالد العروس أو العريس، أو لرجال معروفين في العشيرة"2
ويوم زفاف العريس يكون هناك ما يعرف بالسامر " السامر جماعة من الرجال يقفون بنصف دائرة، وفي وسطهم سيدة يسمونها الحاشي، تأتي بحركات راقصة بسيف تستخدمه، لتصد الرجال عن الدنو منها أو لمسها، وفي هذه الأثناء يكون البدّاع مواصلا أهازيجه، وقد تكون القصيدة غرامية أو ملحمة تخلد حادثة جرت فيها صراعات... بعضهم يقول: راحت تقول الرداح، ومنهم من يقول : تقول انريده. وفي أماكن أخرى يقولون : يوه لحا يوه لحّه3. أما الحاشي: لأن هذه السيدة تكون في وسط السامر وكأنها حشو، وتكون عادة بارعة في الرقص، ومن أبرع النساء جمالا، وأرشقهن حركة، وبيدها سيف مصلت، تدافع عن نفسها، لأنه يحق لكل رجل من الحلقة أن يلمسها، وتبدو قدرة الحاشي حماية نفسها من اللامسين، بالسيف تذب به المحيطين بها عن نفسها وتمنعهم من الدنو منها، ويظل هم الراقصين من حولها تضييق الحلقة على الحاشي، والمطلوب أن تجرح عددا من الراقصين، لأنه لو لمسها أحدهمم يلحق بها العار وبنسلها.
وهناك غناء وألعاب للفتيات يكون في الأرياف يوم زفة العروس، يتخللها الغناء والتراويد، وهناك رقصة " بشه كشكا " للفتايات، وهي تعني: أقبلي باسمة، وتتم هذه الرقصة بأن تمسك كل فتاتين الواحدة بيدي الأخرى وتنتصبان، وقبل البدء ترجع كل منهما أعلى جسمها إلى الخلف بإنحناءة، وتشد يدي رفيقتها وتبدأان رقصة دائرية. 4
مثل قول إحداهن :
بشه كتلتني عدك ما تعرفني
ما تعرف أبو شاله لباس القفطين
لمتها احجازية احجازية بنت شديد الحيل
فترد الأخرى :
لا يا عمي يا سعيد ربطوني بالحديد
والحديد اعقد اعقد خيل الباشا ما تنعد
عدوها تسعميه عليها غشمرية
فترد عليها قائلة :
كشكه يوبي يوبي الكلب قطع ثوبي
أني الها في ما أريده لوجاب البغمة بايده
كشكه يا ادروبيه يا ما أحلى العزوبيه
يا ما أحلى بيت أبويه كله عزّ أو كيفيه 5
إن هذه اللعبة، تمثل فرجة احتفالية من خلال إحاطة الأخريات بالمؤديات، وهذه الفرجة تتمثل بالحركات الجسدية المصاحبة للحكي تدار أمام جمهور.
وكل الشعوب أيضا تلتقي كما في الأفراح بمآتم، ولكنها تختلف كما الأفراح والأعراس كأشكال احتفالية اكتسبت ماهيتها عبر تراكمية زمانية ومكانية، وتغييرات في بنة السرد والحكي والتمثيل من خلال تراكمية زمنية ومكانية أيضا. ويتمثل المأتم في الأردن بمكان عام يجتمع فيه الرجال منفصلين عن النساء، ولكل منهما له مكان تعزية خاص، ويسمى مكان التعزية " المدالة " بالتعبير الأردني وربما أخذت من كلمة " الدّلّ " وهي الحالة التي يكون عليها الإنسان من السكينة والوقار في الهيئة والشمائل وغير ذلك. 6، ومن هذا التعريف نجد أن ما يغلب على المدالة هي السكينة. إن مدالة الرجال يغلب عليها تقبل العزاء من دون تعديد لمناقب الميت، على العكس من مدالة النساء أحيانا يغلب عليها النواح، ومن ذلك المعيد وهو شكل بكائي " نواح " يعدد مناقب الميت ويكون في مدالة النساء وتردده النساء واقفات، تقف النساء صفين وفيهما بداعة أي قصادة أو قواله، تقول بيت المعيد، ويرد عليها الصفان. 7
إن هذه الدراسة تتناول جانبا مهما من جوانب البعد الثقافي والمعرفي في الأردن، تتمثل في الحفر المعرفي الذي تشكل في الأردن عبر سنوات طويلة، ومرت عليه عصور مختلفة إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن. وإن دواعي هذه الدراسة، تتمثل بتسليط الضوء على جزئية ثقافية لم تعط حقها من قبل، وهي الاحتفالية، الفرجوية الأردنية؛ فتوقفت عند الفرجة " التعليلة " الأردنية بشكل خاص، لتوفرها على بنى مسرحية، ولتأكيد حضورها كنشاط مسرحي، يفترض أن توجه إليها الدراسات، وإخراجها إلى حيز الوجود كشكل مسرحي أردني وعربي، فهذه الدراسة تمثل البحث عن التأصيل للمسرح الأردني بجذوره الأولى، وإن لم نستطع أن نقف عند بداية تأريخية للتعليلة الأردنية، لكننا نستطيع أن نتبين أنها بدأت منذ فترة زمنية بعيدة. إن الإثنوسينولوجيا تبدو كعلم قادر على دراسة الأشكال التعبيرية الاحتفالية القديمة، والتي لا ينطبق عليها المسرح بشكلهالحالي، ولهذا نجد أن" الإثنوسينولوجيا (L ethnoscénologie) علم جديد، متفرع عن أنتروبولوجيا المسرح، يختص بدراسة الفرجات الفنية والجمالية، والاهتمام بالممارسات الأدائية الفلكلورية الشعبية، والعناية بالأشكال التعبيرية الاحتفالية ماقبل المسرحيّة لدى كافة شعوب العالم بدون استثناء، وقد ظهر في سنوات التسعين من القرن الماضي بفرنسا"8
إن الطقوس الاحتفالية والعادات والتقاليد والتراث القديم بكل أنواعه المعرفية لم تسجل في البلاد العربية، وهذا ما نفقده، فنحن لا نستطيع أن نعثر على احتفالية معينة ومدونة، أو على شكل طقسي مدون ومعروف، وما دوّن القليل، ولو أن العرب تحدثوا عن إشارة أولى للخيال إشارة إلى الاحتفالية في كتاب الديارات للشابشتي من ذلك عندما أجاب عبادة - وهو ابن أحد طباخي المأمون - الشاعر دعبل حيث قال لعبادة يوما: " والله لأهجونك. قال عبادة : والله لئن فعلت لأخرجن أمك في الخيال " 9 ولكن الإشارة الأكثر وضوحا هي التي تفصح عن خيال الظل لابن دانيال حيث يقول ابن دانيال شمس الدين محمد بن دانيال بن يوسف بن معتوق الخزاعي الموصلي647هـ -710هـ، عن هذا الفن وهو مزيج ما بين الهزل والجد :
" خيالنا هذا لأهل الرتب
والفضل والبذل لأهل الأدب
حوى فنون الجد والهزل في
أحسن سمط وأتى بالعجب "10
إن خيال الظل، هو المسرح الذي عده النقاد العرب بأنه البدايات الأولى لاكتمال المسرح الذي عرفه العرب. ولكن معظم الطقوس الأخرى ظلت احتفالية شفوية، وهناك من يعيد هذا لأسباب كثيرة، والتي كانت سببا بعدم ظهور المسرح العربي، ومنها دينية وسياسية وغيرها.
وبقيت الاثنوسينولوجيا الأردنية شفاهية، وسنتعرض لها وكما وصلتنا بأشكال شفاهية عدة، توضّح لنا الأشكال الاحتفالية أو الفرجة الأردنية، كخصوصية ما مثل أي خصوصية لمجتمع آخر، وكانت الخصوصية الأردنية غنية من خلال امتلاك اثنوغرافيا لثقافات متعددة عاشت على أرض الأردن " إن خصوصية الأردن تكمن في الثقافات العمونية والمؤابية والأدموية والنبطية...وتتآزر كل هذه الخصوصيات الروحية والثقافية في إعطاء هذه المنطقة تنوعا ثقافيا وروحيا فريدا"11
***

لماذا الاحتفالية ؟
قد لا نبالغ إذا ما قلنا أن في البدء كانت الحكاية، والحكاية هي الكلمة وهي الفعل والحركة " المسرح " والمسرح موجود بالبدء.
فقد يكون هذا السؤال تعسفيا! لماذا الاحتفالية؟ ولكن سنجعله مدخلا لأهمية دراسة الاحتفالية العربية، من أجل البحث عن هوية وجود، إن ذاك التراث الذي نتحدث عنه هو هوية وجودية، محفورة في الأرض أكثر مما بقيت عالقة في الذهن، ولأنها محفورة بالأرض بقيت الذهنية العربية تحتفظ بها، لماذا؟ لأنها تمثل وجودها عبر العصور المختلفة، " يبلغ عمر الثقافة العربية بما فيها الفترة الإسلامية حوالي ألفي سنة تقريبا ... في حين أن جانبا واحدا من جوانب الثقافة العربية بقي غامضا لا يعرف عنه شيء، ألا وهو المسرح ... علما بأن عناصر الفن المسرحي موجودة في كل مكان في الطقوس العربية ... لذلك فمن الغريب القول أن المسرح العربي لم يظهر إلا منذ فترة قريبة في أواسط القرن الماضي" 12 ولهذا سنرى أن العرب لم يتوانوا لحظة عن الحفر في كل مقومات العربية، وفي ظل هجمة شرسة أحيانا من الاستشراق، وبعضهم فتن بالثقافة الغربية، وما زال هذا الافتتان له صوته المفزع أحيانا، وينبري له من العرب ما يؤكد حضورية الأصل العربي دائما، وهذه حقيقة، فالاحتفالية هي حفرية بالأصل التراثي العربي المتنوع، والمسرح جزئية من هذا الحفر الأصلي، ومع أنه لم يعرف بهذا الأسم عند العرب إلا في العصر الحديث، ومع وصول العصر الحديث نقبل المسرح الغربي بحرفيته، ولم يتنبه الأوائل بشكل واع وربما بشكل مقصود بعيدا عن الغفلة، بأن هناك جذورا للمسرح العربي، ونامت تلك الرؤية ردحا طويلا من الزمن حتى الخمسينيات والستينيات، ومازالت تجد له صدى الحفر حتى هذه الأيام وبشكل دائم، والسبب أن العرب حتى الآن لم يستطيعوا تقعيد مسرح عربي يتكأ عليه، ولكن " العرب والشعوب الإسلامية عامة قد عرفت أشكالا مختلفة من المسرح، والنشاط المسرحي لقرون طويلة قبل منتصف القرن التاسع عشر "13 إن الاحتفالية والتراث بشكل عام، يمثل حركية الإنسان، لهذا فمن الطبيعي أن تكون لدى الشعوب اثنوغرافيا داخلية تتعالق مع انثربولوجيا جغرافية خارجية ممتدة، إن البحث في الاحتفالية يشكل البحث عن الذات الذي يختلف عن الآخر، إن صيحة يوسف إدريس تبين أنه يبحث عن مسرح " يتناول حياتنا بالأسلوب المسرحي الشعبي مطورا إلى المستوى الذوقي والجمالي والمفهومات الفنية العالية "14 وهذا نابع من رفض إدريس لهيمنة المسرح بصفته الغربية اليونانية، ولهذا لجأ إلى السامر الشعبي المصري، ليكون نواة للمسرح المصري، وربما العربي، وخاصة أن التراث العربي توجد فيه الصيغ الاحتفالية المسرحيّة " فالمسرح بشكله العالمي المزعوم أصبح يهدد المسارح الشعبية الأخرى في كل بلاد الدنيا ... وهذا المسرح هو الذي قضى على مسرحنا الخاص بنا، والذي كان محتما أن يظهر إلى الوجود يوما ... فالفن كاللغة جزء لا يتجزأ من طبيعة الشعب وخصائص وجوده"15 ويبدو أن السبب الرئيس الذي صار إليه المسرح العربي كما يراه عز الدين المدني أنه كان يفترض بالعرب المعاصرين ألا يتبنوا من الفن المسرحي إلا النوع فحسب، لأنهم بتقليدهم الفنيات الغربية ومجاراتهم لها، قد جعلوا من الفن المسرحي فنا مقصورا على الحضارة الأوروبية16، وهذا يؤكد من جانب نقاد آخرين وحمّلوا الأوائل هذه المسؤولية " إن الخطأ كان في البداية التي كانت تقليدا أعمى إذ أخذنا عن الأوروبيين مسرحهم حسبما وصلوا إليه في القرن التاسع عشر " 17 من هذا القول نتبين مدى اهتمام المسرحيين العرب بإيجاد شكل عربي للمسرح، لأن هذا الشكل هو ما يعبر عن أماني وتطلعات الشعوب العربية، وكذلك ترسيخ فرجة عربية ليس كمتعة فحسب، بل كثقافة. لا أحد يستطيع أن ينكر بأن التراث واستلهامه أصبح ذا أبعاد ثقافية متنوعة، وهذا يعني أن من الضروري، وبشكل إلزامي استنطاق هذا التراث من أجل المقاومة لمنع تشويهه، وربما أكثر من ذلك ضياعه، فضياع التراث العربي لأي بلد عربي، هو بالتالي اعتداء على كل الأمة من دون مبالغة بهذا القول، لأن جذور التراث العربي لا بد أنها تتلاقى بشكل أو بآخر.
ومن جانب آخر إن الاحتفالية العربية والتراث العربي لا ننظر إليه من خلال كوة زمنية قصيرة، بل ربما نعود إلى البدايات التي قد تشكل لنا قالبا مسرحيا، وبالنظر إلى تلك السيرة الشعبية القديمة التي مثلت بعدا تراثيا عربيا أصيلا، مثل حركة السيرة الهلالية، والتي قد تشترك بتصور مسرحي عربي كما يرى ذلك توفيق الحكيم " هنا إذن المنبع الذي نستطيع أن نخرج منه بشيء، فإذا أضفنا إلى هذا المنبع الشعبي منبعا آخر من تراثنا الأدبي في روايات الأغاني للأصفهاني وفيما ورد عن الجاحظ والحريري وبديع الزمان وغيرهم من شخصيات ومواقف وحوار، فإننا يمكن أن نخرج برأي في أمر الشكل أو القالب المسرحي الذي نحاول الكشف عنه" 18 ولا نعدم الحقيقة إذا ما قلنا أن التراث الشعبي العربي المبثوث في كل البلاد العربية، تمتد جذوره بالأساس إلى تلك الإشارات الثقافية العربية، فالبعد المقاماتي " المقامات " هو مبثوث بقصص العرب وحكاياتهم، وتلك النوادر والحكايات الجاحظية " الجاحظ " لها وجود مبثوث في تراثنا العربي، هذا هو منطلق الهوية العربية، لم تقف عند حد سنين معدودات، أو قرون قليلة، بل تتجاوز ذلك لعشرات القرون، والتي تؤكد أن هذه الأرض العربية منذ الأزل، ما كان أن تستمر، لولا وجدود هوية ثقافية وتراثية تراكمية على مدى العصور الطويلة. ومهما يكن فإن الدعوة للاحتفالية لا تعني التخلص من المسرح الغربي أو العالمي، بل تعني التشاركية من أجل المشاركة والصياغة برؤى مسرحية تجدد المسرح العالمي، ويكون للعرب جزئية مهمة في خارطة المسرح العالمي، وهنا نشير إلى أنه لا يمكن أن تعيش المجتمعات العربية منفردة بعيدا عن دائرة التأثر والتأثير.
***

إثنوسينولوجيا فرجة أردنية ( التعليلة ) :
إن الفرجة الأردنية توضّح لنا ممارسة الإنسان الأردني لأشكال فرجوية متعددة، وهي بالتالي كانت محاولات أولى لما قبل المسرح، بل نجد أن شكل الفرجة " التعليلة " مثلا، والتي تعرف في الأردن وبين الأردنيين، قد تكون شكلا فرجويا متقدما، نجد فيه كل مكونات المسرح من حيث الشخصيات الممثل، والمتلقين " جمهور" والمكان " المضافة " والديكور. فكل شيء بالمكان " المضافة " كان جزئية في هذا الطقس، فصوت المهباش ترنم يماثل الصوت الموسيقي بإيقاع ما، وقرع الفناجين كذلك، وطريقة صبّ القهوة ورفع الفنجان كلها أدوات فرجوية سينوغرافية بمعناها البسيط، وطبيعة الاحتفالية التعليلية جماعية، والمتلقي مشارك سواء بالإعجاب الذي يتمثل بتريدد القصيد مع القصاد أو القاص، أو بالاندماج والتأمل والتأويل، ومن الملاحظ والواجب أن توجه إليه الأنظار، هو أن " التعليلة " تمثل منجزا ثقافيا مسرحيا، ومن هذا المنطلق تعنى هذه الدراسة، وتهتم كثيرا بهذا المنجز؛ ليكون شكلا مسرحيا.
***
التعليلة :
شكل من أشكال الطقس والفرجة الأردنية، تضمنت دلالات مختلفة، وما زالت قائمة إلى هذا اليوم وهي تحمل الاسم ذاته " التعليلة "، ويتداولها الأردنيون؛ لتعطي دلالة معينة على مناسبات عدة.
جاء في المعجم الوسيط " علّل ": علّل فلان: سقى سقيا بعد سقي، وعلّل : جنى الثمرة مرة بعد أخرى، وعلّل فلانا بطعام أو غيره: شغله به ولهّاه. من خلال المعنى المعجمي لماجاء بمعنى علّل، تظهر أن الكلمة أبانت عن مفهومين: مفهوم الشغل: وهو ما يعني التفكير والتأمل والتدبير كما يظهر المعنى. ومفهوم التلهي: وهو إنشغاله بشيء آخر غير التفكير، وإنما تحمل الكلمة معنى المتعة والتسلية. ومعنى الكلمة لا يخلو من الحركة والفعل، عندما نتبين من معانيها سقى سقيا بعد سقي، وجنى الثمرة مرة بعد أخرى، وهنا إشارة تكرارية تبين عن الفعل "الحركة".19 وقد نجعل للتعليلة ترسمية مقاربة مع المسرح الآن :
كانت هناك حكاية = المسرحيّة.
القصّاد / القاص = الممثل.
الربابة = الموسيقى.
أواني القهوة وكانون النار = ديكور/ سينوغرافيا.
الحضور = المتلقي.
المكان " الديوان / المضافة " = العلبة المسرحيّة / المكان المسرحي.
الزمن يكون عادة بعد تناول طعام العشاء " سهرة " = العرض المسرحي الحالي ويكون بالعادة ليلا أو مساء.
ربما تكون هذه الترسيمة البسيطة ذات أبعاد مقارنة ومقاربة ما بين الشكل الفرجوي " التعليلة " والمسرح الحديث والمتعارف عليه الآن بالعلبة الإيطالية، أو ما بني على المسرح الإغريقي أصلا.
وكانت تسبق التعليلة عادة بالإعلان عنها، فينتشر الخبر في القرية يعلم الرجال المتعبين طوال النهار، عن وجود القصّاد، وتتم دعوة الرجال إلى الديوان " مضافة " المختار أو كبير العشيرة أو القرية، وهذا ما يشبه الخبر الصحفي بالإعلان عن فعالية مسرحية كما يحدث في هذه الأيام.
وسنتعرض للتعليلة الأردنية كما كانت من خلال الكيفية التي كانت تمثل الفرجة، وهنا أشير إلى ثنائية القصّاد / القاص.
أ-القصّاد : وهو الذي يردد قصيدة شعرية نبطية " شعر عامي ".
ولكن الخصوصية في التعليلة تكون عندما يأتي القصاد إلى المضافة، وبطبيعة الحال فإن هذا القصاد هو جوال يدور بين القرى المختلفة.
تبدأ التعليلة كبداية أولى بعدما يقوم المختار أو كبير العشيرة بتقديم القصاد للناس، ويذكر اسمه والمكان الذي جاء منه.
الحضور بدورهم يرحبون فرحين بالقصاد بعبارات معينة مثل " يا هلا " أو " يا هلا ومرحبا " أو " ألله يحيي القصّاد ".
يقوم القصاد بالرد على الترحيب من قبل الحضور، وبعدئذ يعلن للحضور بأنه سيقول " قصيدة " ويسمي تلك القصيدة.
وعادة ما كانت القصائد تفصح عن النخوة والشهامة والكرم والجود والصلح بين الناس، أو تنقل قصة عشق " تفصح عن الحرمان " بين رجل وامرأة .
البداية الثانية، تكون بعزف على الربابة مدة معينة استعدادا لما سيقوله القصّاد .
البداية الثالثة، يبدأ القصّاد بذكر القصيد النبطي مصحوبا بالعزف على الربابة.
ولم تكن هذه هي الحال بتمامها، فهناك حركات وتعابير ترتسم على وجه القصاد حسب طبيعة القصيد، وغالبا تتلون ما بين الفرح والحزن، وترتسم على وجهه تلك التعابير أحيانا من ردة فعل الحضور، الذين تبدأ معالمهم بالتغير حسبما يقوله ويرويه القصّاد، لنجد أن كلا من القصاد والحضور يؤثر بالآخر.
والقصاد هو من يتولى كل هذا الأمر، فهو العازف على الربابة، وهو " القصّاد".
التمثيل " الحركة " : وبما أن القصاد هو الذي يعزف فتكون الحركات من يده قليلة، ولكنه يستعيض عنها بالتمايل، الذي يلاقية تمايل آخر من الحضور، إنه حالة من الطرب والترنم.
وهناك شخصيات أخرى تكون حاضرة في المكان مثل " القهوجي " الشخص الذي يقدم القهوة للحضور، وأحيانا أثناء العرض الذي يقدمه القصاد.
المتلقي : يتمثل دور الحضور في التعليلة بالإعجاب والاندهاش والفرح والحزن، وأحيانا يطلقون عبارات التشجيع للقصاد أثناء القصيد والعزف، وهذا بدوره سيخلق ردة فعل إيجابية عند القصاد، فيبدأ بإعادة بعض ما يقول أو بتحسين الصوت، أو بالحركات التي تعبر عن فرحه بما يسمع.
والمتلقي مشارك، يكثر في هذه التعليلة أن تكون هناك مشاركة من الحضور، وتتمثل هذه المشاركة بـ :
- ردة الفعل التي تعبر عن الرضى والقبول.
- التعابير التي تحث وتشجع القصاد.
- ترداد مايقوم به القصاد أثناء القصيد أو بعده.
-التأويل وأفق التوقع لدى الجمهور، نتيجة لتفاعل الجمهور مع القصاد، قد تتشكل لديهم ردة فعل معينة بأن النتيجة ستكون حزينة أو سعيدة.
من الملاحظ أن التعليلة التي كانت تتوافر فيها شروط إقامة حدث مسرحي، يمكن أن تتطور في السمرح العربي الحديث على أنها بنية كانت معروفة في الأردن، وربما تشترك فيها بلاد عربية أخرى، فالتعليلة مثل السامر الذي كان متواجدا في مصر، إن هذه الفرجة الأردنية ذات مستويات لا تقف عند حد الإعجاب، بل سنجد أنها تسير ضمن خطية معينة: البداية، العرض، والخاتمة.
هذه الخطاطة التي كانت تمثل المسرح اليوناني ضمن هذا التسلسل الزمني. ولهذا فمن الطبيعي أن يتوافر هناك أفق توقع لدى الحضور وقلما يخيب أحيانا، وخاصة أن التعاطف يكون نتيجة السعادة والرضى والقبول.
وبالنسبة للمدة الزمنية، فكانت تعتمد على :
- طول القصيد.
- رضى القصاد عن الجمهور فيعيد ويكرر أحيانا.
- الفجوات الزمنية التي قد تقطع القصيد مما يدفع القصاد لاعادة ما قاله.
ولكن، نستطيع أن نقول بأن زمنية تلك القصيدة، أو أكثر من قصيدة أحيانا في التعليلة الواحدة، قد تتجاوز مدة ساعتين مثلا، ولكن ليس بشكل متواصل، فحالة انقطاع ما بين قصيدة وأخرى تتمثل بفعل آخر مثل :
- شرب القهوة أو الشاي.
- تناول حلوى مثل التمر أو القطين أو الزبيب، أو الهيطلية، أو أي طعام آخر.
- حديث جانبي بين الحضور عمّا سمع من القصيد.
- حديث القصّاد والحضور من حيث التعبير عن رأيهم أو معاتبة القصاد بشيء ما، ومحاورة القصاد لهم، ونقل انطباع الجمهور في قرى أخرى.
- يسرد القصاد بعض ما يشاهدة من خلال تجواله كحكايات تعبر عن الاندهاش، أو تنقل الأخبار من مكان إلى آخر.
ومن خلال هذه الملاحظة نجد أن القصاد قام بأدوار :
- القصاد الذي يقول القصيدة.
- العزف على الآلة الموسيقية وهي الربابة.
- صحفي يقوم بنقل أخبار المجتمع، وخاصة أنه يتوافر له فرصة الاطلاع على الآخرين من خلال تجواله بين القرى.
- ويكون في التعليلة تداول لشؤون الناس وتلاقح الأراء، وسيكون بالتالي تكريس لمنهجيه معينة للمنفعة العامة، والمسرح لا بد أن تكون منه فائدة من أجل إحداث تغيير في المجتمع على رأي بريخت وليس الحصول على المتعة و فرجة فقط، فالمتعة جزئية في المسرحيّة.
ومن خلال هذه التعليلة نلمح أن عناصر المسرح الحديث، هي موجودة بشكل أو بآخر، وخاصة مثل النقاش الذي يدور بين القصاد والحضور، وهو ما يعرف اليوم بحلقة النقد، والنقد المسرحي ضرورة لا بد من توافرها في المهرجانات المسرحيّة والعروض المسرحيّة؛ للوقوف على المعاني والدلالات، وردة الفعل من الجمهور وإيضاح ما استعجم فهمه، أو مناقشة حول الديكور والسينوغرافيا وغيرها من التقنيات.
وبالنظر مرة أخرى إلى التعليلة نستطيع تمثلها كشكل مسرحي عربي ساد في أماكن عربية أخرى، وتمثل في بلاد الشام والعراق ومصر، وربما نجد لها شكلا يسود الآن في دول الخليج وهي " الديوانية " مع بعض الاختلافات، ولكنها بالجوهر العام قد تتلاقى.
ومن خلال الشكل الاحتفالي " التعليلة " الأردنية نستطيع أن نتلمس جذور المسرح " الأردني " ما قبل المسرح، ونستطيع أن نجعل هذا الشكل شكلا مسرحيا متطورا، وذا بنى أردنية أو عربية أصيلة لتقعيد المسرح العربي، إن هذه الاحتفالية يمكنها أن تكون نواة مسرحية حقيقية، ولم لا يتم تسليط الضوء عليها؟ وخاصة أننا ما زلنا نبحث عن جذور المسرح العربي، لتأكيد الهوية والوجودية، وهذه طبيعة البحث التي تمثل تراكمية المعرفة، إن الأدبيات السابقة هي التي ستقود إلى نتائج لاحقة، وبما أن المجتمعات متغيرة لم لا يكون هناك شكل للمسرح العربي، بالرغم من الإشكاليات الكثيرة، سواء التي تتعلق بنظرة النقاد والمسرحيين الذين يواكبون كل ما هو غربي، أو بالنظرة العامة للناس... ولكن كل هذه الأسباب وغيرها مهما كانت ستتقهقر، عندما يتم تكريس مسرح عربي يشار إليه، أو مسرح أردني مثلا وهو بالتالي مسرح عربي، وكثيرا من الفرجة المسرحيّة العربية هي ذات بنى مسرحية سواء أكانت في مصر مثل السامر، أو الحلقة المغربية أو القوال الجزائري والتونسي أو الحكواتي الشامي والمصري والعراقي و" التعليلة " الأردنية.
ب- القاص : الحكواتي القصاص / الراوي/ السارد .
وهذا الجزء الآخر من الاحتفالية والفرجة الأردنية كان يتم في " التعليلة " المكان المضاقة غالبا، والحضور كما مر بنا. وربما يكون الاختلاف ليس جوهريا ما بين القصاد والقاص، وهذه السمة تغلب عليه في الأردن وهي تعني الحكواتي والقوال، ونجد أن الاختلاف يتمثل بـ :
- طريقة السرد أو الحكي: غالبا ما كانت تقوم بسرد قصة شعبية طويلة، وهي تمثل ملحمة كما يطلق عليها البعض من النقاد العرب، أو السيرة الشعبية كما يفضل آخرون، وكانت متداولة بين الناس باللهجات العامية، ويتخللها الشعر. وأحيانا يلجأ بعض القصاصين والحكواتيين إلى سردها على شكل شعر شعبي. " القاص كان ينشد الشعر انشادا، ويرتل عبارات السيرة، ويتم النشيد على آلة الربابة، ويترتب على المنشد أن يغير نبرة الصوت مستهلا السمر بذكر النبي - عليه السلام - ويختم حديثه بالصلاة على النبي، فان البطل العربي يعرف نفسه للجماهير بقوله يقول الفتى، ويقوم الراوي بقطع السياق عند الأحداث المهمة ليثير التشويق والفضول، ويضيف ما يتطلبه الموقف، ويعدل في الشخصيات والعلاقات... ومن السير التي كانت تحكى في الاردن سيرة عنترة سيف بن ذي يزن، سيرة ذات الهمة، السيرة الهلالية، سيرة الظاهر بيبرس20.
- الطول : تمتاز هذه التعليلة بالطول نسبيا، لأن الغاية منها سرد سيرة طويلة لمجتمع معين من الناس " مثل سيرة أبو زيد الهلالي " أو سيرة عنترة .
- التقطيع : وهي أن تقسم الحكاية التعليلة لأقسام عدة، كل يوم أو كل أسبوع، حيث يتم تناول مقطوعة قصصية بما فيها من أحداث ومفاجآت، وهكذا حتى يأتي القاص على كل الحكاية .
- النظم : نطم المنثور – كما يفعل في القصيد - وهو قصة شعبية تسرد بلهجة عامية.
- الحركة : الحركة هنا والتي تشير إلى التعبيرات، وربما ما يتعلق باللباس أيضا، أو بما يحمله القصاص مثل العصا بيده، هنا الحركات تختلف لسببن :
أ- قد يستغني القصاص عن الربابة لفترة وجيزة وهو يقوم بالسرد، والموسيقى تأتي ما بين سرد وآخر وهو عادة متتابع، وما الموسيقى إلا فواصل زمنية قد تدعو للتأمل أو التفكير أو التشويق.
ب- قد لا يستخدم القصاص أصلا آلة موسيقية، ولكنه يكتفي بالحركات.
- الآلات : عادة ترافق القصاص الربابة، وإذا ما تخلى عن الربابة قد يحمل عصا رفيعة بيدة، ويشير بها، دلالة على تعبيرات وإشارات حسبما يرد ذلك في المواقف التي تسرد.
أما من حيث الديكور والسينوغرافيا، فإننا سنراها متشابهة وخاصة أن القصاص عادة يتواجد في المضافة كمكان للقص وتلقي القص.
- المشاركة ربما تكون محدودة ما بين المتلقي والقصاص وخاصة أنه قد يفشل بتحقيق أفق توقع. ويبقى المتلقي يفكر ماذا سيكون في المرة القادمة، أو غدا عندما يبدأ القصاص بمتابعة سرد القصة.
- يتلاقى القصاص والقصاد، كل منهما يسرد وهو من يقوم بالعزف أحيانا، وقلما يكون معه عازف آخر.
- البطل هنا يختلف عن البطل في القصاد، فالقصاد يتحدث عن بطل فرد، ولكن القصاص يتحدث عن أبطال " أفراد " ضمن مجموعات شعبية كبيرة، وهذا ما سيؤثر على طريقة السرد وتناول كل قصة.
- والزمن هنا يبدو طويلا، فقد يأخذ القصاص أياما كثيرة، في حين القصاد يتناول القصيدة في فترة زمنية تتراوح ما بين ساعة وثلاث ساعات.
هذه هي شكل التعليلة التي كانت معروفة في الأردن، ومازال الأردنيون يذكرونها، وقلما نجد خلافات ما بين مكان وآخر، ولكن الشكل العام، يبقى معروفا لدى الجميع.
إن " التعليلة " الأردنية شكل احتفالي يفترض أن نتوقف عنده لما يحمل في طياته من عناصر البناء المسرحي الحديث، والذي كان ديدنه التطور، ويمكن أن نرتقي بهذا الشكل الاحتفالي تطويرا، من خلال إحداث تقنيات تتواءم مع الشكل والصيغة العامة للتعليلة. وهذه الدعوة توجه لكل المسرحيين من الكاتب والممثل والمخرج.

***
إضاءة :
إن دراسة التعليلة كمنجز ثقافي، بحاجة لتسليط إضاءة أكثر عليها؛ للوقوف على تمفصلاتها بنظرة شمولية، توضح عن منجز ثقافي يمثل شكلا مسرحيا.
المؤدي:
إن القصاد/ القاص لديه قدرة تواصلية مع المتفرج من خلال تعاطفه فيما يقول ليؤثر فيه، ولهذا ستكون التعليلة كمنجز ثقافي بتفاعلية تشاركية تواصلية، ما بين الراوي والمتلقي، ومن هنا يكتمل منجز التعليلة، فالقصاد هو المؤدي، وهو الذي يقرر تقسيم الدور الذي يقوم به بطريقة ما، وتبدو في حكي القصيد متسلسلة، و لدى المؤدي القدرة على جذب المتلقي للمشاهدة والتأمل والاندماج، فالقصاد هو الراوي وهو الذي يقوم بكل ما في فرجة التعليلة.

اللباس:
إن لباس القصاد/ القاص لم يكن مخصوصا باختلاف عن لباس الآخرين، فيتمثل باللباس التقليدي المعروف لدى الناس، ولكننا نرى لازمة أخرى لا تفارق القصاد ألا وهي الربابة "21 عندئذ ندرك أن الربابة لها علاقة مباشرة بالحكي، وفعل الحكي أيضا من خلال أنغامها، ويتمثل هذا بالشعور الذي تتركة لدى المتلقي، والذي يبدو طربا لموسيقاها والتي يصنعها " القصاد/ القاص ".

وضعية الراوي:
عادة يكون القصاد/ القاص جالسا على الفرش ويحيط به الحضور جلوسا، وتبدو جلسته فيها الكثير من الاعتداد بالنفس، وقد يترك أثرا ووقعا لدى المتلقي الذي يتلقى خبرا " قصيدا " حكاية ما جدية تتطلب تشنيف الأذان، لتسمع وترى فيها في وقت واحد. ويأخذ وضعية الجلوس في مكان يكون مرئيا من الحضور. وإذا ما انتقلنا إلى القاص فهو هو القصّاد، إلا أننا نجد اختلافا بعض الشيء يتمثل بالحركة، وشكل الحكي، فأحيانا القاص لا يستعمل الربابة، وفي حالة استعمالها فإنه يتوقف عن العزف، ليقوم بالحكي مدة زمنية ثم يعاود العزف، وهكذا حتى يأتي على الحكاية كلها، أما القصاد فتوقفه أقل، وربما يكون هناك انقطاع موسيقى الربابة لبرهة زمنية قليلة جدا، وربما يعود السبب في حالة القاص الذي تصاحبه الربابة، لاعتماده على يدية وحركتهما وحركة جسدة أيضا، وهذا قلما يلجأ إليه القصاد.
الصوت والحركة:
الصوت الجهوري ذو النغمة الرقيقة هو إجمالا ما يصاحب القصاد/القاص. ويقوم القصاد وهو هنا الراوي بمط نهاية الكلمات المغناه؛ فتعطي إيقاعا ونغما موسيقا يتناسب تماما مع الشعور العاطفي له وللمتلقي، ولهذا نجد أن الحضور يشاركونه أحيانا في مط هذه الكلمة، وهذا دليل على قدرة القصاد بدمج المتلقي فيما يقول، ليخلق لديهم إحساسا يؤدي إلى تمكين الحكاية أو القصة في نفس المتلقي. ونبرة الصوت تتقلب حسبما يروى في الحكاية، فيصبح الصوت أحيانا يعبر عن الغضب أو الحنين والشوق، وأحيانا نجد القصاد يسرع بالأداء اللفظي للقصيدة، وخاصة إذا ما انتهت إلى موقف إحدى الشخصيات، وكأنه يعبر عن نهاية صاخبة تشي بالكثير عن البعد العاطفي.

جسد القصاد/ القاص:
إذا ما اعتبرنا أن الصوت هو جزئية من جسد القصاد، ليملك قدرة تعبيرية معينة لا يستطيع أن يستغني عنها، بل إن القصاد قد يتكئ كثيرا على صوته الذي يستطيع أن يلونه حسب مواقف القصة، وهذا لا يتوافر لكل الناس، وهذه ميزة تجعله أكثر قربا من الفن الذي يؤديه.

خارج القصيد/ القص :
هناك حكاية أخرى، تروى من دون الربابة بداية، وأحيانا يلجأ القصاد لهذا الأسلوب؛ لتوضيح فكرته كراو للحكاية، ويعقب ذاك البدء إلقاء الحكاية مقفاة على آلة الربابة.
بداية القصيد / القص:
عادة ما نلاحظ أن القصاد/القاص قبل أن يبدأ - سواء أكان بالقص غير المصاحب للموسيقى الربابة أو المصاحب لها - يصلي على النبي ويشاركه الحضور بهذه الصلاة، وربما تكون مثلا " بسم الله وبالصلاة على النبي نقصد ونقول " وهي أولا وأخيرا عبارة استفتاحية وختامية أيضا، وهي متداولة بين الناس في كل مكان وزمان كشكل سردي له بداية متعارف عليها، والغاية منها التنبيه.

اللغة :
يستخدم القصاد/القاص اللغة العامية المفهومة من المتلقي، وخاصة أن تلك القصائد النبطية متداولة بين الناس بصيغتها المتعارف عليها، والقصاد يحفظها ولم تصل إلى هذا المكان من قبل أحيانا، فكل قصيدة نبطية تحوي حكاية، والحكاية قد تتشعب لتحوي حكاية أخرى، وحكايا من ضمن القصيدة الواحدة، وخاصة أنها تتحدث عن جملة من الشخصيات في القصيدة، وهذه الشخصيات ذكورية وأنثوية.

طبيعة المكان:
الديوان : اسم المكان، والذي يجتمع فيه الناس في الأردن، ويسميه بعضهم الديوان، وفي المعجم الوسيط، دوّن: دوّن الديوان: أنشأه وجمعه، ودون الكتب جمعها ورتبها. ومن هذا المعنى نجد أن الديوان هو المكان الذي يجمع الناس، ويكون فيه تراتبية أيضا، ليس في هذا الديوان فوضوية، لأن الغاية من الاجتماع التداول في شأن ما أو لغاية ما. والدواوين منتشرة في الأردن وقد تحمل اسم المضافة. 22

المضافة : اسم مكان، الاسم الذي يطلقه الأردنيون على المكان الذي يجتمع فيه الناس ويجتمع فيه الضيوف وغيرهم، وهي منتشرة في الأردن حتى الآن، وقد تحمل المضافة اسم الديوان. في المعجم الوسيط : ضاف إليه ضيفا وضيافة: دنا ومال واستأنس به، وضاف فلانا: نزل عنده ضيفا، وأضاف الشيء إليه: ضمه وأسنده أو نسبه، وأضاف فلانا: أغاثه وأجاره وأنزله ضيفا عنده، والمَضيفة: موضع الضيافة، اسم مكان. وهنا نجد مرة أخرى أن المضافة هي المكان الذي يجتمع فيه الناس سواء أكانوا ضيوفا أو من أهل البلد. وبهذا نستدل على أن التعليلة هي عملية اجتماع منظم ويقوم على تراتبية معينة.23
القصاد/ القاص مرسل الرسالة:
يبدو أن القصاد من خلال القصيد، وكأنه يعرف شيئا ما لا يعرفه الآخرون " المتلقي " وهنا يصبح جزءا من الحكاية " القصيدة " ولهذا يبدأ التواصل مع المتلقي على أساس أن هذه الحكاية التي تحدث أمامهم الآن، عندئذ بقدرته على امتلاك سماع الآخرين يستطيع أن يدمج الآخرين في قصائده، ليؤكد حاضر الحكاية أثناء القص.

الخاتمة:
وفي الخاتمة يبدو على القصاد التأثر من فعل الحكي، ولكنه يختم القصيدة بالصلاة على النبي كما بدأ الفرجة، فيستجيب الجمهور الذي يرد عليه بالصلاة على النبي وعبارات الثناء. هذه إضاءة توضيحية لما تقوم عليه بنية الحكي من خلال الراوي القصاد/ القاص، لتقريب صورة التعليلة الفرجوية، ومن هذا نستطيع القول أن الفرجة التعليلية لم تكن مسرحا إخباريا، ولم تكن مداحا، بل كانت فرجة متنوعة.
***
هوامش :
1 - روكس بن زايد العزيزي، معلمة التراث الأردني، الجزء3، ط1، 1983،
2 - معلمة التراث الأردني المرجع نفسه
3 - معلمة التراث الأردني المرجع نفسه
4 - معلمة التراث الأردني المرجع نفسه
5 - معلمة التراث الأردني المرجع نفسه
6 - معلمة التراث الأردني المرجع نفسه
7 - معلمة التراث الأردني المرجع نفسه
8 - جميل حمداوي، المسرح الأمازيغي، منشورات الزمن، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2008
9 - علي الراعي، المسرح في الوطن العربي ط2 المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت 1999
10 - علي الراعي المرجع نفسه،
11 - خزعل الماجدي، ميثولوجيا الاردن القديم، منشورات وزارة السياحة والاثار عمان الاردن ط1 1997
12 - تمارا الكساندروفنا بوتيسيفا ألف عام وعام على المسرح العربي ترجمة توفيق المؤذن دار الفارابي بيروت ط1 1981
13 - علي الراعي مرجع سابق
14 - علي الراعي المرجع نفسه
15 - يوسف إدريس، مقدمة مسرحية الفرافير، مكتبة غريب، مصر، القاهرة.
16 - علي الراعي مرجع سابق
17 - سلمان قطاية، المسرح العربي من أين وإلى أين؟ اتحاد الكتاب العرب، سوريا دمشق 1972
18 - توفيق الحكيم، قالبنا المسرحي، مكتبة الناصر، القاهرة، مصر، 1967
19 - معجم الوسيط : مادة : علّ.
20- هاني العمد، أغانينا الشعبية، وزارة الثقافة الاردنية ،عمان، الاردن، ط1، 1969،
21- http://ar.wikipedia.org/wiki الرَبَابَة آلة موسيقية مصرية قديمة ذات وتر واحد أول من أوجدها قدماء المصريين. فهي من التراث المصري، وأكثر من يستعملها الشعراء المداحون خصوصاً في صعيد مصر. و تصنع الربابة من الأدوات البسيطة المتوفرة لدى أبناء البادية كخشب الأشجار وجلد الماعز أو الغزال وسبيب الفرس. ورد ذكر آلة الربابة في العديد من المؤلفات القديمة لكبار العلماء أمثال الجاحظ في مجموعة الرسائل وابن خلدون وورد شرح مفصل لها في كتاب الفارابي الموسيقي الكبير.و هناك صورة لآلة الربابة على قطعة حرير وجدت في إيران وتوجد الآن في متحف بوسطن للفنون. و عرف العرب سبعة أشكال من الرباب وهي المربع – المدور – القارب – الكمثرى – النصف كرى – الطنبورى – الصندوق المكشوف. وبعد الفتح الإسلامي للأندلس انتقلت الربابة إلى أوروبا وتغيرت تسميتها ففي فرنسا تسمي رابلا وفي إيطاليا ريبك وفي أسبانيا رابيل أو أربيل. تتكون الربابة من : عصا طويلة هي عنق الربابة التي يركب عليها الوتر الوحيد ومثبت أسفلها طارة الربابة وفي أعلاها مجرى يثبت بها الكراب الذي يعمل على شد الوتر من أسفل العصا لأعلاها مارا بطارة الربابة. وظيفتها تكبير الذبذبات الناتجة عن الوتر المشدود عليها. وهي عبارة عن كتلة خشبية مفرغة يتم شد جلد ماعز أو غزال من جهة والجهة الأخرى تثقب. أى الوتر وهو مجموعة من شعر ذيل الحصان ويصنع منه وتر الربابة ووتر القوس ويجمع ويثبت بواسطة خيوط متينة.هو قطعة خشبية تثبت بأعلى العصا يتم بها شد وتر الربابة إلى الدرجة المطلوبة. يصنع في الغالب من عود الرمان أو الخيزران لمرونته ويشد عليه وتر آخر. قطعة خشب رفيعة توضع تحت الوتر من أسفل لترفعه عن الطارة حتى لا يلامسها عند العزف والضغط عليه. قطعة قماش صغيرة توضع تحت الوتر من أعلى لترفع الوتر عن ساق الربابة ووظيفتها كوظيفة الغزال في الجهة المقابلة. تلك الآلة تقتصر على مصاحبة الصوت البشري سواء الغناء أو الإنشاد أو السيرة الشعبية. وأحياناً تقوم بالعزف يصاحبها آلات أخرى مثل الرق – السلامية – الدربكة أو آلات ربابة أخرى متباينة الحجم.
22 - المعجم الوسيط. مجموعة مؤلفين، مادة : دوّن.
23 - المعجم الوسيط. مجموعة مؤلفين، مادة : ضاف.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,329,017,206
- المسرح والوسائط


المزيد.....




- وفاة? ?الشاعر? ?خضير? ?هادي? ?أشهر? ?شعراء? ?الاغنية? ?العرا ...
- مخرج عالمي شهير يدرس إمكانية تصوير أفلام في روسيا
- وسائل إعلام أجنبية تصور مسرحية -موت- سبعة أشخاص في حماة من أ ...
- رحيل الشاعر العراقي خضير هادي
- رفاق بنعبد الله غاضبون من برلمانيي العدالة والتنمية
- -غوغل- تدعم اللغة العربية في مساعدها الصوتي
- كيف أخذتنا أفلام الخيال العلمي إلى الثقب الأسود؟
- جميلون وقذرون.. مقاتلو الفايكنغ في مخطوطات العرب وسينما الغر ...
- جائزة ويبي تكرم فيلم -أونروا.. مسألة شخصية- للجزيرة نت
- -بعد ختم الرسول- في السعودية.. سمية الخشاب تظهر في سوريا (ص ...


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منصور عمايرة - المسرح الأردني ، إثنوسينولوجيا الفرجة الأردنية - التعليلية -